رواية بعد الغياب -83


رواية بعد الغياب - غرام

رواية بعد الغياب -83

قبل تفتح جواهر العلبة كان في الكيس ورقة تشبه الشهادة طلعتها جواهر

كانت شهادة باللغة الانجليزية من محل مجوهرات عالمي برقم التصميم وأنه تصميم حصري خاص بحرم السيد عبدالله محمد.. والتاريخ يرجع لحوالي 6 شهور فاتت..

عمر جواهر ما اهتمت لهذي الأشياء
لكنها لهذا المختبئ بداخل العلبة الفخمة كانت تشعر بترقب دافئ: صار له ست شهور؟؟

عبدالله بنفس نبرته العميقة: كنت طلبته قبل أسافر العراق.. وياسبحان الله يكون النصيب انه يكون هدية ولادتج..
صار له في المحل 6 شهور..
ولأن صاحب المحل من ربعي.. قال للعاملين تحتفظون فيه ولا تتصرفون فيه لو حتى يقعد عندنا 20 سنة..

جواهر حست بانفعال جارف يجتاحها.. شنو اللي ممكن عبدالله يطلبه يتصمم لها حصريا...

فتحت بأنامل مرتجفة..
شهقت بنعومة: واو حبيبي.. يجنن.. يجنن

عبدالله قرب خده منها وهو يقول: واو كذا ماتكفي..

جواهر حطت يدها على خده الثاني وقربت وجهه شوي وطبعت قبلة شفافة على خده.. وهي تهمس: شكرا حبيبي شكرا.. ما تتخيل سعادتي فيه

عبدالله بحنان وهو يتحسس مكان قبلتها على خده: والله العظيم موب حتى قدر خطوتج على الأرض عندي
وكمل بخبث: طيب ممكن ألبسج إياه.. ابي الناس كلهم يشوفونه عليج..

جواهر برقة: أكيد..

عبدالله وقف.. وجواهر ميلت شوي قدام.. لحد مالبسها عبدالله السلسلة عبدالله همس في أذنها بعد ماخلص: بأيش يذكرك هالموقف؟؟

جواهر ابتسمت وتفكيرها يرجع لحوالي 9 شهور فاتت: بأنك الرجل الأكثر وقاحة في العالم..

عبدالله باس رأسها ورجع جلس: شفتيني مؤدب حبيت رأسج..
مع أني ما أداني ذا الحبة.. كأني أحب جدتي الله يرحمها..

جواهر تبتسم: انت ماتقول لي متى بتعرف السحا شوي..؟!!

عبدالله بعيارة: والله أني رجّال حياوي وتكانة.. بس من أشوفج أختبص وتخبط عندي المكينه.. وأقط خيط وخيط..

عقب كمل بإعجاب: كنت شايفه حلو في علبته.. بس الحين وهو على صدرج شيء فوق الخيال

كانت سلسلة ناعمة من الألماس.. القلب عبارة حرفي aوj متعانقين بشكل خيالي محترف..
ثم يتناثر الحرفين بأحجام صغيرة مختلفة وخطوط مختلفة على كامل السلسلة..

نوف خلصت وضيها الطويل وطلعت وهي تقول بعيارة: لو ماخلصتوا قضية الشرق الأوسط موب شغلي.. لأني خست في الحمام

بعد دقايق اتصل عبدالعزيز وعزوز يبون يجون..

واجتمعت العائلة الكريمة كلها...

مجود كان ينتقل من يد أخوه لخاله لأبوه.. وكل واحد يبوس فيه شوي..

نوف بقلق عذب رقيق: حرام عليكم.. ذبحتوه..

عزوز بابتسامة: أنتي تبينه لج لحالج؟؟

نوف بعيارة: إيه لي لحالي.. وحتى أمي تقوله.. صح ماماتي..؟؟
قالتها وألتفت على أمها اللي جالسة على سريرها
والباقين جالسين على الجلسة

جواهر بحنان: صح ياقلبي..

نوف برقة: معناتها هاتو ولدي خلوه ينام..

نوف شالت ماجد وحطته في سريره

في الوقت اللي جواهر ألتفتت على عبدالله وقالت بجدية رقيقة: بما أنه احنا كلنا مجتمعين.. أعتقد أنه من حقنا كلنا نعرف اللي صار لك خلال السبع شهور ونص اللي فاتت

عبدالله ابتسم: خلاص المهم أني صرت هنا..

عبدالعزيز باهتمام: ويهمنا نعرف شاللي صار لك وغيبك كل هالمدة..

عبدالله اتسعت ابتسامته: حاضرين.. أحكي لكم قصة عبدالله البصري.. أو البصراوي مثل ما هم (يتحجون) هناك

#أنفاس_قطر#
.
.

بعد الغياب/ الجزء المئة وسبعة

#أنفاس_قطر#

بغداد قبل حوالي تسعة أشهر..

عبدالله نزل من فندق فلسطين لشارع السعدون اللي الفندق فيه

كان تارك محفظته عند عبدالعزيز.. ومعه موبايله وشوي فلوس في جيبه بس..

وقف تاكسي وطلب منه يأخذه للشورجة (منطقة الأسواق الشعبية في بغداد)

كان مقرر ياخذ له لفة سريعة.. ويمر مقهى القدوري الشهير مقهى المقامات العراقية
ويشتري شغلات تراثية خفيفة
ويرجع خلال ساعة على الأكثر..

في السوق كان منبهر بالأجواء القديمة الحميمة.. وكان يستفسر من الحرفيين اللي هو شافهم عن كثير من الأشياء..
شاف العبابجي.. والمغازجي.. والكندرجي..والأطرقجي.. وغيرهم..
أشياء كان يسمع عنها من راوي اللي كان محتفظ ببقايا ذكرياته عن بغداد مثل حلم شفاف مرتبط بشباب مهدور..
أشياء عشقها وتمنى يشوفها من قد ماشوقه راوي لها..


بعد شوي مر عليه جماعات متراصة من الرجّال اللي كانوا يمشون مع بعض وكلهم لابسين ثياب وغتر مثله

سأل عنهم.. قالوا له البياعين انه هذولاء من العشائر اللي من منطقة الهوير قريب البصرة..
وأنهم جايين عشان يجتمعون مع شيوخ عشائر ثانية هنا في بغداد.. يتفقون على من يرشحون يخوض انتخابات مجلس النواب..

عبدالله كان يمشي جنبهم وهو يستفسر عن مقهى القدوري يبي يعرف من وين ممكن يطلع له..


وصار التفجير الانتحاري وقتها..

وتصوب عبدالله.. وتحطم موبايله..

التفجير كان بسيط.. والمصابين كانوا 13 ومو 10 مثل ماعبدالعزيز كان يظن..

3 كانوا من رجال العشيرة اللي أمر شيخهم إنه لو اصاباتهم بسيطة..
أنهم يشيلونهم معهم على الباص الكبير اللي هم جايين عليه ويرجعون فورا للبصرة..

ووفي الربكة والاضطراب الهادر اللي بعد الانفجار..
رجال العشيرة شالوا مصابينهم الثلاثة ورجعوا فيهم للبصرة..
لأنهم شافوا إن الاصابات كانت بسيطة
وماتستلزم أنهم يدخلون مستشفيات بغداد
ويعنّون أهلهم عشانهم..
الاحسن يرجعونهم لمستشفيات البصرة عشان يكونون قريب من اهلهم في الهوير..

ولأن عددهم كان كبير.. وماكانوا يعرفون بعض بشكل كامل.. فهم حملوا الثلاثة اللي كانوا ملاصقين لهم ولابسين ثياب نفسهم..

اثنين من المصابين كانت اصابتهم جرح في اليد والثاني في الوجه...

أما الثالث كان مغمى عليه اغماء عادي مثل ماهم يظنون..

بينما طريقة حملهم غير الاحترافية والطريق الطويل بإرتجاجه الدائم وهو ممدد على أرضية الباص
أدى لتدهور حالته اللي كانت ارتجاج في المخ أدى لذهابه في غيبوبة لعدم تلقيه العلاج بالسرعة المطلوبة...

وصلوا العشيرة للمستشفى العسكري الحكومي شمال البصرة..

ودخلوا مصابينهم.. الأثنين الأولين كانت إصاباتهم طفيفة احتاجت مجرد ضمادات..
الثالث راح في غيبوبة عميقة.. رغم انه كان خالي من أي إصابات..
العشيرة تجمعوا حوله.. وهم يسألون هذا ولد من؟؟
لكن ماحد عرفه..

وأكتشفوا الخطأ الكبير اللي هم سووه..!!


أنهم خذوا لهم واحد من أهل بغداد بالخطأ...!!!

بلغوا إدارة المستشفى بخطأهم..
وإنه هذا المصاب جايبينه من بغداد بالخطأ..

المستشفى العسكري في البصرة من أسوأ مستشفيات البصرة
لايوجد أسوأ منه إلا مستشفى ابن غزوان للنساء والأطفال الموجود بمنطقة الرابع عشر من تموز..

المستشفى العسكري تأخروا في إبلاغ عن مصاب محضر من بغداد بدون أوراق ثبوتية..

وبعدها لهوا من كثر المرضى والداخل والخارج.. وهم يأجلون التبليغ كل يوم.. لكنهم مانسوا التبليغ.. فقط كانت الفكرة مؤجلة لحد مايتفرغون من ضغط مشاعلهم..



بعد أسبوع ونص بدأ عبدالله يستعيد وعيه..
حاول يتكلم بس ماقدر.. لأن أنبوب الإطعام مع ادخاله لفمه واخراجه جرح البلعوم عنده
فكان بلعومه مجروح بشدة وصوته مايطلع..

عبدالله كان شايف بنفسه.. أنه الممرضين والممرضات مايقدرون يحكون رووسهم من الانشغال وكثرة المرضى..
فماحب يشغل حد بمشكلته

وخصوصا أنه ماكان عارف الوضع أشلون..؟؟ أو أيش اللي جابه هنا؟؟ أو كم صار له هنا؟؟

فقرر أنه يكون حذر.. وأنه يصبر لحد مايقدر يطلع.. أو صوته يطلع ويتصل في فاضل ..

بعد كم يوم استعاد نشاطه.. وكان قادر أنه يمشي.. وبنيته القوية ساعدته على استعادة عافيته بسرعة..

كتب للممرضة على ورقة انه يبي يطلع ويشوف حد ممكن يوصله لبغداد..
سألته: أنته عارف أهلك وين؟؟..

كتب: نعم.. بس عطوني ملابس..

الممرضة جابت له ملابسه اللي كانت عليه لما وصل..
بس قالت له بتحذير: لا تطلع هسه...
وماقالت له السبب..


عبدالله التعيس الحظ ما اهتم من تحذيرها
لأنه ماكان عارف الأخبار عن الاضطراب الهائل اللي كان يموج في البصرة وقتها

كان الوقت الأسبوع الأخير من شهر مارس/ آذار 2008

حملة نوري المالكي المسماة (صولة الفرسان) ضد ميليشيات جيش المهدي..

وكان فيه حظر تجول عام في كل المدينة..

بس عبدالله قاده حظه العاثر للاصتدام مع قوات الأمن اللي استغربت خرقه لحظر التجول..
دفعوه على الارض وحاولوا تثبيته.. فتعارك عبدالله معهم.. اللي كان عاجز عن إخراج صوته بشكل واضح..

فانتهى به حظه العاثر في المعتقل..
ولم يكن أي معتقل..


كان معتقل "الجدر"!!!!


وهكذا هي الأحكام العرفية حين تسود وقت الاضطرابات
يؤخذ البريء بذنب المسيء
الأحكام العرفية التي ماعرفها غير بلدان العالم الثالث في أزماتهم المتلاحقة..
بينما في أي بلد من بلدان العالم الأول والثاني يعتبر إقرار الأحكام العرفية من أخطر القرارات التي قد تتخذها حكومة ما.. والتي قد تؤدي إلى اسقاطها..




الساعة 9 مساء

دانة في غرفتها..متمددة على سريرها
الهم يملأها حتى الثمالة
ويحز في عروقها حتى النخاع
وهي تقرأ مسج سعود للمرة الألف

"ريحتي قلبي الملتاع
من البارحة ماجاني نوم
كأني أشوى على أسياخ حديد محمي"

(زين ياسعود.. وارتاح قلبك الملتاع
وأنا قلبي متى بيرتاح؟؟
متى بيرتاح؟؟
متى بيرتاح؟؟)

انتفضت برعب على رنة موبايلها.. اللي أخرجها من عوالم حزنها الآسر..وكآبتها المسيطرة اللي تخفيها عن الكل
وتكتوي هي بنارها وحيدة في وحشتها وغربة روحها..

تماسكت وهي ترد بصوت هادئ: هلا تهاني.

تهاني بغضب: أنتي مجنونة... فيه وحدة ترفض الدكتور سعد..

(للتذكر: د سعد كان رئيس قسم دانة لما كانت تشتغل في الرميلة)

دانة بهدوء وهي تتنهد: الزواج قسمة نصيب.. وأنا جربت قسمتي خلاص..

تهاني وهي تحاول تتماسك: يادندون يا حبيبتي.. بدون حساسيات أنتي الحين مرة مطلقة.. مين بيخطب المطلقة إلا مطلق وإلا أرمل وعندهم بزران بعد..
بينما دكتور سعد رجّال عزابي.. صحيح أكبر منج بأكثر من 13 سنة.. بس بعده في عز رجولته ولا تزوج قبل.. معاه دكتوراه.. ووضعه المادي والاجتماعي ممتاز..
يعني مستحيل يجي لج أحسن من كذا..
هذا البنات مايحلمون فيه.. أشلون مرة مطلقة!!!


(تهاني قررت توجعها شوي أو تفوقها على رأيها..
لأن سعد اللي يقرب لزوج تهاني من بعيد.. طلب منها تحاول تقنع دانة وهو بيرجع يخطبها مرة ثانية)


دانة بنفس الهدوء ووجع مر في داخلها: أنا عقب سعود مستحيل أتزوج..

تهاني بعصبية: أنا أبي أعرف سعودوه وش فيه زود.. فر مخك عن الكل..

دانة وهي تسرح وكأنها تشاهد شيء غير مرئي أستولى على بصرها وهمست بصدق شفاف مؤلم: فيه أنه خذ القلب والعقل وحبسهم في يديه وحناياه..
أشلون أكون عند رجّال وقلبي وعقلي عند غيره..
أنا من عقب ماسعود طلقني.. وأنا حاسة أني عايشة مجرد جسد بدون روح.. والله ياتهاني.. جسد بدون روح..

تهاني شهقت: تحبينه ليما الحين؟؟

دانة بهمس: ولين أموت..




الساعة 9 وربع في غرفة جواهر...

جواهر شهقت برعب مؤلم: المعتقل؟؟!!

ونوف بدت دموعها تنسكب بصمت وغزارة وحرارة..


عبدالله ونظرة غامضة ترتسم على وجهه.. وعبدالعزيز وعزوز مشاعرهم وأفكارهم كلها وعيونهم مع عبدالله:

وماكان أي معتقل كان "الجدر" أو القدر على قولتنا..

في البصرة فيه 3 معتقلات..
واحد للقوات الأمريكية في صحراء أم قصر جنوب البصرة اسمه "بوكا"
والثاني هو سجن "المطار" للقوات البريطانية
والثالث هو سجن "المعقل" لقوات الأمن العراقية..
الثلاث معتقلات يمكن فيها 20 ألف معتقل..

وأنا رماني حظي في "الجدر" أو "جدر موحان" اللي كان شيء ثاني.. ثاني..
ماكان فيه إلا 200 معتقل صار حظي أني منهم..
سموه جدر موحان على اسم "موحان حافظ" اللي كان قائد العمليات وقتها..

وفعلا كان "الجدر" قدر.. بس قدر مفتوح على فوق بدون غطاء..

عزوز بتوتر: أشلون؟؟

عبدالله بهدوء عميق فيه نبرة حزن واضح: كان عبارة عن حوطة اسمنت مكشوفة.. كان المطر يضربنا.. والشمس تصقع في روسنا..
ومافيه إلا دورة مياه وحدة...
أكثر المعتقلين صابتهم الأمراض والأوبئة..

عبدالعزيز بتوتر بالغ: وأنت ليش ماقلت أنك موجود هناك بالغلط.. وأنك مواطن قطري..

عبدالله تنهد: أنا لين قدرت أتكلم عدل.. كان صار لي أسبوع في المعتقل.. ومتخانق مع الحراس كلهم..
مين اللي بيسمع لي يعني؟!!


جواهر وبنتها كانوا عاجزين عن الكلام.. والحزن والعبرات خانقتهم بمرارة وألم محرق غائر في القلب..

عزوز بحدة متوترة: وانت ليش تتخانق مع الحراس..؟؟ ماسمعت المقولة اللي تقول: ياغريب كن أديب..

عبدالله خذ نفس عميق وكمل: يا أبوك القضية ماكانت قضيتي بروحي..

يتبع ,,,
👇👇👇
أحدث أقدم