بداية الرواية

رواية ضلالات الحب -13

رواية ضلالات الحب - غرام

رواية ضلالات الحب -13

وضحك بألم، التفت له "فيصل" بتعجب، لكنهُ لم يبالي، لازال مستمراً في الحديث مع نفسه، يسترجع حروفها عن ظهر قلب، كلا لم تكن حروفاً كانت طعنات، رصاصات طائشة في القلب الأعمى.....
اقترب منه "فيصل" لمس كتفه فالتفت له، سطور الحزن وجدت طريقها في حنايا بشرته، حفرت في مرآة وجهه كلمات!! أخ ما أقسى الكلمات...
- ما بك؟!
هزّ رأسه وهو يزفر من الأعماق:
- تلك المجنونة..طالبة علم النفس، تقول عني مريض!!
- أيّ مجنونة؟!
- من غيرها تلك المشاكسة..
ضحك "فيصل" ملئ فمه و"خالد" ينظر له بتهديد، جلس بجانبه طالباً منه أن يحكي له ما جرى، استمع بإنصات في بادئ الأمر، ثم ما لبث أن أنفجر ضاحكاً من جديد وعيناه تدمعان:
- قالت عنك مريض!!هههههه..لقد صدقت فيما قالت.
- ماذا؟! (تساءل بغضب.(
- نعم مريض ومجنون أيضاً.
- لالالا هذا كثير.
- وهل يوجد رجل عاقل في الدنيا يسأل فتاة أتريدين أن أخطبك؟!
وقف "خالد" وهو يشبك يديه بعصبية:
- كنتُ أريد أن أعرف ردة فعلها، أن أحرجها ربما..لا أدري..
- لماذا لا تقلها بصراحة، لا يوجد أحد غريب هنا بيننا لتخجل منه.
- أقولُ ماذا؟
- تقول أنك تحبها.
- مثلي لا يحبُّ مثلها. (ردّ بأنفة.(
- عدنا للأنف المرفوع.
- أنا شخص واقعي.
- ومادمت واقعياً هكذا أتركها وشأنها، لا تشغل نفسك بها.
- ليس قبل أن أشفي غليلي منها، لكن لا أعرف كيف...
- تزوجها.
- أتزوجها؟!

هزّ رأسهُ بالإيجاب وهو يدرك أن كل الأعذار الذي ذكرها صديقه واهية، يعرفه تماماً، مهما كابر وأنكر....
- قالت لي لو كنت آخر رجل في الدنيا ما أخذتك.
- لا عليك منها، كلهن يقلن هكذا، إذا قلن لك لا، فهذا يعني نعم، أسألني أنا..أسأل مجرب ولا تسأل طبيب...
قلب الفكرة في ذهنه، كلماتها تطفو أمامه، تعلو كل حين، والصورة لا تكتمل....
أتدرون ما قال؟!
.
وكيف لي أن أعرف!!! لم أكن هناك ...

وتشابكت خيوط العنكبوت بوهن...
وبدا اليوم طويلاً طويلاً لا نهاية له..
ولم يتبق من الزمن إلا ساعة، ساعة واحدة فقط!!!!
الخيوط تذوي....
والرياح في الخارج تعوي كذئابٍ مجنونة!!!!
وبدأت حبات العقد تنفرط......
أحداث خطيرة تنتظر أبطالنا في الجزء القادم فانتظروني ...
(19)
ارتفع صوتها حدةً:
- وماذا لو حبلت؟!
- ألم أوصك بتناول حبوب منع الحمل بإنتظام.
- أخاف أن أشربها الآن، سمعت أنها تسبب العقم.
- من قال لكِ هذه السخافات؟!
- كلهم يقولون ذلك، الناس..التلفاز..المجلات.
- كل هذه ترهات.
- أنت لا تهمك إلا نفسك، أما أنا فلا، لا يهمك إن أصابني مكروه..
………………………………..-
- ما بالك لا تجيب؟!
- أنتِ لا ينفع معكِ الكلام أبداً، مهما فعلت لا تقدّرين.
- قل لي شيئاً واحداً، شيئاً واحداً فقط فعلتهُ من أجلي.
- يكفي أني تزوجتك.
شهقت بإنفعال وهي تضرب على صدرها:
- وهل أنا من طلبتُ منك ذلك، أم أنت من جريت خلفي؟! وعدتني بالحياة اللائقة وها أنت تحنث بوعدك.
- طيب..أنا كاذب، ماذا ستفعلين؟!
نظرت له بإشمئزاز وهي تقول بتهديد:
- أنا لن أفعل شيئاً، بل أنت من ستفعل..
- ماذا تعنين؟!
- تخبر زوجتك وتسير الأمور بيننا بشكل رسمي.
- صه، قلتُ لكِ لا تكرري هذا الكلام مرةً أخرى.
أردفت دون أن تعبأ بصراخه:
- وإن لم تخبرها أنت سأذهب إليها مباشرة..في قعر دارك والآن..
اسودّ وجهه فجأة، وبرزت عيناه فبدوتا أكثر جحوظاً، أمسكها من ذراعها بعنف وهو يلويها، صرخت بقوة، لكن ذلك لم يثنه، لازال مستمراً في الضغط وهو يصرّ على أسنانه:
- لا ينقصني إلا واحدة مثلك لتفسد عليّ بيتي.
كانت تصرخ، بل تتحطم، كفتات الحلم، كفتات صورته......
- وليكن بعلمك، زواجي بك لن أعترف به أبداً، أتسمعين؟
أفلتها، فسقطت على الأرض والوجع قد أخذ منها كل مأخذ، صرت على نفسها و هي تحاول أن توقف نفسها من جديد ولكن بجسدٍ خائر، قالت بتقطع:
- لديّ..لديّ نسخة من العقد، أم نسيت؟!
- ماذا ستفعلين به، ستعطينه لوالدك في قبره أم لأخيك كي يستنشق على حروفه الكوكايين!!!!!
وقفت تماماً، وكلماته تقوضها، تجعلها تترنح، وخيوط العنكبوت تحيك خيوطها على الأنقاض، بوهن..بوهن شديد...
- أنت حقير..منحط..أنت لا شئ.
تقدم منها وهو يطبق بيده الثقيلة على شعرها، ألقاها على الأرض من جديد ، سقطت هذه المرة على وجهها، لازال يشدُّ شعرها وهو يشرع في وضع قدمه على ظهرها، أختنق صوتها في حنجرتها، لم يعد بها قوة على الصراخ، كل ما تراه الآن يتماهى أمام عينيها، رمادياً كأطياف السراب.....
- أنا حقير أم أنتِ يا ............، أصلاً فتاة دنيئة مثلكِ لا حق لها بالكلام...
"وماذا عنك؟!!"

وبصق عليها وهو يرخي قبضته عن شعرها الأحمر، علقت شعيرات بيده، نفضها بقرف وهو يقول ببرود:
- سأخرج، وسأعود بعد قليل، لا أريد أي شئ هنا يتعلق بكِ هنا..أتسمعين.
عادت محطمة، جسدها يضمخُ بالجراحات، النزف بداخلها أعمق من أي جرح، كلُّ الرضوض تهون، كلها عدا نزفُ الكرامة لا دواء له..
اغتسلت بالماء البارد لتسكّن أطرافاً مخدرة، جفاف هادر بالداخل، يثلّج كل التأوهات، أخذت تسرح شعرها دون شعور، ألم ذراعا يوقفها كل حين، لكنها لاتكل، اللاشعور يقودها في دوامات، دوامات بعيدة، لا نهاية لها ...
هناك رغبة قوية تتأرجح بالداخل، لتدمير كل شئ، للإنتقام، لبثّ سمومها في حنايا الزمن......
حقدٌ أسود يتغلل في دمها، يتوسد تلك الأجنح المتكسرة....
ماذا بعد هذا إلا الطوفان؟!!!!
توقفت حركة الفرشاة، ضغطت عليها لعلها تستجيب، كانت شعيرات قد تلبدت على شكل عقد صغيرة متشابكة كخطوط حياتها، قامت بتهالك، فتحت درج خزانتها، أخرجت مقصاً وبقلبٍ جامد قصتها، وتسربت بين يديها، تناثرت على أرضية الغرفة، تأملتها لثوانٍ ثم أكملت طريقها وهي تدوسُ عليها...
اتجهت للانترنت، هي الآن عاطلة، تعيش في كومة فراغ:
لا أب، لا أم، لا زوج، لا عمل....
كيف تعيش؟! لا بد أن تبحث عن عمل، وفي الشبكة العنكبوتية منافذ كبيرة وتتساقط الأموال من كل حدبٍ وندب، بدون صداع، بدون مشاكل، بدون زواج عرفي، مجرد ضغطة زر وينتهي كل شئ!!!
وتبقى الحواس ضائعة، تائهة في متاهات الغفلة.....
وحين نفقد الأمل، تتساقط كل الصروح، وتنكس الأعلام، وتطغى إفرازات الذات، لتضع في السراب قطرة، لكنها مالحة أيضاً!!!!
"كل هذا بسببك يا سلمان، أنت من أشعلتها، أشعلت تلك الصرخة بجوفي"
امتطى حصانه الأسود، جرى بطول المزرعة بقوة لعل الغضب الذي يعتمل بداخله يتبخر، يتوارى مع ذرات الدخان المتخلف من حوافر الجواد...
توسطت الشمس كبد السماء، أشعتها تتخلل جسده، تهبه حرارة ودفء في أيام باردة، لاطعم لها...
لاح طيف أخيه يقترب، قبض لجام الجواد ليكبح انطلاقه، بات هذا الخيال كريهاً بالنسبة له، يتحاشى الاصطدام به، يُحيل لياليه إلى كوابيس...
دار على عقبيه، ليلج إلى "الاسطبل"، ناداه ذلك الطيف بصوتٍ جهوري، توقف وارتجل من جواده، مهما يكن لا يزال أخاه الكبير..
"- راشد".
- نعم. ردّ بفتور.
- والدي سأل عنك منذُ قليل، لا أحد يراك الآن في البيت.
- أعتقد أني بلغتُ سن الرشد منذُ سنوات، لم أعد مراهقاً تخافون عليه.
- أكل هذا العناد من أجلها؟ سأله بسخرية.
- أعتقد أننا انتهينا من هذا الموضوع.
شدّ على ظهر جواده بتوتر وهو يحاول أن يكظم غيظه.
- انتظر أين تذهب؟!
- سأعودُ أدراجي، الجو خانق هذا الصباح. ردّ بحدة.
- أريدُ أن أقول شيئاً قبل أن تغير هذا الجو كما تقول!!!!
رفع "راشد" حاجبيه بنفاذ صبر، عاد لطريقته في العد بصمت، كم يغيظه، يُذهب بالبقية الباقية من صبره..
- لقد كلمتُ والدي في الموضوع.
- سيذهب لزيارة عمي في الغد.
امتقع وجهه، أرخى جفنيه، الطعنات تلاحقه أينما كان، يبدو أنّ كوابيسه ستظل سرمدية، أيُّ جفنٍ سيرتضي له أن ينام..
تحرك قليلاً، عاد "خالد" ليناديه، أكمل... لم يعد جسدي يتأثر، لقد اعتاد على سهامك العمياء، أرجوك أكمل ولكن بسرعة، لصبري حدود....
- لم تقل لي مبروك!!!!
- م..مبروك.
لكنّ "خالد" لم يكتفي بذلك، بل حضنه والأخير جامد كجذعٍ يابس، يوشك على السقوط، يوشك على التهالك، كلمة أخرى وينتهي كلُّ شئ.
- منك المال ومنها العيال.
فغر "راشد" فاهه مشدوهاً دون أن يستوعب حرفاً، ابتسم "خالد" في وجهه
.
- لماذا تنظر لي هكذا كالأبله؟!
- ماذا تقول؟ لم أفهم!!!!
"لا يريد أن يعقد أحلاماً أخرى...... أحلامنا هي من تغتالنا".
- أقول مبروك عليك ابنة عمك، فهمت الآن..
ابتسم "راشد"، انفرجت أساريره، غير مصدقٍ ما يسمعه:
- أجاد أنت فيما تقول؟!
- أكذبتُ عليك يوماً؟! بإمكانك أن تتأكد من والدي.
عبس وقد تغضن جبينه، هم بأن ينصرف، لكنّ "راشد" لم يمهله، عاد ليحضنه بقوة، بإمتنان، بحب، بأخوة....
زال عبوسه، ربت على كتفيه وسارا معاً إلى المنزل، أحدهما يكادُ يطير فرحاً..لايكادُ يصدق، والآخر يشعر بضيقٍ غريب سببهُُ أخرى أعيت تفكيره، وجعلتها غارقاً هو الآخر في دوامة الحيرة!!!!
- ستخرجين الليلة أيضاً؟!
لم تجب فوراً، كانت موجهة انتباهها الكلي للمرآة...
"- ليلى"..
- آه، نعم، سأخرج، هل لديكِ مانع؟!
- كل ليلة تخرجين تقريباً، ماذا سيقول الناس عنك.
التفتت إليها، وفرشاة الظلال بيدها، قالت ببرود:
- وما شأننا بالناس، هم لا يعرفوننا ونحن لا نعرفهم، نحنُ لسنا من هنا، فلا حق لهم علينا..
وعادت لتثبت وضع الظلال على عينيها من جديد، ولكن بيدٍ بدأت بالإرتجاف...
تركت ما بيدها، وهي تنظر لأختها من خلال مرآتها، والأخيرة صامتة.
- ماذا؟! تريدين أن تُضيفي شيئاً آخر؟! أخرجي ما بجعبتك...
- والدي لم يمر على وفاته 3 أشهر وأنتِ تتجملين!!
"أعرف هذا تماماً، أعدّ الأيام من بعده بالساعات والثوان، فمن بعده بدأت "ليلى" الأخرى وأنا قررت أن أصنع لها تقويم زمني جديد، لا يهم بالهجري..بالميلادي، أي شئ، أي شئ، لم يعد شئ يفرق بالنسبة لي، ثم إن طبيعة عملي تفرض عليّ ذلك قبل كل شئ!!!!"
- سأذهب إلى عرس، ماذا تريدين أن أفعل؟! أن أذهب بملابس سوداء؟! ردت بعصبية.
- لا، بل أن تحترمي نفسكِ قليلاً و تحترمي مشاعر الأقربين.
فزت من مكانها، وقد لدغتها كلماتها، أصابتها بمقتل...
- أنا محترمة أكثر منك..أتفهمين؟! محترمة أكثر منكم جميعاً..كلكم...كلكم.
صاحت بإختناق، وقد بدأ الكحل في زوايا عينيها يمتزج مع سائل آخر شفاف، يتماهى معه في صورة ربما تتحول إلى رمادية..
سحبت "مريم" رواية "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ من على المنضدة دون أن ترد عليها، تصفحت الرواية حتى وصلت إلى الجزء الأخير...لا تملُّ قراءته أبداً..
يا تُرى ماذا كانت النهاية؟!
أرادت "ليلى" أن تقول شيئاً آخر، لكنها أحجمت، عضت على شفتيها بتوتر، أطبقت فمها نهائياً....
سارت لخزانة ملابسها وهي تتابع أختها المتوارية خلف قصتها، أخذت حقيبتها، باتت تحتفظ بها في الخزانة، فيها أشياء خطيرة..ممنوعات!!! وأهمها علب السجائر التي باتت لا تستغني عنها.....
ملأت الغرفة برائحة عطرها النفاث، وخرجت وهي ترمق أختها بتحدي....
رفعت "مريم" رأسها عن القصة، وضعتها على المنضدة من جديد، تنظر إلى حيثُ خرجت تلك الأخيرة وهي تهزُّ رأسها..
تنهدت بقوة وعلقت بصرها نحو السقف، تأملته، تأملت لون الطلاء المهترئ، لا تكاد تجزم ما كان لونه في الأساس!! أبيض أم بيج؟!
آلمتها رقبتها، أزاحت دثارها ونهضت من سريرها، لتتأكد ما إذا كان "أحمد" نائماً أم لا....
"كم هي ثقيلة هي المسؤولية ننوءُ بها وتنوءُ بنا......"
كان صوت الموسيقى صاخباً، هزّ "خالد" رأسه بملل وهو يتصفح الملحق الرياضي الذي بيده، ألقاه على الأرض فتناثرت صفحاته، قطب جبينه وأخذ يتلمس جيب بنطاله، ليشعل لفافة تبغ، سرت في جسده رعشة، كان الجو بارداً....
انفتح الباب ودخل "فيصل"، وقد اختلطت في وجهه إمارات التعجب، قال بإستنكار:
- ماذا تفعل هنا؟! الحفلة بالخارج وأنت حضرتك جالس هنا تدخن؟!!
لم يجب، أخذ يراقب السجارة وهي تحترق للمنتصف، لونها الأحمر المتوهج يثيره، يجذبه بشكل غريب، نفخ في سجارته بخفة ليبعد الرماد الذي علق بالوهج، ابتسم الآن ونظر لصديقه:
- هاا..ماذا قلت؟!
ردّ "فيصل" بغيظ من بروده:
- لقد أعددتُ هذه الحفلة من أجلك.
- ومن قال لك أني أريدُ حفلاً؟! ما المناسبة أصلاً؟!
- المناسبة!! المناسبة هي حالة الاكتئاب الغارق فيها حتى أذنيك..
عاد ليبتسم بتهكم، وهو يشعر بالضيق، مرارة علقت بحنايا جوفه ، أحالت أيامه إلى علقم، كل ما يشعر به هو الفراغ، الفراغ الذي لا ينتهي.....
اقترب منه "فيصل"، لمس كتفه فانتبه له:
- هيا قم معي.
- لا أريد.
- هيا، لا تكن طفلاً.
- اهتماماتي ليست كاهتماماتك.
- ماذا تقصد؟!
- أتسمي هذه الحفلة علاجاً؟!
- قم وانظر ماذا أحضرتُ الليلة..واووو، روعة يا "خالد"، روعة، صنف جديد سيعجبك!!!
يتبع ,,,,
👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -