بارت مقترح

رواية ضلالات الحب -6

رواية ضلالات الحب - غرام

رواية ضلالات الحب -6

الكلمات اختنقت في حنجرتها، تأبى الخروج من هذا الحلق الأحمق، هزت رأسها بالنفي. تنهد بارتياح وقد التمعت عيناه:
- أتقبلين الزواج مني؟
هذه المرة كادت تقع من على الكرسي، كادت أن تصرخ بنعم لكنها أمسكت نفسها.. اهدأي أيتها المجنونة، ماذا سيقول عنكِ، "متلهفة على الزواج منه!!".
- تعلمين أنني متزوج ولديّ أطفال، لكنني لستُ سعيداً في حياتي الخاصة، صدقيني منذُ رأيتك عرفت أنكِ الفتاة التي انتظرها قلبي لتملكه، لتتربع في حناياه..
لحظات وتتحول "ليلى" إلى سائل، إلى هشيم، هي رومانسية حالمة بطبعها، فما بالك وهي تجد من يقول لها مثل الكلام الذي تقرأه في رواياتها..
- أريدكِ هنا في مكتبي وهنا - وأشار إلى صدره- في سويداء قلبي، أريدكِ معي في كل مكان..
غاص قلبها وبات لون وجهها يفوق لون شالها في إحمراره، لم تنبس ببنت شفة، لازالت مطرقة.
- ما قولك ياااا حبيبتي!!!
تنفست بعمق، بأقصى ما استطاعت أن تسحبه رئتيها من هذا الهواء الحار المحبوس في المكتب.
- يمكنك أن تزور والدي.
- لماذا؟
تطلعت إليه بغباء:
- ألم تقل أنك تريد الزواج مني!!
- بلى، ولكن ليس الزواج الذي تظنين..
- ماذا تقصد؟
- أقصد أن نتزوج....عرفياً.
- ماذا؟؟
صاحت في وجهه وهي تقوم من على الكرسي وقد تحطمت كل الأحلام الوردية التي كانت تتراقص أمام عينيها منذُ قليل.
- أرجوكِ اهدأي.
- ماذا تعتقدني، لقيطة، مشردة، ليس لدي أهل، ينقصني شئ كي أتزوج عرفياً؟؟!
- ليس الموضوع هكذا، والله يعلم أني لا أقصد أن أقلل منكِ شيئاً فأنتِ غالية بالنسبة لي، لكنها الظروف، الظروف الحالية هي من تحتم عليّ ذلك.
- أيّ ظروفٍ هذه؟
- زوجتي مثلاً..أطفالي..لا بد أن أهيأهم لزواجي الثاني.
- إذن ننتظر إلى أن تتحسن ظروفك.
- إلى متى...أقصد أنا لا أقوى على الانتظار وأنتِ أمام عيني، وأعتقد أنكِ تبادليني نفس المشاعر صح؟
لم ترد عليه، كان فكرها حائراً ما بين عقلها وقلبها، قلبها الذي يحنُّ إليه وعقلها الذي يستصرخ "لا تتهوري!"
اقترب منها وهي شاردة الذهن، وبصوتٍ ملئ بالحب، بالعتاب، بالتعاطف قال:
- لا أريدك أن تتعجلي في ردك، ولكن كل ما أرجوه ألا تهدمي حلمي، أن أكون معكِ طوال العمر هو جلُّ ما أتمنى.
خرجت وهي ترتجف من الحنق، ألقت الأوراق التي بيدها على مكتبها، وضعت يديها أسفل ذقنها، لم لا تنتهي الأحلام نهاية سعيدة؟!!
خرجت "مريم" و"سلمى" معاً من المحاضرة الأخيرة، تباطئت "أمل" خلفهما متعمدة وهي تلتفت كل حين للواقف خلفها، يرمقها بتلك النظرات الولهة التي اعتادت عليها وباتت تحن لها، آه متى تنطق وتقولها، عامان وأنا انتظر؟! الممر الآن شبه خال، لم لا تغتنم هذه الفرصة قبل أن تضيع، انطقها ولن تندم..
"لكنه لم ينطق، كم يغيظني". عادت مريم وسلمى إلى الممر مرةً أخرى يستعجلانها في المشي، لحقتهما وهي تشتم حظها النحس في سرها.
- أتعرفان أي تقف محطة الباصات.
- لم؟! سألت "سلمى" باهتمام.
- كي أركبه وأطير للمنزل طبعاً، فأنا أكاد أموت من الجوع.
- ولم ترجعين في الباص، سأوصلكِ معي إلى البيت. قالت "أمل".
- كلا، لا أريد أن أثقل عليكِ.
- بيتكم لا يبعد عن بيتنا إلا بخطوات، ستعودين معي دون نقاش، على الأقل أجد من أحدثه في طريق العودة بدلاً من الجلوس بصمت مع السائق.
- طيب سأتركم الآن، والدي ينتظرني، مع السلامة.
- مع السلامة. (ردت كلتا الفتاتين.(

سارتا معاً وهما تتحدثان في أمور شتى..البنات..المحاضرة..الدكتور.
- اعطني رقم جوالك.
تبادلتا أرقام الهواتف لتبدآ صفحة جديدة من الصداقة بينهما، لمحت "أمل" سيارتهم المرسيدس السوداء، حتى زجاج نافذة السيارة لونه أسود داكن.
جرّت "مريم" معها، كانت الأخيرة تمشي بإستحياء، لا تحب أن تكون ثقيلة على أحد. ورغم دكونة الزجاج إلا أنّ "خالد" ميزها، عقد حاجبيه بتعجب لكونها مع أخته.."غريبة" هكذا ردد في نفسه، لكنهُ ما لبث أن ابتسم، "يا للصدف!" وأتته فكرة..
دفعت"أمل" مريم لتدخل أولاً خلف السائق، وحين دارت لتذهب للجانب الآخر أقفل "خالد" أبواب سيارته آلياً دون أن تلتفت "مريم" لما يجري، كانت تتصفح خطط مقرراتها الدراسية بإهتمام، أمسكت "أمل" إكرة الباب المقابل لأمل لكنه لم يُفتح، انتبهت "مريم" لحركتها فرفعت رأسها.
- "رفيق" افتح ال...
وإذا بها تلتقي بعيناه من خلال مرآة السيارة، صُدمت، بل صعقت مشدوهة، نظر لها مباشرة وبقوة وقد انحرفت زاوية فمه في شبه ابتسامة..
- حلوة كلمة "رفيق"!!!
تعجبت "أمل" من السكون المخيم على الموجودين بالداخل، لا توجد أية حركة، دقت على زجاج المقعد المجاور للسائق، فتح النافذة.
- هيا ادخلي بسرعة. (شهقت في مكانها.(
- من؟ خالد؟!
ضغط على الزر فدخلت وسيل من الأسئلة يسبقها فخالد ليس من عادته أن يأخذها من الجامعة.
- زوجة السائق أنجبت صبياً وقد أعطيته اليوم إجازة.
"يا للمشاعر المرهفة" رددت "مريم" في نفسها بتهكم. أكمل:
- لذا لا تعتقدي أني جئتُ من أجل سواد عينيك، مع أنّ هناك عيون تستحق الإتيان من أجلها!!!
لم تعبأ أمل بفظاظته فقد اعتادت عليها، سقطت عيناهُ عليها من جديد وهو يغمز لها..طأطأت رأسها، أكان يقصدها، يا للوقاحة يا لقلة الأدب، شعرت بالغيظ
- أ...أمل.
- نعم. (التفتت لها بجذعها.(
- قولي له أن يفتح الباب. (نظر إليها وقد تغضن جبينه بعبوس).
- لماذا؟
"أتسألين بعد كل ما حدث؟!"
- أنا لا أركب مع...مع هذه ال..الأشكال.
فغرت "أمل" فاهها وهي تنظر لأخيها الذي أسودّ وجهه فجأة، دار لها ففزعت في مكانها، وضعت يدها على فمها لكأنها انتبهت لخطورة كلماتها ، لكنه لم يمهلها شدّ يدها بقوة حتى كاد أن يسحق معصمها.
- هذه الأشكال؟؟ ها ماذا تقصدين، ألا يعجبكِ شكلي؟!
وأكمل وهو يسحبها للأمام ويقرب وجهها حتى كادت أرنبة أنفه تلامس وجهها.
- انظري لي، ألا ترين جيداً، ربما هكذا أفضل..

وقعت أنفاسه الغاضبة عليها، لامست بشرتها، كانت قريبة منه بشكلٍ فظيع، لم تقوى على النظر إليه، كانت ترتجف وهي تحاول التملص من قبضة يده وقلبها يغوص إلى القاع، إلى آخر نقطة...
- آآه، اب..ابتعد عني..يدي...
- خالد دع الفتاة، هذا عيب، لقد آلمتها.
تعبت "أمل" من الصياح لكن دون جدوى.
لازال يشدها، يحاول أن يجبر عينيها على النظر إليه لكن هيهات، كان وجهها متضرجاً بحمرة قانية، أبسبب الألم أو الخجل لا يدري...
قربه يحرقها، يحيلها إلى هشيم، وأنفاسه المتلاحقة تكادُ تصيبها بالجنون، مشاعر متضاربة في صدرها لا تستطيع أن تفسرها، غضب..كره..ألم أم ماذا؟؟
طفرت الدموعُ من عينيها، بللت أهدابها، برقت كنجوم سماوية رغم أنهم في عزّ الظهيرة!! رأى تلك النجوم، فأرخى يده لكنه لم يترك معصمها بعد، سحبت يدها بسرعة منه وصدرها يعلو ويهبط، ضمتها إليها، وهي تتلمسها بيدها الأخرى، عيناها لا زالتا مسبلتان وتلك النجوم تُنذر بالسقوط...
عاد إلى موضعه دون أن يعلق أو....يعتذر، خيم الصمت على الجميع لكأنّ على رؤوسهم الطير، لم يُسمع إلا صوت أنفاسهم المتلاحقة!!
تطلعت إلى معصمها، إلى آثار أصابعه المطبوعة، لقد سحقها، كانت ترتجف، شدتها بقوة لتوقف ارتجافها دون جدوى، حواسها لا تطيعها، تأبى أن تمنحها بعض السكون والأمان....
- افتحوا الباب، أريد أن أعود للبيت. (صاحت بصوتٍ متباكٍ).
تطلعت لها أمل بتعاطف، خجلة من تصرف أخيها:
- وكيف ستذهبين؟
- في الباص.
- ربما تحركت الباصات الآن.
- سأتصل بأبي ليأخذني، لا أريد أن أبقى هنا..لا أريد.
حينها غطت "مريم" وجهها وأجهشت بالبكاء وهي تشهق. التفتت أمل لأخيها لكن لا حياة لمن تنادي، كان وجهه جامداً كالصخر لا تعبير فيه.
لم تسمع رداً رفعت رأسها وهي تمسح الدموع المبللة وجهها بتصميم "لن أكون ضعيفة، لن أكون دمية يحركها هذا الأحمق المغرور"، كان يراقبها وقد كست وجهه مسحة تأثر لكنه مسحها فوراً، صاحت بغضب وبصوتٍ متقطع:
- أنت.. أنت... افتح الباب وإلا وإلا....
- وإلا ماذا؟! (سألها ببرود.(
- وإلا سأصرخ وأفضحك بين الناس كلهم...

هزّ "خالد" رأسه باستهزاء، وهو يحرك مفتاح السيارة، ويضغط على الكابح بقوة، حتى ارتجت السيارة بهم بقوة، سرعته كانت جنونية، خافت "مريم" بل كاد قلبها يقع، لكنها توقفت عن البكاء وابتدأ هرمون "الأدرينالين" بالعمل.
- خالد، هدأ من سرعتك...
- قولي لصديقتك أن تطبق لسانها أولاً، وتحتفظ بتهديداتها لنفسها.
لم ترد "مريم"، كانت تمسح تلك الدموع الحادرة على وجهها بصمت.."أيّ رجلٍ هذا؟ أهو من البشر حقاً؟! كم أهانها..كم ذلها واليوم مدّ يدهُ عليها وهي صامتة لا تقوى على الدفاع عن نفسها، لم خُلقنا ضعفاء!!".
ضغطت أمل على زر الراديو لعلها تهدأ الجو المتوتر داخل السيارة، كان الموضوع الإذاعي يدور حول حقوق المرأة وكيف حافظ الإسلام على كرامتها ومنحها المكانة الرفيعة دون كل الأديان.
"هه، الدين وصى ولكن المسلمون في خبر كان، لو كان الدين يُطبق لما وصلنا إلى ما نحنُ فيه الآن، لما تدهورت القيم والأخلاقيات، ولما تأخرنا وتقدم غيرنا..خذوا هذا المتعجرف عديم الأخلاق مثالاً، ها هو يصفّر وكأن شيئاً لم يكن..من أيّ طينةٍ خُلق؟!!"
دار كل هذا في رأسها، دموعها جفت، كم وعدت نفسها ألا تبكي، لكنها تعود دوماً للبكاء..أغلق الإذاعة..يبدو أنّ الموضوع لم يعجبه..عدو المرأة هذا..
بدأت معدتها في التقلب، وأخذت تصدرُ أصواتاً واضحة من شدة الجوع، شعرت بالحرج لا بد أنّ الكل سمع!! ياللفضيحة...أرجوكِ اصمتي قليلاً إلى أن أعود..شعرت بتلك العيون تراقبها، لابد أنه يبتسم، أو ربما يضحك عليها، يا رب متى أصل..أشعر بالإختناق.
اقتربوا من مطعم "جسميز" ازدردت ريقها، فهي لم تشرب إلا كوب شاي!!! انتهى دور "الأدرينالين" وابتدأ انزيم "الأمايليز". تلوت معدتها وأصدرت أصواتاً أقوى.
- "أمل" أتريدين شيئاً من هارديز، سأشتري لي وجبة غذاء.
اختفت كل الألوان من وجهها، نست الألم..الكره..الغضب الذي يعتمل في صدرها نحوه منذ قليل..شعور الحرج هو من طغى عليها تلك اللحظة، لا بد أنه تأكد من جوعها.
- اشتري لي مثلك.
- اسأليها إذا تريدُ شيئاً. (خاطب أخته.(
- لا أريدُ شيئاً...منك.
غادر السيارة وهو يصفع الباب خلفه بقوة أخافتها." طلعة بلا..ردة".
- لا أدري ماذا أقول لكِ..أعتذر عن كل ما بدر منه.
رددت أمل بخجل دون أن تقوى على النظر في وجه صاحبتها.
- لا عليكِ..أنتِ لا ذنب لكِ.

مرت 5 دقائق، عاد وهو يحمل 3 أكياس، أعطى كيسان لأمل وأشار إلى الخلف. ترددت "إنها لا شك سترفض".
- "مريم" خذي.
أدارت "مريم" وجهها للجهة الأخرى وهي تزمُّ شفتيها. أعادت الكيس إلى حجرها.
- قولي لها أنهُ ليس من أجلها بل لكي ترحمنا من تلك الأصوات المزعجة.
"- خالد"!!.
- لقد رأيتُ في حياتي أصنافاً كثيرة من البشر لكنني لم أرى أوقح منك أبداً.
- اها، "أمل" قولي لها اذا لم تصمت سأعيد ما حدث منذُ قليل... إذا كان يعجبها ذلك.
"- خالد" أنت من بدأت أولاً.
- صه، اسكتي أنتِ، لديها لسان تدافعُ به عن نفسها.
عضت على شفتيها بغيظ حتى كادت تدميها "يُعجبني ذلك؟!!! يا إلهي أمدني بالصبر". إنهُ يحاول أن يستفزها، تعرف ذلك، اصبر، اصبر عليّ قليلاً وأنتِ يا مريم تمالكي نفسك، لم يبقى على العودة إلا القليل.
وصلوا، أشارت "أمل" إلى منزلهم، أوقف مكابح سيارته فجأة، فارتطمت "مريم" بكرسيه...شتمتهُ في سره بكل الألفاظ التي سمعتها منذُ ولادتها...لقد تعمد ذلك.
أطلق زر الباب، فتحته وهي تجر نفسها والغيظ يطحنها، يفتتها إلى قطع صغيرة. اسندت قدميها المرتجفتين على الأرض، لم تتحرك، اقتربت من نافذته، طرقتها بعصبية، فتحها وهو يبتسم بوقاحة:
- نعم آنسة، أنسيتِ شيئاً، تريدين كيس الطعام، لا تخجلي قوليها.
"هل اقتربت يوماً من الذروة؟!!!"
- أنت رجل حقيييييييييييييييير. وضيييييييييييييييييييع. تاااااااااااااااااااااااااااااافه.
حرك يده ليفتح باب السيارة لكنها لم تنتظر، ركضت مسرعة إلى البيت حتى كادت أن تتعثر، أغلقت الباب خلفها بالمزلاج وهي تستند عليه ورأسها يطن..اصاخت السمع لم يلحق بها ذلك المعتوه، ما دامت في بيتها فهي في أمان منه...أمان؟!! كلمة لا أفتأ أن أذكرها هذه الأيام....
أما "خالد" فقد انفجر ضاحكاً من شكلها المذعور، فقد ركضت كالمجنونة وكأن وحشاً يلاحقها، أدار مقود سيارته وعاد مع أخته العابسة وكلما تذكرها ضحك حتى أدمعت عيناه وهدأ!!!!!!!!

(12)
عادت "ليلى" والأفكار تعصف بذهنها، أحست بصداع يخترق خلايا دماغها، يلطم البقية الباقية من تحملها، أتجرأ على القبول، أتوافق أن تكون زوجة بالسر، بورقة تربطها برجل، دون شهود، دون إشهار دون أن يعلم والدها، هكذا في السر كلصة، كسارقة، كمن ترتكب الحرام..
أتقوى على هذه المجازفة الخطيرة، أتتزوج هكذا، ليس بالأمر الهين، إنه ورطة، كيف، ماذا أفعل؟!!!
وإذا رفضت عرضه، ستخسر والفرص تمر مر السحاب، و"أبو محمد" فرصة لن تتعوض، ستخسره وربما تخسر عملها معه..
"اسمعي يا ليلى من أنتِ لترفضين، أنتِ في الثامنة والعشرين، بعد عامين تقريباً ستلحقين بركب العانسات، وهم وصموكِ به منذُ زمن، ستذبلين وسيضيع شبابك وأجمل سنوات عمرك هباءاً كالرماد، كلمة "ماما" لن تسمعيها أبداً، وحين تستيقظين صباحاً ستلتفتين حولكِ لترين لا أحد، وحيدة أنتِ في هذا المكان، آآه الوحدة، الوحدة كريهة طعمها مر كالعلقم، يا ربِّ ساعديني، ألهمني الصواب، ماذا أفعل، لمَ وضعتني بين خيارين أحلاهما مر، بين نارين، نار فراقك ونار أهلي ومجتمعي الذي لن يرحمني..."
غسلت وجهها بالماء، لن تذهب عصراً إلى العمل، ستعقد هدنة مع نفسها، ستفكر..
"لا بد أن أرتاح، أن أفكر بعقلانية فرؤيته تشوشني، تُطيّر ما تبقى من عقلي إن كان موجوداً أصلاً!!!!!"
استلقت على فراشها، أغمضت عينيها المرهقتين، استرجعت تلك القصة التي حاكتها في خيالها منذُّ أن رأته، هي و "أبو محمد" معاً في منزل يظللهم...
ألسنا جميعنا نحلم، ونحيك خطوط أحلامنا بخيوط ناعمة ذهبية، لكنها لا تلبث أن تهتز و تتقطع تلك الخيوط، تتهدل كخيوط العنكبوت...
تقلبت يميناً وشمالاً على وسادتها، تلك الوسادة الخالية وصورته لا تفارقها:
"- أتقبلين الزواج مني".
دعكت "مريم" يدها ربما للمرة الخمسين!!!! كانت جالسة بجوار "أحمد" تساعده في حل الواجبات المدرسية.
"- مريوووم" 5-2 تساوي كم؟
- مريووووووووووووووم.
- ماذا..ماذا بك؟ لم تصرخ؟
- أسألك 5-2 كم؟
- ألا تعرف كم؟ انظر- فتحت قبضة يدها باتساع وهي ترفعها لأعلى- هذه خمسة أصابع ابعد أصبعان هكذا، كم أصبع بقى في نظرك؟
- امممممم، قلتُ لكِ ثلاثة..أرأيتِ كم أنا ذكي!!!
تأفف العبقري الصغير وهو يدون الإجابة في الكتاب، ابتسمت "مريم" ابتسامة مشوشة وعادت لشرودها.
ترك "أحمد" كتابه و أخرج من حقيبته لعبة خشبية مصنوعة يدوياً على شكل فزاعة، أخذ يعبث بها بنعومة، يمسح على عينيها ويمسدُّ شعرها المجعد، قربها من حجره وهو يهمس برقة:
- "ماما...ماما".
انتبهت "مريم" من شرودها وهي تنظر له بإستغراب ممزوج بالألم، هذه هي المرة الأولى منذُ عامين يذكر فيها والدتهم..كان صغيراً جداً في الرابعة من عمره، بكى معهم عندما رآهم يبكون، سأل عن أمه، قالوا له ذهبت، إلى أين؟ أجابهُ والده: إلى السماء، لكن السماء بعيدة كيف وصلت إليها؟ سكت الأب ولم يجب وانصرف خارجاً من البيت.
سحبته هي حينها، تحبه كثيراً، أكثر من أي شخصٍ آخر، وهو متعلق بها كتوأم روحها، مسحت دموعها وهي تحضنه، وأقسمت حينها أن تكون له أمه وأبوه وأخته وكل شئ، أقسمت أن تنسيه يتمه، أن تربيه كابنها رغم ضحالة خبرتها وصغر سنها...
ازاحت ذكرياتها، تنظر إليه، إلى بقية الغالية، ظنتهُ نسيها، ولكن من ينسى أمه؟!! شعرت بغصة، بحرقة، بألم، هي لن تستطيع أن تحل محلها أبداً مهما حاولت، سيظل ذلك الجزء السحري الغامض الذي يحيط بالأمهات مفقوداً، حنان الأم من يعوضه، وذلك الحجر الدافئ أين سيجد مثله؟!
لا زال ممسكاً بتلك اللعبة بحنان، يهمس لها بشجون، اقتربت منه وهي تربت على ظهره بخفة، التفت لها، في عينيه نظرة انكسار كسرت نفسها، حولتها إلى هشيم!!!
- أ..أح...حمد...
- نعم.
………-
- ماذا تريدين؟
"أرجوك اخفض هذه العينين!!"
- أريدُ أن... لكنها لم تكمل، ضمتهُ بقوة، بأقصى قوتها، وهو لم يحتج، كان صامتاً وجسده الصغير يرسل اهتزازات عنيفة لكأنه ينتظر تلك اللحظة التي يُفرغ فيها شحناته المكبوتة، تركت دموعه تبلل ثيابها، شهقاته تُسمع بوضوح الآن، تبكي معه على أمها وعليه وعلى الأيام...
- "راشد" ما بالك، أراكِ متغيراً هذه الأيام.
هزّ "راشد" كتفيه بلا مبالاة وهو يشعل له سيجارة.
- وعدتَ للتدخين أيضاً!!!!!!!
انتظر حتى العشرة كما طريقة "خالد" في العد أو الذبح النفسي كما يسميها، ثم قال:
- أعتقد أن هذا الأمر يخصني ولا...يعنيك.
فتح "خالد" عينيه غير مصدقٍ ما يسمعه، لا بدَّ أن أخاهُ جن.
"- رشوووود" احترم نفسك، كيف تخاطبني هكذا.
يتبع ,,,,,
👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -