بارت مقترح

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -151

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي - غرام

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -151

الجوهرة بضحكة : هذي من أغنيتك ما يجي منها خير
حصة بإبتسامة : حافظتها أكثر مني يالخير
الجوهرة بمثل إبتسامتها تُدندن بمجاراةٍ لها : هذا الأسمر يا ميمه عيونه كتلتني
حصة بخبث : هذا سلطان لو سمحتِ
الجوهرة : هههههه هههه
: والله الضحكة قتلتني
الجوهرة بربكة عارمة عادت للوراء ليسقط الهاتف وتدفع المزهريَة التي تتوسط الطاولة حتى تناثر زجاجها حولها.
حصة كادت تموت من ضحكاتها الصاخبة، مُجرد صوته فعل بها كل هذا، رفعت الهاتف لتُجيب سلطان : هلا بالغالي
سلطان بإبتسامة : هلابك . . وينها؟
حصة : ذابت
سلطان بضحكة أردف : وش تغنون ؟ خربتيها
حصة : ما خربتها والله! أصلا مهي أغنية يعني كذا قصيدة مغناة . .
سلطان : طيب عطيني إياها
حصة : أول قول لنا وش أخبارك؟
سلطان : عال العال
حصة : عسى دوم .. طيب فرحنا معك
سلطان : متى يصير مزاجي عال العال ؟
حصة : إذا مشى شغلك . . طيب خذها خربت لنا الصالة . .
الجوهرة ووجهها يصخب بالحُمرة والحرارة، تنحنحت وهي تهمس : مدري كيف ما حسيت فيه . . ألو
سلطان أطال بثواني صامتة حتى أردف : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
شعرت بأنه يستهزأ بها لتُردف بهدُوء : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
سلطان بخفُوت : مين اللي عيونه قتلتك ؟
الجوهرة أبتسمت وهي تلاحظ نظرات حصَة التي تبثُّ بها شغف الخبث : أسأل عمتك وش يعرفني فيه
سلطان : طيب غنيها خليني أسمعها كاملة
الجوهرة : ماني حافظتها
سلطان : يا كذبك!
الجوهرة بتضييع للموضوع : كيف حالك اليوم ؟
سلطان : بكرا إن شاء الله بطلع
الجوهرة : الحمدلله .. مو قالوا اسبوع؟
سلطان : لآ الفحوصات تمام
الجوهرة : بتنوِّر بيتك
حصة همست : بيطلع ؟
الجوهرة هزت رأسها بالإيجاب لتُردف : طيب ما أعطلك .. تآمر على شي
سلطان : غنيها ليْ يا بخيلة
الجوهرة : صوت عمتك أحلى
سلطان : أبي أسمع بصوتك!!
الجوهرة بإستلعان رتَّلت بصوتها الخافت : إذ يغشيكم النعاس آمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام.
سلطان : تصبحين على خير
الجوهرة : هههههه وأنت من أهله
سلطان : تعرفين تحجرين للواحد
الجوهرة : أتعلم منك
سلطان بوعيدٍ خافت : لاحقين لاحقين .. أنتظريني بكرا
الجوهرة بتوتر : طيب تبغى شي ثاني
سلطان أنهاها بضحكته التي لا تسمعها كثيرًا ليغلقه دُون أن ينطق شيئًا، الجوهرة : سكره بوجهي
حصة : هههه تصير بأحسن العوائل
،
في أطرافِ الليل كانت تستلقي عند المدفئة الجداريَة وهي تتأملُ بالنار التي تحرق الحطب، وتشعرُ أنها تصعد بها حتى تحرقها، تتناثر دموعها وقد أعتادت الدمع في الأيام الأخيرة، مدَّدت أكمامها لكفيّها الباردة وهي تُبصِر اللاشيء، كل الأشياء تتوافدُ من خيالها المبحوح بحزنه، كل الأشياء تقف عند قلب عزيز و نبرته مازالت تتردد في عقلها " أنتبهي لي " ، كيف تتطمئن عليه؟ كيف تعرف أخباره؟ كيف تشعُر به بعمقٍ أكثر! عادت ذاكرتها للأيام التي غادرت بها أثير باريس لتخرج معه بهدوءٍ دُون إستفزاز، كانت الريحُ تهبّ من كل جانب حتى وضع ذراعه على كتفيْها. أبسط الأشياء منك تكُون حميمية بصورةٍ كارثية لقلبٍ بكر حين جرَّب الحُب كنت أول تجاربه ويبدُو أنك آخرها . . . تلك الحديقة موبوءة بك . .
،
ثبَّت كتفيْها لتصرخ بآآآهٍ مقتولة، تحاول أن تقاومه و الدموع لا تنفَّك من تشتيتِ بصرها، شعرت بأن يديْها تنكسران وهما تحاولان دفعه، ضاقت أنفاسها لتهمس بوجَع : لا
،
تبحث بكل زاويَة عن أوراقٍ تُوصلها لشيء، و عن أرقامٍ تكشف لها أيُّ شيء، كانت تُفتش أوراقه بلهفة لمعرفة ما يحدثُ بحياتها وتجهله، سمعت صرخته لتتجمَّد أصابعها على الطاولة الخشبيَة . .
غُرِز السكينُ حتى شعرَ بأن الرُوح تصعد . . .
،
أنتهى
إن شاء الله يروق لكم البارت ويكون عند حسن الظن دايم :$()
لاتحرمونِي من صدق دعواتكمْ و جنَّة حضوركمْ.
و لا ننسى أخواننا المسلمين المُستضعفين في كُل مكان أن يرحمهم ربُّ العباد و يرفعُ عنهم ظُلمهم و أن يُبشِرنـا بنصرهُم ، اللهم لا تسلِّط علينا عدوِك وعدونـا و أحفظ بلادِنا وبلاد المُسلمين.
أستغفر الله العظيم وأتُوب إليْه
لا تشغلكم عن الصلاة
*بحفظ الرحمن
الجزء ( 66 )
المدخل لـ سعد علوش .
اطغي اطغي .. خلي الغابات تتسلف خضارك ..
بس تترك اصفرارك..
لـ ابتسامات المجامل ولوقارك
واتركي لعشاقك الموتى حمارك
او بالاحرى... احمرارك
لاتلومينا مجانينك نحبك
لا طغيتي .. لازعلتي .. لاحكيتي .. لامشيتي
انتي مسكينه ومظلومه ومعذوره ليامنك نسيتي
لانك انتي اللي فقط...
ماشفتي نفسك لاحكيتي
لانك انتي اللي فقط
ماشفتي نفسك لا مشيتي
يادمــارك
ياوقوف العالم الثالث على شرفة زرارك
انتي مثل الظلم والاجحاف بس انتي لئيمه
هم طبيعتهم عدائيين بس انتي رحيمه
مابدر منك جريمة
انتي بالفطرة بدون سلاح ومقاتل جريمة
وانا بالفطره احبك ياعظيمه ...
بذبولك وازدهارك...وانصهارك
تلك الحديقة موبوءة بك، بصدرِي يتغنجُ الحب ويثمل، بصدرِي يمُوت الحب ويُحمَل على نعشه، إني أحبك على الرغم من كل شيء، كيف أصبر؟ علمني أن أصبر على عينيْك و نظرةُ عينيك ولمعةُ الحب في عينيْك، أعترفُ بشناعةِ حقدي عليك من تلك الأنثى التي كنت أراها بك، ولكنني أعرفُ أنك تحبني، لن أنكر أنك لم تُحبني يا عزيز، مهما حاولت أن تقُول لن تستطيع أن تُظلِّل عيناك وهي تراقبني في كل لحظة أشردُ بها، لن تستطيع أن تُخفي إبتسامتك الضيِّقة وأنت تنظرُ لي بعينٍ مُعجبة، لن تستطيع أبدًا أن تُخفي أمر يديْك وهي ترتعشُ بكفِّي وتسكُن، لن تستطيع يا عزيز أن تخفي الدمُّ الذي يجرِي بعروقك منِّي، أنا التي لم أفعل شيئًا بحياتي يستحقُ الذكر سوى أنني أعطيتُك من دمِّي و أحببتُك بكل جوارحي، أنا واقعة بك، واقعة جدًا يا عبدالعزيز.
يكفيني من هذه الدنيا أن تضِّل بجواري، يالله! على الندم المهرولُ بي، يالله على كل اللحظات التي ضاعت بيننا!، مرَّة أخرى أنا أحبك بكل شتائمِ هذا الكون التي تبادلناها، بكل كلمة سيئة نابية خرجت منّي، " أحبك كثيرًا يا أسوأُ شخصٍ نُمارس معه الحياة ويا أجملهم بالحُب " أحبك بطريقةٍ عشوائية خالية من التهذيب، أحبك بفوضوية لن أفكر يومًا بأن أرتبها، تبًا لوسامتك لن تترك لي فرصَة بأن أتخلى عنك، هذا الهواء الذي يعبرني، هذا البرد الذي ترتعشُ معه أطرافي يُغمض عينايْ لأتخيلك، أتخيلُ تفاصيلك وأنسى وحدتي، أنسى الفراغات التي توزِّعني بقوالبها دُون أن تعطف على قلبي، كلماتُك تستعيدُ نبرتها في صدري، ضحكاتُك تتمثَّلُ أمامي و " وين تبين تروحين ؟ - جهنم. كويس بطريقي " و الشوكلاته والمقهى الذي لن أنساه أبدًا وإبتسامتك التي أسقطتني بفخِها ولم أستطع أن أغضب! قُلتها بكل هدُوء ولم تعلم أنك سلبت قلبي " فيه شي هنا *تُشير لأنفك* " يالله يا عزيز كم كانت الأيام بيننا تضجّ بالعفويَة والضحكات المستفزة، كنت على الأقل " لا أحبك بهذه الصورة المسرفة ".
غطَّت جسدها بالشالِ الصُوف لينام عليْها بخمُولِ الدفء الذي تسرَّب بين الجدران، ألقت نظرة أخيرة من بعيد على ضي الساكِنة بهدُوء، التعبُ واضح على ملامحها والشوقُ لوالدها واضح جدًا، من قال أن الحُب يتقيّد بعُمر؟
،
فتح الباب ليتجه نحوها بخطواتٍ سريعة مهرولة، صدرها يرتفعُ بعلوٍ شديد و أنفاسها تضطربُ ببكاء مصعوقٍ كغيمتيْن تكهربتَا بالبرق، ثبَّت كتفيْها لتصرخ بآآآهٍ مقتولة، تحاول أن تقاومه و الدموع لا تنفَّك من تشتيتِ بصرها، شعرت بأن يديْها تنكسران وهما تحاولان دفعه، ضاقت أنفاسها لتهمس بوجَع : لا
شعرَ بحتمية الحزن وهو يحاول أن يوقظها من كوابيسها الرماديَة، تمنى لو يحفظ آية يرتِّلها على جبينها، كم من السكينة تفوتني وأنا لا أحفظ شيئًا من القرآن المنزَّل؟ كم من حياةٍ ضائِعة وأنا لا أحفظ شيئًا أرتله على جبين رُوحي. لو آية فقط تشهدُ لي يوم لا ظِل إلا ظله ؟ لا أعرفُ على من أحزن بالتحديد؟ على نفسي أم على حُبي أم على حظي أم على والدِي أم على . . عبير ؟
فارس بضيق يبلل يدِه ليمسح على وجهها، تلفظ كلماتٍ متداخلة لم يفهم منها سوى " يــبه "، وأشعرُ بِك! صدقيني أشعرُ بالحزن الذي تتفوهُ به شفتيْك و بكلمة – يبه – التي تتشبثُ بلسانك، أشعرُ بالوجع الذي يجعلك تشعرين بالوحدة الشاهقة، أنا الذي لم أعرفُ معنى لـ - أب – ولا – أم - ، ولم أعرفُ شيئًا إلا أنني فهمتُ كيف أحب، في اللحظة التي تخلصتُ بها من وحدتي عرفت أنني وقعتُ بك وبحُبك، عرفتُ لحظتها معنى للعالم، للوردِ الأبيض، للعطُورِ الناعمة و الليالي الباردة، عرفتُ كيف للدفء أن يأتِ من عينيّ أنثى! و عرفتُ كيف للحياة أن تأتِ – عبيرًا -.
من يُعيد ليْ أبي؟ من يُعيدني إليه؟ أنا التي لم أعرف الإنسلاخ منه منذُ أن عرفت ميلادِي، نضجتُ على يديْه وعرفتهُ أبي وأمي وأخي وصديقي و حبيبي وحياتي وكل حياتي، كيف أنام بهناء و " عينِ – أبوي – ماهي هنا؟ ".
لم تستغرق بنومها كثيرًا، هي ساعة وأقل حتى أستيقظت بشعورٍ ميِّت يُرثي نفسه بالدمع، نظرت لفارس بعد أن أستيقظت تمامًا بعينيْها اللامعتيْن، و إن برعت بشيءٍ هذه الأنثى! ستكُون براعتها في عينيْها والله العظيم، هذه اللؤلؤتان مصيبة والشواهدُ إن أعددتهن كُثر.
بقهرٍ لم تعرف كيف تسيطر على عقلها الذي بدآ يعيشُ أرق الغياب عن عائلتها، لم يعد لها قدرة أن تتحمل كل هذا وأن تُبقي هذه الأعصاب المشدودة بحالٍ أفضلُ من هذا، ضربته على صدرها بيديْها وهي تصرخ : أبعد عننني ما أبغى أشووووفك
أبعدت كفيّها بعد أن شعرت بأنها تضربُ حديدًا وليس جسد، لتشِّد بقبضة يديْها على الفراش وهي تحاول أن تمتص حزنها، أن تمتص كل هذه الشحنات وتعيشُ ببرودٍ فقط، أن تنعم ببعض البرود واللامبالاة، أنحنى رأسها وشعرُها الطويل من كل ناحية يواسيها.
فارس الذي يجلسُ على طرفِ السرير بقربها ألتزم صمته وأكتفى بمراقبتها، بمُراقبة قطراتُ الندى بين هدبيْها.
رفعت عيناها المُشتعلة بالغضب، وبنبرةٍ مختلطة بالبكاء : ممكن تطلع؟
فارس : لا
أتسعت محاجرها المُحمَّرة بدهشَة و لا يفصلُ بينهما سوى سنتيمتراتٍ قليلة، أبعدت وجهها للجهةِ الأخرى وهي تُردف : الله لا يسامحك
فارس لوى شفتِه السفليَة بأسنانه ليُردف : الله يسامحك على قلبك الحين!
عبير وضعت يديْها على رأسها وهي تحاول أن تضغط عليه من كلا الجانبيْن حتى تخفُّ حدّة الحزن الذي يتوسطُها، تشعرُ بحاجة تقطيع شعرها، تكره هذا الشعر الأسود في هذه اللحظة وهذا الجسدُ بأكمله، تكره نفسها التي تُحبه : كرهتني بنفسي بكل اللي حولي خليتني أحس بالنقص من الكل وأخاف من الكل حتى من ظلي .. وعقب كل هذا تستغلني بس عشان إسمي ماهو عشاني عبير! . . أنا أكرهك .. منقرفة منك .. ومنقرفة من حالي . . وماني طايقة أشوفك ولا طايقة أسمع صوتك . . أبيك تبعد عنِّي وعن حياتي!
فارس : تصدقين الكذبة اللي أنتِ مخترعتها! وقلت لك للمرة المليون لو ما كنت جبتك راح يجيبك أبوي! بكلا الحالتين كان راح يكون مكانك هنا لكن أنا . . . ولا ما يهمك تعرفين وش أبي ؟
عبير بحدة : ما يهمني
فارس يقف وهو يُشير إليها بالسبابة : تعرفين والله تعرفين أنك قاعدة تكذبين وتحاولين تصدقين أيّ شي عشان تقهرين فيه نفسك قبل لا تقهريني!
عبير تنظر إليه ولنبرته الغاضبة، لصوتِه الثقيلُ عليها وثقيلٌ على قلبها، بنبرةٍ خافتة عنيفة : مهما خليتوني هنا ومهما صار! في الوقت اللي أشوف فيه ابوي صدقني ماراح يكون مالك وجود في حياتي هذا إن كان لك وجود من الأساس!
فارس بإستفزاز لقلبها : طبيعي ماراح يكون لك حياة ثانية عشان يكون لي وجود فيها ! بتكونين مشغولة في حياتــــــــــنــــــا *نطق كلمته الأخيرة ببطءٍ شديد*.
عبير : أطلع برآ . . أطلع . . *علت نبرتها بصرخها* أطللللللللع
فارس بثباتٍ يقف ويُريد أن يروِّضها الآن : تفهمين شي واحِد أنه هذا الشي مو بإرادتي!
عبير ببكاء تُردد : أطلع . . أطلع . . ماأبغى أشوفك
فارس بتجاهل لكل توسلاتها : ما أستاهل منك كل هذا يا عبير! تذكري هالشي . . . . سحب المفتاح على السرير ليشدّ خطواته نحو الباب، وقف دُون أن يلتفت إليْها، أطال بلحظاته حتى فتح الباب وخرج.
أنفجرت ببكائِها، لا تحتمل أن تراه بعد كل هذه الفترة التي كانت تترقبُ بها فقط حرفٌ من إسمه، يأتِ الآن بكل ضراوةٍ وعنف لقلبٍ بكى عليه ومنه لأشهر لا تُنسى بسهولة.
،
تبحث بكل زاويَة عن أوراقٍ تُوصلها لشيء، و عن أرقامٍ تكشف لها أيُّ شيء، كانت تُفتش أوراقه بلهفة لمعرفة ما يحدثُ بحياتها وتجهله، سمعت صرخةُ تجهل من أيّ حنجرةٍ خرجت، هذه الصرخة التي لا تُوحي إلا بأنها تنتمي إليه، لتتجمَّد أصابعها على الطاولة الخشبيَة التي وضعت بها صورها معه، صورٌ لا تعلم بأيّ شعورٍ كانت تحمل، وبأيّ قلبٍ كانت تنبض.
غُرِز السكين حتى شعرَ أن الرُوح تصعَد لعنقه، سقط على بطنه حتى تناثرت الدماء حوله، سارت بخطواتٍ بطيئة متوجسة لتقف عند بابِ الغرفَة بقدميْن ثقيلة تيبَّست على أرضٍ لا تتزنُ بهذه اللحظات وهي تنظرُ للجسدِ الملقى، بلعت غصتها لترتبك أسنانها المتعاركة فيما بينها، تنظرُ بعينٍ تتسعُ بالدهشَة، بالخوف، وهي تهمسُ بدمعةٍ هزيلة : ناصر!
نظر للدماء باللاشعُور! قتل شخصًا هذا ما يأتِ في باله الآن، قتل نَفسًا، روحًا، عينيْن و حواسٌ آخر، قتلها بيديْه، هل يسامحني الله بحجة الدفاع عن نفسي؟ هل هذا صحيح؟ هل ما أفعله الآن صحيح!
تعدَّت أقدامه جسده ليسيرُ بخطواتٍ سريعة بإتجاه غادة : راح نطلع الحين .. بسرعة ألبسي
غادة بصدمة : قتلته ؟
ناصر يلتفت إليها بعينيْن محمَّرة وأطرافه ترتعش من كلمة "قتل " : مافيه وقت .. بسرعة
غادة تتراجع بخطواتها لتنظرُ إليه كيف يُخرج الشنطة الصغيرة ويضع بها بعض القطع ويُخرج الجوازيْن، بإستغراب : هذا جوازي؟ كيف طلعت لي جواز؟
يتجاهل أسئلتها ليُغلق حقيبته دُون أن يرتب شيئًا بها بعد أن وضع ملابسها أيضًا، رفع عينه لها ليسحب معطفًا ويمدُّه نحوها : ثلث ساعة قدامنا عشان نوصل للمترو . .
غادة تُضيء عينيْها بالدمع وهي لا تعرفُ أيّ مجهولٍ ينتظرها، كيف تتكهنُ بمستقبلٍ إن لم يوجد لها حاضرٌ من الأساس.
أرتدت معطفها لتنظرُ له وهو يضعُ بجيبِ حقيبته صورهم و الأقراص التي حبست أصواتهم و صورهم، نزلت دمعتُها وهو يُعطيها ظهرها ليُدخل في جيبِ جاكيته – ورقةٌ – كان خطُّها يتوزعُ بها.
ألتفت عليها ليطوِّقها من يدِها ويخرجُ معها تارِكًا الشقة و باريس و الحياةُ التي كان من اللازم أن يعيشُها هنا، مثل ما تُريدين يا هذه الأرض، تركتنِي أعيشُ على حُزنِي أيامًا ولم تغتسلي بعد من وعثاءِ ذنبي، مثل ما تُريدين أنا راحل ولن أختاركِ مرةً أخرى! لن تكوني في جدول عُمري مرةً أخرى وأنا الذي ظننتُ أسفل غطاءُكِ قبر حبيبتي وأنا الذي ظننتُ أني كتبتُ على سماءِك في ليلة البكاءِ تلك " بحفظِ الرحمن يا غادة يا قصيدتي الأبديَة، فالشعرُ من بعدكِ رثاءٌ لا يتزن شطرَه "، أنا الذي لم أنضجُ شِعرًا إلا عندما كتبتُ لها ومنذُ رحيلها لم أكتب شيئًا يستحقُ معنى " قصيدة " ، والآن؟ أيّ رثاءٍ ينتظرني؟ هل أرثي نفسِي بعدما أستلمتُ الصفعات تباعًا من يدٍ باردة.
أوقفهُ التاكسي عند محطة القطار، ليدخلان وهو يراقب أيّ قطارٍ سيأتِ الآن، وقف أمام شاشة الرحلات، بعد ساعة ستأتِ رحلةُ لندن، ألتفت عليها : أجلسي هنا بس أحجز وأرجع لك . . . تراقب ملامحُ الراحلين و المارَّة المسافرين، يا مدينتنا القديمة أنتِ يا باريس، هي المرَّاتُ التي غادرتُكِ بها قليلة، منذُ أن فتحت بها عينيْ لم أجد سوى بردُ باريس الذي كان يغطينا في هرولتنا الدائمة على شوارعها بين المدرسَةِ و شقتنا، لم أكُن أعرف شيئًا عاطفيًا ويستنزفُ قلبي سوى عدُّ الأيام لمجيء أبي إليْنا، كنت أرتفعُ إليه في كل مرةٍ أراهُ بها، كُنَّا نحسبُ الإجازات السنويَة من أجل أبي، كُنَّا نعيشُ في الرياض بأرواحنا من أجل أبي، كُنَّا نقرأ أخبارُ الرياض لنروي عطشنا لأبي، كنَّا نسيرُ في شان دو مارس لنقُول " نفتقد جسدًا آخرًا " كُنا ننتظرُ أبي، أدخلنا المدارسُ الفرنسيَة ليجلب لنَا معلمًا يعلمنا العربيَة التي أصبحت ركيكة على لساننا، في كل مرةٍ تُضيء باريس في عين أبي كان يعلمنا الفصاحة و إدارةُ أعمالنا، هذه باريس التي لا تعني شيئًا لأحد هي تعني لي الحياة والعُمر الذي مضى في كنف أبي، في خُبزها المنتفخ و المَاكرُون الملوَّن، في جدائِل الزهر على طريقها و أغنياتِ الليل بها، كنَّا نلتقي كثيرًا مع أبِي في دعاء الصباح.
أتى إليْها ليجلس بجانبها : راح ننتظر ساعة
غادة أخذت نفسًا عميقًا : مين هذا ؟
ناصر : شخص تهجم عليّ
غادة : دام تهجم عليك ليه خفت؟ ليه هربت!
ناصر : غادة ممكن ما تسأليني ولا سؤال! تعبان وماني متحمل ولا كلمة
غادة تلتفت إليه لتتجمدُ عينيْها أمام قطرات الدم التي تسيرُ من إذنه، بمنديلها التي مسحت به دمعها وضعته على دمِه، لا تعرفُ أيّ عاطفةٍ جرت نحوه في هذه اللحظات، لم يلتفت إليْها بقيَ ينظرُ للمارَّةٍ أمامه.
بهمس : تنزف!
وضع يدِه على مكان جرحه بجانبِ أصابعها بعد أن خدشهُ بالباب، سحب المنديلُ من أصابعها ليضغط به على مكان نزيفه، دقائِق حتى توقف النزيفُ بضغطه، ألتفت عليها : بردانة ؟
هزت رأسها بالنفي لتُردف بضيق : وين بنضيع هالمرَّة ؟
ناصر : لندن
غادة : ممكن أطلب طلب؟
ناصر ألتفت عليها بكامل جسدِه وهو يعكفُ ساقٌ واحدة أسفلَ فخذِه، نظر إليْها بعينيْن تنتظرُ طلبها.
غادة : ليه ما تفكر ببكرا؟ وش ممكن يصير! . . يعني حياتنا!
ناصر بهدُوء موجع : لما فكرت ببكرَا جتني فجيعتي بك، لما فكرت بأيش يصير جت خيبتي من هالدنيا فظيعة! لما قلت بعيش كنت أقول بمُوت بس بصيغة ثانية . . عشان كذا لا تطلبين مني أني أفكر بأشياء بعيدة لأني جربتها والمؤمن لا يلدغ من جحره مرتين!
غادة تنزلُ دمعةٌ حارَّة على خدِها لتُردف بخفُوت : طيب وأنا؟ كيف تخليني كذا بدون مستقبل بدون شي! كيف أعيش!
ناصر : لا تسأليني! . . كنت أبيك عُمر يا غادة ما طلبتك موت!
غادة : و انا ما أسألك كيف تبي تمُوت! أنا جدية بكلامي وبحياتي معك! أنا ماأقولك أتركني وما أبغى أشوفك! أنا مالي غيرك الحين بس أبغى أعرف عن الحياة اللي تنتظرني
ناصر يشدّ على شفتيه بعد أن تورط بقتلِ إحدى رجالاتِ عُمر : ماني متشائم كثير لكن لا تنتظرين شي . . وأسند ظهره على الكرسي ليراقب من جديد اللاشيء الذي أمامه.
غادة : ولا أنتظرك؟
ناصر بضيق يشعرُ بأن روحه تلتهب بحرقتها : تنتظريني؟ بدري حيل
غادة تمسحُ دموعها التي أنسابت على خدها بطرفِ أصبعها : يعني ما أنتظرك تجي على بالي مثل ما أنت متصوِّر؟
ناصر بتبلدٍ إتجاه الموت : في الوقت اللي راح تحسين فيه أنك تذكرتيني بيكون الوقت اللي تشبعت فيه من إحساسي بخيانتك ليْ!
غادة بضيقٍ يتحشرجُ بصوتها : ما خنتك! مو أنا اللي دعيت الله عشان أفقد ذكرياتي معك! أنا خايفة منك ومن هالصور اللي في جيبك . . أنا أحس أني ما أعرفك .. ليه ما تحس بوجعي من هالشي؟ ماني مبسوطة أبد بحالتي هذي عشان تقولي أني أخونك
ناصر يزفرُ بأنفاسه المشتعلة وعينِه تثبت في الشاشة التي أمامه : يرحم الله أوجاعي يوم لأجلك عشت في كنفها
غادة ببكاء لم تحتمل كلماته التي تجلدُ قلبها بقسوتها : تظلمني
ناصر : الله يسامحني
غادة أسندت ظهرها على الكرسي لِتُبعد أنظارها عنه وهي تغتسلُ بدمعها بصمتٍ أجبرت عليه، تكتفت وشفتيْها تنشدُّ حتى لا يخرجُ صوت أنينها.
،
يقفُ بكل هيبةٍ أمامهم، و الثقة تُزرَع في قلبه بطريقةٍ مستفزة لكل من حوله، ينظرُ للأوراق التي بين يديْه، للتطورات التي حصلت بالفترة الأخيرة ليُردف ببرود : و بنته الثانية ؟
أسامة : مختفية هي و مرت أبوها
سليمان صمت قليلاً لتهدأ عينيْه على الأسطر التي يقرأها، بخفُوت يحكُ ذقنه : وفارس؟ وش نيته؟
أسامة : ما راح يأذي أبوه هذا اللي أنا متأكد منه وماراح يأذي عبدالعزيز
سليمان تنهَّد وهو يُميل فمِه : طيب! . . شف لك صرفة معه
أسامة رفع حاجبه : يعني ؟
سليمان : تفكك رجال رائد اللي حوله ماراح يتم وفارس موجود! دام ماراح نقدر نستغله ضد أبوه، لازم يبعد .. عاد كيف يبعد أنت حلَّها
أسامة برهبة : بس فارس . .
سليمان بحدة : فارس وغير فارس! قلت أبعده
أسامة بلع ريقه : عارف لكن فيه طريقة ثانية نقدر نبعده فيه بدون لا نأذيه . . أقصد بدون لا نأذيه جسديًا
سليمان يجلس ليرقد قدمًا على قدم : أتكلم هندي؟
أسامة بخضُوع : مثل ما تآمر
سليمان ينظرُ لعمر الغارق بتفاصيل الحسابات ليُردف : أتصلت على مقرن؟
عمر دُون أن يرفع عينه : مثل ما طلبت! بعيد عنهم
يدخلُ الأبيضُ المنمش بخطواتٍ سريعة وبين شفتيْه خبرٌ معلق : امسكوا زياد!
رفع عينه عُمر بدهشَة تسبقُ دهشة أعين سليمان التي توجهت نحوه.
أخذ نفسًا عميقًا بعد أن أستنزف طاقته: و أعترف من أبوسعود و عبدالله اليوسف! ماني متأكد من هالشي لكن جواله صادروه
سليمان : قلت لي عبدالله اليوسف؟ رجع لهم؟
يهزُ كتفيه بعدم المعرفة ليُردف سليمان : حتى عبدالله يبي له قرصة إذن!!!!!
عُمر : وصلهم خبر ناصر؟
أسامة : لآ .. آخر مكالمة مع زياد قالي أنه ما يدرون عن شي
سليمان بإبتسامة : حلو .. أنا أعرف كيف أحرق قلوبهم . . . الحين عبدالعزيز مع بنته كيف لو عرف بموضوع غادة ؟ شكله مافهم الرسالة كويس ويبي لنا نعيدها له بطريقة ثانية! . . .
عُمر : وزياد ؟
سليمان بضحكة إستهتار : السجن للرجال!
،
في صباحٍ مُشمس تتلاعبُ الريحُ بورقاتِ الاشجار، بأغنياتِ الزهر الجافّ المهمل على الطريق، تلتفتُ بجسدِها عليه لتتأملُ عينيه النائمة بهدُوء و شعرُ وجهه المهمل بجاذبيةٍ تتكىء على أبناءِ نجد الذين ينتمُون لجلدِها الأسمر، هل أصدِّق حُبك يا يُوسف من اجلِ الجنين الذي ضاع منَّا أم أصدِقُ حبك من اجلِ قلبي ولا علاقة لشيءٍ آخر، كنت أريده يالله! كنتُ أريد أن أحملُ بين يديْ طفلٌ من رائحة رحمي، أن ينام بيننا كل ليلة وأن يوقضنا ببكاءِه كل صباح، تعبتُ من هذا العمر الذي لم يجلب ليْ سوى التعاسة، الذي لم يحفظ لي أحدًا أنظرُ إليه بتمعن حتى يشيب! لم أرى الشيب يخطُّ برأس أحبابي، جميعهم غادرُوا مبكِرًا وتركُوني، كنت أحتاج الرجل الذي يوقف إستخفاف الحُزن بي، كُنت أنتظر رجلاً أفرغ عاطفتي العطشانة، كنت أنتظرك يا يُوسف ولكن لم تنتظرني! لم تنتظِر أن تقترن بفتاةٍ حائلية كل حياتها تمرُّ كذكرى كل يوم، لم تنتظر أن تُقدَّم لك الفتاةُ ذاتها. أشعرُ بإذلالٍ في كل مرة أتذكر كيف تم زواجنا! أشعرُ بحزنٍ على أمي ومن أمي ولكن لا أتجرأ أن أقوله وهي التي حملتني في بطنها 9 شهُور وعانت منِّي في طفولتي دُون أبٍ يشاركها الرعي والإهتمام، لا أتجرأ ان ألفظ حزنًا عليها ولكن لا أتحمل كل هذا، لا أتحمل أن ينظرُ إلي الجميع بنظرةٍ مهينة ليْ، مهما حاولوا أن يخفُوها أنا أراها بعينِ ريم و هيفاء و نجلاء و الجميع بلا إستثناء.
اقتربت قليلا ليفصلُ بطنه عن بطنها إمتدادٌ قليل كالذي يفصلُ بين أصابعها، بتهور عاطفتها أقتربت أكثر لتُقبِّل ذقنه الخشن برقةِ شفتيْها، أعتلت حُمرة قلبها لتنبض بشدَّة وهو يُحرك رأسه قليلاً لليمين و أهدابه مازالت تتشابكُ بنومه، همست عند اذنه : صباح الخير .....
أستغرق ثواني طويلة حتى يفتحُ عينيْه بإنزعاج من ضوء الشمس المتسلل من وراء الستائر، ألتفت عليها وإبتسامتها الصافيَة تُثير إستغرابه بعد أن أعتاد هروبها أسفل الفراش في الصباحات الأخيرة حتى تبكِي وتنام من جديد.
: صباح النور
مُهرة تنظرُ للساعة التي خلفه : تعرف أنه الساعة 10 .. راح عليك الدوام!

يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -