بداية الرواية

رواية عندما نستلذ الالم -17

رواية عندما نستلذ الالم - غرام

رواية عندما نستلذ الالم -17

اللذة الحادية والعشرين
تنحت جانباً وهي تحاول أن تستعيد توازنها في غرفة
اكتظت بالمرضَى الذين تشرف على حالتها
جلست على كُرسي خشبي يقف بعيداً بمنأى عن هذه الفوضَى ..
اعتصرت رأسها بين قبضتيها وهي تقول لنفسها بهمس لا يسمعه سواها
..- و النهااااية يعني ..
حُسام بعيد عنها وهذا الأمر يوترها بشدة ..
أخطأت في أدائها كثيراً منذ أن سمعت صوته آخر مرة
بدآ لها متعباً لأبعد حد .. و أيضاً حزيـن ..
كانت تجزم بأنه يخفي عنها أمر ما لا يريدها أن تعرفه
رفعت رأسها وهي ترى ... مجموعة جديدة من المرضى تفد عليهم ..
و في الفترة الأخيرة لاحظت أيضاً نساء ..
تأملت " سيدة المنزل " وهي تقترب منها
و تقول لها ببشاشة
..- ها يا إمي تعبتي ..؟
حّركت رأسها بالنفي وهي تنهض و تسألها بهدوء
..- اللحين حسب إلي أعرفه .. هذا مكان لعلاج رجال المقاومة إلي بيجون لنا من حدود بيت لاهيا .. صح
حّركت الأخرى رأسها بالإيجاب
وعيناها معلقَة بملامح سلمى الجامدة
فتابعت الأخيرة
..- طيب .. و ليش لي فترة صايرة أشوف حريم بالموضوع .. و لا هُم من المقاومة بعد .. ؟
زفرت الأخرى وملامحها تتبدل من ترقب لألم
..- كِلنا نقاوم .. بس إلي يختلف كيف بنقاوم .. النسوان هدول مو من المقاومة إلي في بالك .. بس لأنو مركز الصحي بوسط بيت لاهيا يعتبر بعيد عن هالمكان ..
عقَدت الأولى حاجبيها .. وهي تزن كلام الأخرى في عقلها
منذ أن بدأت تمارس نشاطاتها هناك .. لم تسمع بحالة إكتفاء يصدرها المركز .. و من هذا المنطلق
سألت من جديد
..-وش قصدك ؟
قطعتها الأخرى وهي تقترب منها أكثر وعلامات الخوف تتجلى في كلامها أكثر
حّركت يدها ترجو من " سلمى " الاقتراب بأذنها منها
فانحنت سلمى قليلاً لتقول الأولى
..- في اشي وصل إلناا . عم بيئولو.. إنُن ئسمونا لئسمين وفرئونا عن المركز .. بالمختصر ..
ثم اقتربت أكثر ، لينخفض همسها و يجلو توترها
..- غزة كلياتا محاصرة ..
شهقت سلمى بخوف لا تعلم الأخرى منه .. سوى أنه خوف
فطَري من فتاة لا تعلم عن الحرب شيئاً
استدارت .. و ابتعدت عن المكان
ضاق نفسها بقوة .. ترجو الخروج من هنا وسريعاً
دافعت البعض .. و جاهدت حتى وصلت للخارج
وقفت بجوار السور ..
المكان ساكن .. والنهار باهت
صوت أزيز يظهر من زاوية لا تعلمها ..
الهواء محمل بالغبار .. و الشارع مهجور .. مليء بالحجارة
وقفت في ركُن السور .. و اتكأت عليه
و دمعَة نقيّة تعّلقت على رمشها .. و كأنها لا ترجو الإنزلاق في جو مخيف متسخ كهذا ..
طرأت على عقلها خيالات .. شتمته ؛ لأنه ذكرها إياها
لا تعلم كيف ستصبح حياتها إن فقدته هُنا
لا أحد سيخلص لها من بعده
تذكرت أهلها هُناك ..
حياتها المجردة من كُل متعَة .. و أبوها
رجُل جشع مزواج .. لا يعرف من الدنيا سوى المال و الجاه
لا يتذكر أنه أنجب مرة طفلان .. ناضجان
لكنه يتذكر دائماً .. كيف يصبغ شيبته بسواد الليل ليخدع زوجاته فقط .. وربما نفسه أيضاً
و والدتها التي راحت تلهو بزوج غنّي .. أغنى من سابقه
لتغرق في التمتع .. وتنساهما ..
أم أعمامها الأكثر انشغالا بأنفسهم ..
لا تلوم أياً منهم .. فَهُم عبء .. ناءت بهم أكتافهم ..
لا تدري كم مر من الوقت و هي تبكي بهدوء
دون أن تهتز أو تصدر صوتاً
استيقظت من غرقها في ذكرياتها وهي تدعو الله برجاء
أن يحفظ لها أخيها ..
و عادت وكف المساء بدأت تمسح على المكان
دلفت ترجو الإختفاء فهي في حالة لا تمكنها من عمل أي شيء..
وفي طريقها وقف أحدهم في وجهها
رفعت عينيها إليه ..
لا حظ احمرار ملامحها .. و صمتها
فتنحنح بحرج
..- معليه .. بس عندنا اللحين عمليه خطيرة .. وقالي الدكتور فيصل أناديك .. لها .. بس شكلك مو مستعدة
حّركت رأسها بالإيجاب وهي تبتعد عنه بلا مُبالاة
..- قول له .. ما أقدر ..
و وصلت لحجرتها .. وقفت لوهلة أمام الباب وهي تزفر بقوة
..- أنا وش جابني هنا .. ؟
تركت الباب و عادت للغرفة الداخلية الكبيرة
تجاوزتها بصعوبة .. ارتدت ملابس العملية
ودخلت
إلتفت لها الجميع .. و أمرها فيصل مُباشرة
..- تعالي .. شوفي هناك .. صكّي الجرح .. وبعدها دوري لنا على دم .. من فصيلة " او " بلس
ذهبت لحيث أشار ..و اعينهم تراقب عينيها البارزة من فوق الكمامة ..
حمراء .. وبارزة أكثر مما يجب ..
وهاهي توبخ نفسها على تلك الورطَة التي أوقعت نفسها بها ..
لا مُمرضات نساء هُنا .. و هاهي تقف بين مجموعة ذكور
يؤثر فيصل دائماً العمل بينهم و بعينين كهذه .. ونفسية محطمة ..
و على إثر السابق .. امتلئت بالدموع مجدداً
فشتت الرؤيا لديها .. وعندما لاحظت إنشغالهم بالمريض
ابتعدت ومسحتها بذراعها وعادت للعمل سريعاً
تريد الخروج من هنا ..
وستعتذر من فيصل .. لتعود للمركز
لا تستطيع البقاء هنا لمدة أطول
و بالفعَل فعلت ..
..- خلصَت ..
رفع فيصل نظره لها ثم أشار بها للباب .. فهمت مقصَده
لكَنها لم تتوقع ردت فعَله لو خرجت بلا ملاحظَة يسمعها الجميع .. كانت في حالة من الانفعالية التي جعلتها تكرر
..- يـعني أخرج ؟
عاد ببصَره نحوها مجدداً .. ورفع الجميع أعينهم مّرة أخرى لها
كرهت نفسها تماماً .. وهي تراه يحدّق فيها لثواني
ثم يقول بعدها بصوت أشبه بهمهمة مكتومة
..- إيـه أخرجي .. يـآ ........ سلمى
خرجت من المكان .. وهي تجر خلفها كُل تعاسة تجنيها بيديها .. لكَن كُل ما حولها يستحيل أسوداً
كُلما تذكرت فألها السيئ في أخوها
توجهت .. للغرفَة لتستلقي قليلاً
أذناها تلتقط أحاديث النساء
همهمات الرجال هُناك
" غزى محاصرة " .. " وبيت لاهيا " مقسم
هذا يعني أنه يستحيل العودة للمركز الرئيسي في غزة نفسها .. و المركز الصحي في بيت لاهيا مقطوع عن هذا المكان .. و ستبدأ الغارات قريباً .. و من أن مؤونة الغذاء والأدوية هُنا لا تكفي سوى لأسبوع آخر فقط .. إذا أستمر عدد الجرحى على هذا المنوال
كُل الجمل تُنذر بفيضان من الخوف قادم نحو قلبها المضطرب
و كما قالت هديل – رحمها الله – قبلاً
" لا أخشى الموت بل أخشى فقدان من أحب "
*
خرجت من المطبخ تحمل كوب بين يديها كوب الماء
و بيدها الأخرى جريدة هذا الصباح
الجميع في مدارسهم و جامعاتهم ..
أما هي .. فتتفرغ في هذا اليوم من كُل أسبوع للمنزل فقط
وصَلت لغرفة والديها و ما إن همت بطرق الباب
الموارب
حتى وصلها حديث والدتها الهامس
..- منصور .. وش هالكلام الله يهداك ..
ثم صوت والدها العصبي يرد بتهكم
..- وياك .. وش تبيني أقول للناس .. والله بنتي بالسجن بتهمة خلوة مع إضمار نية سيئة .. وهذا كله من حصيلة تدليعك لها ..
والدتها تَرُد بإستنكار رقيق
..- أدلعها .. وشلون أدلعها ونور ما كان فيه أقوى منـ..
قاطعها بسخرية
..- إيه صَح .. كانت تشمّر أكمامها .. وتطامر في أحواش عيال الجيران .. كأني جايبن لي ولد مهوب بنت .. .
برجاء همست
...- بس يا منصور
..- أقطَعيهــآ .. أنا كلمت الناس وقلت لهم .. لو إنكم تبون زهرة حياكم .. بس نور .. مخطوبَة ... وملكتها قريب
..- ليش .. ليش قلت لهم مخطوبَة .. اللحين تقطع رزقها حتى عقب ما تخرج .. كان قلت لهم ما تبي الزواج اللحين .. يمكن الولد شاريها .. وبيرجع بعدين لـ
قاطعها مرة أُخرى
..- رعد .. رجّال ومن خيرة الرياجيل .. و الكُل يشهدون له على كذا .. بس مهوب من نصيب نور أبد ولا أباه يأخذها .. وأغشّه فيها .. لو يبي زهرة حياة .. وأنا أبيه لبنت من بناتي .. ما أبي أخسره
..- سديت الطريق بوجهها
..- تستاهل ما جاها .. والله شغلها معاي ما صفيته لين تطلع وأوريها .. ويــــن بنتك ذي .. كُل ذا كاس موية ؟
..- يــــــآ نـــــورة
ابتعدت عن الباب سريعاً
ثم عادت تمشي بهدوء .. دفعت الباب وهي تجيبه
..- إيه .. جيت .. جيت
أعتدل في جلسته وهو يلتقط منها الجريدة وكوب الماء
رأها وهي تهُم بالخروج
فأمرها
..- نوري .. تعالي أبيك فكلمة
أستفزّ مشاعرها .. حتى هذا الدلع .. لم يكُن لأحد سوى لنور أختها .. صادر كُل حقوقها وبدأ يطبعها عليهم
لم تكُن في وضع يسمع لها أن تنظر إلى وجهه
فعادت للجلوس بقوة وهي تمنع نفسها عن الصراخ
في هذه اللحظَة
نطَق
..- عمتك قالت لي إنها .. تبي تقرب موعد زواجكم لعقب أسبوعين .. لأن الرجّال مسافر بعدها يكّمل دراسته ما شاء الله عليه
كان بإمكانها أن تعي مدى فخره الواضَح ببدر
ولو أنها كانت تنظر لعينه الآن لرأت لمعتها
أرهفت السمع له ومازال نظرها في حجرها
..- ف وش رايك ؟
صمتت لوهَلة ثم رفعت عينيها لوالدتها
رأتها تنظَر لمسبحتها وهي تستغفر و يبدو عليها سرحانها
أزدردت ريقها بصعوبة وهي تستحث قهرها
الذي نهض ولم يخذلها ..
فقالت بثبات
..- تبشر إنت وعمتي بالي يرضيكم في كُل شيء .. أنا بين يديكم .. بس أسمح لي في هاذي ما أقدر عليها ..
إتكئ في جلسته وعيناه تتأمل ملامحها المنكمشَة
..- ولـــيش وأنا أبوك ؟
رفعت جسدها وهي تقول بذات الهدوء
..- ما لي في العرس .. وإختي نور مهيب حولي
هبّ الأب من مقعده وهو يصرخ
..- تخسي .. وتهبي .. وش عليك منها .. خليها في سجنها تتأدب أخير لها .. و هالكلام ما بي أسمعه منّك مرة ثانية .. الزواج بيتقّدم مو عشانك .. عشان بدر إلي أعتبره مثل ولدي وما أبي أرفض له طلب ..
فكَرة طرأت علي عقلها وهي ترا صراخه و حديثه القادم أمامه
لا أحد يستطيع ثنيه عن قتلها إن واصلت حديثها على المنوال السابق فقالت بهدوء
..- بس يا يبه .. ما ينفع .. كذا بتخرب كلامك قدام العرب الثانيين
هدأت ثورته وهو يرى الحزم في ملامحها فحثّه ذلك على سؤالها
..- وش إلي بيخربه ؟
جلست أمامه وهي تسكب له كوب الشاي فسكَن
و عاد لـ مُتكأه
ناولته الكأس وهي تقول بدبلوماسية
.. - لو حنا قدمنا الملكة و الزفة .. أكيد إنت بتعزم رعد وأهله .. لأنه يعزّ عليك .. و أكيد أمه بتدّور على نور .. كيف بنفسّر لهم غيابها ..
حّرك رأسه بالإيجاب وهو يفكَر بعمق ويقول
..- إيه والله .. وإنتي صادقة .. وشلون فاتتني .. زين وش السواة ؟
حّركت رأسها بهدوء وهي تقول
..- ولا شيء .. ننتظر نور لين تخرج ..
عقد حاجبيه بشدة وهو يصرخ زاجراً إياها
..- لاآآآآ .. و بنجلس ننتظرها
غاص الألم في قلبها أكثر .. فزآد جُرحها
وهي تَرد عليه بكبرياء وكأنها يشتمها
..- يبه .. نور ما بقى على طلعتها إلى شهر .. بننتظر لشهر بس
أتسعت عيناه بصَدمه .. ف المفاجأة مذهلة بالنسبَة له
..- والله .. شهر ..بس .. متأكدة إنتي ؟ .. مسرع .. أحس كأنها أخذوها أمس .. بس خلاص اجل بكلم الناس .. لكَن إنتي متأكدة ...؟
هل كان يجب عليها أن تراه سعيداً بهذا الخبر
لكَي لا تتألم أكثر كما يحدث لها الآن ..،
صمدت أمام مشاعرها العليلة بقوة عودتها عليها
..- إيه يبـآ ......... وعن إذنكم ..
خرجت من الغُرفة مثقَلة بجُرح أكثر عُمقاً من ذي قبل
يسكب الألم الفائض على حواف قلبها
حتى يطيش بها . .. ويمرغها حتى أبعد نقطة
تتقن ممارسة دور الأخت الكُبرى دائماً
تتحمَل ألامهم .. عنهم .. لكي لا يتألموا
تؤثر رأُيتهم بسعادة على سعادتها هيا ..
لكَن ألمها مختلف فقد وصَل لأختها
التي تراها توأمها .. لا فرق بين عُمرها وهي
سنة أو ربما 10 أشهر ..
يكفي شعورها ببراءتها المزروعة في قلبها ..
تؤمن بها .. وتقدسها وحدها .. لا تود أن يشاركها أحد فيها
يكفي ما يحدث لها حتى الآن ..
وصَلت حجرتها .. و ألقت بجسدها على سرير " نور "
وهي تحتضَن وسادتها وتقول بهمس باكي
..- يــآالله أصبري بس باقي .. شهر شهر بس يا نور .. عيونا
يبقى البكاء وسيلة حُرة للفرار بنا
من أكثر سُبل الألم انحطاطا
وربّگ مآهي قوۅهّ ..
لـآ يغرّگ هآلۅقٌوف .. !
........... ۅ هالشٌموخ الليّ تشوفـہْ
في آلحَـَـَقيقة هو إنڪسـآار .. !
بس أحــآاول گثر مـ أقـَـَدر
...................... أڪّتم الغصـَـَـًة وأزيحّ
..........صدمة آلعُمــَر الليّ راآآح .. !
ۅ الله لۅ أقدر عْطيتگ
بس .. !
.......... أنهتني الجـَـَرآح
.............................. أنهتني الجـَـَرآح
.................................................. أنهتني الجـَـَرآح ..

اللذة الثانية والعشرون

تنظَر بيعنين ذابلتين ..
جموع الفتيات المغادرات بهو الجامعي
بينما تجلس هي على إحدى الكراسي الحديدة الجانبية
و في حجرها حقيبتها
ويدها تعبث بهاتفها
ملامحها مرهقَة لأبعد حد ..
ووجهها خال من أي زينة ..
اقتربت منها فتاتين ..
جلست الأولى إلى جوارها وهي تقول بمرح
..- وحشــــتيني .. لي 10 دقايق ماشفتك فيها
ابتسامة جانبية .. لـثواني فقط .. ثم ماتت فوراً
تنهدت ذات الفتاة وهي تقول لها
..- وش فيك يـا ندى .. صاير لكم شيء ؟
حّركت كتفيها ببطء
..- و لاشيء
..- لا فيك شيء
..- لا
..- إلا فيــــك شيء
بضيق قالت
..- خدوووج لو سمحتي .. لا تزودينها
نظَرت لصديقتها الواقفة أمامها وهي تشير لها بيدها أنها تود أن تذهب
لكَن خديجَة قالت فوراً
..- إيه صح .. ندووي .. أعرفك على صقيقتي من سنة رابع ..
ابتسمت نورة لها بمجاملة تمد يدها لتصافحها
..- شلونـك ؟
ابتسمت لها بصدق وهي تقول
..- بخير .. معليه .. ترى خدووج أذيّة ما تخلي الواحد يركّز في الشيء
اتسعت عينا " خديجة " بصدمة وهي تقول
..- وش دخّـــــل ؟
اتسعت إبتسامة نورة .. وهي تقول بهدوء
.. -أعذروني .. جا الباص .. أشوفكم على خير
..- اصبري .. خذيني معك .. يا الله ندوي .. أنتظري اتصالي لي معك جلسة خاصَة ..
حّركت رأسها بيأس
وهي لا تفتك عن التفكير في كُل جوانب الموضوع
تخشى أن تحادث ميسون فتوبخها
لتزدد ألماً .. تتذكر
وجهها الأبيض النحيل
و عينيها الزجاجيتان الواسعتين
و نظَرة الشك المعلقَة هناك
ملامحها الحزينة بإستمرار ..
رجائها الأخير .. في أن تبقى معها
يعذبها ..
تلفت أعصابها تماماً .. تبحث عن كُل الحجج من أجله
لكَن يظَل قلقها يعاكسها دائماً
التقطت هاتفها .. فقد باتت ضجرة من تهكم والدها المُستمر
و دفاعها اليائس عنه .. لا يستحق شيء مما تفعَله
ولا يستحق أن يُلام .. على شيء يفعله
تراه هامش .. و ربما نكَرة في حياتها لا حاجَة لكّي تتعب نفسها .. بالقلق عليه
لكَن ما يقلقها .. " هي "
صوت ميسـون يتردد في عقلها عند آخر مُكالمة أجرتها معها .. تحذرها أن يبتعد صقر عنها
تأمرها أن تلهيه قليلاً .. حتى تستعيد عافيتها
و تعود .. لـ تلك ............... ( الأسيرة )
وعدتها بأن تفعَل .. و هي تعلم بأنها لن تفي بوعدها
فالأول مُختفي عن محيطها تماماً .. وحتى هاتفه
أنزعج منها .. و أُغلق
دخَلت لـ " سجل الهاتف " للمرة الخامسة
وهي تدور بالمؤشر فوق قائمة الأسماء مرات عديدة
و في كُل مرة تزفر بتعب
وتكرر الأمر
حتى وقفت أصابعها على اسمه ..
" لا تكلمينه "
و ضغطت على زّر الإتصال ..
ثواني فقط .. ثم ارتفع الرنين .. ومع الثالثة
أجاب .. فتحدثت أولاً
..- السلام عليـكم .. معاي خالد ؟
...- وعليكم السلام . إيه .. " و بشك " مين معاي ؟
زفرت بإرتياح .. وهي تتابع .. لكَن غصّة عقيمة إعتلت حلقها .. فأثرت على صوتها الذي همس
..- ا أنا .. ن نـدى .. و و يـ ن صقر ؟
عقد خالد حاجبيه وهو يهّب من خلف مكتبه
ابتعد عن الآخرين .. ووقف في زاوية مفرده وهو يسألها بخوف
..- ندى .. وش فيك ؟؟ .. صاير شيء؟؟ .. عمي فيه شيء .. صقر سوالك شيء ؟
اغمضّت عينيها و نبرة الخوف في صوته جعلت قشعريرة ساخنة تجري في جسدها .. كّررت سؤالها بصعوبة
..- أنا .. أسألك .. صقـــر وينه ؟ جنبك ..
أستوعب سُؤالها .. فتنهد بقوة .. بعدها قال بهدوء
..- أوووف .. فجعتيني يا بنت الناس .. لاآ صقر مهوب معاي اللحين .. بس هو ما جاكم ؟
سُحق قلبها بشَدة وهو يسألها بخوف شديد
..- وينه فيه ..؟ إذا مهوب عندكم ولا عندنا وين بيكون ؟
ألتقط نبرتها الخائفة و انفاسها المتسارعة ..
همّ بإجابتها .. لكنه صمت في اللحظَة الأخيرة عندما سمع نحيبها .. زاد توتره .. و قال بصبر يزيح فيه مشاعره
..- أنا شفته أمس
ثم صمت
هدأت تترقب مُتابعته .. لكَنه أطال الصمت
فسألت بلهفة تحثّه
..- إيـه .. ويــن ؟
هذا هو السؤال الصعب .. العملية التي قاموا بها سرية
ولا يجب أن تصل إلى أي احد أي كان ظروف وملابسات تلك القضية .. فكّر طويلاً .. وحلل ذهنه القضّية سريعاً
ثم قال بهدوء
..- شفته بالمستشفى .. جاي يزور واحد من ربعنا مسوي حادث ..
عقدت حاجبيها ودمعَة تنزلق إلى وجنتيها .. شيء ما في نبرة صوته لم يريحها مُطلقاً ..
يكفيها الآن أن تعرف أنه بعيد عن صبا
فسألت بصوت تقاوم فيه دموعها
..- يعني ..إنت .. ما سألته وينه طول هالوقت ؟
أجابها بسرعة .. محاولاً طمأنتها
..- إيه .. قالي إنه بالمزرعة ..
عضّت على شفتيها .. و ارتجف قلبها
..- مُتأكد إنت .. ؟
خرج من مكتبه وهو عازم على الذهاب نحو منطقة معينة
وصوته يجيبها بصرامة :
..- إيـــه


وأغلقت الهاتف قبل أن ينطُق بالمزيد ..
تأكدت شكوكها .. هي وميسون
صقر أصبح بجوارها ..
تَركوها له ..
لن تغفر لهم أبداً .. لن تَرضى عنهم ..
خونة .. هُم خونة ..
طلبت منهم أن يكونوا قريبين منها .. ولو لفترة قليلة
فقط لكي تعتاد وضعها الجديد
وهاهم يتخلون عنها واحدة .. و آخرى
وتركوها له ..
و اما من زاوية خالد ..
حيث كان يقود سيارته بسرعة كبيرة
جداً .. تتجاوز 140 كلم - ث
وهو يضَرب المقود بشدة ..
في ثاني مكالمة لهم .. يسمعها تنتحب و يقف ليكذب عليها
فقط .. ثم بدآ وكأنه
كما نقول في لغتنا الدارجة :
" جا بيكَحَلهَا عَمَهَا "
*
سبحان الله وبحمد سبحان الله العظيم >
هوى قلبها إلى أسفلها
و هي تهبّ من على سريرها لتنتصب بجواره
عيناها المُتسعتان على آخرهما تًبرمج وجودها هُنا
تذَكرت أنها نامت قسراً في الغرفة الأخرى
فمن أتى بها إلى هُنا
صوت إنسكاب الماء على الجانب الأخر أهدّر المزيد من التوتر في روحها
هرولت نحو الباب لتفتحه .. تنشد الهرب .. فوجدته موصداً عليها
قلّبت الأدراج و نظرت تحتها .. لا مُفتاح
ربما هو يرقد أمام عينيها لكَن شّدة خوفها
و سواد مشاعرها حين إذا .. أعمتها عن أن تراه
أبتعدت سريعاً .. فلا حَل أمامها
إلتقطت جلباب الصلاة الذي نزعه منها
إرتدته .. و وسحبت كرسياً
جلست أمام النافذّة وأغمضَ عينيها
تشحَن كُل شعور خائب نحوه .. ليعطيها طاقَة تحمّل أكبر
تقبضّ على أناملها بقّوة .. تقاوم فيها رغبتها بالصراخ
شيء ما جعلها تتذكر جمل ميسون .. أيام سجنها
" الإنسان ممكن يقتل نفسه بنفسه .. بمشاعره .. لو سألتي نفسك مّرة .. ليش ممكن يمنعونا عن زيارة مريض ؟ لأننا ممكن ناثر على نفسيته ..طيب .. هّو إلي غلطان .. و ترك الخوف و التوتر .. يقتلوه .. و أنا سمعت عنك كثير .. من ندى .. إلي تشوفك قدوتها .. صبا البنت المثقفة العاقلة .. إلى الكُل يشير لها ..
ما تنتحر ..
ما تــنتحـر ..
ما تنتــــحــر .. بمجرد شعور "
عند هذه النقطَة انطفأت جمرة مشتعلة في روحها
و تحولت لكتلة من الرماد الساخن
زفرت ببطء وهي تشعر بالباب يُفتح
تحاول أن تسترجع كُل صوره في مخيلتها
سوداء دائماً .. لكَنها ستتقبلها .. لتتحمل حتى الآن
فقط .. و ستتحمل
نظَرت إلى زجاج النافذَة الذي
صور لها دخوله .. جسده الذي أخترق هدوء المكان
وراح يخنقها رويداً رويداً
لا يراها على سريرها كما تخيل ..
فبحثت عنها عيناه
و رآها


أستغرب جلستها تلك .. وهدوئها بعد أن توقع عاصفة من الغضب قد تشتعل في وجهه
شعور لذيذ .. داهم فؤاده على غفلَة من عقَله
فحثه على المتابعَة و وقف خلفها مباشرة
شعرت هي بقربه فزاد تنفسها .. تحاول تهدئة روحها المضطربة ..
لكَن يده التي أطبقت على كتفها..
جعلتها ترتجف بشَدة ...،
أغمضَت عينيها وهي تستمع ، لأنفاسه القريبة من أذنها
شدة من قبضَته وهو يرفعها لكي يتمكن من إحتضانها
ولتوترها و ضعفها .. لم تقاوم أبداً
لكَن صوتها الذي خرج بهمس خافت جداً
و كأنه قادم من وادي سحيق
..- ب بّــــعـ د عنـي
رددتها بيأس .. و ضعف .. عله يرحمها
لكَن كفه التي ارتفعت و أطبقت .. على شعرها المغطَى .. أخافتها كثيراً .. أنسّلت دمعَة من عينيها
وهي تسمعه يهمس بنفس نبرتها
..- ما أقدر .. رجعتي لي و صرتي بين يديني .. و تبين أخليك.. ما أقدر
تتابعت دموعها فلا خيارات أمامها سواها
لكَن شيء ما أستصرخ التوتر .. داخلها
يجب أن تقاوم كُل هذا .. خفّت يده عن معصمها
و شعرت بجسده يبتعد عنها
تنفست القليل من الهواء الذي لا يحمل رآئحته
و فتحت عينيها ببطء ..
رأت من إنعكاس الضوء الشمس الواهن خلفه
وجهه وعيناه التي تنظَر لملامحها بشغف ..
هذا ما رأته في عينيه .. سرحت لوهلة هٌناك .. وهي تتذكر تلك العينين .. كعينين الصقر تماماً
تختلف كل الأختلاف .. عن تلك القديمَة
بدت هذه و كأنها تطلب الرحمَة .. بيأس
لكَن عند الشخص الخطأ
و ضعت كلتا يديها على صدره وهي تدفعه قليلاً
فتركها ..
التفتت ترجو أي زاوية بعيدة عنه
فهي توشك على الموت اختناقا
لكَن يده أمسكت بجلبابها .. فأوقفتاها
وصوته يهمس بحنان ..:
..- وين ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
كفكفت دموعها بظاهر كفّها
..- خلّيني .. بروح أصلي
تركها .. و لسان حاله يهدئه .. و يردد له
" ستلازمها طويلاً .. فلا حاجة لاستهلاك شوقك الآن "
بينما خرجت هي من الغرفة كٌلها وشهقاتها
تخرج قسراً من بين شفتيها
تكَره دموعها وضعفها ..
هل هكذا كانت تظَن أنها ستفعل ..؟

يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -