بداية الرواية

رواية الملعونة -14

رواية الملعونة - غرام

رواية الملعونة -14

سيارته ، وقبل أن يتحرك نزعت خاتم الزواج من يدها ورمته من النافذة فهي لا تريد أن يذكرها خاتم من الذهب بأنها متزوجة . ذهبا إلى شارع المطاعم وكان خاليا اشترى عماد فطورا من إحدى محلات الفول والتميس . وصلا إلى المزرعة والشمس قد أشرقت و العصافير تطير في السماء الصافية تغازل الأشجار . دخلا الاستراحة وتوجهت كاميليا إلى الحمام ، توضأت وصلت صلاة الصبح خلف عماد . وبعد أن فرغت قال لها مبتسما :
- هل دعيت لي في صلاتك ؟
وبنظرة أسى أجابته :
- أنا أعو لك دائما .. ولكن أخشى أن لا يقبل الله دعائي .
جلست في أحد زوايا الاستراحة بجلستها العربية الأنيقة التي زارتها من قبل مع نسرين وأمل وفاجأت عماد يومها بقدومها . أغمضت عينيها وأسندت رأسها للوراء وهي تشعر بتعب بعد هذه الليلة المليئة بالأحداث ، وفتحتهما عندما جاء عماد . دعاها لتناول الفطور فشربت رشفة من الشاي وهي ساهمة وعماد ينظر إليها . سألها :
- هل تشعرين بالنعاس ؟
لم تنطق واكتفت بالإيماء له بالنفي ، فقطع بيده الخبز وأعطاها ودعاها للأكل . راحت تأكل وهي ساكتة فخاطبها بنبرة غيرة بدت واضحة في طريقة كلامه :
- هل تودين العودة لمنزلك لتنتظري زوجك وتستعدي لاستقباله ؟
رشقته بنظرة حادة وآثرت عدم الرد ، فسألها :
- ولماذا لا تجيبين ؟
ضغطت على كأس الشاي بقوة ورفعت حاجبها وقالت بغضب :
- لست مضطرة للإجابة على هذا السؤال السخيف .
سألها بطريقة أزعجتها أكثر :
- هل تحبيه ؟.. هل تشتاقين لعودته وتتمنين أن يكون بقربك الآن بدلا مني ؟
لم تتملك نفسها وعماد يزعجها بأسئلته فرمت بكأس الشاي وانكسر أمام اندهاشه من ردة فعلها . ظل ساكتا وهي تبكي وقالت له وهي تنتحب :
- أنا أعيش في عذاب معه وأنت تسألني إذا كنت أحبه .. أنت تضعني في ضغط نفسي كبير لا أتحمله .
بلعت ريقها وقالت له وهي تنظر لعينيه السوداويين :
- ما الذي تريد أن تعرفه بالضبط ؟.. إن كنت تقصد علاقتنا الزوجية فلا شيء بيننا .. وأنا مازلت كما أنا .
أكتفى بالنظر إليها وهي تبكي . نهضت غاضبة من مكانها ، ولحق بها وهي تحاول الخروج من الاستراحة . امسك بذراعها بقوة وقال :
- أنا آسف .. فأنا احترق من الغيرة كلما فكرت بأنك معه طوال الوقت .. ولذا أتفوه بأي كلام .
رفعت رأسها ودموعها تسقط من عينيها بغزارة وقالت له بغصة :
- يبدو أنك مصمم على إيذائي .
أمسكها من كتفها وعينيه مصوبتان على عينيها فأدارت وجهها الغرق بالدموع عنه فهي لا تحتمل عمق نظراته ، وقال لها بلهجة آمرة :
- أطلبي منه الطلاق .. لا داعي لبقائك معه أكثر فأنت من حقي أنا .
نظرت إليه وقالت بنهنهة :
- طلبت الطلاق عدة مرات ورفض .. تركت المنزل بعد أن اكتشفت علاقته بالخادمة وأعادني والدي إليه رغما عني .. أنا محكوم علي بالسجن المؤبد معه .. لا تفديني المقاومة ولا الثورة ولا الانتفاضة .
بكت بمرارة وهو يقول لها :
- أنا أحبك ويجب أن تكون لي .. أنا مستعد لفعل أي شيء لننتهي معا .
ضمها إليه بقوة وهي تبكي بيأس وحزن على صدره ، وتستشعر حبه وحنانه وعاطفته التي تمكن من دك حصونها بقوتها فقط . رفعت الرايات البيضاء على قلبها مستسلمة ولم تنفعها حراسها وجنودها . بكت كما لم تبك من قبل وهي بين يديه ومختبئة بين ذراعيه . ساعدها على الجلوس وجلب لها كأسا من الماء البارد . بلل يده ومسح وجهها ودعاها لشرب القليل لتهدأ . ضمها إليه مجددا ومسح دموعها وهو يطمئنها بأنه سيجد حلا مناسبا ليخلصها من ناصر حتى وإن اضطر لقتله .
استيقظت من نومها في السابعة مساء وهي تشعر بتعب بعد ليلة قضتها سهرا بالحديث والبكاء والعتاب ، ومع من ؟ مع عماد الذي تركها تبكي قبل عام ولم يبالي بدموعها وانكسارها . تركها تواجه حياتها مع ناصر ، والآن عاد ليقول لها بأنه مازال يحبها ووعدها بأن يجد لها حلا . وعدها بالخلاص كما وعدها بالحب والسعادة وكانت النتيجة هلاكها .

الفصل 36

ثلاثة أيام مرت على تلك الليلة الطويلة مع عماد في كورنيش الدمام والمزرعة . ورغم رفضها لملاقاته أثناء وجود ناصر في القطيف عمد الاتصال بها بين وقت وآخر ليطمئن عليها . أراد أن يراها لكنها رفضت لقاءه ، واكتفت بالمكالمات الهاتفية . خشي أن ترفض لقاءه مرة أخرى بعد تلك الليلة لكنها أخبرته بأنها ستراه من جديد بعد أن يذهب ناصر لعمله مساء الجمعة . في الثامنة مساءا أتصل بها وأخبرها بأنه في طريقه إليها ليصطحبها إلى العشاء ، وبرقة طلب منها أن تضع الكحل الأسود في عينيها فهو مشتاق إليه ، ضحكت من قلبها وهو يأخذ عليها عهدا بذلك .
تعطرت وتزينت ، ورسمت الكحل الأسود حول عينيها ووضعت أحمر الشفاه للامع ، ثم وضعت خاتم الياقوت في يدها والقرطين الماسيين في أذنيها وراحت تنتظر قدومه بشوق كبير .ظلت تفكر به وبهذا اللقاء . كم تحبه ، وكم هي ضعيفة أمامه ولا تستطيع أن ترفض له طلبا وتتلهف للقائه والخروج معه . رن هاتفها الجوال ولابد أن عماد هو المتصل بكل تأكيد ليخبرها بأنه ينتظرها أمام باب البيت ، لكن أمل هي المتصلة تذكرها بدعوة العشاء من إحدى زميلاتهن . اعتذرت عن عدم تمكنها من الذهاب ، وأخبرتها بأنها مدعوة على العشاء مع الحبيب المجهول الذي عاد إليها منذ البارحة . صعقت أمل من كلامها ، وحذرتها طالبة منها التعقل فهي متزوجة . ألقت عليها محاضرة طويلة حاولت من خلالها أن تثنيها عن لقاء حبيبها لكن كاميليا قالت لها بأنها ستخرج معه وستراه رغما عن الناس والمجتمع وأهلها والدنيا بأسرها . لم يعد يهمها الناس وأن لاكوها في أفواههم وأصبحت حديثهم في المجالس وعلى سماعات التليفون ورافقتها لعناتهم . لم ينفعها أحد عندما أرغمت على الزواج بناصر وعاشت معه سنة تعيسة أصبحت خلالها مريضة تراجع عيادة نفسية وتأخذ حبوبا عن الكآبة وحبوبا أخرى للنوم .
ركبت سيارة عماد . أمسك بيدها وطبع عليها قبلة أثارتها وغمرتها بسعادة لم تشعر بها من قبل أن تعرفه . عندما أغرقها باهتمامه وعاطفته . سارا في الطريق المؤدية إلى الخبر لتناول العشاء وصوت فيروز يصدح برقة وعنفوان ..
" تبقى ميل تبقى أسأل
متل الأول ضل أسأل
الله لا يشغلك بال
وديلي منك مرسال
أسأل .. أسأل .."
جلسا على طاولة في القسم العائلي في المطعم الهندي ، وسترهما النادل عن بقية الطاولات بحاجز خشبي أنيق . أزاحت كاميليا اللثام عن وجهها وأرخت حجابها وعماد مبهور بجمالها أخذ يتأملها بصمت على صوت الموسيقى الهندية الرائقة . بدت فاتنة بالكحل الأسود ورموشها الطويلة وحبة الخال راقدة في زاوية فمها . ابتسم وأمسك بيديها وقال لها برقة :
- أنت فاتنة .. أنت قطعة السكر التي أعشقها .
ضحكت وقالت له بصراحة لم تحدثه بها من قبل بأنها تحبه وسعيدة لعودتها إليه ، وختمت حديثها عندما أخبرته بنعومة بأنه صاحب أجمل عينين سوداويين رأتهما في حياتها . ابتسم بسعادة وأردف يقول :
- أحبك جدا ..
قطع النادل كلامه عندما جاء وسأله عما يريدان تناوله . اختارت كاميليا السلطة الخاصة وسلطة الخيار بالبن والكولا المثلجة . أختار عماد الطبق الرئيسي وهو الربيان المشوي مع البطاطس المقلية . أكلا وتحدثا كثيرا ، كانت تود أن تسأله عن حياته بعد سفر زوجته لكنها لم تفعل ، ظلت تتحدث معه مستمتعة بنظراته الشغوفة ، وكلماته وغزله ولهفته . لم تشعر بالسعادة كما أحست بها هذه الليلة . سعيدة مع عماد الذي أطلقت عليه الحبيب المجهول في أحاديثها مع أخته وابنة عمه .
ذهبا ليكملا السهرة في أحد المقاهي . جلسا قريبين من بعضهما شربا القهوة ، وضحكت من قلبها ويده تبعثر بشعرها ، ونظراته تلثم وجهها وعينيها ويديها . في الواحدة طلبت كاميليا منه أن يأخذها لبيتها فوافقها على مضض رغم رغبته بقضاء الليل معها . وصل لمنزله واتصل بها مباشرة ، لم تكن كاميليا متأكدة أنها كانت مستيقظة أو نائمة وتحلم بصوته وهو يقول لها بأنه يحبها ويريدها ، ويتمنى أن يكون معها لوحدهما وحتى وإن كانا في سجن أو غابة أو في المريخ .

نامت دون أن تأخذ حبوبها وهي تسمع صوت عماد يهمس في أذنيها ، واستيقظت أثر اتصاله بها صباحا . شعرت بالسعادة ونشوى وهو يخبرها بأنه فتح عينيه وأتصل بها مباشرة . غسلت وجهها ورطبته بالقليل من الكريم ومررت الكحل الأسود بحرفية على جفنيها . خرجت معه ولم تسأله عن وجهتهما وإلى أين سيأخذها . كانت سعيدة وهي تنتظره ومستعدة للذهاب معه لأي مكان . عرض عليها الذهاب للخبر وتناول الفطور في المجمع التجاري لكنها رفضت فهي تخاف أن يلحظها أحد . خرجا وهما لا يعرفان إلى أين يذهبان . يريدان مكانا لا يعرفهما أحد فيه ، عرض عليها الذهاب للمزرعة لقضاء النهار معا ، فقالت له وهي ترى حماسه :
- ألن تذهب للشركة ؟.. اليوم السبت وهناك دوام .
هز رأسه نافيا وضحك فهو مستعد لترك كل شيء وراء ظهره مادامت معه . ابتسمت فهي أيضا أخبرت صديقتيها بأنها عادت للحبيب المجهول واعتذرت عن لقائهما . ظنتها أمل تكذب لكن سعادتها الغامرة جعلت صديقتيها تصدقان وحذرتاها من التهور في علاقتها معه . سارا في شارع القدس متجهين نحو متجر واشتريا علبة لبنة وعلبة زيتون أخضر ، وكيس من الخبز الطازج وعددا من علب العصير والكولا . كانا سيعيدان وهما يضعان ما اشترياه في سلة التسوق وكأنهما زوجان يشتريان حاجياتهما ولا أحد يعرف بأن كل واحد منهما متزوج ولكن من شخص آخر . تذكر عماد وجبة الغذاء فذكر كاميليا وسألها بابتسامة عن الطبق الذي ستعده له . اندهشت وضحكت للفخ الذي أوقعها به فهي لا تجيد الطبخ ولا تحب غير تناول الطعام ، لكنه أصر فوافقته شريطة أن تطهو له شكشوكة . اشتريا ما يلزم وأكملا طريقهما إلى المزرعة وهما يستمعان لأغنية فيروز كان الزمان وكان التي تذكرهما بذكرى خاصة . دخلا الاستراحة سويا وضع عماد ما اشتراه في المطبخ وخرج ليجد كاميليا جالسة مستندة على أحد المساند وقد أرخت حجابها ونزعت النظارة الشمسية عن عينيها . جلس بجوارها ملاصقا فابتعدت عنه قليلا وضحك وهو يقول لها بأنه يحبها بعيدة أو قريبة . نهضت تعد الفطور بنفسها أمام عينيه التي تراقبها بسعادة وحب . وضعت حبات الزيتون في الطبق وفرشت اللبنة وسكبت عليها القليل من زيت الزيتون وحملته مع العصير في الصينية . تناولا فطورهما البسيط وضحك من قلبه عندما غنت له كاميليا أغنية الصبوحة ( عالبساطة البساطة يا عيني عالبساطة .. تغديني جبنة وزيتون وتعشيني بطاطا ) . كانا سعيدين وهما يتجهان لإسطبل الخيول ، وعماد يسرج خيله المفضلة ويساعدها على امتطائه . ركب خلفها وراحا يسيران في أرجاء المزرعة .
- أنا في الجنة .
هذا ما قالته كاميليا لعماد الذي نزع عنها حجابها ورمى بربطة شعرها على الأرض وبعثر شعرها بيده وهي مستندة على صدره . كانت فعلا تشعر بأنها في الجنة ، وكأنها حواء وعماد آدم ، فقال لها ممازحا :
- وماذا عن التفاحة ؟
ابتسمت وأجابته :
- لن نقترب منها حتى لا نطرد من الجنة .
تجولا في المزرعة بهدوء وهما يتحدثان ، وعندما اشتدت شمس الظهيرة عاد إلى الاستراحة . جلسا يشربان العصير وهما يتحدثا في أمور عديدة ، فاتحها عماد بمستقبل علاقتهما . طلب منها أن تعود لبيت والدها وتطلب الطلاق ، فرفضت لمعرفتها بأن والدها سيعيدها لناصر رغما عنها ، كانت تشعر بالقرف وهي تتذكر نفسها ووالدها يعيدها كالعنزة إلى حظيرة ناصر . قطع رنين هاتفه الجوال حديثهما عندما اتصل به فيصل يسأله عن سبب تغيبه عن الدوام فأخبره بأنه مشغول ولن يذهب اليوم للمصنع والشركة ، ومن ثم أقفل هاتفه فهو لا يريد أن يتصل به أحد وطلب من كاميليا أن تقفل هاتفها أيضا .

في الواحدة بعد الظهر توجهت كاميليا للمطبخ لإعداد الشكشوكة وعماد يساعدها وتناولاها مع الكولا وهو يمازحها ويشكرها فلقد تعبت في إعداد الغذاء الدسم . استند بأريحية على أحد المساند وكاميليا سعيدة بجانبه تشعر بقربها منه . أغمضت عينيها وهو يشم شعرها ، تذكرت ما قاله الشيخ عن الحب المحرم . ما قاله ينطبق عليها لكنها رفضت هذه الأفكار وأحلت حبها لعماد وشرعته ، وان كانت متزوجة برجل آخر لا تطيقه ورمت بخاتم زواجها به في كورنيش الدمام في الليلة التي عادت فيها لحبيبها . أسندت رأسها على كتفه بعفوية وذكرته بأحلامهما قبل سنوات .
- مازلت أراك زوجتي وأم أولادي .. وأحلم بأن أعود من عملي يوما ما وأراك بانتظاري .
قال ذلك برقة ففتحت عينيها وراحت تنظر له بصمت فتنهد بقوة وأردف :
- ما هو الثمن الذي يتوجب علينا دفعه للحياة لكي تجمعنا سويا ؟
سكت زاما شفتيه وهو يفكر بجديه في ثمن السعادة الذي سيدفعه مهما كان غاليا ، فرفعت كاميليا رأسها من كتفه وقالت له وهو تتأمل عينيه السوداويين الغامضتين .
- أحبك .. وأريد أن أكون معك .. سآكل من التفاحة حتى لو طردت من الجنة .
ابتسم وضمها إليه بقوة وظلا متعانقين في سكون وهما في عالم آخر لا أحد فيه غيرهما . كانا سعيدان دقات قلبيهما الخافقة وأنفاسهما المتلهفة . تذكرت كاميليا كلامها السابق لعماد عن الحب في السعودية عندما قالت له بأن الحب حرام هنا لذا يطاردونه ويعتقلونه أو يغتالونه . والآن هي بين ذراعي حبيبها رغما عن كل شيء وتعيش قصة حب لم تحلم بها يوما . ابتعدت عن عماد قليلا وراحت تنظر إليه وهو يتأمل عينيها العسليتين المحاطتين بالكحل الأسود ، فأمسك بجانب رأسها بيده اليسرى وسبابة يده اليمنى تتحسس حبة الخال في زاوية فمها . كان جادا عندما قال لها بثبات تشوبه الرقة :
- أريد أن أقبلك ومستعد للموت بعد ذلك .
فاجأها ما قاله فلم تستطيع أن تنطق . ظلت ساكتة تحدق بعينيه المتلهفتين وهو يقترب منها ، وشفتيه تلامس زاوية فمها بنعومة ، وقلبها ينبض بقوة وشفتيه تنتقل ببطء لتقطف القبلات من فمها . استسلمت لعناقه وقبلاته التي أشعلت وجهها وعنقها ، ويده تتجول برقة وانسيابية في جسدها المغطى بالعباءة .
- هذا لا يجوز يا عماد .. أرجوك .
قالت له ذلك وهي تشعر بأنها ستذوب بين يديه . حاولت أن تبتعد عنه لأنهما يتخطيا الخطوط الحمراء ، وأختلط الحلال بالحرام وهي لا تستطيع الإنكار فكل ما يشعران به ليس من حقهما . تماديا ويد عماد تمتد لعباءتها ويفك أزرارها العلوية . حدق بشغف وأذهلته ملابسها التي تظهر صدرها بشكله الطبيعي الجذاب . شعرت بأنها مشوشة بين عاطفتها التي لا تستطيع لجمها وبين تحذيرات صديقتيها . تذكرت كيف لامت سماح عندما أخبرتهن بأنها حامل من خطيبها بعد عقد قرانهما ، وكيف أجبرها والديها على إلغاء حفل الزفاف خوفا من الفضيحة عندما تظهر في الحفل وتغيرات الحمل ظاهرة في جسدها ويتداول الناس خبر العروس الحامل التي تحمل الطفل بين يديها بدلا من باقة الورد كما كانوا يتندرون من كل فتاة تتزوج وهي حامل . بلعت ريقها ووقفت بوجه مشاعرها التي طغت على عقلها واستجمعت شجاعتها ونهضت وقالت له :
- هذا يكفي .. ليس من حقنا أن نحب بعضنا بهذه الطريقة .
حاول إقناعها ، لكنها ارتدت عباءتها ووضعت حجابها على رأسها والدموع تندي عينيها وطلبت منه الخروج من المزرعة حالا فهي تريد أن تعود لمنزلها . ظل عماد ساكتا فصرخت فيه بانفعال ودموعها تتساقط ببطء على خديها :
- أعدني لمنزلي حالا فلن أبقي هنا .
أقترب منها وأمسك بيدها ودعاها للجلوس لكنها كانت مصرة على الذهاب قالت له صراحة بأنها عذراء وعليها أن تبقى كذلك . هز رأسه وجلب لها كأسا من الماء شربت منه وخرجا من المزرعة . كانت الشمس توشك على الغروب وهما يسيران بصمت مطبق عائدين إلى وسط المدينة . ظل عماد يقود سيارته وهو ينظر لكاميليا التي أشاحت وجهها عنه وعينيها على الشارع من خلال النافذة . مد يده ليسمك يدها فأبعدتها ، فهي لا تريده أن يلمسها وتضعف من جديد أمام حبه . قال لها :
- لا تعامليني بهذه الطريقة .
لم تنظر إليه وظلت ساكتة فتنهد وقال لها :
- أعملي بأن الإنسان لا يتحكم بقلبه ومشاعره .. والقلب الذي يحب كاميليا لا يستطيع أن يحب غيرها .
وصلا إلى حي الجزيرة أوقف عماد السيارة أمام باب منزلها . همت بالخروج فأمسك بيدها رغما عنها وقال لها بأنه سيتصل بها حالما يصل إلى منزله . توجهت مباشرة لغرفتها ورمت نفسها على السرير . استعاذت من شيطان الهوى وراحت تبكي وهي تفكر بما حصل اليوم وتحمد ربها على أنها تصدت لطغيان حبها في الوقت المناسب . انتحبت بقوة وهي وحدها في هذا البيت الخالي ولا تستطيع أن تقول لأحد عما تشعر به . كانت تشعر بثقل كبير يجثو على صدرها ويمنعها من التنفس براحة ، فنهضت وأخذت منشفتها ودخلت الحمام لتستحم . فركت جسدها بقوة وكأنها تريد أن تغسل عنه قبلات عماد ولمساته . وقفت تحت رشاش الماء وهي تبكي بقوة وقد عقدت عزمها على قطع علاقتها بعماد ، فلن تعود للقائه أو الحديث معه بعد اليوم .

خرجت من الحمام وارتدت ملابسها دون أن تضع كريماتها الخاصة أو الزيت العطري ، وفرشت سجادة الصلاة لتصلي المغرب . بكت وهي تفكر بمواجهة ربها بعد الذي حدث . بكت بحرقة وهي تدعو الله أن يغفر لها ويسامحها وأعلنت توبتها عن هذا الحب الذي طغى عليها . لن تسمح لنفسها بأن تفكر بعماد وستحكم عقلها ولن تسمح لقلبها بالنبض حبا له .ذهبت إلى المطبخ وجلبت لها قنينة كولا وعادت لغرفتها . شربت كأس الكولا وأخرجت هاتفها الجوال من حقيبتها الخاصة لتفتحه ، وما أن ضغطت على الزر وظهرت شاشة الترحيب حتى أتاها اتصال عماد . أجابت عليه بسرعة لتقول له عن عزمها على قطع علاقتهما فجاءها صوته الحنون :
- لماذا لم تفتحي هاتفك يا قطعة السكر .. ظلت أتصل بك وجهازك مغلق .. هل أنت بخير ؟
بلعت ريقها وهي تشعر بالضعف أمام صوته وعتابه وقلقه عليها . فتنهدت وقالت له :
- ما بيننا انتهى .. لا تتصل بي .. مرة أخرى .
تفاجأ من كلامها فلم يجادلها .. وطلب منها أن تهدا وترتاح وسيتصل بها في اليوم التالي ليطمأن عليها .. قالت له بحدة :
- لا تتصل بي مرة أخرى .. لقد اتخذت قراري ولن أعدل عنه .. مع السلامة .
أغلقت هاتفها ووضعته على الطاولة وبكت بشدة . بكت على التعاسة التي تشعر بها الآن فلقد ازداد أمرها سوءا . أرادت أن تتوقف عن التفكير فأخرجت حبوبها القديمة من الدرج وابتلعت ثلاث حبات من حبوب الكآبة والنوم ، واستلقت على سريرها لتنام وتتلافى التفكير بما حصل ، وبعد عشر دقائق كانت تغط في نوم عميق.

الفصل 37


أربعة أيام بعد تلك الحادثة وبعد قرار قطع علاقتها بعماد نهائيا ، لم تسمع فيها صوته ولم تره بعد أن أصبح عاملا مهما في يومياتها منذ أن عاد لبعضهما . ظلت جالسة في البيت تفكر في حياتها واستقبلت أمها وأختها مرة ، وصديقتها مرة واعتذرت عن الخروج معهما عدة مرات . زارتها ناهد ولم تخبرها بما حصل ، ولأول مرة تخفي عنها وعن أختها شيئا يخص علاقتها بعماد . حتى صديقتيها حين سألتاها عن الحبيب المجهول قالت لهما بأنها قطعت علاقتها به وحكمت عقلها . ذهبت للمطبخ وشربت كأسا من الكولا أشعرها بألم في معدتها الخاوية فأخذت دواء الحموضة وذهبت ترد على هاتفها الثابت . كانت أختها شذى تدعوها إلى الخروج فاعتذرت فهي تفضل البقاء في البيت في اليوم الذي يعود فيه ناصر تجنبا للمشاكل ، واقترحت على أختها أن تأتي لتقضي معها بعض الوقت وتمر في طريقها بأحد مطاعم الوجبات السريعة وتجلب لهما الغداء.
ظلت جالسة في غرفتها تنتظر أختها وهي تفكر بعماد ، لا بد أنه يتصل بها دائما ويجد هاتفها مقفلا . شعرت بألم في قلبها وهي تتجه بلا واعي نحو درجها وتخرج كتابها المصون الذي تكتب فيه أشعارها ورسائلها لعماد والتي نشرت بعضها في الجريدة . راحت تتذكر ما حصل بينهما في المزرعة . هي دائما ضعيفة أمامه ، واستسلمت له منذ أن غزا قلبها وحياتها بحبه واهتمامه وذوقه قبل سنوات . أصبحت أسيرة لعينيه السوداويين اللتين غيرتا مجرى حياتها فلم تعد كما كانت ، استطاع بحبه ولهفته أن يجعلها تخرج للقائه في المقاهي والمطاعم وتذهب معه للكورنيش فجرا وتقضي نهارا معه في مزرعته لوحدهما . تأففت وهي تنجرف في تيار الفكر بعماد وبالحب الذي تحمله له في قلبها . نظرت لساعتها كانت تشير إلى الرابعة والربع ولم تأت شذى بعد لتخرجها من أفكارها وتتسلى معها .
اتصلت بها لتسألها عن سبب تأخيرها فطلبت منها أن تفتح لها الباب وتستعد لاستقبالها فهي تأخرت لأنها مرت بمحل الحلويات لشراء كعك التراميسو . نزلت بسرعة للصالة .. رن جرس الباب فأسرعت تفتح الباب لتساعد أختها في حمل الأغراض .. شهت بدهشة عندما رأت عماد أمامها وعينه السوداويين مصوبتين عليها بنظرات بهما خليط من الغضب والقلق والعتب . دفعها للداخل وأغلق باب المنزل الخارجي . بلع ريقه وسألها بحدة :
- لماذا تقفلين هاتفك ولا تردين على اتصالاتي ؟.. أنا مشغول البال أفكر بك وأنت جالسة هنا مرتاحة .
طلبت منه الخروج وقالت له:
- كيف تسمح لنفسك بأن تأتي لبيتي .. أنسيت بأني امرأة متزوجة ؟
أقترب منها وابتعدت عنه فقال لها :
- أخبرتك بأني مجنون .. ولا على المجنون حرج .
تأففت وقالت له بهدوء يشوبه الخوف :
- أرجوك يا عماد .. أذهب ودعني وشأني وأختي شذى ستصل في أي لحظة ولا يجب أن تراك هنا .. كما أن ناصر سيعود اليوم من عمله .. لا تسبب لي مزيدا من المشاكل ولا تكن عبئا عليّ .
أمسك بذراعها وراح يحدق بعينيها وكأنه يذكرها بلحظات الحب الذي جمعتهما في المزرعة قبل أيام . قال لها بحزم :
- لا أريد أن أفقدك الآن .
قال جملته وضمها لصدره فشعرت بالضعف وقلبها يطلب منها موافقة حبيبها ويزين لها حلاوة العودة إليه ، لكنها سرعان ما تذكرت ما حدث في المزرعة فأخرجت نفسها من بين ذراعيه وطلبت منه أن يخرج حالا . شعر بغضب لم يستطع كتمانه وطلب منها أن تذهب معه حالا . قال لها :
- لن أسمح ببقائك هنا .. ستذهبين لمنزل والدك حالا لتطلبي الطلاق من زوجك النذل .. فلا يجب أن يعود الليلة ويراك .
كان مصمما على أن يأخذها بنفسه لبيت والدها لكنها رفضت فهي تعرف بأن ذلك لن يعود عليها بالفائدة ، فلو عاد ناصر ووجدها في بيت والدها تطلب بالطلاق ستزداد الأمور سواء وسيعيدها والدها رغما عنها شاءت أم أبت فلا أحد يهتم برأيها . اشتد غضبه فأفلت ذراعها وقال لها وهو يهم بالخروج :
- إذن لا تنتظري عودته اليوم .. أقسم بالله العظيم بأني سأكون بالمرصاد وسأقتله .
خرج بسرعة مصطدما بشذى الذي استغربت وجوده فأخبرتها بما حدث بينهما منذ أن عادا لبعضهما . بكت وهي تخبر أختها بتهديد عماد بقتل ناصر المتكرر ، فلقد قال لها ذلك عدة مرات وفي مناسبات مختلفة . اقترحت عليها شذى أن تتصل به ليهدأ على أن تعود للقائه في أي مكان عام بعد ذهاب ناصر يوم الجمعة . اقتنعت بذلك واتصلت به ولم يجبها ظلت حائرة تفكر وهي خائفة أن يتهور ويورط نفسه . مر الوقت وهي جالسة مع أختها وعلا صوت أذان المغرب فصلت ودعت من الله أن يهدي عمادها ويبعده عن درب ناصر . أمضت وقتها في قلق والوقت يمر والساعة تجاوزت الثامنة وناصر لم يعد بعد . اتصلت بهاتفه فلم يرد عليها . كانت هذه المرة الأولى التي تتصل به منذ أن تزوجا ولكنها قلقة الآن عن سبب تأخير عودته فطالما كان وجوده خارجا مريحا لها .
أنتصف الليل في القطيف وناصر لم يعد بعد ولا يرد على اتصالاتها . زاد قلقلها فعماد لا يجيب أيضا . ظلت كاميليا حائرة وخائفة ، وقلقة تفكر فيهما معا . وفجأة رن الهاتف فأسرعت لتجيب فوجدت عمها عبد العزيز يتصل ليسألها عن ناصر . تذكرت قسم عماد بقتله فشعرت بقشعريرة في أطرافها وطلبت من أختها أن تبقى لتبيت معها الليلة . تناولت حبوبها ولم تستطيع أن تهدأ إلا بعد أن أخذت ثلاث حبات من كل دواء لتنام دون أن تفكر بشيء كما تعودت . نامت على سريرها وشذى بجانبها واستيقظت في التاسعة صباحا على صوت هاتفها الجوال فهبت له بسرعة فربما يكون ناصر هو المتصل ، ولأول مرة تنتظر اتصاله بفارغ الصبر . لكن المتصل كان والدها يخبرها بلهجة غريبة بأنه في طريقه إليها . شعرت بألم يجتاح صدرها فأيقظت شذى . جلستا تنتظران والدهما الذي نادرا ما يزورها ، حتى هي لم تكن تذهب إلى منزل والديها كثيرا منذ أن أخرجت منه بالقوة لمنزل ناصر . اتصلت بعماد ولم يجبها ، وبعد دقائق وصل والدها ففتحت له الباب والقلق والتوتر وصلا في نفسها إلى أقصى درجة .
جلس والدها بوجهه المتجهم وابنتيه بجانبه وقال لهما بأن رجال الشرطة عثروا صباح اليوم على ناصر ميتا في سيارته على طريق الجبيل والتحقيقات قائمة لمعرفة ملابسات الحادث . شهقت كاميليا وهي تصفع على وجهها فهذا ما كانت تخشاه . فعلها عماد وقضى على نفسه ومستقبله وحياته وقضى عليها . شعرت بأنها منهارة وأغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الوراء فاقدة الوعي .
كان في طريقه إلى السعودية بعد أن قضى ليلة البارحة في البحرين . مازال متضايقا بعد ما حدث بالأمس ، ومستنكرا عدم قدرته على لجم مشاعره وانفعاله وغضبه . تنهد وهو يعبر بسهولة جمارك البحرين ويقف في طابور طويل من السيارات في الجمارك السعودية . تمنى لو يفصلون موظفي الجوازات عن بعضهم ويضعوا كل واحد منفرا لما تأخر أحد ، لكنهم يضيعون الوقت في الحديث وشرب الشاي . ضغط على زر تشغيل الموسيقى وجاءه صوت فيروز ..
" يا مختار المخاتير بحكيلك الحكاية
انا ما بحب الشرح كتير ولا في عندي غاية
بدي تفللني بكير يا مختار المخاتير ..
هني كانوا زعلانين أنا شو بدي فيهن
قلت براضي العاشقين زعلوا أهاليهن
حطوا الحق عليي وقالوا هالحشرية
يصطفلوا شو ما صار يصير
وخلي هالزير بهالبير
يا مختار المختيار .."
أخفض الصوت والموظف المسئول يطلب منه التوقف في أحد المواقف من اجل التفتيش . أطفأ محرك السيارة وترجل ليفسح المجال للموظف ليأخذ راحته ، ففتح أدارج السيارة الأمامية كلها ، وفتش الجيوب وأسفل المقاعد وصندوق السيارة وبعد أن انتهى . ختم له على الورقة وسمح له بالذهاب .
دخل منزله الخالي فأستقبله رنين الهاتف . جلس في الركن الفرنسي ورفع السماعة وتحدث مع أمه القلقة عليه والتي لا تعرف عنه شيئا منذ الأمس . طمأنها واخبرها بأنه قضى ليلته في البحرين ودعته لتناول العشاء معها قبل أن تخرج لزيارة صديقاتها فوافق . توجه لمنزل والد مباشرة وجلس مع أمه يتحدثان ثم جاء والده وجلسوا حول المائدة لتناول العشاء . أكل معكرونة الدجاج بالجبن بشهية ثم شرب شاي النعناع وهو يفكر بكاميليا التي عادت وقطعت علاقتها به بعد أسبوع جميل قضاه معها ، وعندما أرادها أن تترك بيت زوجها رفضت . عادت إليه الشكوك من جديد فهاهي ترفض مدعية فشل محاولاتها السابقة ، وأن والدها سيعيدها لزوجها كما أعادها قبلا . دائما تحتج بأنها لا تستطيع أن تفعل شيئا أمام والدها . خرج من دائرة أفكاره وشكوكه حين دخلت نسرين وجلست بجانبه وقالت له :
- اتصلت بك ألف مرة وجهازك مقفل .. خير ؟
فرك جبينه بإصبعه وقال :
- لا شيء مهم .
امتعضت أمه من أجابته المبهمة واستدارت لنسرين وسألتها عن كاميليا مما استدعى انتباهه . سألتها :
- وكيف هي كاميليا الآن .. هل اخرجوا زوجها من المستشفى ؟
هزت رأسها وقالت :
- ليس بعد أن تنتهي التحقيقات .
فتح عينيه بدهشة وهو يشعر بجفاف في حلقه وسال أخته عما حدث لزوجها فأخبرته بأن رجال الشرطة وجدوه صباح اليوم ميتا في سيارته . فرك جبينه وهو يتذكر تهديداته لكاميليا بان يقتل زوجها . كان يرى ذلك حلا مؤقتا فهو لم يجد بعد طريق مؤكد لتنتهي معاناتها ، ولم يفكر كونه متزوجا وزوجته في لندن منذ شهر أو أكثر . فكر أن يعترض طريقه أثناء عودته أو يستدرجه لأي جهة وينهي عليه ويرتاح من هذا الكابوس ، ولكن بمجرد ركوبه في سيارته أبعد الفكرة من رأسه واستعاذ من الشيطان وهو يتذكر كلام ماجد عن هوى النساء المؤذي .
يتبع ,,,,
👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -