بارت جديد

رواية الملعونة -13


رواية الملعونة - غرام

رواية الملعونة -13

وجلست على الكرسي القريب منه وقالت له بهمس والدموع مختبئة بين رمشيها :

- دودي .. حمد الله على سلامتك يا بعد عمري .
كان يئن بصوت منخفض ، فقالت :
- أرجوك .. أفتح عينيك أجبني .
وعندما لم يستفيق سكتت تتأمل وجهه الشاحب . أحست بشوق عارم له أشهر طويلة مرت على لقاءها الأخير به كم بدا متغيرا ، بدا نحيلا والشعرات البيضاء ظهرت أكثر في جانبي رأسه . لم تتمكن من حبس دموعها ، وهي تكلمه بهمس لا يكاد يسمع :
- تعافى وكن قويا كما عرفتك .. أنظر إلى بعينيك السوداويين فأنا لم أرى أجمل منهما في حياتي .. أنهض فأنا أحتاجك في هذه الحياة حتى لو لم تكن بجانبي يكفيني أن تكون موجودا ومتعافيا يا حب حياتي الكبير .. تعافى يا من وعدتني بالحب والسعادة فأنا مازلت أنتظر وعدك وما زلت أحبك رغم خذلانك لي .
والتفتت لصوت جهاز قياس الضغط الالكتروني وهو يقيس ضغط دمه من جديد فسكتت وهي تلملم دموعها . بلعت ريقها والممرضة تدخل لتقيس حرارته . سألتها بقلق عن حالته ، فطمأنتها :
- حالته مستقرة .. لكنه يعاني من ارتفاع في درجة الحرارة بين وقت وآخر .
مسحت دموعها وسألتها :
- ولماذا لا يرد علي ولا يفتح عينيه ؟
طمأنتها بأنه مازال يشعر بإعياء ناتج عن إصابته ومن النزيف والعملية ، كما أنها أعطته حقنة مسكنة قبل ساعة لذا هو نائم الآن . مدت كاميليا يدها نحو عماد وأمسكت بيده الدافئة من ارتفاع حرارته وهمست له :
- كن قويا وتعافى من أجلي .
نهضت من الكرسي وأزاحت اللثام عن وجهها . اقتربت منه وطبعت على جبينه قبلة متجاهلة كل الأفكار القديمة وما قاله رجل الدين عن الحب المحرم . أعادت اللثام على وجهها وخرجت بدموعها التي أخفتها بالنظارة . أمسكت بمقبض الباب واستدارت تلقي عليه نظرة أخيرة قبل أن تخرج وشعرت برغبة للاقتراب منه مجددا واحتضانه لكنها منعت نفسها من ذلك خشية أن يأتي أحد من أفراد عائلته وهي لا تود أن يراها أحد هنا .



فتح عماد عينيه مساءا وجد والديه وأختيه وفيصل وأمل وعصام حوله جالسون في غرفته الخاصة يحيطونه بباقات الورود والشوكلاتة الفاخرة . قالت له نسرين ممازحة وعينيها على ورود الكاميليا بجواره :
- من أحضر لك الورود البيضاء .
نظر للورود وتذكر كاميليا فقد كان يهديها ورود الكاميليا البيضاء دائما . هز رأسه وقال بأنه لا يعرف من أحضرها . فنهضت نسرين وأحضرت له البطاقة المرفقة وقرأت بصوت عالي :
- مكتوب في البطاقة .. غلبتني دموعي عندما عرفت بما حصل .. ومن كل قلبي أتمنى لك الشفاء العاجل وموفور الصحة .. وتوقيع الرسل .. مع التحية والبقية تأتي .
ضحكت ندى وقالت :
- من هذا الزائر الغريب .. لم لا يذكر أسمه ؟
أنقبض قلبه وهو يسمع ما قالته أخته ، وطلب من نسرين أن تعطيه البطاقة . أمسك بها وقرأها بعينيه وذهنه يصوب أفكاره نحو كاميليا فهذا توقيعها في الجريدة وعبارة البقية تأتي تختم بها همساتها وتتوعده بها منذ زمن . تساءل في سره متى جاءت وكيف لم يشعر بوجودها ، ربما أرسلت الورود فقط ولم تأتي بنفسها . جلس مع عائلته وفكره مشغول بكاميليا وبالورود التي أرسلتها ، خرج من أفكاره وأمه تسأله :
- ألم تأتي ريم لزيارتك ؟
- ولماذا تأتي ؟.. هي مشغولة بسفرها .
- أنت زوجها ولا تأت لزيارتك .. ربما هي من جلبت الورود .
كان متأكد بأن الورود من كاميليا ولكنه سكت ، وأمه تتابع :
- حتى وإن كنتما على خلاف يجب أن تأتي لتراك وتطمئن عليك .. هذا تقصير منها .
سكت عماد وهو يشعر بألم انتابه مكان العملية ، فقال عصام لزوجة خاله :
- هي متأثرة بما حصل بينها وبين عماد .. لقد طردها من المنزل .
ظل عماد ساكتا وغير مبال بما قالته ريم عنه ، فقالت أمه مخاطبة عصام بحدة :
- وابن عمك النذل .. لماذا يؤذي ابني ؟
- عادل تصرف من نفسه فقد كان في منزلنا عندما جاءت ريم وهي تبكي .. أنفعل وصار يهدد ويتوعد أمامنا .. ظننا كلامه ناتج عن غضبه فقط لكنه فعلها .
- لعنه الله لن نتنازل عن حبسه والشرطة تبحث عنه الآن وسيجدونه قريبا .. سينال جزاءه كالذي أحرق قلبي قبل سنوات .
قالت كلمتها والشرر يتطاير من عينيها الدامعتين ، فاقتربت منها ندى وعانقتها وقالت لها :
- كوني مطمئنة وهادئة ستسير الأمور على ما يرام .
لم يجد عصام ما يقوله ، فكلهم أقارب والوضع أصبح شائكا بين أخته وزوجها وابن عمه . بعد قليل استأذن الجميع ونهض مع أمل وخرجا من المستشفى داعين لعماد بالشفاء العاجل . بقي والديه وأختيه معه لبعض الوقت وبعد آذان المغرب خرجوا وتركوه لأفكاره بكاميليا وبالورود التي أحظرتها له ، لا بد أن تكون هي . بعد دقائق طرق الباب وجاءت عمته وزوجها ومعهما ريم التي جلست في مقعد بعيد عنه وقالت له بحدة :
- أنا أفضل منك .. أتيت لرؤيتك بعد الذي فعلته بي .
طلبت منها أمها أن تكون أكثر لطفا مع زوجها وتنسى ما حصل ، ووجهت كلامها لعماد وقالت له :
- ما الذي ستفعله مع عادل الآن ؟
- سأبحث الأمر مع والدي .
زمت ريم شفتيها ثم سألته :
- ومتى ستخرج من المستشفى ؟
- أشعر بتحسن بعد أن انخفضت الحرارة وأود الخروج في أقرب وقت .
- يجب أن يطمئنوا من عدم وجود أي التهاب ناتج عن الإصابة .. إضافة لعدم تكرار النزيف والتئام جروح الطحال وشق العملية .. لذا عليك أن تبقى حتى تتعافى كليا .
سكتت للحظة ثم أردفت :
- أتمنى أن تخرج قبل سفري .. وإذا سافرت فسأتصل وأطمأن عليك .
شكر اهتمامها البالغ به بتهكم ضايقها ، فلم يكن مهتما ببقائها أو سفرها فهو يعرف بأنه لا يعني لها شيئا وهي لاتهمه ولا روابط تربطهما كزوجين . ربما سفرها وابتعادها يجعله أكثر هدوءا وراحة . ربما ينام براحة دون أن يفكر فيها وفي مشاكلها ولا بكاميليا وبورودها ورسائلها .



الفصل 34

جففت جسدها بالمنشفة ورطبته بمرطب له رائحة الشاي الأخضر ، وارتدت ملابس نومها ونظرت إلى الشارع من النافذة . مازلت الدنيا مظلمة ولم تشرق الشمس بعد . دست جسدها تحت لحافها المثقل بالدموع والأفكار ومسحت دموعها وهي تبتلع حبة الدواء التي تعودت عليها وصوت الدكتورة ليلى يرن في أذنها ( تحتاجين لثورة .. ثوري على نفسك وأفكارك ومشاكلك .. انتصري عليها ولا تدعيها تهزمكِ ) . مسحت دموعها وهي تسمع صوت ناصر عائدا من الخارج كعادته في نهاية الأسبوع . جلس على الأريكة المقابلة للسرير وقال لها :
- لم تنامي بعد ؟ .. بعدك صغيرة على السهر .. ليش سهرانة ..
ضحك بقوة وهو يصفق بيديه ، فرفعت رأسها وسألته :
- ما بك تترنح .. هل أنت سكران ؟
أجابها بصوت مرتفع وقال :
- كلا ولكني تناولت حبة سحرية أذابتها في شراب سحري جعلتني أطير .. أنا أحلق بين الغيوم .
نهض من الأريكة وهو يضحك ويردد بأنه يحلق بين الغيوم وأقترب من السرير وألقى بنفسه وخلال دقيقة غط في نوم عميق .. شعرت بالقرف منه ومما قاله فنهضت من سريرها وأخذت الوسادة لتنام في غرفة أخرى وحدها . شغلت جهاز الكمبيوتر وهي تفكر بعماد الراقد في المستشفى . فكرت بإرسال رسالة على بريده لكنها تراجعت . تنهدت وهي تتذكره ينام بإعياء على السرير . كيف تجرأت وزارته في المستشفى وطبعت على جبينه قبلة متجاهلة كونها امرأة متزوجة ، تعيش في القطيف وليس في باريس كما كانت تقول له يبدو بأنها نسيت ذلك .


خرج عماد من المستشفى بعد أن تعافى ونصحه الأطباء بالراحة في البيت لمدة أسبوعين . ذهب بصحبة والده وفيصل إلى مركز الشرطة ليخرجوا عادل من السجن ، فلقد سلم نفسه بناء على نصيحة عمه ، لكن أم عماد أصرت على حبسه وعدم التنازل غير آبهة بأحد ، فبقي لعدة أيام وبعدها وقع تعهدا بعدم الاقتراب من عماد وزوجته .

عاد إلى منزله وهو يحمل الورود التي أحضرتها كاميليا ولا يعرف لماذا يحملها معه ويستلذ بالنظر إليها بعد أن ذبلت . وضعها على الطاولة الصغيرة في الركن الفرنسي وجلس يشرب العصير مع ويم التي تستعد للسفر في اليوم ذاته إذا ستقلع طائرتها ليلا . كانا صامتان كعادتهما ولا يجمعهما الكلام ولا المشاعر ولا الأفكار . ألمه سفر زوجته في هذا اليوم بالذات بدلا من أن تكون بجانبه لترعاه ، فلطالما حلم بزوجة حنونة تسبغ عليه عاطفتها ورعايتها .
مساءا ودعته ريم متوجهة إلى مطار الدمام وهو يتخيل لو أن فيصل مثلا من أصابه الحادث فندى ستبقى بجانبه بكل تأكيد ولا يمكن أن تتركه وتسافر في يوم خروجه من المستشفى . رفض الذهاب لمنزل والديه فبقيت نسرين معه في البيت وتحدثا قليلا ثم نام وهو يفكر بأنه وحيد حتى بعد زواجه وليس لديه من يحدثه ويشكو له . فكر بكاميليا التي أحضرت له الورود في المستشفى وتأكد أنها أتت بنفسها كما أخبرته الممرضة بأن امرأة متلثمة الوجه جاءت لرؤيته عندما كان مصابا بارتفاع في حرارة جسمه في اليوم التالي لإصابته .


" بيقولوا الحب بيقتل الوقت
وبيقولوا الوقت بيقتل الحب
يا حبيبي تعى نروح
قبل الوقت وقبل الحب .."


توجه إلى مكتبه وهو يمسك بحقيبته ويخفي عينيه بالنظارة الشمسية والجميع يرحب به . جلس على الكرسي وطلب من موظف الكافتيريا أن يحضر له فنجان من القهوة ليبدأ بها يومه ، وقبل أن تصل القهوة وصل فيصل . تحدثا قليلا ومن ثم باشر كل منهما عمله . كان يشعر بأن هناك شيء ما متغير قي قلبه وحياته ، فهو اليوم رجل متزوج ووحيد في الوقت ذاته . زوجته بعيدة والمرأة التي يحبها بعيدة أيضا . أنهى عمله وغادر مكتبه متوجها إلى المصنع وفي الظهيرة أتصل به ماجد يدعوه إلى تناول الغذاء في مطعم الأكلات البحرية . التقيا هناك أكلا الجمبري المشوي مع الصلصة الخاصة وشربا اللبن المالح . وبعدها قال له ماجد بأنه يود التقدم لطلب يد أخته لأخيه " نزار " . عاد إلى الشركة وقرر أن يخرج مبكرا ويذهب ليرى أمه ويحدثها ، فأخذ جميع الأوراق والملفات ووضعها في حقيبته ليقوم بالجزء المتبقي في منزله .
جلس مع أمه وأخته نسرين وأخبرهما بأمر نزار . كان معجبا به ويعرفه جيدا بحكم صداقته مع ماجد ، فهو شاب خلوق ومتدين . عائلته من الطبقة المتوسطة ولكنه يعيش بطريقة لائقة وأمه تعرف كل هذا وتحب ماجد كثيرا فظن بأن الأمر سيكون سهلا معها ، لكنها سألته :
- كم عمره .. ومن أين متخرج ؟ .. وأين يعمل ؟
أخبرها بأنه متخرج من كليلة الإدارة ، ويعمل محاسبا في إحدى البنوك ، فقالت بنبرة كبرياء :
- لست موافقة .. أريد زوجا لابنتي متخرج من أمريكا مثلا .. ومن عائلة معروفة وثرية .. ولا بأس لو كان طبيبا .
- نزار شاب جيد .
- الله يخليه لأمه .
أراد أن يتكلم فهزت رأسها وكررت بأنها غير موافقة فهي لا تريد أن تزوج ابنتها من حساوي ( أحسائي ) ولن تتنازل عن شاب من القطيف إلا إذا كان طبيبا ، فسأل أخته عن رأيها فسكتت للحظات ثم قالت :
- لا .. لست موافقة .
سألها عن السبب فقالت باستعلاء :
- هو بمواصفاته المتواضعة لا يستحقني .. كما اني لا أريد الزواج الآن .. مازلت صغيرة ولم أرى من الدنيا شيئا بعد .

عاد لمنزله وقضى وقته في مكتبه ، وأنهى عمله وراجع بريده المتراكم من دعوات وفواتير وكشوفات بنكية وعندما انتهى قرأ الجريدة ووضعها جانبا . استلقى على الأريكة وهو يفكر بكاميليا وماذا ستفعل بعد أنهت تدريبها لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها . لابد أنها ستتقدم للعمل في نفس المستشفيات التي ستتقدم لها نسرين وأمل فهن دائما معا . أتصل بأخته ليحدثها بأمر نزار ويتأكد من عدم تدخل أمه . فوجدها مصرة على موقفها ولا تريد الزواج الآن وترى نفسها صغيرة بعد والحياة مازالت تنتظرها ، وليست مضطرة للزواج بأي كان .


عادت كاميليا إلى بيتها في حي الجزيرة . وضعت حقيبتها وعباءتها جانبا وتوجهت للمطبخ . أخذت زجاجة كولا وكأس وتوجهت لغرفتها . جلست على سرير تشرب الكولا المثلجة وهي في حالة لا تعرفها ولكنها ليست غريبة عنها ، تفكر بحياتها وقلقها وبعماد فقد أخبرتها نسرين بأن زوجته سافرت وهو وحيد في بيته . تساءلت ، هل يفكر بها كما تفكر به . هل عرف بأنها زارته في المستشفى وجلبت له ورود الكاميليا البيضاء . هل يقيم اعتبارا لهمساتها التي ترسلها له في الجريدة بين وقت لآخر . تمنت لو تتحكم في عقلها ولا تفكر به فهي امرأة متزوجة وتفكر باستمرار في رجل آخر .

بكت أكثر وهي تفكر بحالها فهي زوجة مهملة وتعيسة وكئيبة . نهضت من سريرها وأخذت علبة الدواء تناولت حبة وهي تشعر بمرارة كلما تذكرت بأنها مريضة نفسية الآن . أغمضت عينيها وهي تتذكر كلام طبيبتها ، قالت لها في آخر زيارة قبل أسبوع ( إذا عرفت ما الذي تريدينه في حياتك ، ستكونين في طريقك الصحيح للبحث عن الحل ) .
مازالت تفكر بعماد وتتابع أخباره التي تصلها عن طريق أخته ، ولا تستطيع سوى التفكير به وتذكر ما كان بينهما . كان بينهما عهود وحب وكلام وأشياء كثيرة كلما اختفت وأصبحت أفكار وذكريات تقلقها فقط . تساءلت عما تريده في حياتها وما الذي تطمح إليه . تذكرت بكائها أمام الدكتورة عندما قالت لها ( لا أريد رجلا غيره .. أريده لي وهذا نذر عليّ إيفاءه )


كان المطر يهطل وهي ترتجف بين يديه وهو يتفحصها بعينه السوداويين . كانت تشعر بالبرد فملابسها مبتلة . أزاح عماد شعرها المبلل إلى الوراء وشفتيه تقبل وجهها ويده تتجول برقة في أنحاء جسدها وهي ترتجف من البرد والخوف . كانت تريد أن تتكلم وتقوله له بأنها تحبه ولكنها لم تستطيع النطق . رمت بنفسها بين ذراعيه وكأنها تريد أن تختبئ من كل الناس ولا أحد يراها أو يعرف مكانها . رفع رأسها بيده وأخبرها بأنه يحبها وينتظرها فأومأت برأسها إليه وهي تمعن النظر لوجهه وهو ممسك برأسها بكلتا يديه . أقترب منها أكثر وبدأ يقبل شفتيها بنهم وأرادت أن تمنعه لم تستطيع وفجأة شعرت بنفسها تهوي من أعلى . صرخت بقوة واستيقظت من نومها فزعة والعرق يبلل جسمها كله . بلعت ريقها وهي تفكر في الحلم الذي رأت نفسها فيه مع عماد تحت المطر في مكان مرتفع لا تعرف أين . كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجرا ، نهضت واستحمت وصلت الفجر وعادت إلى سريرها . حاولت أن تنام لم تستطيع فأخرجت دفترها الخاص وبدأت تكتب همسة جديدة لتبعثها إلى الجريدة .


الفصل 35


أمسك بالجريدة يتصفحها وقطعت نسرين قراءته عندما اتصلت تطلب منه الخروج معها لتناول العشاء خارجا . أرادت أن تخرجه من العزلة التي عاد إليها بعد سفر ريم ، فمنذ أن سافرت وهو يقضي معظم وقته في المنزل . عاد لقراءة الجريدة ووصل إلى الصفحة الثقافية ، ووجد همسة جديدة بانتظاره . قرأها بلهفة وفضول كبيرين ، فهو يريد أن يعرف ماذا كتبت له كاميليا هذه المرة .


" يدي ترتجفان من القلق
وعيني ذابلتين من الأرق
وقلبي من الشوق أحترق
فبدونك لا معنى لايامي
أحبك وأريد تمضية العمر معك ..

صبرت كثيرا ولم اعد أقوى
وسهرت ولم اعد أقوى
أتعبني الشوق والسهر
وأضعفني التفكير والضجر
إلى متى يا حبيبي؟..

فإذا لم ترتعش روحك لعذابي
وإذا لم يقرا قلبك كلماتي
وإذا لم تردك دموعي وآهاتي
فلن أفكر بك أبدا
ولن أكتب لك أبدا .."


كاميليا الناصر
الرسالة الأخيرة


تنهد ودقات قلبه تتسارع بقوة . أغمض عينيه وهو يفكر في الرسالة . إنها الرسالة الأخيرة التي تكتبها إليه ولن توجه له همسة علنية في الجريدة تخصه بها من بين القراء. أعاد قراءتها عدة مرات . وجد نفسه حائرا لا يعرف ماذا يفعل وظل يفكر فيها وفي هذه الهمسة الأخيرة . تساءل لماذا ستتوقف عن إرسال الهمسات له . هل سئمت من الكتابة إليه ، هل سئمت من انتظار حبه ؟ تأكد بان كاميليا مازالت تفكر به وتقصد كل كلمة كتبتها اليوم وفي المرات السابقة ولم تكن تريد أن تزعجه ، أو تلومه وتذكره بأنه السبب في ما حصل لهما .

ظل يفكر في كاميليا حتى حان موعد خروجه مع نسرين التي أصطحبها وذهبا سويا إلى الخبر لتناول العشاء في احد الفنادق . قضى وقتا ممتعا برغم انشغاله بما كتبته كاميليا في الجريدة وتمنى لو تحدثه نسرين عنها كعادتها ولكنها لم تفعل . عاد لبيته قبل أن ينتصف الليل بقليل وتوجه لغرفته وهو ممسك بالجريدة . أعاد قراءة ما كتبته كاميليا مرة أخرى وشعور غريب ينتابه الليلة وهذه الهمسة هي السبب . كل همسة كانت تكتبها له تثير في نفسه عاطفة مختلفة ، ولكن هذه الهمسة أثارت في نفسه اللهفة لسماع صوتها . اخرج الجرائد التي كتبت له فيها وراح يقرأها منذ الهمسة الأولى .
بدل ملابسه وأطفأ الأنوار ودس جسده تحت لحافه وهو مازال يفكر بها . شعر برغبة عارمة تجتاحه لسماع صوتها ، مد يده وتناول هاتفه الجوال . تنهد وهو يتذكر كيف حصل على رقمها قبل خمس سنوات ، وكم كان مشدودا لها ويحاول كشف هويتها والتعرف عليها . الآن هي توجه له نداء علنيا في الجريدة وهو متردد . فكر بالاتصال بها وتراجع بسرعة . ماذا سيقول لها ، هل سيعاتبها أو يوبخها ، أو يقول لها بأنه لم يتوقف عن التفكير بها برغم من كل شيء . وبدون أن يشعر ضغط على رقم هاتفها الذي يحفظه عن ظهر قلب وراح يستمع لنغمة الهاتف وقلبه يخفق في صدره بقوة .. الرنة الأولى والثانية والثالثة .. والرابعة ثم أجابت .
ظل ساكتا وهو لا يسمع أي صوت من الطرف الآخر .لم يتكلم وظلت هي ساكتة ولكنه عرفها من أنفاسها . كان متأكد من أنها هي من تجيب ولكنها آثرت الصمت . ربما تكون مندهشة من اتصاله ، وربما تهزأ منه . أبعد سماع الجوال عن أذنه ونظر لعداد الوقت قد تجاوز الخمس دقائق من الصمت . استجمع شجاعته وقال بصوت متردد :
- آلو ..
وجاءه صوتها الرقيق ، الصوت الذي عشقه منذ أن سمعه صدفه عبر الهاتف . قالت له برقة ممزوجة بالعتب :
- ولماذا تسكت .. أليس لديك ما تقوله لي ؟
تنهد وسكت لا يعرف ما يقول ، فسألته :
- لماذا تتصل بي ؟
بلع ريقه وقال :
- لم أتحمل فكرة أن لا تكتبي لي من جديد .. لا أريد أن أكون خارج مدار حياتك .
تنهدت وأخبرته بأنها كتبت همستها الأخيرة بإحساس كبير وهي صادقة في ذلك . تفاجأ مما قالته فسكت للحظات ثم قال لها :
- أريد أن أراك .. ما رأيك لو نلتقي عصر الغد لنتحدث ؟
- لا استطيع .. فعدا يعود ناصر من رأس تنورة .. و..
قاطعها وسألها عن علاقتها به وحياتها معه ، فاغصبها سؤاله وهو يعرف ظروف زواجها كاملة فاعتذر منها وقال :
- ضروري أن أراك .. سآتي لا اصطحابك الآن .. أين منزلك ؟
لم تتوقع أن يطلب مقابلتها الآن بعد كل الذي حدث بينهما ، وبعد هذه القطيعة وهما متزوجان الآن ويريد أن يخرج معها بعد منتصف الليل ، قالت له باستنكار :
- الساعة تشير إلى الثالثة فجرا .. هل أنت مجنون ؟
- نعم .. وتجبني ما قد يفعله المجنون في هذا الوقت .
حاولت أن تقنعه بأن يتفقا على اللقاء في وقت آخر فمازلت غير متأهبة نفسيا للقائه ، ولا تعرف كيف تواجهه وماذا تقول له ، لكنه أصر وقال لها بأنه يعرق الحي الذي تكسنه لكنه لا يعرف البيت بالتحديد وهو مستعد لفعل أي شيء لرؤيتها حتى لو اضطر للاتصال بنسرين وسؤالها .

بقيت كاميليا تحت تأثير الصدمة من اتصال عماد بها بعد سنة ، وكم كانت تنتظر اتصاله قبلها . ظلت تنتظر اعتذاره عما فعله بحقها . سيطرت عليها الحيرة وهي تفكر وتتساءل بم يفكر ولماذا اتصل بها الليلة بالذات . لماذا تذكرها وهل كان يقرأ رسائلها الموجهة إليه في الجريدة . رن هاتفها مرة أخرى وجاءها صوته من جديد . اخبرها بأنه في سيارته وبعد دقائق سيكون في الحي حيث تسكن . قالت له :
- لا تكن متهورا ومجنونا .
أجابها منفعلا :
- وهل نفعني عقلي عندما خسرتك .. أين منزلك ؟.. سآتي وإذا لم تنزلي لي سأحدث فضيحة في الحي كله .
بلعت ريقها وأخبرته بأن منزلها يقع أمام مدرسة البنات ، وبسرعة بدلت ملابسها وارتدت عباءتها وما أن انتهت حتى أتصل بها يعلمها بوصوله . خرجت مترددة وخائفة وهي تغطي وجهها خوفا من أن ينتبه لها أحد من الجيران ، وجدته واقف بجانب سيارته بكل وسامته وسحره وثقته بنفسه . فتح لها باب السيارة فاقتربت منه وركبت وركب بجانبها وابتعد بسرعة . نظر إليها وطلب منها برقة أن تزيح الغطاء عن وجهها . رفعت غطاءها وأظهرت له وجهها فرمقها بشوق بالغ وقال :
- أنا مشتاق للكحل الأسود في عينيك .. لحبة الخال بجوار فمك .. ولم أنس ما حدث في باريس .
أحست ببرودة تسري في جسدها وظلت ساكتة وهو يسير بسيارته بسرعة في شوارع القطيف الشبة خالية متجها إلى الدمام . كانا ساكتين وهو يتقاسم النظر إليها مع الطريق كل لحظة ، وهي تنظر للميدالية الزجاجية التي أهدتها إياه . أراد أن يكسر الصمت المطبق فأدخل اسطوانة موسيقية لفيروز وبدأت تصدح بصوتها الملائكي ..

" يا أنا يا أنا .. أنا وياك
صرنا القصص الغريبة
يا أنا يا أنا .. أنا وياك
وانسرقت ماكتبتي
وعرفوا إنك حبيبي .."

كانت عينيها مصوبة على آية الكرسي في الميدالية التي أهدتها إياه ، والمعلقة على مرآة سيارته . مازال يحتفظ بها لتحميه وتقيه من الشر والحسد كما قالت له . تنهدت وهي تفكر بنفسها وبالطريق الذي تمشيه الآن ، شعرت بيده تقترب من يدها وهو ينظر إلى الميدالية . ظلت صامتة وأصابعه تتحسس يدها برقة جعلتها تضغط على يده قليلا وقلبها يرجف وتتمنى لو تلقى بنفسها بين ذراعيه حتى لو قتلها . توقفت السيارة في كورنيش الدمام بعد ربع ساعة من الصمت وتبادل النظرات السريعة . وجدا المكان خال سوى من السيارات المارة وبعض الشباب الذين انتهت سهرتهم للتو .
أسندت كاميليا رأسها إلى الوراء وهي تشيح وجهها عن عماد الذي فتح لها الباب ومد له يده ودعاها للنهوض . نزلت دون أن تمسك بيده وفرش البساط على الأرض ودعاها للجلوس . قالت له بعد تنهيدة عميقة :
- ما الذي تريده مني ؟
سكت وهو يتأمل عينيها العسليتين المغلفتين بالدموع وأجابها :
- أنا أريدك ؟.. وأنت ما الذي تريدينه ؟
نظرت إلى السماء وقالت :
- لا أعرف ؟
تفادت النظر لعينيه وهو يقول لها :
- أنا أحبك .. ومشتاق لك كثيرا .
تنهدت وارتسمت على وجهها ابتسامة سخرية والدموع تغرق عينيها وسألته :
- وهل تحبني وأنا امرأة مريضة نفسيا .. ومتزوجة تخون زوجها بخروجها معك ؟!
عقد حاجبيه وأمسك بيدها :
- زواجك باطل ولا أعترف به .. أنت تحبيني ..و ..
قاطعته ودموعها تسقط من عينيها :
- ولماذا قلت بأني خدعتك وبأني لا أحبك وأهنتني وأنا في بيتك ذلك اليوم .
اختنقت بدموعها فسكتت وهي تبكي . ضغط على يديها وهو يريد أن يضمها إليه ويهدئ من روعها ولكن وجوده أمام السماء والبحر والعشب الأخضر والشوارع في الدمام منعه من ذلك . قال لها :
- أعرف بأني كنت قاسيا ولقد دفعت الثمن بالكامل من أعصابي وقلبي .. يوم زفافك شعرت بأني مستعد لفعل أي شيء لاستعادتك .. لم أتخيل أن تمسك يد رجل آخر .. تمنيت لو أنني أخذت بيدك وذهبنا لأي مكان وأصبحنا زوجين .. ندمت لتصرفي معك وندمت على زواجي ولا فائدة .. لم أتمنى أن يرجع الزمن إلى الوراء لأصحح أخطائي كما أتمنى الآن .
أخرجت من حقيبتها منديلا وراحت تمسح دموعها وهي تقول له بحرقة عجزت عن إخفاءها :
- لقد دمرت حياتي .. أنا امرأة محطمة وأنت السبب .. أعيش مأساة بدأها والدي وأنت أكملتها .
ظل يتأملها وهي تمسح دموعها وقال :
- تغيرت كثيرا .. من الذي غيرك ؟.. فقبل سنة كنت فتاة صغيرة ومدللة .
تنهدت وأردف يقول وهو ينظر للبحر :
- لو أستطيع أن أرجع الأيام والزمن إلى الوراء لمرة واحدة في عمري لما جعلتك تخرجين من البيت وأنت تبكين ذلك اليوم .
استمرت في البكاء رغم كرهها لرؤيته لها تبكي فذلك يشعرها بضعفها أمامه ويذكرها بما أحسته عندما طردها . قالت له :
- لقد تعبت كثيرا ولجأت إلى طبيبة نفسية لم تفلح هي مع أدويتها في ردم الجروح العميقة التي خلفتها في قلبي .. جرحتني وكتبت لك في الجريدة لأشعرك بتأنيب الضمير وأثير في نفسك الذكريات والوعود .
نظرت له بعمق وقالت له من بين دموعها :
- كثرت الجروح في روحي .. أنا لست أنا .. وأفقد كاميليا السابقة .
مسح دموعها بيده وطلب منها برقة بالغة أن تتوقف عن البكاء وعن أخذ الحبوب النفسية التعيسة ، فتنهدت وقالت :
- لا أعرف لماذا أنا معك .. أحبك ولا أستطيع أن أنكر ذلك ولكن ..
أقترب منها أكثر وحاول أن يضمها إليه فقالت له :
- تعقل فنحن في الشارع .. ماذا لو رآنا أحد ؟.. الشرطة أو رجال الهيئة .
سكتت للحظات ثم سألته :
- ولماذا أتيت بي إلى هنا ؟
لم يجبها ونهض ودعاها للنهوض وأمسك بيدها ومشيا ببطء نحو البحر . ملأت رئتيها بالهواء ودموعها مازالت تغرق وجهها وقالت :
- ليت البحر قادر على غسل قلبي من كل أحزانه .
نظر إليها وأجابها مبتسما :
- لا يستطيع البحر ذلك .
استغربت رده فأوضح لها :
- أنا الوحيد القادر على ذلك .. أنا المسئول .
رفعت رأسها للسماء وهي تلاحظ تغير لونها فقد بدأت الشمس بنشر نورها على أرجاء الدنيا . بلعت ريقها وطلبت منه أن يعيدها إلى المنزل ، فهز رأسه نافيا وقال :
- لن أفعل .. سنعود إلى القطيف ونشتري إفطارا ونذهب إلى المزرعة لقضاء بعض الوقت .. وعندما تصبحين بخير أعيدك إلى المنزل .
أرادت أن ترفض لكنها لم تتمكن ، أمسكت بيده عندما مدها إليها مشت بقربه وصعدت


يتبع ,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -