بارت مقترح

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -187

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي - غرام

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -187

والدتها تنهدَت لتقف، نزعت جلالها لتمدَه لريف التي رتبته بطريقةٍ سريعة ووضعته فوق السجادة، إبتسمت والدتها : عفيَة على بنتي . . . خلينا ننزل أكيد الشغالة ما حطَت لهم شي
ريف تمدَ يديْها بإتساع : بنسوي كيكة كِذا كُبرها
والدتها : نسوَي كيك ليه ما نسوي! تآمر بنت القايد
نزلت للأسفل لتتجه للمطبخ بخفُوت، عادت ريف إلى يوسف : ماما بتسوي لنا كيكة كبييرة . . أنا قلت لها
يوسف بإبتسامة تُناقض وجهه المُتعب من السهر : شكرا كبيرة
ريف جلست بجانبه لتمَد يدها الصغيرة على جبين هيفاء : هيَا تعبانه؟
يوسف بلع ريقه بتوتر : ريف . . ممكن تجيبين لي مويا
ريف وقفت : طيب . . .
بمُجرد أن غابت ريف عن عينه، همس : هيفا . . هيفا أصحي
فتحت عينيْها على ملامحه، ثواني حتى تستوعب لتفَز وتجلس : أتصلوا؟
يوسف : لا . . . صحت ريف وأم فيصل . . مو زين تشوفك كِذا وتنفجع بولدها .. قوَي نفسك شويَ
أتت ريف لتمَد كأس المياه بعينيْن مستغربتيْن من حال هيفاء المبعثر وعينيْها التي تُحيطها هالة من السواد بسبب البكاء/الكحل.
أخذ الكأس ليمدَه لهيفاء : أشربي . .
شربت القليل منه ولحظة وقوع عيناها بعينيَ ريف بكَت محاجرُها، يوسف برجاء : هيفا
ريف : ننادي فيصل عشان ما تبكين ؟
أخفضت رأسها لتُغطي ملامحها بيديْها وهي تجهشُ بالبكاء من إسمِه الذي يعبرُ لسانها ببراءة، أنقبض قلبُها بشدَة الإسمِ الذي تفقدُ صاحبه، كان سهلاً علينا يالله لولا هذه الأسماء التي تُبعثرنا، التي تُطيل الوجَع في قلوبنا كلما مرَت أمامنا، مقطعُ إسمِك في هذه اللحظاتِ / ألم لا أَقدِر على ضمادِه.
كيف نمنعُ إسمك من العبور أمامنا بهذه الصورة المؤذية؟ كيف نُسكِت الحناجر من نطقه؟ لو تعلم يا فيصَل كيف يضطربُ بنا الحال بمُجرد أن تغفو عيناك بمرضٍ نجهله! لو تعلم فقط أننا نشتاقُك الآن ولا نحتملُ غيابك، حتى ريف يا فيصِل تُريدك بطريقةٍ ما، تُناديك بطريقتها، أحتاجُك " عشان ما أبكي ".
تنهَد يوسف : لا حول ولا قوة الا بالله . . .
ريف تجعَد جبينها الناعم بإستغراب : يويو . .
يوسف رفع عينه إليها : هيفا تعبانة شويَ عشان كِذا تبكي . . صح هيفا؟
فقدت قدرتها على الحديث وهي لا تنظرُ لشيءٍ سوى البكاء المُضببَ لرؤيتها.
ريف جلست بجانبها لتدمع عينيْها : قولها لا تبكِي! . .
يوسف مدَ ذراعهُ خلف كتفيْها ليسحبها إليْه، حاول أن يمتَص هذا الحُزن بعناقه، همس : أشششش! خلاص قطَعتي قلبي معك . .
ريف التي لم تفهم معنى الكلمة جيدًا نطقت : توجع قلبهم صح ؟
يوسف بإبتسامة : لا الحين هيفا بتقوم وتمسح دموعها و تساعد ماما بعد . .
وقف ليمدَ يدِه إلى هيفاء : قومي معي غسلِي وجهك من هالبكِي
مسكت يدِه ليشدَ عليها ويوقفها، توجه معها للمغاسل التي أمامهم، أتكئ على الجدار لينظر إليها وهي تُبلل ملامحها بالمياه الباردة : لا تسوين في نفسك كِذا! هالبكِي ماراح يعيد له صحته ولا عافيته!! تعوَذي من الشيطان ولا تنهارين وتفجعين أمه الحين . . . خلَيك قوية مثل ما أعرفك . . يالله يا هيوف لا تضيَقين صدري عليك
هيفاء أخذت نفس عميق : طيب
يوسف إقترب منها ليُقبَل جبينها : الله يصبَرك ويشفيه . . . روحي لأمه ومهدَي لها الموضوع . . وأنا بجلس مع ريف
أخذت خصلة واحِدة لتربط بها بقية شعرها، إتجهت ناحيَة المطبخ، رفعت أم فيصل عينها بإبتسامة سُرعان ما تلاشت عندما رأت ملامحها الشاحبة ومحاجرها المحمَرة، تقدَمت إليها وبردة فعل إنفعالية: بسم الله عليك . . وش فيك؟ صاير لك شي؟ مضايقك فيصل بشي؟ لا يكون قالك كلمة من هنا ولا هناك وتحسسَتي منها؟ توَ ريف تقولي أنه راح لشغله! أكيد مضايقك! أسمعيني هيفا يا يمه تلقين فيصل ما يقصد، خليه يرجع وأعطيه كلمتين بالعظم أخليه يعتذر لك! كل شي ولا زعلك يا بنت عبدالله . .
هيفاء بمُقاطعة تسقطُ دموعها مرةً اخرى : لا يا خالتي مو كِذا! . .
أم فيصل : أجل؟ وش مسوي فيك؟
هيفاء : خالتي إجلسي شويَ . . . جلست على كُرسي طاولة الطعام البسيطة التي تتوسَط المطبخ، ضغطت هيفاء على يداها وهي تجلسُ على الأرضِ حتى تُحدَثها، شحذت نبرتها كي تتزن : أمس حصَل حادث وما بغينا نخوَفك لأنه . .
أم فيصل : حادث أيش؟
هيفاء بتوتر عميق تأتأت، فقدت زمام الكلمات و تبعثرَت تمامًا.
أم فيصل : تكلَمي! وش صار؟ . . فيصل فيه شي
هيفاء بغصَة تُضيَق على صوتها : آآ . . إن شاء الله مافيه الا كل خير
أم فيصل بنظراتٍ خافتة تترقب : ماني فاهمة شي . . ولدي فيه شي يا هيفا؟
هيفاء أخذت نفس عميق : بالمستشفى . .
صمتتْ، سكنَت حواسَها بعينيَ أثقلها الدمع، نظرت لملامح هيفاء الشاحبَـة/الباكيـة، ليزداد دمعُها توهجًا في محاجرها، يتحركُ عنقها بإنحناءٍ بسيط تسقطُ به دمعةً الأم التي يهزمها تعبُ أحد أبناءها.
قلبي يرتجف! لا أريد أن أفقد رائحة إبني ولا صوتُه ولا ضحكةِ شفاهِه، أسألُك يالله قلبًا قويًا يحتملُ هذا البكاء في صدرِي، قلبًا قويًا لا يكسرُه تعبُ فيصل.
هيفاء أخفضت رأسها ليُلامس جبينها ركبتيَ أم فيصَل، بعينيَ تائهة وضعت يدها على رأس هيفاء، تمامًا مثل ما وضعتهُ قبل مدَة على رأسه عندما توسَل إليْها أن تُسامحه، مازال صوتُه يضجَ بيْ " والله يا يمه تكسرني دموعك "، يا فيصل أنت من يكسرني والله ويكسرُ قلبي بتعبِه، يا حبيبي أنتْ.
همست : مين عنده ؟
رفعت عينها : منصور و أبويْ
أم فيصَل رفعت نظرُها للأعلى حتى تتمالك سيطرتها على الدمع المندفع : بروح له . . وقفت لتُردد في نفسِها " لا حول ولا قوة الا بالله " ، تبعتها هيفاء لتُناديها بأكثر النداءاتِ حميمية : يمَه . . أنتظري
توقفت عن السير، جلست على الكُرسي لتنحنِي وهي تشدَ على شفتيْها حتى لا تبكِي، تقدَمت إليْها هيفاء : بشُوف يوسف عشان يكلَمهم . . رحلت عنها لتظهر شهقاتها المتتاليَة ببكاءٍ عميق، غرزت أصابعها على ركبتيْها وهي تحاول أن تتماسَك، بصوتٍ يكسرُه الحزن : يا رب لا تُفجعنا به . . يا رب رحمتِك بعبادِك الذين شهدُوا لك بالوحدانيَة والألوهيَة . . .
وصَل صوتُ الجرس مداه ليقف يوسف : أكيد أبويَ تو مكلمني . .
هيفاء تنهدَت لتتبع يوسف، وقفت عند الباب الداخلِي لتُراقب بعينيْها يوسف وهو يفتح الباب الخارجِي، تقدَم إليه والده : السلام عليكم
يوسف : وعليكم السلام . . منصور جلس عنده ؟
والده : إيه . . رفع عينه ليُقابل بنظراته إبنته، أقترب بخُطاه إليها ليمدَ يديْه إليه، عانقها وهو يقبَل رأسها : تعوَذي من الشيطان وأحمدِي الله ما صار له شي كايد! الحمدلله على كل حال . . أنتهت عمليته قبل ساعة تقريبًا و دخلُوه العنايَة المركَزة . . لكن حالته بإذن الله أنها تطمَن
يوسف من خلفه : الحمدلله . .
هيفاء بنبرةٍ مبحوحة : الحمدلله . . طيب يبه ما نقدر نشوفه؟
والدِه : ما راح تستفيدين شي! بس يقوم بالسلامة تجينه
هيفاء : حتى أمه تبي تشوفه
والده أبعدها ليمسح دمعها بأصابعه : خلَيك معها ولا تتركينها لحظة، هي أكيد تحتاج لك وأنا أبوك . . وبس تستقر حالته أخليكم تروحون له . . هو ما يحتاج الا دعواتكم وتطمَني يا عيني
،
" واللهِ لأتخيَلُكِ حتى تكُوني واقعًا
. . . / لا مفَر منه
يا فداء العُمرِ! ما سبقِكِ لم يكُن . . من العُمر
لأجلكِ يا غادة!
كيف أُسأل لِمَ الحُب؟
وهل تُسأل السمَاء لِمَ المطر؟ . . فطرتُنا عيناكِ
يا من تسألين عن القلب! عجبٌ سؤال الذاتِ عن الذاتِ "
إبتسمْ بعد أن طالت عينيْه النظرُ إلى شفتيْه التي تنطُق بكل حُب لأخته، رفع عينِه : ما يحتاج تتخيَل هي واقعك أصلاً
غادة ضحكت لتحمَر وجنتيْها، عضَت على شفتها السفليَة وبخفُوت : ليه تقولها قدامه؟
عبدالعزيز يشربُ من كأس العصير ليُردف دُون أن ينظر إليها ويزيدُ من حرجها : عقبال ما تكتب فيني
ناصِر بضحكة : يقُولِك نحنُ لم نصبح شعراء الا من أجلِ ما فعلتهُ بنا النساء
عبدالعزيز : مِيغْفِيَوُ! (عجيب/مذهلmerveilleux = )
غادَة وقفت : أنا مضطرة أروح! عندي كلاس بعد نص ساعة . . فمان الله
عبدالعزيز رفع حاجبه : كلاس!! . . . أسند ظهرِه على الكرسي لينظر إليْها بخبث . . . طيب
ابتعدت لتخرُج وهي تمَر بجانب النافذة التي يجلسُون بالقرب منها، نظرت إليهما بإزرداء/غضب . . لتختفي من أمامهم.
ناصِر : عصَبت!
عبدالعزيز : خواتي فيهم طبع غريب! إذا هاوشتهم ضحكوا وإذا تغزلت فيهم عصبَوا! . . وش ذا الجينات الغريبة!!
ناصِر إبتسم : ما تعصَب إذا تغزلت فيها لكن قدام أحد تتوتر وتعصَب! مو قلت لِك خلنا بس لحالنا دقيقة
عبدالعزيز : دقيقة بعدين تصير ربع ساعة بعدين تصير ساعة بعدين تصير يوم كامل بعدين تدق عليَ معليش عبدالعزيز أقابلك بكرا !
ناصِر : والله يا عبدالعزيز صاير بس تتحلطم على الرايحة والجايَة! خلنا نزوَجك
عبدالعزيز غرق بضحكتِه ليُردف : دوَر لي فرنسية شقرا ويفضَل إنها تكون من الريف! أحب الغين حقتهم! تعرف أبي أتمرَس الحب صح على إيدهم
ناصر : تتطنَز ؟
عبدالعزيز : أمزح! . . خلينا الحُب لك
ناصر : ماش! ماعندك أفكار مستقبلية
عبدالعزيز بنبرةٍ جديَة : لازم أحب عشان أفكر بمستقبلي!! خلها تجي بنت الحلال ويصير خير
ناصر : أحيانًا أشك إنك تحبَ أحد وماتقولي!
عبدالعزيز بضحكة صاخبة : إيه هيَن! . . لو احب ما قابلت وجهك رحت خطبتها وتزوجتها ثاني يوم بعد!!
ناصِر : ما تتعطَل! وأنا مخليني أنتظرها لين تتخرج بس بنات الناس عادي تتزوَجهم متى ماتبي
عبدالعزيز بإستفزاز : إيه طلع اللي بقلبك! والله عاد هذي مو رغبتي . . رغبتها ورغبة أبوي،
ناصر : بس أنت أخوها وتقدر تقنعها مير أنت عاجبك الوضع وجايز لك
عبدالعزيز : ليه مستعجل؟
ناصر بجديَة عقد حاجبيْه : صرت أخاف ما يجي ذا اليوم من كثر ما نأجل فيه!!
عبدالعزيز تنهَد : أستغفر الله العظيم وأتوب إليه!! ليه أفكارك صايرة كئيبة
ناصر إقترب منه وبصوتٍ خافت : ذاك اليوم جتني غادة وتبكي تقول حلمانة وخايفة
عبدالعزيز : حلمانة بإيش؟
ناصر : عيَت لا تقولي التفاصيل! بس صرت أفكَر أنه هالتأجيل يضرَنا، ما تحس إنه هذي إشارة لنا عشان نعجَل بالزواج
عبدالعزيز صمت قليلاً حتى نطق : بكلَم أبويْ
ناصر : على الأقل في عيد الفطر
عبدالعزيز إبتسم : خلاص أبشر اليوم بقنعه بدل ما تنتظر سنة ثانية نخليها في العيد!!
أستيقظ بتعرَق جبينِه من ذِكرى تعبثُ بعقله/قلبه، نظر للسقف الذي يجهلُه حتى إلتقت عيناهُ بعينيْه، أستعدَل بجلستِه ليتأمل المكان الذي يحاصره، يبدُو و لوهلة بيتٌ مهجور لا يسكنه أحدًا منذُ سنوات، أثاث رثَ و تلفاز مكسور، و بابٍ من حديد ملطَخ بالكتابات، أبتعد عبدالعزيز عنه بعد أن أيقظه من هذيانِه، تنهَد وهو يقف.
ناصِر عقد حاجبيْه : وين إحنا فيه ؟
عبدالعزيز بحدَة يضع يدِه خلف رقبته مكان جرحه الذي يشتعلُ بحرارته : وأنا أدري عن شي؟
ناصِر أخفض نظره للأرض وهو لا يوَد أن يدخل بجِدالٍ معه.
ليتني لم أقولها يا عزيز! كان أسوأ عيدٍ شهدتهُ عينايَ، و أولِ عيدٍ لم يلحقهُ فرح، ليتني بقيْت على موعِدنا السابق الذي كُنَا نعدَ الأيام له، ولكنني تلهفتُ إليْها، للمكان الذي سيجمعنا، عجَلتُ بموعِدنا حتى تبعثر كل شيء، ضاعت منِي، حاولتُ أن أحفظها ولكنها ضاعت! نحنُ الشعراء أيضًا نترك شِعرنا من اجلِ ما فعلتهُ بنا من تُغني عن كل النساء، منذُ ليلة الحادث وأنا لا أعرفُ أن أكتب بجديَةٍ توازي الكلمات، كنت أظنَها مُزحة والله، كنت أظنَ ليلة عرسنا حدثٌ لا يحتمل النسيان، ولكنها نسيتِه و تهدَم فوق قلبي.
عبدالعزيز جلس على كرسي الخشب المتآكل لينحني بظهره ويضع رأسه بين يديْه، يشعرُ بحرقَةٍ تصل لأقصى مدى في جسدِه، وقف مرةً أخرى ليركل الكرسي ويُكسره بقدمِه، ضرب رأسه بقوة على الجِدار وهو لا يحتملُ هذا الغضب الذي يتصاعدُ به، سكَن جسدِه ليُلاصق جبينه الجدَار و جرحٌ ينزف من جديد لا يُبالي به.
ناصِر وقف ليقترب منه : عبدالعزيز
عبدالعزيز دُون أن يلتفت عليه، تصادم فكيَه من شدَة التوتر : مكتُوب عليَ الشقا طول عُمري! لحد يقولي أنت اللي ماتبي تكمَل حياتِك عُقب أهلك! حياتي هي اللي ماتبيني عُقبهم!!!
ناصِر بلع ريقه من الحال الذي وصَل إليه عزيز، جنَ جنُونِه فعليًا.
إلتفت عليه بعينيَ تبحرُ بحُمرةِ دماءها : بس والله ماراح أتركهم! راح انهيهم واحد واحد . . . صرخ . . راح أقلب حياتهم جحيم!!! . . من صغيرهم لكبيرهم!
ناصِر نظر إليْه بعُقدة حاجبيْه : ما جتِك ؟
عبدالعزيز ظهرت عروقِه من رقبته المشدُودة بغضب، ظهر بريق عينيْه الذي يفضحها الحنين، بصوتٍ ينخفض تدريجيًا : إلا! . . ما كانت حلم يا ناصر . . جلس على الأرض ليُردف بإبتسامَة هادِئة : شفتها ، كان في نفسي سوالف كثيرة بس ما قلت لها! ما عرفت كيف أسولف معها؟ . . ناصِر
جلس أمامه وركبتيْه تلاصقه، أكمَل : ضايقني إني تعوَدت على غيابها . .
ناصر شكَ بأنه يغيب عن وعيْه تمامًا ولا يُدرك بماذا يتحدَث وأمامِ من : عبدالعزيز
عبدالعزيز نظر إلى عينيْه التي تعكسه : كثييير
ناصر : أيش؟
عبدالعزيز : أشتقت . .
ناصِر غصَ حتى شحِب لونُه، نظر لهزيمةِ رفيقه الدنيويَة، تأمل عينيْه التي تهذِي بالحنين/الوَجع، كُنَا نقول حُزن الرجالِ قاسيًا ولم نكُن نشهدُ عليه! إلا الآن! أصبحنَا نشهدُ عليه يا عزيز ونشهدُ عليك، أصبحتُ أرى كيف للدمعِ أن تردَه العزة عن خدَك، كيف له أن يبقى في محاجرِك فقط ليُلهبك ولا يسقُط! يهزَنا البكاءِ في كل مرَة ولا يسقطُ من غصنه دمعة لأننا جُبلنا على الغصَة.
: عزيز
عبدالعزيز بلل شفتيْه بلسانِه وهو يتنهَد بعمق : أنا بخير! بخير . . قادِر أقاوم كل هذا
ناصر : عارف إنك قادِر، بس
عبدالعزيز بحدَة : قولها! . .
ناصِر : آسف
عبدالعزيز إبتسم بتضادِ الشعور الذي يواجهه : تعتذر عن حزني؟
ناصِر : أعتذر لأني مقدر أخلَيك تكون بخير!
عبدالعزيز بخفُوت يتصاعدُ الإضطراب في صدرِه، أخفض رأسه : أحاول والله أحاول! . . أقول في نفسي خلني أنسى! خلني أبعِد! ما عاد لي علاقة فيهم، أقول لا أنتظر منهم إعتذار ولا تبرير! أقول روح عِيش بعيييد عن كل هالخراب! وأقول أقدر أقاوم و أنا أقوى من تهزَني هالأشياء، لكنها . . . . . هزَتني! وضعفت، كنت أقول ما يذبحني حرَ القهر وأنا ولد سلطان! لكن الحين أحس . . أحس بشعور غريب،
إرتجفَ فكَه من هذه السيرة ليُكمل : كنت أحسَ دايم الموت قريب مني! لكن هالمرَة أحس قلبي يضيق فيني!!
ناصِر بنبرةٍ حانيَة يخدُشها الدمع : أنا معك، . . . ضغط على كفَ عزيز ليُردف : قاوم عشان غادة و عشاني!
عبدالعزيز بإبتسامة لإسم ( غادة )، تلألأت عيناه بنظراتِ لها إيماءةُ فراق : قول إنَك ما كذبت عليَ؟
ناصِر : ورحمة الله ما كذبت! عرفت قبل فترة، أول ما عرفت مقدرت أقول لأحد، والله مقدرت يا عبدالعزيز، وبعدها قمت أتصل عليك عشان أقولك! بس ما كذبت . .
عبدالعزيز صمت لثوانٍ طويلة حتى بدأ يهذِي بوعيٍ يغيب تدريجيًا : ماراح أتركهم . . من يقدر اصلا! . . هم بس اللي يبونه يصير وأنا؟ أنا بعد ابي يصير لهم اللي ما يبونه! أبي . . . أبـ . . . . أغمض عينيْه وقبل أن يقع رأسِه على الأرض وضع ناصِر يدِه، نزع معطفِه ليضعه تحت رأسِ عزيز حتى لا تؤذيه الأرضِ غير المستوية، أصابتهُ الرعشة من البرِد الذي يُداهمه من كل إتجاه في يومٍ باريسي عاصف بالثلوج.
وضع يدِه على جسدِ عبدالعزيز ليُغلق أزارير معطفه حتى لا يبرُد، وصَل لصدرِه ليُغلق آخر ازاريره، نظر إليه، لملامحه النائمة بهدُوء، يُدرك حجم الوجع الذي يُصيبه في هذه الفترة، ويُدرك تمامًا أنه ليس بخير.
لا نقدِر على محو ما كُتب علينا يا عزيز، إحساسُك بالرحيل " يوجعني " ! لأنني أفهم تمامًا كيف أننا نشعرُ ببعض ما قد يُصيبنا، بُكاء غادة تلك الليلة لم يكُن من فراغ! كانت تُدرك أنها سترحل! واليوم أنت! نحنُ الذين خُلقنا من طين أشعُر أن فطرتنا / ألم.
أنحنى عليه ليُقبَل جبينه، أطال قُبلتِه لتسقط دمعته عليه، همس : الله لا يفجعني فيك يا عزيز
،
تجلسُ بجانبها بعد أن مشَت ذهابًا وإيابًا في الغُرفة لقُرابةِ الساعة دُون توقَف، بلعت غصَتها بعد أن تصاعدت الحُمرة المحمَلة بالدمع ناحية محاجرها : صاير شي! قلبي يقول صاير شي
ضيَ إرتجفت شفتيْها وهي تهزَ قدمها : وعدني يجي!
عبِير : ما عاد في قلبي قوة عشان أنتظره هِنا، . . وقفت لتتجه ناحية هاتفها، إتصلت على رقم والِدها " مُغلق "، نزلت دمعتها بمُجرد أن سمعت الردَ الآلي : مُغلق!!!
ضيَ بمحاولة لتهدئة وضعهما : أكيد أنه بخير لا توسوين وتوسوسيني معك!
عبير أستسلمت لبكاءها : ياربي ليه يصير معنا كل هذا؟ رتيل ماهي فيه وأبوي ماهو فيه! . . . حتى عمي مقرن ماهو فيه!!! كلهم أختفوا . .
ضيَ توجهت إليها لتُعاقنها : أششش! إن شاء الله مو صاير الا كل خير . .
عبير بضيق نبرتها : لا تهدَيني بهالكلام! لو أبوي صدق طلع له شي كان أتصل علَمنا! لكن أبوي كان مخطط إنه ما يرجع! وين راح بس لو أعرف وين!!
ضيَ ضاق صوتُها بالبكاء : لا تقولين كِذا! هو بخير و رتيل بخير وكلهم بخير
عبير أبتعدت قليلاً عنها لتُردف : ليه محد أتصل؟ . . لو واحد فيهم هنا يطمنَا! مو من عادته ابوي يروح بدون لا يترك لنا على الأقل عمي مقرن! كلهم راحوا وأتركونا ننتظر
ضي قطَعت شفتيْها بأسنانها لتُكرر حتى لا تُصدَق حديث عقلها وعبير : إن شاء الله أنهم بخير
في جهةٍ بعيدة أنتهى من صلاتِه ليقف : نايف لا أوصيك!
نايف : بالحفظ والصون . .
عبدالرحمن أخذ نفس عميق : أستودعتهم الله الذي لا تضيع ودائعه
نايف برجاء : لو بس تخليني أروح معك!
عبدالرحمن : لا خلَك هِنا، صبرنا كثير وحاولنا كثير لكن بالنهايَة مابقى كثر ما خسرنَا، إذا إتصل سلطان بلغه لكن إذا ما أتصل لا تتصل عليه ولا تقوله شي . . .
نايف : أبشر
عبدالرحمن بإنهزامية جادَة أكثرُ مما يلزم، وضع السلاح على الطاولة، مُجرَد من كل وسائل المقاومة عدَا قلبه الذي يُدافع بشراهة عن حياة من يُحب، خرَج والثلج يتساقط من سمَاءِ باريس، شدَ على معطفِه الأسوَد ليُتمتم : اللهم إننا ضللنا السبيل فأرشدنا و أخطأنا الطريق فدلَنا، اللهم أحفظه، يا حيَ يا قيوم أحفظهم
ركب السيارة ليقودها بنفسِه أمام أنظارِهم، دخل محمَد : لازم نبلغ بو بدر
نايف تنهَد : ماراح يفيد شي! ماراح يجي بو بدر باريس ويمسك عبدالرحمن
محمد : الوضع تأزم!!
نايف : أنا بروح لشقته، لازم أطلَع بنته وأخت عبدالعزيز . . بعدها إذا أتصل بوبدر تبلغه بالموضوع، وخلَك على إتصال معي
يُتبع
،
تنظرُ إليْه بإزدراء وهو مستلقي على الأريكَة يحاول أن يغفو لساعاتٍ قليلة حتى يعود لعملِه، تكتَفت بثباتِ أقدامها التي تُعاكس ربكة جسدِها الغاضب : وبس؟
سلطان : هذا اللي صار
حصَة بغضب تصرخ عليه : قلت لك إتصل عليها تطمَن ما قلت لِك أتصل طلَقها!!! أثبت لِي إنك مراهق في قراراتِك! ما تعرف تتصرف تصرف واحد صح
سلطان أستعدَل بجلستِه ليلفظ بحدَةِ نظراته : حصَة لازم تفهمين شي واحد! إنك مهما حاولتي دام انا ما أبي هالشي مستحيل تجبريني عليه
حصَة بحالةِ إنفجارٍ تام : إحلف بالله إنك ما تبيها؟ . . . . ما تقدر لأنك متخلف تقول كلام غير اللي بقلبك، تضيَع حياتِك ومستقبلك عشان ترتاح عزة نفسك اللي مدري من وين طالع فيها! يعني إحنا اللي تنازلنا عشان اللي نحبهم و رجعنا لهم ما عندنا عزَة نفس؟ وش ذا التفكير البايخ اللي عايش فيه!!! . . يكفي اللي راح من عُمرك لا تضيَعه مرة ثانية
سلطان بخفُوت : ما أبغى أعلَي صوتي عليك! بس لا تستفزيني أكثر
حصَة بغضبها الذي لا يُبالي : قولي قرار واحد إتخذته كان بمصلحتك! ليه تسوي في نفسك كِذا!!! أحترم حياتِك وعطَها أهمية مثل ما تعطي شغلك!! . . .
سلطان بصوتٍ حاد : لا حول ولا قوة الا بالله . . . سكري هالموضوع ما أبغى أغلط بحقَك!!
حصَة توجَه إليه السبابة : ما راح أسكره، لين تقنعني بأسبابك! حياتك ماهي ملك لوحدِك! هي تهمَني يا سلطان!!!
سلطان تنهَد : بريَحك من الآخر لو تجلسين من هنا لسنة قدَام ماراح أجاوبك بأيَ شي
حصَة بحدَة : لأنك غبي مع خالص عدم إحترامي لك
سلطان إتسعت محاجره بالدهشَة : كل هذا عشان مين؟ عشان الجوهرة؟ مين أولى في قلبك أنا ولا هي؟
حصَة : أنت آخر شخص تتكلم عن مين أولى في قلبي! لو لي قدر عندِك ما سويت اللي في راسك ولا كأن فيه أحد يسأل ويبي يتطمَن!!
سلطان بغضب عاد للإستلقاء : تمسين على خير
حصَة : نام ولا علِيك من شي!! أصلاً عادِي. . ما كأنها حامل في ولدِك ولا كأنها زوجتك اللي تحبها وقول إنك ما تحبها عشان أكسِر هالتليفون فوق راسك
سلطان إبتسم بسخرية : هذا اللي بقى! أضربيني عشان تكمل
حصَة أخذت جوالها وبقهرٍ يجعلها بحالة من التوتر والحركة الغير منتهية : طيب يا سلطان . . . إتصلت عليها
في الجهةِ الأخرى وقف والِدها : بنجيها المغرب وخلَيك عندها أفنان ولا تتحركين
أفنان : إيه خلاص لا تشيلون هم! أنتم أرتاحوا وأنا بكون عندها
ريَان تنهَد : إذا صار شي إتصلي علينا، أنا بآخذ إذن من دوامي وبرجع لها
أفنان : طيب . .
خرجُوا جميعًا لتبقى أفنان لوحدِها معها، رفعت عينها إليْها : كيفك الحين؟
الجُوهرة ببحَة صوتها المتعب : تمام
أفنان جلست بجانبها : ماراح تقولين لي وش فيك؟ الدكتورة تقول أنه حملك مهدد والسبب إهمالك!! ليه تسوين في نفسك كذا؟ هذا أول حفيد في العايلة يعني مفروض تتحمسين أكثر مننَا وتهتمين بنفسِك وبالروح اللي بداخلك! لا أكلتي أمس ولا غيَرتي جو معنا! حابسة نفسِك بالغرفة وتبكين . . وخير يا طير يا سلطان! ماهو أنتِ اول من تتطلق! الله بيعوَضك باللي أحسن منه . . . عساه . .
تُقاطعها : لا تدعين
أفنان بعصبية : قهرني الله يقهر العدو . . هو ما قال والله ماراح آكل ولا راح أنام عشان الجوهرة ماهي فيه! تلقينه عايش وعادِي عنده لكن أنتِ ماهو عادِي عندِك!!
الجُوهرة بشحُوبِ ملامحها البيضاء عقدت حاجبيْها : متى راح أطلع؟
أفنان : شوف وين أحكي فيه ووين تحكين!! يالله عليك! . . .
الجُوهرة بضيق : وش أقول يا أفنان! من الصبح وأنتم تعيدون عليَ نفس الكلام! والله فهمت والله يثبَت حملي . . بقى كلمة ثانية ما قلتوها؟
أفنان تنهدَت : بالطقاق طيَب!!
الجوهرة بلعت ريقها : ما جاء أحد اليوم؟
أفنان : أحد مثل مين ؟
الجوهرة : مدري! يعني عمَي عبدالرحمن ما جاء؟
أفنان : عمَي عبدالرحمن! لا محد جاء . . أنتم على فكرة غريبين مرَة! ريم تقول فيه ريحة عطر رجالي بالمطبخ وأنتِ تسألين عن عمَي!!
قاطعها هاتفها الذي أشترتهُ حديثًا بعد أن تكسَر هاتفها السابق على يَد سلطان، أفنان نظرت إليْها : لو هو لا تدرين عليه! بعدها تتوترين ويالله نهدَيك! الدكتورة تقول . .
الجوهرة تُقاطعها بغضب : الدكتورة تقول أبعدي عن التوتر . . فهمت والله فهمت كل حرف قالته
أفنان بدهشَة نظرت إليها لتقف : طيب . . بروح أجيب لي قهوة قبل لا تفجرين راسي . . . خرجت لتتركها.
سحبت نفسها لترفع ظهرها قليلاً، مدَت يدها نحو الهاتف لترى " أم العنود " أجابت : ألو
حصة : السلام عليكم
الجوهرة : وعليكم السلام
حصة تُظهر جهلها بما حصل : قلت أسأل عنك دامِك ما تسألين!
الجُوهرة بنبرةٍ متعبة : أعذريني، بس

يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -