بارت جديد

رواية الملعونة -12


رواية الملعونة - غرام

رواية الملعونة -12

- ماذا أقول لريم الآن ؟.. فهي لن تسامحني .. ماذا أقول لها ؟

- هذه مشيئة الله وأنت لا ذنب لك بما حدث .
وأمام عينيه تم إرسال الطفل لثلاجة الموتى وعليه ن يستلمه بعد أن ينتهي الإجراءات الخاصة به ويدفع فاتورة العلاج . أسند ظهره على الجدار وأتصل بوالده وابن عمه وصديقه ليحضروا ويساعدوه في الدفن .
أودع طفله تحت طبقات التراب بجانب قبر شقيقه . بكى على القبر بحرقة وذكريات موت علاء ودفنه تطوف بباله . تذكر كيف بكى بحرقة ذلك اليوم يشعر بالشعور ذاته . يدفن طفله البالغ من العمر ثلاثة أيام والألم يعتصر قلبه وروحه ويفكر بريم وكيف سينتقل لها الخبر . تركها نائمة لا تدري بما حصل ، وأصر أن يدفن الطفل دون أن تراه . دعاه والده للنهوض من القبر الصغير وطلب منه أن يتماسك . عانق والده وبكى على كتفه وهو يخبره بأنه يشعر بمرارة فقدان ابنه كما شعر هو عندما قتل علاء . أمسك به ماجد وأخذه إلى السيارة متوجهين إلى بيت عمته ليخبروا ريم بوفاة طفلها .
لم يبك عماد كما بكى اليوم . بكى عندما مات علاء ، وليلة زفاف كاميليا واليوم ترك طفله تحت التراب ولا يعرف إذا كان جائعا أو مريضا أو يشعر بالبرد أو الحر ، أودعه لرحمة رب العالمين ورحل . أغمض عينيه وهو جالس بجانب عصام الذي قاد سيارته بدلا عنه منذ خروجهما من المستشفى . شعر بمرارة وأخفى وجهه بين كفيه وبكى وعصام يطلب منه أن يتماسك . دخل منزل عمته ورأسه منكس وجسمه منهار وروحه متعبه ووجهه أصفر وبياض عينيه أصبح داميا . دخل الصالة مع والده وفيصل وعصام ووجد أمه وأختيه جالسات مع زوجة عمه وابنتيها يشربن القهوة وريم مستلقية على إحدى الكنبات متدثرة بلحاف خفيف بعد أن رفضت الجلوس في الغرفة التي أعدتها لها أمها وسرعان ما هبت له ريم بذعر وسألته :
- هل حدث لابني شيء .. ما بك ؟
تنهد وهو يقترب منها فعرفت بغريزتها بأن مكروها أصابه فقالت له وهي تبكي :
- لا تقل بأن طفلي مات .
هز رأسه وقال بألم :
- نعم .. توفي الطفل .
وأمام الجميع جلست على الرخام الصالة وهي تنتحب بقوة وتقول بحرقة :
- مات طفلي وأنت السبب .. لم أتمكن حتى من إرضاعه .
أقترب منها وحاول أن يضمها إليه فرفضت وصرخت به طالبة أن لا يقترب منها ولا يلمسها فهو سبب موت الطفل . بلع ريقه وقال لها بانكسار :
- لا ذنب لي فيما حصل يا ريم فهو طفلي أيضا .
شعر بالمرارة والندم لما حدث بينهما تلك الليلة فليته لم يتشاجر معها ولم يترك المنزل . كان مستعدا لفعل أي شيء ليتجنب هذا الموقف الأليم . نهضت أمه وأختيه يواسونه وعمته تحتضن أبنتها وتشاركها دموعها .
اقترب والده من ريم وقال لها :
- الله أخذ أمانته يا ابنتي وتلك مشيئته وحده .. أصبري وسيعوضك الله بأطفال آخرين فأنت صغيرة وتتمتعين بصحة جيدة .
كانت تبكي بشكل موجع وهي مكانها في وسط الصالة وعماد بعيد عنها لا يستطيع أن ينظر لها . تكلمت من بين دموعها وسألت خالها :
- أين طفلي الآن ؟
- لقد دفناه يا ابنتي هو حوري صغير ومثواه الجنة .. وسيكون هذا الطفل رحمة لك ولوالده يوم القيامة .




الفصل 32


دخل منزله الخالي ورمى بحقيبته الجلدية على إحدى الطاولات ، وطلب من الخادمة أن تجلب له العصير في الحديقة . توجه إلى مكتبه وتفحص بسرعة بريده الذي لم يفتحه منذ مرض ريم وولادتها أخذ جريدة اليوم وذهب للحديقة . جلس على الطاولة يشرب العصير واسترسل في القراءة إلى أن وصل إلى الصفحة الثقافية وهمسات من قلبي ..

" أنت تشغل تفكيري وأفكر بك رغما عني
وجهك أمامي وعينيك السوداويين تحاصرني
لماذا تضيق بي الدنيا إذا مسك مكروه ؟
لماذا أغضب إذا غضبت ؟
ولماذا يبكيني ما يبكيك
ويزعجني ما يزعجك ؟
أنت تشغل تفكيري ولا أدري لماذا ؟
لماذا أراك في كل مكان ؟
وأفكر بك في جميع الأحوال
وإذا وضعت رأسي ليلا على الوسادة
أراك مستلقيا بجانبي .. هادئا ونائما
وظل أراقبك وأنظر لجبينك المضي
وأتمعن في عينيك وحاجبيك
وأردد اسمك في قلبي
لكنك لست هنا ..
وهذا هو حالي وأنت لا تعلم
أفكر بك دائما .. ولا أدري لماذا ؟


كاميليا الناصر
الرسالة الثالثة .. والبقية تأتي


تنهد ووضع الجريدة جانبا وهو يشعر بأن شيئا ما يجثم فوق صدره ويمنعه من أخذ النفس وبراحة . خلع ملابسه وقفز في بركة السباحة . سبح فيها وهو يفكر في حياته وكاميليا وريم والطفل الذي لم يرد البقاء معه غطس في الماء وهو يفكر برسائل كاميليا الموجهة إليه في الجريدة ، هو الوحيد المعني بهذه الرسائل أو الهمسات كما تسميها . سأل نفسه كيف يطرأ على بالها عندما تفكر به ؟ . هل مازالت تحترمه وتقدره ، ولماذا تستمر بإرسال حتى الآن ؟ كانت تحبه وصدمت به كما صدمت به ريم عندما أصبحا زوجين يعيشان في بيت واحد .
أخرج رأسه وأخذ نفسا عميقا وعاد للغطس وهو يفكر . ماذا يفعل مع هاجسه بكاميليا ، هذا الجرح الأصيل الذي لا يبتعد عنه ولا يفارقه ، والوجع المزروع في قلبه منذ ما يزيد على الأربعة أعوام حتى اليوم . قضى أسبوعان وحده في البيت ، يصحو ويذهب إلى الشركة ويعود ويقرأ الجريدة وينام . وليلا يستقبل ماجد وفيصل أو يبقى وحده . لم يكن يذهب إلى المزرعة ولا يسهر في المقهى ولا يستمع لفيروز . أسبوعان وهو دائم التفكير بكاميليا والطفل الذي فقده وبشقيقه الراحل . دائما يفقد من يحبهم ، وإذا لم يأخذهم الموت يضيعهم بعناده وغروره وغباءه . رفع رأسه من تحت الماء وتنفس بعمق وهو يتذكر حبه الجامح لكاميليا الذي دفعه إلى السفر وراءها إلى باريس قبل سنتين . كان مندفعا نحوها كمراهق صغير مبهور بامرأة .


خرجت كاميليا من الحمام وهي تلف منشفة زهرية اللون على جسدها المبلل ، ووضعت قطرات العطر الزيتي في أنحاء متفرقة منه ، وارتدت ملابسها المكشوفة كما يسميها ناصر . كان يعنفها إذا ارتدت ملابس تظهر مفاتنها وخصوصا عند خروجها من البيت . رشت عطر : " ألور " خلف أذنيها وفي معصميها وأعلى صدرها وجففت شعرها ورسمت الكحل الأسود حول عينيها وبدأت تعد الضيافة قبل أن تأتي صديقتيها لزيارتها .
جاءت أمل وحدها على أن تأتي نسرين لاحقا .
وسألتها أمل :
- وأختك شذى ألن تأتي ؟
تنهدت وأجابت :
- لديها امتحانات .. يبدو أن دراسة الحاسب الآلي صعبة في الكلية .
بدت كاميليا متعبة فسألتها أمل عن السبب وأخبرتها بأن ناصر غادر صباح اليوم إلى رأس تنورة بعد أن قضى معها ثلاثة أيام أتعب فيها أعصابها . ابتسمت أمل وسألتها :
- وكيف هي أموركما ؟
رفعت حاجبها بلا مبالاة وهي تتحدث عنه :
- أسوأ عما قبل .. فكرت بترك البيت ولكن والدي سيعيدني رغما عني لذا بقيت .
- وهل مازال يستخدم العلاج ؟
- لقد عرفت بالصدفة أنه مصاب بارتفاع ضغط الدم أيضا .. لقد نسي بعض الأوراق في ثوبه المتسخة ورأيت فيها وصفة طبية لأدوية ارتفاع ضغط الدم والكولسترول .
اتصلت نسرين بكاميليا تعتذر عن القدوم فهي ستخرج مع عماد ، فاستغلت الفرصة وسألت صديقتها بمكر :
- عماد سيخرج مع نسرين .. ولماذا لا يخرج مع زوجته ؟
وبعفوية أجابتها :
- ريم مازالت معنا في المنزل وتحمله مسؤولية ولادتها المبكرة .. وابن عمي حزين منذ وفاة الطفل .. يبقى في منزله وحده ولا يخرج إلا للعمل فقط .
رجف قلبها وسألت أمل :
- أليس سعيدا مع المتعجرفة ؟
هزت رأسها نافية وقالت :
- لا يبدو ذلك .
سكتت للحظة ثم أردفت تكمل حديثها عن عماد :
- شخصيته غريبة بها خليط من القوة والرصانة ويميل إلى الهدوء وكثرة التفكير وعدم البوح بشيء .. وعينيه السوداويين متكتمتين وقويتين .
سألته بفضول عن علاقة بزوجته ، فهزت كتفيها وقالت :
- لا أعرف .. فهو جاف معها وهي بدأت تمل من طباعه وبروده .. ربما لأنهما لم يعرفا بعضهما جيدا قبل الزواج فهي قضت سبع سنوات في كندا ولم تكن قريبة منه قبل زواجهما.
لوت كاميليا فمها وقالت بانزعاج :
- لا أستسيغها أبدا منذ الموقف الذي حدث يوم زفافك .
- هي تفكر بالسفر إلى لندن أو كندا من أجل التدريب لعدة أشهر .. وراسلت العديد من المستشفيات الجامعية وتنتظر الرد .
ابتسمت عينيها العسليتين وسألتها :
- وهل واقف عماد ؟
- سيوافق .. أشعر وكأنه يريد الابتعاد عنها .
ابتسمت كاميليا لما قالته أمل وشعرت بالقليل من السعادة لأن عماد ليس سعيدا مع زوجته وهو بالتأكيد مازال يفكر بها ويحبها ، وهمساتها تجد صدى لديه .


عادت ريم إلى زوجها بعد شهر ونصف من ولادتها . وافقت بصعوبة فقد كانت تريد قضاء المزيد من الوقت مع والديها لكن أمها أقنعتها بضرورة العودة . عادت مع عماد الذي ضمها إليه دون رغبة سوى لتخفيف عنها لتتوقف عن ترديد أنه السبب في ولادتها المبكرة . كان يشعر بأن حواجز جلدية تراكمت بينهما أكثر مما مضى ، فبينهما طفل غائب ومشاعر بادرة وجمود ولا مبالاة . جلست في الركن الفرنسي صامتة ولم يستطيع أن يفتح معها أي موضوع ، وعندما ذهبت لغرفتها ذهب إلى غرفة المكتب وجلس يطالع الأوراق التي جلبها معه من الشركة . جاءته بعد مدة وجيزة وجلست قبالته وهي تلف الروب الأبيض على جسدها وقالت له :
- لقد راسلت عددا من المستشفيات الجامعية في كندا ولندن من أجل قضاء فترة تدريبية هناك .. ومازالت أنتظر الرد .
زم شفتيه وعينيه تتأملان جسدها الممشوق وسألها :
- تريدين السفر لوحدك .. أنت لم تخبرني بهذا الأمر مسبقا .. وكم ستغيبين هناك ؟
- بين الأربعة والستة أشهر .
- وأنا ؟
تنهدت وقالت بلهجة لم تخلو من السخرية :
- أبقى هنا .. أعمل وأقرأ الجرائد وأذهب مع ماجد إلى المقهى ونهاية الأسبوع أقضي وقت فراغك في المزرعة .. لا أظن وجودي سيفرق معك .. عادي .
أطال النظر إليها وسألها :
- ولماذا تكلمني بهذه الطريقة ؟
تغيرت نبرة صوتها وهي تقول :
- وبأي طريقة تريدني أن أكلمك .. فأنت لا تهتم بي ولا بوجودي .
سألها بلهفة :
- ألا تريدين الإنجاب مجددا .. أبقي معي ودعينا ننجب طفلا .
استغربت من طلبه فهي تتذكر ردة فعله وبروده عندما أخبرته بأنها حامل فهو لم يبالي وكان مصدوما ومتضايقا ، لكنه أعاد ما قال :
- أتمنى أن يكون لي طفل .. وأفضل أن تبقي معي وتكتفي بالعمل والتدريب هنا .
تنهدت وقالت له :
- أحتاج إلى التفكير بعمق قيل خوض التجربة من جديد .. حملي وولادتي وموت طفلي تركوا في روحي جروحا عميقة .
أنهت حديثها وعادت لغرفتها ، وضع أوراقه جانبا وتبعها . رمقته بنظرة باردة عندما دخل الغرفة ، ولم تكترث له وبسرعة اختبأت تحت لحافها . أقترب منها وأمسك يدها وطبع عليها قبلة وهي تنظر له بعينين لا ترمشان . اقترب منها وعنقها بشفتيه فقالت له بأنها متعبة ومزاجها سيء واستدارت للجانب الآخر . تضايق لرفضها فهذه المرة الأولى التي تفعلها منذ زواجهما ، كانت دائما تنتظره والآن تصده .


خرج عماد من الشركة وتوجه إلى منزل والديه مباشرة لأن ريم لديها مناوبة في المستشفى وستعود صباح الغد . جلس مع أمه يشرب شاي النعناع حاولت أن تقنعه للمرة الأخيرة بخوض الانتخابات البلدية فوالده سيدعمه بقوة فأكد لها بأن الأمر لا يعنيه . تحدثا بشأن ريم وسفرها فقد وصلتها الموافقة من لندن لقضاء أربعة أشهر في أحد أهم وأكبر مستشفياتها وهي مصرة على السفر بعد شهر . قالت له أمه بحزم :
- أنت زوجها وتستطيع منعها من السفر إذا أردت .
قال باستخفاف :
- هي مصرة على السفر .. سأدعها تسافر لأرتاح منها بعض الوقت .
سكت للحظات وسألها عن نسرين فأجابته :
- مع كاميليا وأمل .. تزوجتا ومازالتا تتصرفان كالسابق .. واحدة لا يمانع زوجها بخروجها والأخرى زوجها يعمل بعيدا .
مازال يريد معرفة المزيد عن كاميليا وأخبارها ، واستغل الفرصة فسأل أمه :
- ومن هي من يغيب عنها زوجها .. كاميليا أم سماح .
- كاميليا طبعا فسماح ليست هنا .. هي في أمريكا .
وسألها بلهفة :
- وكاميليا ؟
- زوجها يغيب أربعة أيام .. وخلالها تخرج وتفعل ما تريد .
وسكتت للحظة ثم طلبت منه أن يحجز لها مع زوجة عمه تذاكر للسفر إلى إيران .
رفع حاجبيه وهز رأسه موافقا وقال :
- الليلة سأذهب لكتب السفريات وأحجز لكما.


الفصل 33


أستيقظ عماد من نومه على صوت ريم في السابعة مساء . غسل وجهه وأخذ الجريدة بصمت وهم بالخروج فاستوقفته تطلب منه مرافقتها إلى السوق لشراء ملابس قبل السفر . هز رأسه موافقا وذهب للجلوس في الركن الفرنسي ، يطالع جهاز التلفزيون ليسمع الأخبار بصوت منخفض وهو يقرأ . أحس وكأن يدا تعصر قلبه عندما رأى زاوية همسات من قلبي موجودة . ماذا كتبت له كاميليا هذه المرة وأي رسالة توجهها إليه . همسات عتاب أم تعبير بالخيبة ، أم تذكير بالماضي أم ماذا ..

" تسألني باريس عنك
تسألني الجسور والعطور
تسألني العشاق والزهور
تسأل عنك مياه السين الهادئة
والأمسيات الحالمة
باريس تذكر حبنا
وتذكر لمسة اليد الحنونة
وتلك القبلة اللذيذة المجنونة
وورود باريس وحدائقها
ومياهها ومقاهيها وحلوياتها
ولياليها وأحلامها ونسماتها ..
" ألور " يسأل عنك
و" الياقوت الأحمر " في يدي
والكحل الأسود في عيني
وحبة الخال في زاوية فمي ..
يسألون عنك ..



كاميليا الناصر
الرسالة الرابعة .. والبقية تأتي .


أعاد قراءة ما كتبته كاميليا مرة أخرى .. وتساءل لماذا تذكره بباريس وبكل ما يحبه فيها ؟ . لماذا هي مصره على تذكيره بالحب الذي جعله يتبعها إلى باريس عندما سافرت ، وتذكره بهداياه وقسوته عليها . ما الذي تريده من هذه الرسائل الخفية ؟. هذه الرسالة الرابعة وهي لم تتوقف ومازالت تعده بالمزيد . كم ستستمر بإرسال الرسائل والعتاب والهمسات المبطنة . وهو يفكر بها وبهمساتها وذكريات باريس تطوف بخياله . تنهد عندما لمح ريم تقترب منه ، جلست بجانبه وقالت :
- أريد أن أشتري معطفا سميكا وبعض الملابس الدافئة فالجو في لندن بارد جدا .
ظل ساكتا غير مهتم بما تقوله وعطر الماضي يثير فيه المزيد من الذكريات ، فأكملت ريم حديثها :
- أتصدق أن أعلى درجة تصل إليها الحرارة في لندن على مدار السنة هي ثلاث وعشرون درجة مئوية .
تأفف وطلب منها أن تلغي سفرها فهو لا يحبذه ، فقالت له بانفعال :
- تقول هذا بعد أن حصلت على التأشير وحجزت تذكره السفر .. وحصلت على الموافقة من وزارة الصحة وسأسافر بعد أسبوع .
زم شفتيه وقال بنبرة حادة :
- تستطيعين إلغاء السفر لو أردت .
أجابته بأنها لن تفعل ذلك فهي ليست مضطرة لتحمل تردده وتقلب آرائه . شعرت بالغثيان وهي تطلب منه أن يستخرج لها تصريحا بالسفر ، فهذا أمر مذل . هي امرأة راشد لا تستطيع أن تسافر بدون أن يأذن لها ولي أمرها ، كم تكره هذه الكلمة البائسة فعلى زوجها أن يعطيها موافقته الرسمية وإلا لن تسافر .
- سأذهب غدا للجوازات واستخرج التصريح .
قال جملته وأخذ الجريدة وتوجه لغرفته فلحقت به وسألته :
- متى سنذهب إلى السوق ؟
طلب منها أن تذهب لوحدها فهو سيخرج للقاء أصحابه وأمامها خلع بيجامته وارتدى ملابس الخروج ووقف أمام المرآة يمشط شعره . وقفت أمامه عبر المرآة وصرخت به :
- لماذا تعاديني ؟
استدار لها وطلب أن تتكلم بهدوء فأجابته بصوت مرتفع :
- أنت وعدتني .
أطال النظر إليها وطلب منها الكف عن الصراخ والذهاب مع السائق .
- أي أصدقاء تتحدث عنهم .. ليس لديك غير ماجد وفيصل .
سكتت للحظة ثم قالت بسخرية :
- لو رشحت نفسك في مجلس البلدي .. سيصوت لك ماجد فقط من خارج العائلة .
لم يجبها فضحكت باستهزاء وقالت :
- تخيل ستكون أقوى الخاسرين !
استدار نحوها وقال بازدراء :
- أترفع عن الإجابة على غبية مثلك .. وهذه الانتخابات لا تعنيني ولن أعطي صوتي لأحد .
بروده زاد غضبها فصرخت به :
- لن أدعك تخرج معهم وستذهب معي إلى المجمع التجاري رغما عنك .
سكت وأخذ مفاتيحه ومحفظته وهاتفه وهم بالخروج من الغرفة لكن جملتها الأخيرة استوقفته عندما قالت له بتهديد :
- إذا خرجت فلن تجدني عندما تعود .
أغمض عينيه ولأول مرة يتمنى أن يسكتها بأي وسيلة حتى وإن اضطر لضرب رأسها بالحائط ، لكنه كتم غيظه وقال لها :
- أذهبي إلى جهنم .. والحمد الله لست حاملا هذه المرة لأكون سبب ولادتك المبكرة .
صعقها رده فقالت :
- ألا تهتم بي لهذه الدرجة .. كم أنت مستهتر .
صفق باب الغرفة وخرج وهي تصرخ وتتوعده بدفع الثمن ، وبتلقينه درسا ليحسب لها ألف حساب عندما تكلمه أو تطلب منه شيئا . ركب سيارته وأنطلق مبتعدا عن البيت . نظر لوجهه المتجهم في مرآة السيارة وحاول أن يخفي علامات الانزعاج الجلية على ملامحه وهو ينظر للميدالية الزجاجية التي أهدته أيها كاميليا وطلبت منه أن يعلقها في مرآة سيارته . ظل يفكر بها وبما كتبته اليوم في الجريدة . سطورها القليلة لم تمر عليه وعلى قلبه مرور الكرام . دفع باسطوانة فيروز الذي هجرها منذ مدة في مشغل الأسطوانات وبدأ يستمع ..

" شايف البحر شو كبير .. كبر البحر بحبك
شايف السما شو بعيد .. بعد السما بحبك
كبر البحر وبعد السما بحبك يا حبيبي
يا حبيب بحبك "

جال شارع الكورنيش من أوله إلى آخره عدة مرات دون أن يشعر . كان يمشي مرافقا البحر وبمحاذاته بلا هدف ، ولا يعرف إلى أين يتجه وإلى أين يذهب . مشى وهو يستمع لفيروز وكلما انتهت الأغنية أعادها مرة أخرى . رن هاتفه الجوال ورأى اسم صاحبه فأغلق الهاتف ووضعه في الدرج السيارة . أراد أن يبقى مع فيروز ، وكاميليا التي يفكر بها ماذا تفعل الآن وبم تفكر . ما هو هدفها من الرسائل وإلى متى ستستمر بالكتابة . ألم تكتفي بالجروح التي خلفها حبه فيه .ألم تكتفي بالهزائم التي يعانيها وبالخسائر التي تكبدها من عمره وأعصابه وقلبه . ماذا تريد منه صاحبة الصوت الرقيق ؟
هذا ما كان يفكر به وهو يمشي بلا هدف في الطريق البحري . أوقف سيارته بمحاذاة كورنيش القطيف وترجل منها يفكر بما قالته ريم قبل خروجه وتهديدها بترك المنزل للمرة الثانية في فترة وجيزة . تمشي ببطء وهو يتأمل العشب الأخضر والأولاد يلعبون بالكره ، وبعضهم يسيرون بدراجاتهم، وبعض النسوة يمشين ، وبعض العائلات تفترش العشب . اقترب من البحر وملأ رئتيه بهواءه الرطب . تمشى قليلا وهو يفكر بالقطيف ، مدينة النفاق والعشق والخيبة . فيها أحب كاميليا وعشقها ، وفيها تركته . خيبت أمله القطيف القاسية ولم تعطه حقا مباحا في كل مكان . عاد بسيارته ليمنع ريم من ترك المنزل ليتلافى حدوث مشكلة كبيرة مع العائلة لو حدث لها شيء وأتهمته . ركب سيارته وأعاد تشغيل فيروز مرة أخرى وعاد بذاكرته وأفكاره لكاميليا . وصل إلى منزله ولم يجد ريم فقد تركت المنزل كما هددته قبل خروجه .


عاد في اليوم التالي من الشركة لمحه واقف أمام باب البيت الحديدي الكبير ودخل بسرعة وراءه . كانت علاقته به سطحيه جدا ولم تتعدى لقاءات قليلة في مناسبات عامة ومتباعدة كيوم زفافه ويوم زفاف عصام ولم يتوقع أن يزوره عادل في بيته يوما ما . حمد ربه بأن ريم غير موجودة لكان أساء الظن بها ، لكن ذلك لم يمنعه في التفكير بعلاقة ريم بزيارته في اليوم التالي لخروجها من المنزل بعد شجارهما الأخير . تساءل عن سبب قدومه وقرر أن يطلب منه عدم الاقتراب من المنزل مرة أخرى مهما كان سبب زيارته الغير مستحبة . أقترب منه عادل بسرعة شديدة وقال له بغضب :
- من تظن نفسك أيها الحقير لتعامل ابنة عمي بهذه الطريقة ؟
التفت إليه وصرخ فيه :
- أخرج من البيت ولا أريد أن أراك تتجول في هذا الحي بالمرة .
أخرج عادل من جيبه سكينا وهم بطعنه ، لكنه تلافى الضربة بحركة رشيقة .
تعاركا أمام نظر الحارس الذي ظل مكانه خائفا . كان عادل مصمم على طعن عماد الذي حاول تلافي الضربة فجاءت مرتين في الهواء ثم رمى بثقل جسمه عليه وأسقطه أرضا . أحس عماد بألم حاد والسكين تغرز في كتفه الأيسر . أمسك بيده مكان الطعنه في كتفه والدم يتدفق بغزارة والحارس الهندي واقف مكانه بخوف وعادل يغرز سكينه مرة أخرى في بطن عماد الذي سقط أرضا من أثر الطعنه والإعياء والنزيف .


كانت كاميليا على موعد مع نسرين لتناول العشاء في الخارج عندما اتصلت بها تعتذر عن الخروج معها لتعرض عماد لاعتداء وإصابته بعدة طعنات وهو يرقد في المستشفى . أحست بأن قلبها سيتوقف وهي تسمع الخبر ، لم تكن مستوعبه لما حدث لعمادها . أغلقت السماعة ودموعها تفيض من عينيها المتعبتين . بكت وهي تفكر كيف تراه ، فلابد أن تطمأن عليه بأي وسيلة ، تريد أن تراه بعينيها لترتاح ولا تستطيع الاكتفاء بما تقوله لها نسرين عن حالته . بسرعة ارتدت عباءتها ولفت حجابها الملون على رأسها وأخذت حقيبتها وأمسكت مقبض الباب الخارجي . وسرعان ما استدركت بأن ذهابها غير منطقي بالنسبة لعائلته . جلست على المقعد ووضعت رأسها بين يديها وراحت تنشج بالبكاء . كانت خائفة وتدعو الله أن ينجيه ، لا تريده أن يكون لها ولا تريده أن يحبها أو يتذكرها ولا تريد منه شيئا ، تريده أن يتعافى فقط .
ظلت تبكي وفكرها محصور به . لم تأكل ولم تستطيع النوم . أخذت دواءها النفسي علها تهدأ ولو قليلا . وراحت تذرع غرفتها تنتظر اتصالا من نسرين لتطمئنها كما طلبت منها ذلك . كان الإنتظار يزيدها توترا وإنتصاف الليل جعلها أكثر قلقا خافت وهي تفكر بالرسالة الأخيرة التي أرسلتها له في الجريدة ، وذكريات باريس التي أرادت إثارتها في نفسه .لم تتحمل الانتظار أكثر فاتصلت بنسرين ، وسألتها بقلق :
-ما هي أخبار شقيقك الآن ؟
- نقلوه إلى العناية المركزة في الساعة الثامنة وسيبقونه تحت المراقبة لمدة عشر ساعات .. لم يسمحوا لنا برؤيته فعدنا إلى البيت وسنذهب لزيارته غدا صباحا .
تنهدت وسألت صديقاتها :
- هل ستذهبين إلى المستشفى ؟
- لن أذهب فهذا الأسبوع التدريبي الأخير لي ولدي أيام اضطرارية مدخرة .
تمنت لعماد الشفاء فقالت لها نسرين وهي تبكي :
- أمي منهارة لقد انتحبت بحسرة وهم ينقلونه أمامنا إلى غرفة العناية المركزة .
- ومن طعنه بالسكين ؟
- طعنه الكلب عادل ابن عم المتعجرفة .. تركت المنزل بالأمس وفزع لها ابن عمها .. تخيلي لم تأت للمستشفى لرؤيته .
أنهت حديثها مع نسرين وذهب إلى المطبخ لتجلب لها مشروبا باردا وذهبت لغرفتها . كانت تشرب وهي تنتظر بزوغ الشمس لتنتهي الساعات العشر وتطمئن على عمادها . دعت الله أن يمن عليه بالشفاء ، وقضت ليلتها بالتفكير والاتصال بالمستشفى والممرضات يرفضن إخبارها بحالته . أتصل بها ناصر عدة مرات ولم تجبه . بقيت تبكي وحدها في البيت تنتظر شروق الشمس . لم تذهب للمستشفى هي أيضا ، ظلت تنتظر الوقت الملائم لتذهب وترى عمادها وتطمأن عليه .


انتظرت انتصاف النهار لتتمكن من الذهاب للمستشفى لرؤية عماد بعد أن أخبرتها نسرين بأنهم تركوه وسيعودون لزيارته عصرا . كانت خائفة وسيارتها تتوقف في مواقف السيارات الخاصة بالمستشفى . ترجلت بسرعة وهي تلف اللثام على وجهها لتخفي القسم السفلي منه والنظارة الشمسية تخفي عينيها ، ويدها تمسك بباقة ورود فاخرة اختارتها من ورود الكاميليا البيضاء . توجهت مباشرة لقسم الجراحة فقد أخبرتها نسرين بأن حالته مستقرة وتم أخرجه من العناية المركزة . لم تكن تفكر بردة فعله عندما يراها ولا بما ستقوله له ، ولماذا تأتي لزيارته في المستشفى بعد كل الذي حدث .
لم تبال بشيء وهي تتذكر ناصر الغائب في عمله والذي لم يكف عن الاتصال بها منذ البارحة ولم تجبه . جل اهتمامها منصب على عماد وشفاءه فربما يعرف بأنها تحبه بإخلاص وتريد الاطمئنان عليه فقط . ربما يؤمن بأنها كانت ضحية لوالدها وتزوجت بأبن عمها مرغمة ، وكانت مستعدة لبذل الكثير في سبيل تلافي هذا الزواج وهو تخلى عنها عندما طلبت مساعدته . عله يصدق ذلك وينسى فكرة خداعه فمازال يهمها أن يعرف بأنها كانت صادقة معه .
اقتربت من محطة التمريض وسألت إحدى الممرضات عن غرفته فدلتها عليها وطلبت منها عدم إطالة الزيارة فالطبيب يوصي بذلك .
طرقت الباب بوجل وقلبها ينبض بقوة والدموع معلقة برموشها . قوت قلبها المرتبك ودخلت غرفته الخاصة ووجدته على السرير في حالة إعياء تام والمحاليل السائلة مغروزة في وريده وجهاز قياس الضغط متصل بذراعه ، وأنبوبة رفيعة تخرج من بطنه وتتصل بكيس بلاستيكي به سائل اصفر مختلط بالقليل من الدم . بدا شاحبا وهو مغمض العينين ، وكتفه الأيسر مغطى بضمادات وجبينه يضيء بالعرق وجسده مغطى بغطاء خفيف . كان نائما وساكنا وعندما كلمته برفق لم يسمعها . وضعت الورود على الطاولة

يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -