بداية الرواية

رواية عندما نستلذ الالم -16

رواية عندما نستلذ الالم - غرام

رواية عندما نستلذ الالم -16

وقفت والدتها .. و خالتها و وعد
و كُل منهن تبكي بصَمت .. فوالدتها راحت تمسح دموعها عن وجنتيها لتتماسك
و خالتها تبكي بصمت و قد غطّت وجهها
بينما أحمّر وجه وعد و اختفت بمجرد أن رأتها
أشتعَل وجهها بحمَرة خجَل لا تدري لم
وهي تلتفت لتبعد وافي بغيظ ودون أن تنظر إلى ملامحه وهي تنهضَ و تسحب طفليها معها
اقتربت من والدتها انحنت و قبّلت رأسها لتقول الأولى بصوت متحشرج دامع
..- الله يصَلحكم يا بنتي .. الله يصَلحكم .. قّوميني بروح لحجرتي .. الله يهديكم ..
ساعدتها على النهوض , وهي تلملم بقّوة شتاتها
الذي تبعثَر و على مرأى من الجميع
خرجت و أذنيها تلتقط صوت خالتها الذي يصرخ بغضب
..- فشّلتنا .. الله يقلعك .. الله يفضَحك يالثور
اقتربن من باب المنزل الجانبي يسبقهن معاذ
و صوت خالتها يصَرخ
..- وعـــد .. و عـــد .. جيبي عبايتي
دخَلت منه إلي البهو مُباشرة حيث قابلت وعد
التي وقفت أمامها تتأمل ملامحها وهمّت بقول
شيء ما من بين شهقاتها المكتومَة
لتقتل دعاء همتها وتقول بصوت متحشرج وهي تُسند والدتها
..- وعد روحي لخالتي .. تنادي عليك
تجاهلت تلك الغصَة التي استعرت في بلعومها
وهي تلمحها تركض نحو والدتها و هي تغّطي وجهها الممتلئ بالدموع
وفي قلبها راحت تقول
..- حسبيّ الله عليك يا وافي
*
فَتح عينيه ببطء شديد ؛ ليصَدمه ضوء مُبهر أمامها
أغمضَها مجدداً ليفتحها رويداً رويداً
ألم شديد يتحّرك على امتداد ظهره و بطنَه
يديه ترقدان خلفه في وضعية غير مُريحة أبداً
عاد إليه وعيه كاملاً وهو ينظَر للمكان حوله
جيداً ..
كّور قبضَته بقهر وهو يرى قيدَه الحديدي
قد أحاطها بقوة و مهارة .. يحفظ تفاصيل المكان
عن ظهر قلب .. إنه في الغرفة الحجز في الوكر بالقريّة
نظَر للنافذة حيث بدآ أن الشمس توسطّت السماء
وفي نفسَه سأل - كم من الوقت قضاه نائماً ؟
لكَن أسئلَته لم تتراكم في عقَله
لأن شخص ما حّرك الباب المعدني للغرفة
ودخَل .. رأى نصفه فقط
لأن ذلك الشخص بمجرد أن رآه خرج فوراً
لم يتبين ملامحه فالشمس ساطعَة من خلفه
حّرك يديه بقّوة محاولاً أن يكسّر قيوده
لكَن محاولاته كُلها باءت بالفشل
وأزداد غيظه حينما ارتفعت قهقهات ساخرة
من ثَم فُتح الباب كُلياً لتسطَع أشعَة الشمس بقوة ومباشرة
على وجهه فأجفَلت عينيه
وهو يحاول أن يتعرف على هؤلاء الأشخاص
و بمجرد أن وصَله له صوت أحدهم وهو يتحدثه
أرتفع مُعدل غضَبه للأعلى
والأول يقول :
..- هههههه .. طحَت ومحد سمّى عليك يا الذيب
اقترب منه هّو وأجساد الثلاثة تلتف حوله
أنحنى بجانبه وهو يقول بـ بإبتسامة
كشفت عن أسنانه الصفراء للغاية ،
..- ولا .. ما يصَلح نقول ذيب .. إنت تخليت عنّآ
وبصوت ناعم وهو يتابع بخبث
..- و صرت ما تحبنّـآ .. و ما تبينا .. خلاص نسيت أصدقاء أمس مو يا .... صقر ؟
نظَر له بقوة وحدّة .. نظَرة لو كان صقر محرراً
ليرتجف الأخر أمامه بإفراط .. لكَن الأخر إبتسم
حين قال الأول بغضب
..- وش تبي ... ؟
حّرك الأخر رأسه وهو يقول بهدوء
..- ولا شيء .. وش يبي واحد مثلي من خاين .. كُنت ناوي تبلغ علينا لو ما لحقنا ومسكناك ..
ثم أقترب منه وهو يضّرب جبهته بأصابعه , بخفّة أكمّل
..- أرخي عيونك .. ما عاد لها لازم هالنظَرة .. ما عندك قّوة تقدر تواجهني فيها .. وإلي مثلك .. لازم يموت .. و نخفيك من الوجود ..
أجابه و أسنانه تصتك في بعضهم من شّدة غضبَه
..- تخسى وتهبى .. إنت إلي بتموت ..وتختفي .. تدري ليش .. لأنك حُثالة !
كوّر الأخر قبضَته وهو يلكَمه فى بطَنه
ليتأوه بألم من شدّتها والأخر يقول بقهر :
..- حتّى وإنت بموقف ضعَف .. تستقوي .. بس تدري بخليك لـبكرة بس .. عشان أتلذذ بشوفتِك كذا .. و قتها بحفر لك أنا قبرك !
و قف وهو يبتعد عنه ويقول لأحد الرجال من حوله
..- ماهر ..
..- سم ..
..- خلي عينك عليه .. وريني شطارتك فيه .. بس ها لا تقتله .. أبي لي فيه كم عظَمة سليمَة ..
ومباشرة أقترب ذالك الماهر منه وهو يركل صقر بقوة
جعَلت عينا الأخير تصرخان بألم في محجريها
ليبتسم الأخر و الأول يقول
..- أعجبك يـآ كينق ..
ربّت الأخر على كتفه
..- كفّو ..
ثم استدار ليلحق به الآخران
عض صقر شفتيه وهو يتابع رحيلهم بصمَت مُجبر
فالألم المُشتعل في خاصرته يكاد يقضي عليه
أمتعَض قلبه فجأة بألم حين تخيّل إنه من الممكن أن يلقى حتفه فعلاً في مكان قذر كهذا
طرأ له خيال صبـآ فجأة في صورتها القديَمـة
القديمَـة جداً بالنسبَة له .. ترتدي حجابها بإحتشام
و تتحدث مع ندى حول أمر ما .. بثقَة و رزانَـة
معروفَـة لدى الجميع بذكائها و إطلاعها
لم تَكُن إحدى أمانيه يوماً أن يتربط بامرأة سواها
لكَنها كانت بالنسبَة له قضيّة " مؤجلة " دائماً
فحياته و مستواه الماديّة .. أشغلته كثيراً حتى وقع ما وقع
وبمجرّد أن طرأ ذلك اليوم على عقّلة أغمض عينيه بقوة
في محاولة لتخفيف وطأة الألم على روحه
شعر بسيل من الدماء يندفع ببط من الثقب في بطَنه
نظَر نحو الموضع وهو يرى شاش قذر
مربوط بإهمال حول الجُرح ..
أغبياء فَهُم لا يعلمون : أن التسكين الخاطئ للجرح ، ليست سوى زيادة في ألمَه ..
رفعَ نظَره وهو يشعر بدوار خفيف يلتهم أفكاره
وهو يقول لـ ذلك الماهر
الذي وقف لدى النافذة بسكون و على نحو عجيب
..- الساعة كم ..؟
أجابه بسرعة و كأنه توقع سؤاله
..- اثنين ونص ..
أحنى رأسه بتعب وهو يتذكَر موعد لقاءه مع خالد
لقد مّر الوقت .. ربما سيفتقده ..
هل سيكون لديه من الذكاء ما يكفي ليتنبأ بموقعه ؟
هل سيرى تلك العلامَة التي تركها له عند شُعلة اللهب بالأمس .. ؟
رفعَ رأسه وهو يشعر بماهر يقترب منه ..
دقائق فقط كانت الفاصلة حين لكمَه بقّوة
شعر و كأنها قضَت على بقاياه الحيّة
وغرق بعدها في ظُلمـة سرمدية
,
استعاد وعيه تدريجّياً .. وهو ينظَر للمكان من حوله
حاول النهوض .. لكَن ألم ما كالحريق إشتعل
بطول بطنَه وحتى صدره .. نظَر للشاش الملفوف بعنايَة حول
صدره و بطنَه حتى يديه
إلتفت للشخص ما رقد على مقرُبة منه
و وسط ظُلمة الغُرفة لم يتبين ملامحه جيداً
لم تَخفى ملامح القلق البداية على وجهه وهو يصَرخ
لذلك الشخص
...- يا هييييييه .. إنـــت .. إنـــــت
تململ الرجل في نومَه و تحّرك ليستدير للناحية الأخرى
لكَّنه واصل نداءه هذا .. حتى فتح الرجُل عينيه
و أستدار نحوه ..
إتسعت عينا صقر بقوة وهو يرى وجهه جيداً الآن
..- مــآهر .. هذا إنت ؟
ابتسم له ذلك الماهر وهو ينظَر نحو ساعته
ويقول بهدوء
..- مؤقتاً .. شوي .. وبيجي خالد
عقد الأول حاجبيه وهو يردد
..- وش صار ؟
مال رأسه لليمين وهو يجيبه بلا مُبالاة والنعاس يطغى على عينيه
..- أقتحمت الشرطَة المكـآن .. رغُم إنّي ما عرفت وشلون أوصل لهم إنذار بتقديم موعد العمليّـة .. بس مدري كيف عرفوا بدري وجو .. على العموم بيجي اللحين خالد وبنسأله
حّرك صقر رأسه بالإيجاب .. وهو يقول
..- زين .. وين العصابَة ...؟
استلقى " ماهر " من جديد وهو يجيبه
..- مسكّنـآ الأغلب منهم .. بس منصور و سعيد ما لقيناهم
..- وشلون ؟
..- مدري كأن الأرض إنشقت و ابتلعتهم
كّور الأول قبضَته وهو يشعر بألم شديد ينخر في خاصرته
..- هُم أهم شيء ..
حّرك الأخر رأسه و بدآ وكأنه سرح قليلاً ليعود بعدها ويقول
..- أهم شيء الوكر .. و القرية تحت السيطرة وفتشّنا كُل البيوت .. و تأكدنا إنهم مو في المحيط هِنـآ
نظَر صقر للمنزل الذي يرقد فيه .. و بدآ له الآن
أنه ما زال في القرية بالفعَل
تذكر تلك السيدة " أو من يعتبرها " والدته الأُخرى
وهو يقول بهمس لا يسمعه سواه
..- دخلوا لها .. أكيد فجعوها
..- تقول شيء ..!
..- سلامتك .. بس مين سوا فيني كذا
..- إيه .. ترا حبيت أقولك إنك ثقيييييييييييييييل ..
أخفى صقر ابتسامته كعادَته وهو يسأل
..- ليــــش ؟
أجابه الأخر وهو مازال مستلقي على الأريكَة
..- تخيل إن ساحبك من الإستراحة .. إليـن البيت .. أنكسر ظهري .. ومحد رضـا يساعدني .. شكلي بأخذ إجازة من الدوام شهر ليـن أستعيد لياقتي
فُتح الباب و دلف خالد و رجل آخر خلفه
و أقترب من صقر الذي حاول النهوض
لكَن خالد قال بسرعة
..- خلك .. خلك مكانك يا الصقر .. و الله إنك أثبت إنك قول و فعل .. و شلونك ؟
عضّ شفتيه بقّوة من شدّة الألم وهو يسأله
..- و شلون عرفت .. ؟
..- شفت العلامَــة .. و الله و انا قايم حسيت إننا مراقبين
فسأله ماهر هذه المرة
..- كيف ؟
..- حسّيت بحركة وراي يوم إني جالس مع صقر .. وقلت ذي لإنسان موب دابة ..
ثم التفت لـصقر الذي مال وجهه للاصفرار قليلاً وهو يقول
..- جت سيارة الإسعاف قُم يا ماهر ساعد الرجاّل
استدار للجهَة الأخرى وهو يقول بتعب
..- إنت إلي ساعده .. لو فيك حيل عليه ... ذا الصخرة
..- قول ماشاء الله .. إنت وجهك .. لا تهبّه بعيــن
..- ما ظنّي أعرف أحسد .. و أنا وحليلي
كانت إذنه مع حديثَهم المَرح و الهادئ
و قلبه ليس هُنـآ أبداً .. يريد العُودة للمزرعة
سريعاً فقد غاب عنها طويلاً
لكَن تباً نطقها في داخل روحه مراراً
فذلك الألم في جسَده .. جعَل طريق
الظَلام ممُهد أمامه دائماً
ليسقط فيه مّرة أخرى
السُم مايقتَل ثعابينه
و تحَاولْ يَا التَّعَبَ تحْرثْ هَوَا صَدْرِيْ ؟!
[ أَنَا مَلِّيْتْ ]
سنِيْنْ عجَافْ
يَطْوِيْنِي عَنَاهَا وْ مَا تَحَمَّلْتَه
زَهَابِيْ لَلْمسَا بَرْدْ وْ حَنِيْن وْ دَمْعَه
وْ [ يَالِيْتْ ]
أَمَانِي - والسَّهَرْ
......... وَاقِفْ يكَلِّمْنِيْ وَأَنَا قِلْتَه
عَزَفْت بأصْبِعِيْنِي نَايْ
دُوْزَنْت البُّكَا غَنِّيْت
سَرَقْتْ أَفْوَاه
يشْرَبْهَا الكَلام وْمَا تَحَمَّلْتَه
تمَادَى بِيْ جفَافْ المَا
وَأنَا أبْنِي مِنْ حَنِيْنِي بِيْتْ
أَدَّوِّرْ قَلْبْ يِشْبَهْنِيْ
............ ومَرِّ العُمْر مَا نِلْتَه
اللذة العشرون
في ساعة ما تحملنا فيها وزر تنوء به أرواحنا
ليتركنا الأول بعد جلد ذاتنا غُبراً واهنين
نستلقي كما تفعل دائماً وسط ظلمة تصنع نفسها بنفسها
ترتدي جلباب الصلاة فقد انتهت من أدائها منذ ساعتين او يزيد ..
لكَن تلك الرغبَة التي يصنعها الصمت و الوحدة
تجعل من الـلازم تأمل أي شيء جديد
و الجديد بالنسبَة لها تلك المساحَة التي راحت
حدقتاها تتأمل أسفل سريرها العريض حيث تغوص
دائماً بمفردها تتنهّد في الفراغ باستمرار ..،
وشيء من ضوء المساء يتسلل من خلال تلك الظُلمة الباردة
في لجّة أفكارها لم تنتبه لحفيف أقدامه على الأعشاب
وجرجرة عصاه .., و إصتكاك الأواني ذاتها
تأملت الباب الموارب خلفها وهي تنهض بكسَل
لتغلقه .. فيدلف هو للمكان يضّع الطعام أرضاً
ثم يرحل صامتاً ..،
لم تحاول النهوض بحماسَة نحو الطعام كعادتها
فقد ألفت حتى هذا المشهدَ ..
سكَنت حواسها و هدأ تفكيرها قليلاً عندما استلقت لـنصف ساعة على فراشها
لكَن صوت رنين .. تعالى في الحُجرة جعلها ذلك
تفّز بذعر نحو الهاتف الذي يرُن لأول مرة
إلتقطته وهي تهمس بصوت خفيض
..- ألو ..!
لتسمع تنهيدَة عميقه ثم تَبعه صوتها المحبب
..- الحمد لله .. خفت ما ترديـن .. وشلونك صبا ؟
ابتسامَة نصف مقوسَة على شفير الألم الغائر في روحها
تداعب سلك الهاتف الطويل وقلبها يخفق فرحاً لذلك الـصوت بعيد الذي شاركها الآن وحدتها
لكنه
سؤال قاسي جارح في نظرها رٌبما
ف لونها أسود كظلمة المكان من حولها
و لونها كما الوحدة التي تزحف في روحها وتخنقها
تتمنى بسذاجة أحياناً أن يوجد هو في المكان
ستخشاه رُبما لكَن حتى الشر بإمكانه ان يونسنا
..- صبا معاي ؟؟؟
علّقت بصوت واهن متحشرج
..- إيه .. م مـحد هنا ... غـ غيري
ردّت الأخرى بلهفة
..- أنا بجيك .. وبجيب معاي صبا الصغيرة ..
بفرحة قصيرة إنطوت سريعاً ، سألتها :
..- سميتيها صبا ..؟
بصوت منتشي :
..- إيه .. حليلها.. أحسّها تشبهك .. حتى بندر يقوله .. صح ما سألتك .. تحتاجين شيء للبيت أجيبه معاي ولا ..؟
عقَدت حاجبيها بشدة وقلبها راح يخفق باضطراب حين
سمعت صرير الباب الخارجي
مٌتأخرة جداً .. ألقت الهاتف سريعاً
وتسلقت سريرها
تكّورت .. ثم انبسطت
تمنت أن تنطوي على نفسها الان حتى تصبح ذرة صغيرة
لتختفي في الهواء
سرت إرتجافة قوّية على طول جسدَها المُمَدد
في مُحاولة منها لتمثيل النوم ..
أو ربما الموت ..،
أغرقت وجهها في الوسادة وكتمت أنفاسها
فُتح باب حُجرتها ..،فقطّع الخوف قلبها
لتصَلها رائحَة الزنجبيل القوية الصادرة من الأواني أمام بابها
تشعَر حتى بعشائها القليل .. ينعاها على كُل ذلك الخوف
الذي سيكشفها حتماً ..،
سكون .. تبعه ثقَل جثم بجوارها لامس جزء منه
ساقَها الممدَة .. فتصلبت بتوتر و رجفَة خفيفة اعترتها
امتزجت رائحته برائحة الزنجبيل ورائحَة أخرى لم تعهدها
نص دقيقة أو ربما يزيد عن ذلك بقليلاً
شعرت به يرحل عنها .. ,
زفرت بالتدريج لتلقط أنفاسها التي كتمتها طوال الوقت
وحتى تلك الأخيرة خرجت ..ناقصَة
فصوته الجهوري الخشَـن أثبت سيادته للمكان وهو
يعلو
..- ألـــــو
ثم أغلق الهاتف بعنف ..،
جُعِلت مغصَة قويّة تلتهم عَضَلة قلبها
هو ولا مَفر .. شعرت بجسَده يرقد بجوارها هذه المَرة
ومّر الوقت أصعب من ذي قبل ففرص إلتقاطها للهواء
مع قربه هذا ..
باتت ضئيلة جداً ..
شيء ما جعلها تمّيز رائحَة الغبار الذي يحمَله
وهي تسمع أخيراً تنهيدَة .. لا تعني لها شيء وإن كان التعب أحد أهم أسبابها
شعرت بقبضَته تحَرك غطائها
فغرست أصبعها فيه بقوة .. لتمنعَه
محاولة للسحب .. تتبعها اُخرى أخف
بعدها تركها و سكَن .. سكَن تماماً
و كأنه يأس منها .. ،
شعرت بالألم ينبض في جميع أجزاء جسدها من شَدة ضغطها على الغطاء ومن شَدة توترها
أرخت قبضتَيها قليلاً .. وهي تتأكد للمرة المليون ربما
من أن إنتظام أنفاسه .. لا يعني سوى أنه قد نام
مّرت ساعات وهي مازالت على حالها ..
تحاول حثّ القوة المتبقية في قلبها أن تتحرك من هنا
فاستجابت الأولى و جعلتها تلتفت بطرف عينيها
لتسترق النظَر ..
ف هالها ما رأت في جُزء من الضوء المتسلل من الباب
يده الملفوفة بالجبيرة بيضاء.. شعره الأشعث
و تعلو ملامحه غبرة لا تفهمها ..
عقدت حاجبيها بقّوة وهي تزفر بألم حين مرّت ذكرى في عقلها فهمست في نفسها
..- حسبي الله عليك .. الله ينتقم منّك يا رجّال
و نهضت من السرير .. و بخُطَى مُرتجفة
تاركَة له كُل المساحَة ..، ولتسكّن قلبها
ذهبت للخلاء .. تماماً ، لكي تخلو بنفسها
ولكّي تغرق في ماء ... تدعوه بشهدها
و بكامل ملابسَها تحاول حينئذ أن تدّلك موضع قلبها
علّها تهدأ .. وتتقبل تدخّله هٌنا
تمنّت منذ البداية أن يشاركها أحدهم وحدتها .. وأسوء ما تمنت هّو .. فأتـى لها
ابتسمت و هي تقول نفسها
..- اااااايه .. الحظ الأعوج أعوج وما يعدله إلا كسره
مّر الوقت سريعاً حين خرجت و أعضاء وضوئها تتقاطر
ماءاً وجهها وشعرها الملتصق فوق رأسها
و قلبها يدعو الله أن لا يكون قد أستيقظ ..
وبالفعَل مازال غارقاً في نومَه
تسللت بفزع وهي تتخيله ينهض من خلفها وينقض عليها
فألتقطت " سُجادتها " سريعاً
و خرجت من المكان .. حمَلت أواني عشائها البارد
للصالة صغيرة ...،
و هناك أغلقت النور كما اعتادت خلال سنين حبسَها
و صّلت .. و دعَـت ربها أن يؤنسها بقربه
بإخلاص اغتسلت فيها عينيها بدموعها
نظرت نحو الساعَة فوجدت عقاربها قد رقدت على
الرابعَة صباحاً
قاومت رغبَة النوم التي تُداعب عينيها .. مع ألمها لم ترقد طوال يوم أو يزيد ..
لكّنها باتت تنظر للفراغ وهي ما زالت صامدة ..
فلن تسمح للصياد أن يرى فريسته في موضع ضعف كهذا
لكَن النفس ضعيفة وحاجتها للسكون كانت أكبر
فأخرست كُل تلك الثرثرة التي كانت تدوي في رأسها
و سحبتها لـظُلمتها السحيقة ..
*
تململت في جلوسها وهي تدّلك ذراعيها بتعب
و الأخرى بجوارها تهمس لها بمرح
..- طفشتي ...؟
..- مّرة
منحتها الأولى إبتسامة ، ولم تبادلها هي
فقد كان قهرها .. و مشاعرها أكبر من أن تفعَل
ها هي تنظَر لوجوههن بحريّة مطَلقَة
لكّنها في نظرهم غير مرئيَة
تراهم يلاحظون كُل أثاث الغرفة .. لكَن أعينهم تقفز
بمجرد الوصول إليها ..
لا تدري أتحزَن من تجاهلهم المُستمر لها
أم تفرح .. لأنها ترى كُل تلك الحماية التي تفرضها جدتها حولها
بدت الأخيرة حنونة أكثر من الـلازم .. وتميل لمحادثتها وحدها أكثر من الآخرين
مما جعلها تجزم أنهم لاحظوا ذلك ..
لا تَرى توأمها بين الجميع فسألت عمتها
لتتهرب الأخرى من الإجابَة .. جاعلة سبب ذلك انشغالها
ورد لعمتها إتصال جعَل الجميع يصمت
ويلتفتون نحوها
..- هلا والله بأبو حسن .... إيه أمي هنا .. إيه .. إيه .. خذها
ثم انحنت على والدتها متجاوزة هديل
..- يمّه ..
وأكملت بهمس
...- أخواني ..
التقطته بهدوء وشيء من الضيق أعتلى ملامحها لم يلاحظَه سوى " هديل "
..- إيه .. وعليكم السلام .. زيــن .. مع السلامة
ناولت " ريم " الهاتف وهي تحاول أن تبدو عاديّة
لتقول " فاتن " ابنت عم " هديل"
..- يمّا لولوة .. وش فيه أبوي .. ؟
عقَدت الأولى حاجبيها بشَدة وهي تقول لها بحدة في غير محلها
..- مافيه شيء .. خلكَن في لعبكن .. ريم تعالي ورآي
ثم صمت متوتر ساد المكان
مدّت يدها لهديل ؛ لتساعدها .. فعاونتها على الخروج
بينما حمَلت ريم عصاها ولحقَت بهم
خرجن لبيت الشعر كمجلس للرجال
دفعت هديل الباب بقدمها لكي تفسح المساحة لإدخال جدتها
لكَن مجموعة كبيرة من الأثواب البيضاء الموجودة هُناك جعلها تقلق ..
وفتح الباب عمها ؛ ليسمح لهم بالدخول .. ثم تناول يد والدته من هديل و أدخلها
تراجعت الأخيرة للوراء فاصطدمت ب"ريم "
حين قال عمّها لها بنظرة حادة
..- تعالي .. نـبيـك
نقلت بصرها بخجل بين ريم و عمّها
لا تدري لم أشتعل وجهها بخجل بينما إزدادت نبضات قلبها
تُجزم أن أغلبها هو للخوف من القادم نحوها
تذّرعت ب
..- لا .. لا بس عشان بجيب طرحتي .. أخاف يجي أا أحـد
نظَرة قصيرة منه بيّنت مدى إشمئزازه منها وهو يقول
..- طرحة هه .. يرحم زماان .. أقول أدخلي ولا يكثر
تنهدت بيأس ودخلت تتبعهم جميعاً
إلتفتت خلفها ظّناً منها أن عمتها تلحق بها
لكَن زاد خوفها حين لم تجد أحداً
وكُل هؤلاء ستقابلهم وحدها
تأملت الوجوه هنا .. هٌم أعمامها حقاً .. أو ربما كذبة ينعتون أنفسهم بها
فمعظمهم لم ترى وجوههم منذ خرجت من سجنها.. اليوم فقط تراهم ملتفين حولها و جميعهم دفعة واحدة ..
دارت لتؤدي واجب السلام .. فمنهم من ترك لها يده لتقبلها .. و آخرين سحبوها من على كفها
باشمئزاز أتضح على وجوههم ..،
نظَرت بخجلها المتخوف نحو جدتها تبحث عن مكان تضَمن فيه ظهرها .. فلم تجد سوى أن تجلس هُناك
قريباً من الباب
و وحدها ..
تركت نظرها مقوساً نحو الأرض .. و الدقائق الأولى تمُر
دون أن يكلمها أحد .. لكَن الإجتماع لم يكُن عادياً
فكٌل شخص هُنا يحادث من يجاوره بهمس لا تسمع منه شيئاً
تخيلت إنه ربما .. سيقولون لها - أن عليها الرحيل من هُنا
لكَنها لم تؤذي أحداً قط ..
لم يدع لها عمها الأكبر فرصَة للتفكير طويلاً
وهو يقول لها بصرامة وقسوة
..- هديل حنا تشاورنا .. وشفنا إنه أحسن لك تأخذين تركي .. طبعاً القرار مهو بيدك .. لأني أنا المسؤول عنك .. وأعمامك موافقين .. وحتى جدتك بعد موافقة ..
ثم صمت وكأنه يدع لها فرصَة لكّي تتألم ..
بل لكي يراقب ألمها
لكَن نظرها بقي ثابتاً نحو الأرض وقبضتاها متكورتان على
حجرها
ف أكمل الأخر :
..- و الملكة بتكون بعد ثلاث أيام .. و بتروحين معه في نفس يوم ملكة ريم .. بس أمي عييت إلا تبينا نسوي لك يوم بالحالك .. إنتي وش رايك .. ؟
إلتوت شفتيها وغصّة موجوعة توخز دموعها منذرة ببكاء طويل سينالها
طفت على ذاكرتها سريعاً صورته وهو يعود سكران إلى منزل أهله .. وكأن الله شاء أن ترا هذا المنظَر
ليبتليها .. فتزيد ألماً .. و لتصبر
همست بصوت متحشرج :
..- م مـآ تفرق معاي ..
زفر عمها " أبو تركي " وهو ينقل نظره في وجوه البقية
..- إيه هاذي البنت الشطورة .. بس يابو حسن خلنا نخلص من ذا الشغلة بسرعة .. بلا هالتطبيل إلي ماله داعي
هُنـآ خارت مشاعرها
يداها أنتفضَت بعنف
وصوتها خرج حاداً أكثر مما يجب
تحتاج لأغماض عينيها بقوة .. لكَي تتعارك الأخيرة مع دموعها
..- أستأذَنكُم
و تهادت بخطى واهنة .. لا تُدرك كيف أنتهى الحال بها
في الفناء الجانبي إلى المَنزل
حين سمعت صوت يصرخ خلفها بغضب
..- لــــيش سويـــتي كـــذآ ..يـآلـ***
الجرحُ
قمرٌ برتقاليٌّ
تشعلُهُ الجمرةُ
ليتجلّى *
*سوزان
الخطايا
لو يلمّعها البشَر
تبقى
..........خَطايا


اللذة الحادية والعشرين

تنحت جانباً وهي تحاول أن تستعيد توازنها في غرفة
اكتظت بالمرضَى الذين تشرف على حالتها
جلست على كُرسي خشبي يقف بعيداً بمنأى عن هذه الفوضَى ..
اعتصرت رأسها بين قبضتيها وهي تقول لنفسها بهمس لا يسمعه سواها

يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -