بداية الرواية

رواية بين طيات الورق -15

رواية بين طيات الورق - غرام

رواية بين طيات الورق -15

كملت عمتي بتريقة: وليش إنت ما فكرت بهالشي؟! أكيد فكرت فيه وخصوصاً تفكيرك إن أم ولدك خرساء بالوراثة...
ارتعشت يدي ورغم كذا مشيت وأبتسمت بحلاوة وأنا أمسك بجرأة يد وليد وألزق فيه أستمد القوة منه...
أشرت لعمتي: إذا يطمنك كلامي فالخرس إلي فيني مو وراثة...
وكان بهالوقت وليد يردد إشاراتي بصوته الجهوري الواضح لكن المتوتر... والغريب السكون والهدوء إلي نزل فجأة على المكان...
ردت عمتي تضحك: لا تضحكين علي بهالكلمتين... ترى أبوك هو إلي قايل هالكلام من قبل 12 سنة...
أشرت: وشو قالك بالضبط؟!
قال وليد: خلاص الخنساء... عمتي والله إذا...
قاطعته أهز راسي وأشرت: لا... لا... خلها تكمل... أبي أعرف عن شو تتكلم...
كنت أبي أربط الكلام إلي يقولونه بكلام أمي... عرفت إن أهلي فاهمين عن حقيقة خرسي بشكل غلط ومن بينهم وليد...
ناظرتني عمتي ساكته فترة ورجعت تقول بثقة:الكلام إلي قاله هو نفس الكلام إلي قاله لخالد وسيف بعد ما طلق امك إلي ما تتسمى...
ناظرت عمامي الساكتين... غريبة... شو قال لهم أبوي؟!...
أشرت بابتسامة شجاعة: وشو قال لكم أبوي؟!
قالت عمتي وبعيونها نظرة إنتصار: شو قال يا حسرة؟! مافي جديد... قال لنا أنك بالوراثة جيتي خرساء...
رفعت حاجب... وناظرت عمامي ووليد إلي سكنوا مرة وحدة... كأنهم يوافقوها بهالشيء... غريب أول مرة أسمع هالكلام... وهذا غير إن أبوي يعرف إني خرساء بسبب حمى مو أكثر...
قالت عمتي تكمل وهي تبتسم: ولو قلنا إنك خرسا بالحمى لكنتي بقدرتك تنطقين بكلام حتى لو خرابيط... لكن...
ناظرتني من فوق لتحت بتحقير...
وكملت: لكن كلنا ندري إن خرسك مو بسبب حمى... إلي تضحكين فيه علينا...
رجعت أناظر وليد... وعرفت وقتها ليش ما جا بيوم وسألني حتى لو من باب الواجب عن هالخرس... أو حاول ولو مرة يقترح فكرة يعالجني منه...
وأشرت بإبتسامة: صح الكلام إلي تقوله عمتي يا وليد؟!
حسيت بعينه مشتته وهو يناظرني... إذا تبون الحقيقة... أنا تهت بين أهلي... تهت بين توترهم وشو حسبوا وشو كانوا بالأصح يحسبون طوال سنين مرت... وشو إلي بالأصل قاعد يصير والكلام إلي يقولونه...
ورجعت أأشر: صح هالكلام يا عمي خالد... عمي سيف... وليد؟!
هزوا عمامي رؤوسهم بتوتر أما وليد فأصر على سكوته... وشفته تنهد...
ولف لي وقال بهدوء: إنتي أدرى يا الخنساء... بس إنت تدرين أكثر إن هالخرس ما هو عائق بحبنا وحياتنا...
وحسيت برجفة عمتي ونشوى وهم بالذات يسمعون كلمة "حبنا" وبالعموم من كلام وليد...
أشرت بحلاوة وأنا أناظر عمتي: سمعتي يا عمه؟! هالخرس مو عائق بالنسبة لوليد... حياتنا هي ملك لنا نحن... أنا ووليد... وما لأحد دخل فيها...
أهتزت شفايفها برجفة... مثل ما زاد السكو ن والهدوء على المكان رهبة... وبكل بطء وحلاوة وتريقه أبتسمت لها... أرد لها الصاع صاعين بكلامها إلي مو بس سبب لي الوجع بقلبي إلا ادماه... ادماه... أبوي؟!... وكلامه لهم عن خرسي؟! حقيقة خرسي؟! هو إلي هزني... هو إلي خلاني بكل بطء أمشي هايمة للسلالم... وأحس بنظرات أهلي علي...


الأكاذيب بكل بساطة طعنتني... طعنت الأحاسيس الوليدة بقلبي... مو قصدي حب وليد لي... ولا هو الكلام إلي إنقال... إلا الكلام إلي قاله أبوي لأهلي...
حسيت بيده تحاوطني... وقفت قدام باب الجناح وعيني تدمع... لفني له...
همس يحضني: الخنساء... ما كنت أبي أقول لك بس عمتي...
سكت ورجع يكمل همسه: كنتي بمناسبات قليلة تذكرين خرسك إنه بسبب حمى... بس... بس الحقيقة إن خرسك وراثة...
بعدت عنه بكل هدوء وأشرت: وأنت؟!
قال محتار: أنا؟!
أشرت وأنا احط عيني بعينه: أيوه أنت... ما فكرت مثل ما قالت عمتي إن هالخرس بورثه لأولادي؟!
ناظرني مشتت وابتسمت بجرح: قول الحقيقة يا وليد... ترددك تحت كان لأن هالفكرة خطرت ببالك... صح؟!
همس: ما أكذب عليك... فكرت بهالشيء...
نزلت راسي لكنه مسك وجهي وأرغمني أشوفه وهو يكمل: وهذا ما يغير شيء... حبي لك مو جمالك أو صوتك... إلا لذاتك... ذاتك يالخنساء... وأنتي أدرى... كلامنا من قبلبهالموضوع كان كافي... تدرين إن خرسك مو عائق بالنسبة لي... أبي أولادي نسخة منك ولو الخرس فيهم... أبيهم ياخذون منك كل صفاتك... وما ياخذون مني إلا حبي لك... وأنتي تدرين بهالكلام... تدرين عن إلي بقلبي...
سكنت لحظة وأنا أعطيه ظهري... ورجعت أناظره وبكل ألم...
أشرت: أدري؟! أدري عن شو؟! أدري عن الأكاذيب إلي أنقالت تحت عن خرسي...
وحسيت بدموعي تنزل... بدموعي تنزف... وتحرق عيوني... ويرتعش جسمي بألم... ألم غريب... جدي قال حاجة... أبوي قال لي حاجة غير... أبوي قال لهم حاجة... أهلي قالولي حاجة غير... والدكتورة قبل 10 سنوات أو أقل قالت حاجات غير... وأنا؟!... غريب مو لي كلام مع نفسي... مع حالي هذي؟! إلا لي... لي كلام... بس...
دفعته بكل قوتي وهو يحاول يهديني... ودخلت الجناح ...
ناداني: الخنساء؟! الخنساء؟!
حاولت أسكر باب الغرفة بس هو مسكه...
صرخ يمسكني: الخنساء... هذا الكلام شو يغير فالواقع؟! أنتي المفروض تعرفي إنك لحد إلحين ولأنك ما تقدري تتكلمي ولو بكلمتين إن هالخرس مو بسبب حمى... يمكن جدك ما أراد يأذيك أكثر ويقول لك عن حقيقة خرسك...
ضحكت من بين دموعي... كيف ما يخبرني عن حقيقة خرسي... وأنا؟!... أنا هي الأدرى بحالها...
همس: شو يضحكك؟! الخنساء...
رجعت أضحك: ههههههههههههه...
ناظرني محتار وأشرت: تدري؟ أنا وجدي كنا نمني نفسنا بكلام الدكتورة قبل 10 سنوات... ههههههه وأنت... أنت وأبوي... وأهلي... هههه تقولون أشياء غريبة... سبحان الله...
مسكني يحاول يسكت هالضحكات المجنونة...
قال بعصبية: الخنساء أركدي... الخنساء إنتي أدرى بحالك... أنتي أدرى...
هزيت راسي وأشرت وأنا أضحك: لا...لا... أنا ما أدري... ما أدري عن شيء... غريب...
همس بعصبية: الخنساء... شو الغريب؟!
رجعت أضحك... وبعدها سكنت وأنا أرفع راسي وأشر: لحظة... لحظة... نسيت حاجة أقول لعمتي وأهلي...
وتخطيته بطلع... مسكني وليد وهمس: الخنساء؟!
سحبت نفسي بكل قوة وركضت طالعة من الجناح... وأنزل السلالم بكل جنون بدون حتى ما أهتم إذا بأذي الجنين إلي ببطني أو لا... بس كنت أبي أرجع أسأل عمتي سؤال خطر فبالي فجأة... سؤال تعلقت كل الحيرة فيه... سؤال له علاقة بأبوي وخرسي... ويمكن له علاقة بجدي وأمي...
بس قبل لا أحصل أي جواب... أو حتى أسأل أي سؤال... ما حسيت إلا وأنا أتخرطف بالسلالم...
أمتزج صراخي بكلمة وحدة لا غير: آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه ..... عـــــــــــــــــــــــــ....لـــــــــــــــــيـــد.... ((وليد))
لحظة...
لحظتين...
ومر شريط طفولتي قدام عيوني... مر بكل بطء... مر بكل بطء وأنا ما زلت أطير بالهواء...

{{... طفلة وحيدة مع جدها... الزمن كان كفيل بصبغ الشيب على وجهه... كانت مرة تمشي ورا جدها وتتتكلم بصورة فظيعة وعمري مازال 8 سنوات... ومرة أشوف هالطفلة تجلس بدكان جدها وعمرها مازال بالعشر سنوات... تناظر الأطفال يضحكون وتبكي بحضن جدها... ومرة ومرات تتحسر على حالها... ومرة ومرات تبكي بدل الدموع دم...}}
..
{{... كنت أجلس جنب جدي أبكي... عمري تقريباً كان 12 سنوات...
:ددي... هم... هم... ضحك ضحك انا...؟؟! ((( جدي ليش يضحكون علي؟!)))
جدي همس بحب: يا بنتي ما عليك منهم... هذولاء الأطفال يغارون منك أنت... لانك حلوه وطيبة...
أنتحبت وتلكلكت بالكلام أكثر: ليش اليغ ليغ ؟!
وأشرت على نفسي...ليش هم يعايروني على كلامي ليش؟! أنا أكرههم...
مسح دموعي وقال: لا يا بنتي... أنتي ما تكرهينهم... هذولا أطفال مثلك ما يعرفونوك زين...
وقلت:لاه... لاه... مااكلم احد احد ابد .. انا...انا...انا خرسا خرساا... لا ... لا...لا مجنوونه مجنونه... ((( خلاص... أنا ما راح أتكلم مع أحد مرة ثانية... خليهم يقولون خرسا ولا يقولون مجنونة...)))
ورجعت أبكي على حضنه... }}
{{... تلكلكت وأنا أتكلم مع جدي: ددي انا اشاره ابي ... انت... انت بعد اشاره عارف .. عشاني عشاني ... ((( خـــــلاص... جـــدي... أنا بتعلم الإشارات... إنت تعلمها علشاني...)))
جدي قال بحنان: إلي يريحك يا بنتي... إلي يريحك أنا بسويه لك...
قلت أهمس وأنا أبدي بالبكاء: ددي وين... وين بابا ماما وين خنساء؟!... ((( جـــــدي... ليش بابا وماما ما يسألون عني؟!)))
تنهد جدي ونزلت دمعه من عينه: يا بنتي هالدنيا ما ترحم حد... البابا والماما تركوك لأنك خرسا وأنتي مالك ذنب...
شاهقت ورديت: ليش... ليش انا خرسا ابي كلم ابي ابي .. انا احب الله... احب رسول... احب كلهم... ابي اكلم مثل كلهمم... ((( ليش أنا خرسا... ما أريد أكون خرساء... أنا أحب الله ورسوله وكل الناس... بس أريد اتكلم مثل الناس...)))
بكى جدي وهو يحضني: هذا قدرك يا بنتي... هذا قدرك... والحمدلله رب العالمين...
حضني يذرف دمعه بدون خجل... وبكيت معه... بكيت معه ببراءة الأطفال إلي طعنوها أهلي بدون رحمة... }}
..
يا عين... ليش تبكين؟!...
تبكين وجع أم شوق أم حنين؟!
أنا عاهدت نفسي أبقى خرساء طول عمري...
عاهدت ما أتكلم إلا مع جدي وبس...
أبقى بنظر الناس خرساء أحسن من غبية تثرثر بكلام نصه مو مفهوم...
سموه خجل أو أي مسمى ثاني...
بس...
بالنهاية أبقى الخنساء...
الخنساء إلي تايهة بين المجتمع وبين أهلها وبين زوجها... وبين ذاتها...
..


نهاية الفصل العاشر
قراءة طيبة وممتعة...
.

الفصل الحادي عشر


قبل ميعاد الرحيل


{{.. همس لي جدي: ماما الخنساء... تكلمي مع الدكتورة يلااااا....
هزيت راسي لا...لا... لا ما ودي أتكلم... وناظرت جدي... وكأني أقوله أنا ما قلت لك إني خلاص ما بكلم أي أحد؟!
تنهد جدي وقال: الخنساء يا بنتي... الدكتورة تريدك تتكلمي... هي تحبك وتريدك تكوني مثل كل الناس... تبي تساعدك...
هزيت راسي رافضة الفكرة...
تكلمت الدكتورة: ما عليك عمي أنا بحاول معها... الخنساء حبيبتي... إنتي بنت حلوة وطيبة... وتتمنين أشياء كثييييرة... صح؟!
جذبني صوتها الحنون وكلامها... فهزيت راسي بكل بطء... ناظرتني وهي تبتسم أكثر...
قالت بحنان: أمممم أكثر شيء تتمنيه تقدري تتكلمي صح... مثل ما أنا اتكلم...
رجعت أهز راسي للمرة الثانية...
وكملت: آها وهذا يعني علشان تصير هالأمنية الحلوة حقيقة... لازم تتكلمي معي ومع الناس... مثل ما تتكلمي مع جدو... لأنك لازم تتدربي على النطق...
هزيت راسي بلا... أبتسمت: أوكي... وليش ما تبين تتكلمي مع الناس؟!
أجبرني إنسياق الحديث وقتها إني أتكلم بصوت مبحوح: لا...لا... هم... هم... كلهم... ضحك...ضحك.... أنا مجنونة... محنونة...
((لا...لا... الناس يضحكون علي لما أتكلم... ويقولون عني مجنونة))
ابتسمت الدكتورة: يضحكون لأنهم ما يعرفونك زين... وإنتي لازم تكوني قوية وتقولي لهم أنا مو مجنونة... أنا بس كنت شوي مريضة... كان فيني بس حمى وراح أتعافى قريب...
هزيت راسي لا وعناد الأطفال صابني وقتها: هم... هم... أحسن... الخنساء... خرسا... لا...لا... مجنونة...
((خلي الناس تقول الخنساء خرسا أحسن من يقولوا مجنونة))
وتلكلكت أكثر وأكثر: إشارت... إنتي... هب... عشاني... وددي... إشارت...
((خلاص أنا بتعلم الإشارات... وعلشان إنتي تحبيني فعلميني الإشارات... وجدي بعد علميه الإشارات)))
تنهدت الدكتورة وناظرت جدي...
قالت له: كذا بيتأخر النطق عندها... إذا ما تدربت فبتم متأخرة كثير...
وهمس جدي بكلمة معتادة دوم ما أسمعها: حسبي الله على من كان السبب... حسبي الله على من كان السبب...
ونزلت دمعه من عيني... تدحرجت بكل بطء لخده... مديت يدي ومسحت هالدمعة...
وابتسمت شوي وأنا أفكر بجدي...
وقلت: لا...لا... ددي... لا... أنا... كلم... كلم أنت... وكلم أنتي... وكلم أنا... بس... هم... لا... لا...
((خلاص جدي لا تبكي... أنا بتكلم معاك ومع الدكتورة لأنكم تحبوني ما تضحكون علي... وحتى بتكلم مع نفسي... بس الناس ما راح أتكلم معاهم))
ودفنت راسي بحضن جدي... شد علي وأنا سكنت بحضنه... أسمع رجاويه ودعاويه إلي طابت لها أذني بسماعها... }}
..
وما زلت أسمع دعاويه... ورجاويه... ما زلت أسمع صوته يرن بأذني... ومازلت أحس بهمسه وهو يناديني "خناس"... آآآه يا جدي... رحت وتركتني مثل الهايمة بهالدنيا... أشتاق لحنانك... حبك... وحضنك... لو كنت يا جدي موجود ما كنت شفت إلي شفته إلحين... لكنت هالحين فبيتنا القديم بالعامرات... وإلي بنيته بساعدك القوي... لكنت هالحين أجلس عند رجولك وأسولف لك بكلماتي القليلة لكن عالأقل مفهومة لك... وأأشر لك عن كل شيء نفسي تطيب له... لكنت هالحين أسمع دعاويك... أدري تبيني أقوم من سبات الألم والحزن على خرسي... تبيني أرجع أتكلم مع غيري... بس أنا عاهدت نفسي ما راح أتكلم مع أحد غيرك... وهذا هو قراري إلي أتخذته... كان قرار ما جاء بالساهل... قرار أنا مسؤولة عنه... بس أنا... مو أحد ثاني...
جدي... أنا تألمت... وأنطعنت بعد موتك ألف طعنه... من أبوي وأمي... من وليد وأهلي... أنجرحت بجروح عميقة ما طابها إلا حب إنسان زرع فيني حياة جديدة... إنسان بكل ذرة من ضلوعي تشتاق له وتحن لهمسه... إنسان لولاه لتخبط بدنياي... أمشي مثل العمياء بدون حتى عصا تدلني... بس...
بكل هذا يا جدي أنقلبت الأحداث فوق تحت... لا تقول حب وليد لي جا لشخصي... إلا هو شفقة يا جدي... شفقة... شفقة... وأبغضها من كلمة... إذا حاولت تقنعني إني غلطانة فأنا أحس إني مستحيل أقتنع إنه يحبني لشخصي... شفت هو شو كثر حب شجاعتي... أشفق علي مو لأنه حبني... لأني وحيدة... يتيمة... خرسا... أشفق عليها... أشفق عليها ووافق يتزوجها علشان وصية عمه... وخاصة بهالوقت... بهالوقت... إلي إحساسي فيني يقبض بقايا أفراحي... أدري غبية وأفسر الأشياء بطريقتي بس هالغباء إلي أحاوط فيه نفسي أفضل لي من وهم أعيش فيه... وهم حب وليد... وهم حب أهلي لي... وهم مجتمع ما حسسني بيوم إني مثل الناس... نزعوا ثقتي بنفسي وبقيت محبوسة للأكاذيب من حواليني...
..
"كفاية ذكريات يا الخنساء وإرجعي للواقع..."
"بس أنا ما أبي... أبي أرجع لذكرياتي مع جدي... كانت هي رغم فقرها وصعوبتها إلا إني كنت فيها مرتاحة ومستريحة..."
" لكن... رغم كل شيء بترجعين للواقع وتودعين هالذكريات..."
"وأنصدم بأرض الواقع...؟!"
"لكن الخنساء... تذكري... طفلك؟!"
"آآآه... طفلي... لا... لا... ما أبيه يموت... أبيه يعيش... أبيه يكبر بين عيوني... أبيه يناديني "ماما"... أبي أناديه "تاج راسي"... أبي هو يحسسني بالراحة والحب... أبيه يتحدى الناس ويقول هذي "ماما الخرسا صح بس هي بعيوني جنه"... لا... لا... ما أبي ولدي يموت... ما أبي ولدي يموت...
..
: و... ولــــ..ـــدي... لا... لا...
هزيت راسي بكل عنف وأنا أحس بجسمي متكسر من الألم: لا...لا... لا... يــ..ـــمــ..و..ت... و.. و..لــ..دي...
وفجأة صرخت... صرخة عظيمة... صرخة حسيت فيها بجسمي أنتفض... شد شخص على يدي... وسمعت همس مشجون...
: الخنساء... الخنساء... الخنساااااااء...
بديت أفتح عيوني بصورة بطيئة وشفت وجه وليد مشوش...
همست بكل ثقل: حـ..ر..مـ..تـ..و..نـ..ي... مـ..نه... حـ..رمـ..تو..ني... مـن... و..لـ..دي...
ورجع لي الإغماء بدون ما أسمع كلمة ثانية...
.

كنت بهاللحظات أحس بآلآم قاتلة... صرت أصرخ وأصرخ أحاول أسكن بصراخي شيء من آلآمي إلا إني كنت أزيدها...
وقتها سمعت صوت جاني من بعيد: هي بأي شهر؟!
وسمعت الجواب... كان مرتجف وخايف: آ..آ... السـادس... لا...لا... السابع... السابع...
حسيت بيد تشد على يدي... حسيت من بين كل آلآمي بيد تحضن يدي بكل خوف... وسمعت أصوات دعاوي...
وسمعت همسه متألم: الخنساء... الخنساء... آآآآه... حبيبتي... يارب... يارب... أرجوووك... آآآآه.... أرجوووك يا ربي...
وبكى... أحس بدموعه تنسكب على وجهي ويدي...
خلاص... خـــــلاص... خلاص يا وليد... مكتوب لي أخسر طفلي... وأخسر نفسي... وأخسر حبي لك... أخسر كل شيء... كل شيء... مكتوبه فرحتي تكون مجرد أيام... مكتوب أنعاد لأرض الأحزان بكل قسوة...
.

.
صرخت بآهات عاليه... تيقظت بكل عنف على واقع مر... واقع آلامي إلي طغت على جسمي وقلبي... من كثر الألم والوجع صرت أنتفض وصراخي يزيد...
: راااااااااح... رااااح... و..و..لـ..لـ..ـدي... لا... لا... لا...
وهذيت بآهات وكلام مو مفهوم أبداً... وقبل كل آلآم جسمي... حسيت بآلآم قلبي... بطعنات شلت كل عضلة بجسمي...
كنت بهذياني وأنا ما أسمع إلا بصورة فظيعة مشوشة... حسيت بنفسي مخدرة وما لي قدرة على الحراك... وعدت لعالم الظلام... لحظات...
ساعات...
أيام...
سنين...
ودهور...
لكن الحقيقة هي مجرد ساعات بس... وسمعت بعدها صوت بكى طفل من بعيد... من بعييييد جاني يحطم كل آمالي... مات طفلي... مـــات وأنحرمت أنا من سماع بكى طفلي... من شم ريحته... حرموني منه بلا رحمة... بلا رحمة... بلا رحمة...
صرخة طغت عالمكان... صرخة ما هي فمحلها: مبروووووك... مبرووووووك...
انتفضت وفتحت عيني بكل بطء... حاولت أقاوم الغشاوة إلي على عيوني... لكني ما قدرت وعشتت بالظلام... ارتجفت يدي وأنا أمدها بالفراغ... سمعت صوت وقتها قريب مني...
صوت يقول: جاكي... ولد... ولد مثل القمر... سبحان الله...
كنت مكممة بالأكسجين... وبسبب ثقل لساني ما قدرت أحرك شفتي... صرخت صرخة انتفظت منها... ودمعت عيني وبكيت بألم...
كيف؟! كيف يضحكون علي؟! كيف يضحكون علي؟! لا...لا... دخيلكم... دخيلكم إلا تزيدون طعنات قلبي... إلا تطعنوني وتزيدون قلبي جروح...
رجعت الممرضة تقول: هاتيه يا نسمة... هاتيه... أكوه (هذاك) الغطاء الثاني... هاتيه تقر عينها فيه... هاتيه يا بنت...
حاولت أقاوم الغشاوة بعيني لكني فشلت بصورة كليه... قدرت أشوف بصورة مشوشة شخص واقف قدامي... وقتها أرتجفت... أنتفظت وأنا أسمع صراخ قريب... صوت بكى طفل... يخترق بكل حلاوة أذني... يخترق بكل حلاوة قلبي... ويخترق بكل حلاوة عقدة لساني...
وحسيت بثقل على صدري... وأنتفضت... أبكي... مو مصدقة... هالثقل هو ولدي... ولدي؟!...
همست: و..لـ..دي... دي...؟!
وأغمى علي ومازال صدى صوت بكاه يتردد بأذني... يتردد ويتردد بحلاوة طابت فيها كل جروح قلبي...
.

.
{{... عمري ما تجاوز الـ 13 سنة...كنت أجلس على كرسي بالدكان إلي جدي يشتغل فيه... وأحرك رجولي بضحكة... كان جدي قافل الدكان ويحسب الجردة...
غنيت بصورة عالية وفظيعة: عصـ..ــفووور... عصـ..ـفووور... جـ..جرة... يبــ.. حـ..حـ..ث.. مـ..مـ..مرة...
((عصفور فوق الشجرة... أخذ يبحث عن ثمرة))
ضجك جدي وهو يرفع راسه لي: وعصفورتي أنا تبحث عن جدها... ها غنيتي للدكتورة هبة اليوم؟!
قفزت عن الكرسي وأشرت: لا... بس جدي... الدكتورة قالت لي أشياء كثيرة... تبيني أقولها لك؟!
قال: أكيد... شو قالت لك؟!
قلت بصورة ركيكة: بابا... ماما... خنساء... حلوة... أنا... انا... ددي.. حلوة؟!
((قالت... بابا وماما جابوا بنت حلوة وهي أنا... أنا حلوة يا جدي؟!))
همس جدي يبوس خدي: حلوة... وشيخة البنات بعد...
ضحكت وأنا أقاوم دمعه: هههه... حلوة... أنا... ليش... ليش... أهئ... أهئ... ماما.. بابا... وين خنساء...؟!
((ليش عيل بابا وماما ما يسألون وين الخنساء إذا أنا حلوة؟!))
حضني جدي يردد: حسبي الله على من يخلي كل دمعه منك تنزل... حسبي الله على من كان السبب بس... حسبي الله ونعم الوكيل...}}...
..
{{... تخبيت ورا الباب وأنا أشوف جدي واقف وسط الصالة... كان واقف وساد علي أشوف من زايره... صح ما كنت أشوف إلي جاي لجدي بس كنت أسمع صوتها يصارخ...
قالت: أفرح فيها... والله ووفرت علي...
قال جدي يصرخ: أحترمي نفسك يا بنت... ما أدري وش أنا غلط بتربيتك... ربيتك وحاولت بكل شعرة شيبتيها أصلحك... بس...
وضحكت: سبحان الله... أقول يا أبوي هذي أول مرة وأدخل هالمكان الوسخ وما عاد راح أجي وأعرض عليك هالشيء... أبوها ما يبيها... وأنا ما أبيها... عفنا هالخرسا... عفنا هالغلطة...
قرب جدي منها وهو يمد يده ويصارخ: يا قليلة التربية... إياني وإياك تعيدين كلامك هذا... الخنساء بنتك وما هي عرض... وإلي عايفينه هو وجودك هنا...
قالت بنظرة محتقرة: مو من زيين المكان... وبعدين ليش تضحك على عمرك؟! أبوها كذب على أهله على حساب بنته... كله علشان شو؟! علشان سلموه إلا ما تتسمى...
ومسك يدها وسحبها للباب وصرخ: بس... بسسسسسسس يالتافهة... إنتي كل المصايب... روحي ولا عاد ترجعين... حسبي الله ونعم الوكيل... حسبي الله ونعم الوكيل...
ضحكت وسمعتها تصارخ: يحاول ينتقم مني... بس أنا... أنا بنتقم منه...
تراجعت ورا الباب أسند ظهري له وأنا أبكي بدون صوت... هذي الزيارة كانت رغم قصرها إلا إني حاولت أمحيها من ذاكرتي... قالت تبي توديني لدار الأيتام... قالت أبوي كذاب... قالت إنهم عافوني... قالت هو بينتقم... وهي بتنتقم... قالت وقالت... ودمرت طفلة ما فهمت كل هالمعاني... ما فهمتها...}}
.

.
حضنت يد يدي... وحسيت بدفء رغم إنه سكن شيء من آلآمي إلا إني حسيت بزيفه وكذبه... حاولت أفتح عيني وقاومت هالغشاوة إلي كرهتها... أبي أشوف ولدي... أبي أشوفه...
رددت كلمة وحدة هزت كل تعبي: و..و..لـ..دي...
سمعت صرخة قصيرة وهمس هو برجفة: الخنساء... الخنساء... حبيبتي... د..دكتورة... دكتورة...
وترك يدي فترة وأنا أفتح عيني أشوف بصورة مشوشة بالبداية... رفرفت بعيني لحد سمعت صوت على جنبي... لفيت وشفت الدكتورة...
قالت: الحمد لله على سلامتك...
تجاهلت كلامها وإلي تقيسه... ولفيت وجهي بكل بطء أحاول أدور على ولدي بدون فايدة...
همست أحاول أنزع الأكسجين من فمي: و..لــ..دي... أنا..أنا... أشو..فه... ودي...
(( ولدي... ودي أشوفه))
حسيت بيد تمسح على يدي وتضغط عليها بقوة... وصوته جاني مبحوح...
قال: بخير... ولدنا بخير... هو بالحضانة إلحين...
لفيت له... وطاحت عيني عليه... كان ما هو وليد... رغم إنه هو نفسه... كان بدشداشة سوداء ومبطل جيبه العلوي وأكمام الثوب مطويه لساعده... بلا كمه وشعره مبعثر... عينه كانت تلمع... ذقنه مو محلوق وكله على بعضه باين معفوس... غمضت عيني قدام هذي الصورة... وابتسمت... ليش يبين لي كثر إشتياقه لي؟! ليش يبين لي خوفه علي؟! ليش يضحك علي؟! ليش؟! مو كفاية هاللعبة إلي يلعابها معي... مو كفاية؟!
رجع يمسك يدي ويشد عليها ويبوسها: آآآه حبيبتي... خوفتيني عليك... خوفتيني عليك...
ما حركت عضلة بجسمي... وتجاهلت مشاعره...
رجعت أهمس: و...لـ..دي...
قالت الدكتورة: تطمني ولدك بألف عافية بالنسبة للي شفتيه وشافه... بس هو بالحضانة... مو مكتمل و...
لفيت راسي ورجعت أصرخ بضعف: لا... لا...
وأشرت لوليد بضعف: هاتوا ولدي... أبي أشوفه...
جلس جنبي وهمس: الخنساء...
تركتنا الدكتورة وطلعت ووليد يمسح على شعري ويقول: لا تخافي... ولدنا بخير... بخير... تعافي بس وتقدري وقتها تشوفينه...
نزلت دمعه من عيني وتجاهلت كلامه... لو بيدي كنت تحركت هالحين وركضت لولدي... لو بيدي كنت ضميت ولدي لحضني... لكن... لكن أحس نفسي مخدرة وما لي قدرة حتى أرف بعيني...
همس وليد بصوت مشجون: الخنساء...
وما قدر يكبت أكثر... نزل وجهه بكل بطء لصدري ...
وهمس بصوت مبحوح ومشجون: بحياتي ما خفت مثل ما خفت عليك... الحمد لله... الحمد لله الله نجاك... نجاك من...
وقف لحظة ومد يده يضم وجهي لبين يديه وهو يكمل همسه: حسيت بروحي تطلع من جسمي وأنا أشوفك بدون حراك تحت السلالم... الحمد لله... الحمدلله إن الله كتب لك عمر جديد... وما حرمني من وجودك بحياتي... الحمدلله... آآآآآه... الخنساء...
غريب...!!
وأكثر من غريب...!!
ليش أحس بهمساته مجرد شوشه وسموم تجري بعروقي... ليش ما أحس بأحاسيس وليد؟! لهالدرجة صرت أحس بحبه شفقة؟! لهالدرجة؟!
مديت يدي بكل بطء لشعره... كنت بدفعه عن حضني بلحظة جنونية... بس... حسيت بضعف وبديت أمسح على شعره وأنا أبكي بدون صوت... حبيتك حب أنطعن بأفكاري الغبية... حبيتك حب مدري ليش طعمه علقم... وتحول لمرارة بنفسي... أتمنى بس أبعد وأريح أهلي من آلآمي... عاشوا بكذبة وأنا جنبهم... وهذا أكبر دليل إني مختلفة عنهم... إني مستحيل بيوم أكون أكثر من مجرد شفقة بالنسبة لهم... مستحيل...
يتبع ,,,,
👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -