بداية الرواية

رواية عندما نستلذ الالم -20

رواية عندما نستلذ الالم - غرام

رواية عندما نستلذ الالم -20

لكَن الحياة قاسيّة جداً .. بما يكفيها أن تقول حتى المؤن نفذ الكثير منها .. الطعام تجده يوماً وتفقده لأيام
لا تهتم لنفسها أبداً .. وهي تشاهد الأطفال يبكون جوعاً .. و العجائز يواسونهم بدموعهم
زفرت بتعَب وهي تنهض من الغٌرفة الجديدة الضّيقة التي أنتقل لها طاقم التمريض مُؤخراً بأمر من فيصَل
الغائب في مُهمة جلب موؤن
فتحت الباب المُطل على المدخَل الرئيسي مُباشرة
لتصَدم عينيها بذلك المشَهد ففغرت فاهها بصَدمة
جسَد إحدى الممرضات يطلق نحوها بُسرعة لتدفعها عن موقعها
وتأمر كُل ذلك الكم من النساء والأطفال بالدخول إلى حُجرتهم الصغيرة
تلتفت بإرتباك و ذلك الفوج يدافع للدخول
أنسّلت بجسَدها وهي تحاول ترتيب حجابها أكثر
و تقترب من " مُدبرة المنزلة "
..- أستاذة نعمَة .. وش صاير ؟؟؟
تبتسم بإبتسامة لا تُغادر شفاهها أبداً و هي تقول بود
..- مش صاير إلا كُل خير .. أنت روئي يا بنتي
عقَدت حاجبيها بغضب وهي تهمس
..- شف وش أقولها .. و وش تقولي
ثم رفعت صوتها وهي تقف أمام وجهها مُباشرة
..- لييش كُل الحريم و العيال ذولي جوا هنا .. ما فيه مكان .. يالله نقدر نحشَر المرضى هنا .
أزدرت الأولى .. ريقها بصعوبة وهي تهمس لها
..- لك يا بنتي .. النااس مرعوبه .. و اليوم راح يصير ئصف .. فبيكونوا هيك ئريبين من الطائم الطّبي .. و اغلبيتون بيوتون أنهدمت بوسط بيت لاهيا
ذهول خيّم على كيانها فأطَبع على ملامحها أصفراراً
وهي تهمس ب
..- و ... وش بنسّوي بالمرضى وين بنخليهم ؟
أمسكت بمعصَمها و أبعدتها عن أعيّن النساء المتلصصات على حديثَهن
وفِي رُكِن المكان
..- راح نغير طريئتنا.. و بما إني خبرتك فأنتِ المسؤولة .. راح توجهي بئيه الممرضات التانيين .. لأني لازم فل بعد يومين من هون
لمْ تجد وقَت لتعّلق على جملتها الأخيرة
لتزفَر الأُخرى وهي تتابع
..- الي بتمرضوهن طلعوهن من هون على طول .. إذا كانوا رجال من 15 وما فوئ ..
بِذهُول لا يقل عن سابقه
..- حتى لو بوه جروح عميقة ولا كسّور..؟
زفَرت الأخُرى بتعب وهي ترد بصَبر
..- لو جروح ضّمتيها و ئوميه .. ولو كسَور جبّريا
ثم استدارت قليلاً وهي ترفَع سبابتها نحو الباب
..- وبعدا .. خلّيه يفل من هونيك
غصّة كبيرة متكّورة و مسننة في منتصَف حنجرتها
جعَلت دمعَة تنفَر من طرف عينها اليُمنى وهي تهّز
رأسها بالأيجاب
فربتت الأُخرى على كتفيها وهي تتنهد بصبر لا يفرغ أبداً
..- لازم نخّلي المكان للحريم و الأطفال .. ولو زاد عددهن .. بنطّر نغيّر المكان
..- كُلنا بنروح من هنا ؟
..- لاآ .. بس نحنا الطائم الطّبي .. و بنتروك معهن ممرضَة وحدة أو تنتين .. ما بعرف على حسب مابيؤمر الدكتور فيصل .. ماتخافي ..
الله معنا ..
أمسكَت بطرف أكمام ثوبها وهي ترفعها لأستعدادها للوضوء ..
أبتعَدت عنها ومازالت هُناك دمعَة نافرة
و إبتسامة مُعلّقَة
*
و أحياناً .. تتنبأ عقولنا بأمر ما .. قبل حدوثه
ربما بسنة , أو شهر ، يوم ، وربما ثواني
وهذا ما حدث فعلاً .. ثواني فقط
حين أضيئت شاشة هاتفها من جديد
برسالة جديدة من ....................." وافي"
لكَنها لمن تكَن رسالة نصية قصيرة ... بل رسالة وسائط
تحمَل مقطع فيديو قصير جداً ..
و ما يحويه .... جعلها تصَرخ
بذهول ................................. وصدمة
كاملين
,
حقيقة ما تُكّنه مشاعرها اتجاه من يرونه زوج لها هي
من أسود للأكثر اسودادا ..
تتحامل على رُوحها لتُبقي على القليل من الصبر المُتبقي
داخلها ..
أنفاسها لاهثَة دائماً .. حتى حين استيقاظها من نومها
كُل ما حولها يُعَلن أن لا مَفر من نهاية .. قاومتها
كثيراً ..
إنتقَل بصَرها لصغيرتها الراقَدة على ذراعها
فقد تسّرب الحليب .. من شفاهها .. وبدأت برفضَه
أبعدته عنها ووضَعتها أمامها
أسندَت يدها على خدّها و سَرحَت بألمها من جديد
عينان ضّيقتان لفّهما الإهتمام لحال بكَرها
و عقَلها ينطِق بألف شك .. لا تستطيع إبعادهُ عنها
نطَقت بعد صَمت طَال
..- وش فيك يمّه ..؟ .. كُل ما تجلسين كّنك تهوجسين .. ولا بوه شيء شاغل مخّك .. وافي قال شيء
رفعَت رأسها لها .. و هي تلمح القلق جلياً على مُحياها
الحَبيب على روُحها ..
علّقت ابتسامة صفراء بتَعب على شِفاهها .. من أجَلها
..- لا .. سلامتك يمّه .. خايفَة على بنتَي
ضاقت عيناها أكثّر وهي تتفرسّ ملامحها .. وصوتها ينطَق بشَك أشبَه باليقين
..- بنّتك مسكتها الحُمى أول أمس .. و اليوم زينة وما عليها باس .. ادري بك تمشّيني بالكلام هذا بس
أتسعَت عيناها بألم .. وهي تنهَض سريعاً لتٌقبّل رأسها تقديراً و أحتراماً لذاتها
..- حشّى علّي .. و الله إنها في بالي و مازلت قلقانة .. لكَن صح عليك .. فيه مويضيع صغّير شغالن بالي معه
أتكَئتْ على يمينها وهي تسألها بأهتمام
..- وش هو هالمويضيع ؟
زفرت .. وهي تَشْتُم روحها .. على كذَبة ارتجالية
لمْ تَحسُب حِسابها
ضغطَت على جميع مشَاعرها .. وهي تشعَل بثقَل السَر داخلها .. فلا سبيل أمامها سوى أن تُصّرح بما خبأته
..- سحر ..
عقدُت الُأخرى حاجبيها و علامة إستفهام كَبيرة تُحلّق على ملامحها
لتزدرد بُجرعة أكَبر ريقها و تَقُول
..- ز زوجَة وافـ
قاطعتها بقّوة ووهي تعَتدل في جلستها
..- إيييييييه .. وش فيهاا ؟
زاد الارتباك داخلها لسبب تجَهله .. وشيء ما صَلب
بدأ ينهار داخلها ..
أخفضت بصَرها وهي تعضّ على شفتيها
..- أحسّ ما يصَير أقووول .. بس
اتسعت عينا الام بذهول .. فإبنتها تخُفضَ رأسها خجلاً
لذِكَر أمر ما لا تَعَلمه .. زاد قلقها
وهي تقترب منها و تسألها
..- وش إلي صار ..؟ قلقتيني يا يمه .. تكّلمي بسَرعة
رفعَت رأسها بينمَا لازَال بصَرها خاضعاً .. وهي تُلطّف عباراتها .. و تحاول أزاحت الغشوة التي غطّت عينيها
..- سَحر أرسلت لي مقطَع فديو .. مّرة ... يعني مّرة
رفعَت رأسها عالياً وهي تطَلق أنفاسها و تبحَث عن
عبارة ما لائقة لتذكرها أمام والدتها
التي راحت تنظَر إلى وجهها بقلق شديد .. ،
جعَل الأولى تَختم حديثها
..- مّــرة .. قليل أدَب
ظّلت الأٌم تتأملها لدقائق
أخفضَت نظَرها هي .. ويدها تمسَح دموع انهارت أخيراً
فهي لمَ تَبكي طوال الفتَرة السابقَة
تماسكت بصعوبَـة .. لتنهار أمام والدتها من جديد
رفعَت نظَرها لها عندما شعرت بنهوضَها
و أصطدم بصَرها بملامحها التي تحولت لغضَب هائل
وصوتها يصَرخ عالياً
..- عـــــــــلي ... علــــــي ..
قفزت دُعاء معها وهي تقول بتوتر شديد
..- يمّه .. أذكري الله .. وش ناوية عليه ؟؟؟
لكَنها تجاهلتها وهي تتجه إلى الأعلى بخطوات قّوية
وتصَرخ على أبنها ..
لتظَهر بعدها سُمية وهي تُمسك بكتابها و تقول بخوف
..- وش فيكم ..؟ يمه علي خارج له ساعة ..
وصَلت والدتها إلى جوارها وهي تقول بحدّة
..- دُقّي على السواق خلّيه يجّهز السيارة أجل .. عندي
حساب .. أقســــم لا أصفّيه مع أم وافي .. يا يطّلق بنيّتي يـــآ تخَلعَه
لتهتز أكُفهم برعُب حقيقي لكلماتها القويّة
بينما هوى قلب دُعاء أسفَل منها
فهي تقف لتَشهد مسرحية النهاية .. صنعتها هي
و ستُقنع نفسها بها تَماماً
*
الساعة هي الثانية بعد مُنتصَف الليل .. لا سُكُون هنا
لكَن هذه الضوضاء تراها سكُوناً بحتاً .. أمام ضجّة الذروة
الدائمَة تقف هي و " نسرين " في الفناء .. ؛ ففيصَل و الأخرين سيصلون اليوم من المقَر الرئيسي
لا تدري لم تقف في هذه العُتمَة الشديدة
تشعُر أنها تود أن ترى فيصَل .. ففي عينيه يقبع حُسام
تبرئ تَفكيرها من كُل نقصَ أو عيب
فالوضَع هُنا لا يسَمح لها بمُتابعة مُسلسل الحُب التي كانت تُجيد تمثيله ..
أو رُبما أنها أصبحت تُحِب نسرين حقاً .. فهي لم تُبارح عادتها في إنتظار كُل من ذهب .. من أجل مقّرها
تلتفت لها و تتأمل جانب وجهها الهادئ ..
و على ذلك البصيص كان يفكيها لترى ملامحها المُنيرة
سيدة أربعينّية .. تُحّرك شفتيها بِذكَر الله في كُل حين
حتى وسط هذا المكَان .. صَبرها و مُثابرتها
جعَلها تشعُر حقيقة بانها تود تقبيل يدها كوالدتها
شيء ما كالجاذبيّة فيها .. جَعل سلمَى تتكأ براسها على كتفها
لتَبتسم الأخرى لها .. بإبتسامة لا تُغادرها مُطلقاً
دافئَة حنونة ..
قسَراً أحاطتها بذراعيها فمسَحت " نسرين " بيدها على ظهرها
لتقول سَلمى بهدوء .. وملامح ساهمة
..- تذكّريني بأمّي ..
لمْ تُعّلق الأخرى .. لكَنها أكتفت فقط بأنه مُجرد تبرير
لفعَلتها .. لكَن سلَمى لم تصمُت .. لأنها تفتقد جُزء كبير من روحها .. تَركته هُناك في موطنها ورحَلت عنه
باستسلام كامَل .. مِنها
..- بس أمي .. ما تشَبهك .. ولا في شّيء ..
بس يمَكن هذا هو حنان ألام إلي يتكلمون عنّه .. كأني حسّيته فيك ..
ثُم ابتسمت بلا داعي .. ابتسامة شَبه مقّوسَة
مؤلمَـة جداً
وصَلتها كلمات نسرين .. بفَخرها أن لها إبنة مَثلها
و لكّنها تركت عينيها تسَرح في الفضااء البعيد .. وهي
تَشعر أن بضَعاً من السعادة .. حلّق إلى قلبها
سمَعت نسرين تنطَق ب
..- كأنوا في صــــوت ..
رفعَت رأسها المُرهق وهي تسأل ببطء
..- وين ...؟
ثُم ظهَرت أجسَاد ثلاث رجَال من عُتمة فجأة
جعَلت سلمَى تشَهق بفجعَة .. وهي تقفز من مكانها
أبتعَدت و نسرين تتبعها
دخَلن لحيث المَقر الصّحي .. و هُم خلفها
الإثنين جُدد لا تعرفهم و الثالث فيصَل بالطَبع
وقف هو ونسرين .. و الأخريين وبدأ بتعريفهم
بها .. فعَلمت سَلمى أنهم أطبّاء مصريين أتوا كبعثَة طبيّة إلى هُنا ..
أبتسَمت بحُب وهي ترى السعادة تُشرق على وجه نسرين
المُحبب إلى روحها
فأبتسم قلبها قسراً لهذه الإنسانة المُتفانية في العطاء
رفعَت يدها لتدٌخل خصلات من شعرها النافر بجانب وجهها
وعينيها مُنخفَضة عل موطئ قدميها
لكَن شخصَ ما وقف أمامها ليخفّض جسَده
من الحِزم الضوء الساقط عليها ..
وقَدمه و قفت قريبة جداً من قدمها ..
رفعَت عينيها ببطء وهي تحفظ تضاريس هذا الشخص عن ظهر قلب ..
لتصَطدم عيناها بعينيه .. رغبَة حمقاء إنتفضَت داخلها
جعَلت شفتيها تميل بإبتسامة مٌرتبكَة وهي تلتصق في الجدار خلفها و تردد بإرتباك
..- أ أي .. أيي خـ ـدمة ؟؟؟
بقيت عيناه تأكل ملامحها بِجُرأة لم تعتادها
فأستيقظ شعور آخر مٌختلف داخلها .. جعَلها تحاول الزحف إلى الخلف مُبتعدة عن مُحيط أنفاسه القريب منها
لكَن يده التي إحتضَنت مفصَلها
كانت كالكقشة التي قصَمت ظهر البعير ..
فأنتفضَت بعنف و هي تحاول الإبتعاد ليعود ويسمك بها
بقّوة و هو يقول بهمس
..- أصَبري .. بعطيك شيء .. أرسَله حُسام لكَ
بَرودة سرت على كُل جسَدها .. لذكِر اخيها
لتعود لحيث هُو بهدوء .. و قلبها يُقسم
أن شيئاً ما يحدُث .. إحتضَنت يدها اُختها
وهي تقترب منه وتسأله بقلق
..- أسألك بالله ... حُسااام فيه شيء ؟؟
في تِلك اللحظَة كانت عينيها تجول في بحر عينيه
كانت الأخيرة مُختلفة جداً .. مُختلفة كما لو أن هذه الرجُل قد ارتدى اُخرى ..
أخفضَ بصَره اخيراً .. وهو يمّد كيس كبير تلاحظَه
الآن لأول مرة .. إلتقطَته بَسُرعة وهي تفتح
وكأنها تبحث عن إجابة لسؤالها داخله
ثياب .. وكُتب .. وساعتها .. "
إحتضَنتها بلا وعي منها .. و هي تهمس ب الحمد لله
إرتفع بصَرها مجدداً للذي بقّي هُناك يتأملها
عقدت حاجبيها وهي تبتعد بخجَل مُفرط .. من نظراته
الغريبة .. فالمذي أصابه ؟؟
وقبل أن تبتعد سَمعت أو يخّيل لها أنه قال
..- سلـــمى
ليهبّط الظلام على المكَان فجأة ..
إقتربت من الجدار سريعاً وهي تتحسس طريقها
لكَنها وقفت وهي تحاول أن تعتاد الظلام .. حتى تتمكن من المُتابعة ..
إرتفعت الأصوااات في المكَـــآن بحدَة
و ألتقطت إذناها صوت نسرين .. " يصَرخ " على الطَاقم الطبـــي
.. - فتـــحت الأبوآآآآآب .. يالله أنزلوا للقبـــو يالله ..
فهَمت ما يجب عليها فَعَله فتركت كيسها و أنطَلقت بإتجاه مصَدر الصوت ..
رأت مجموعة من الأطفال ملتمين حول أنفسهم بخوف
فنطَقت بسًرعة .. ولطَف لكي لا تُخيفهم
..- يالله يا ماما .. انزلوا .. يالله قوموا ..
تحّرك الأطفال .. فبدأت في جمَع أكبر قدر منهم
ثم أتجهت لـ حيثما تعتقد أن " القبو " قد يكون
فهي لم تحفظ الطريق إليه أبداً ..
صَرخت بقّوة
..- نــــسريــــن ..
ليظَهر صوته من خلفَهــآ
..- وش فيــــــك ؟
قفزت برعُب وهي تقول
..- بســـم الله .. إنت هنا ؟؟
بقي واقفاً في مكانه و هي ترى ملامحه بصعوبة الظَلام
بدآ مُمسكاً بيد طفلتين بجواره ..
فزفرت هي بهدوء
..- مو عارفة .. وين القبو أصلاً
بدآ وكأنه أبتسَم .. وهو يقول بحَزم
..- ما شيّة بالعيال .. و إنتي ما تدري وين موديَتهم .. هه و الله حالة
رفعَت حاجبيها بإستغراب ..
فغروره .. جم ْ .. كما ترى
وصَلوا للإنحناء الأخير حيث درجات للقبو بالأسفل و نسرين تقف عند المدخَل ..
لكَن صوت ما جعَلها تقف .. ثم تكرر فتأكدت منه
سمعت نسرين تصَرخ عليهم
..- يالله يا دكتور إنتوا آخر نااااس يالله ..
لكَنهّا دفعَت الأطفال أمامها وهي تعود أدراجها
سَمعته يسأل
..- على وين ؟؟؟
..- خذهم .. باقي أحد ما أخذناااه .. أنتظروني
و غَرقت في الظَلام
بدأت إذناها تلتقط الصوت .. و عندما يهدأ تصَرخ هيا
..- يـآ ولــد ... ويـــنك ؟؟
ليجيبها
..- فيــــن ماما .. ؟ أنا هوووون .. إنتي ميـــن؟؟
و على صوته وصَلت للغُرفة الضيقَة ..
حيث رأته يجَلس على إحدى الكَراسي المُتحركة
على جانب الغُرفة .. وصَلت إليه و هي تدَفعَه سريعاً أمامها
وهو يسألها بهدوء
.. -إنتي ميـن ؟؟ الدكتورة ..
..- إيييه ..
..- فين ماما راحت ؟؟
تأملت جسَده الضئيل .. حتى وزنه الخفيف على كُرسي فهي ليست على يقين من أنها تدفع إنسان ما على كُرسي مُتحرك من خفّته
وصَلت للممر المُحاذي .. للبهو الرئيسي
حينما دوى صوت مُرتفَع يصّم الأذآآآن ..
و هّز أركان المكان جعَلها تتعثّر و تسقطَ و تشعَر
بالكُرسي يسقُط بجوارها
بقيت في حالة صَدمة لدقائق .. أختنقت فيها بالغُبار الذي
أعتلى المكَان وهو يتقول
..- ياربي .. سَترك
سعَلت بشّدة .. محاولة إخراج التُراب الذي علّق في
حُنجرتها .. ثم تذّكرت الصغير
فالتفتت حولها تبحَث كالمجنونة .. عنه
و أذهلها تحّول جُغرافيا المكان ..أصبَح مُهدّم من جانب ..
و تحطّم زُجاج الشُرفة الأمامية
سمَعت صوته خلفها يقول ببراءة عذبة
..- تدري وش هاد ؟؟ .. قُـــنبَلــة
أقتربت منه حيث كُان مٌلقى على جانبه الأيمن حمَلت بخفّة وأنطَلقت خطواتها إتجاه القبو ..
لكّن الصدمَة لم تُمهلها طويلاً حتى عاد لها من جديد
فالممر مَسدود بحجر تساقط من السقف ..
فتحَة في الأعلى صغيرة تستطيع أن تتسلّق إلى الأعلى
و تنحَشر منها لكَن وحدها دون ما تحمَله بين
يديها
أخفظَت رأسها و تأملته وهو يقضّم أظافره بنهم
عقَدت حاجبيها وهي تسأله
...- كم عمرك ..؟؟؟
ليجيبها بإبتسامة فَخر
..- عُمري .. ميّــــة ..
إتكأت على الصخور خلفها وهي تتخذ قرارها
ستبقى هُنا من أجله .. وستدعوا الله أن يلطُف بها و به
إبتسمت من اجله و هي تقول بحنان
...- ميّــة .. يا فرحتك
لكَن فرحته ناقصَة كفرحتها تماماً ..
عندما أعتلى المكان وميــض أبيض
تلاه صوت حــآد أقوى .. و أكثر حدّة و حرارة
إهتزّ المكان عن بكَرة أبيـه و اهتزت الصخور خلفها و
و الأرض أسفل منها ..
و أختنقت بالغُبار من حولها ..
آلمها أصطدام بعض الحصَى الكبير بيدها .. لكَن
شيء ثابت تلقفّها فالتصقت به
شعرت بالصغير يُفلت من بين يديها ..
فدعت الله أن يحفظَه .. أما هيا فتشبّثت بالجدار القريب منها
سكَن كُل شيء حولها فجأة .. و عادت ذرات الغُبار
تنخفضَ نحو الأرض كما كانت .. سعَلت لمَرة أو أثنتين
ودمَعة تنزلق رغُما عنها من عينيها
فقلبها حَدث ولا حرج قدّ وزع نبضَه على كُل أعضائها
و بقي هو مُتفّرج على خوفها
شيئاً فشيئاً .. عاد لها إستيعابها .. و صوت
نبضات مُختلفَة و مؤاتيّة يتصدر مما تظُنه عموداً فأمسكت به هكذا
صوت الطفَل يقول مكرراً ..
..- تعرف إش هذا ... بوووووووم .. هههه ههه
وضَحك ..
فتحت عينيها وهي ترفع بصَرها للأعلى
لتصطَدم بوجهه هو .. إرتجفَت بقّوة وهي تحاول
السيطَرة على السيل الجارف .. القادم نحو عينيها
تكَره شعور كونها مُرهفة لهذا الحد ..
لا تُريد أن تبكي أمام أياً كان ..
ولكن هُنا كانت مُضطَرة .. فقد أحرجها وبشّدة
راقب هو وجومها .. و من ثم إنهيارها
فأبتسم بسعادة رغُم كُل ما يحيط بهما
فقّربها إليه مُجدداً وهو يهمس في إذنها
..- تراي زوجك .. لاتصـيــحيــــن
،
أحياناً
و عندما نتمنى أمنية فإنها لن تتحقق لأننا نركض خلفها
و بمجرد أن نستدير نجدها قد التصقت بنا ..
،
الليلُ عادلٌ
لا يفرِّقُ
بينَ بحرٍ
،وسماء
بينَ عصفورٍ غريبٍ عن الشرفةِ
.وإنسانٍ غريبٍ عن البلادْ
الليلُ عادلٌ
.في السوادْ *
بداخلِ كُلٍّ منَّا
عصفورٌ
يبحثُ
عن مقهاه
ويضيعُ العمرُ
.ولا يلقاه
* سوزان

اللذة الخامسة والعشرين

..- وش فيكم ..؟ يمه علي خارج له ساعة ..
وصَلت والدتها إلى جوارها وهي تقول بحدّة
..- دُقّي على السواق خلّيه يجّهز السيارة أجل .. عندي
حساب .. أقســــم لا أصفّيه مع أم وافي .. يا يطّلق بنيّتي يـــآ تخَلعَه
لتهتز أكُفهم برعُب حقيقي لكلماتها القويّة
بينما هوى قلب دُعاء أسفَل منها
فهي تقف لتَشهد مسرحية النهاية .. صنعتها هي
و ستُقنع نفسها بها تَماماً
دارت مشاعرها حول حلقَة مُفرغَة كحيّة تراقب نهاية جَسدها النحيل ..
سُميّة تتأمل ملامحها بحُزن رُغم إنها لا تعلم بتفاصيل القضّية ..
لكَن يكفيها كُل ذلك الألم المُتفجر في وجهها الواهَن بإفراط
ترى أن ما تفعَلهُ والدتها ليس حلاً ..
فهي تَجُزم بكُل ما أوتيت من قوة أن " دُعاء " تُحِبه ..
و فرصتها الأخيرة للبقاء مَعه بعيداً عن هذه الأضواء و الأعين ..
ثم ستقسم هي أنها تعيش بسعادة مُدّوية
إلتفتت على والدتها التي تحاملت على ذاتها حتى بلغَت
نهاية السًلم أخيراً
ترتدي عبائتها و تلفّ نقابها العتيق على مُحيّاها الغاضب
وهي تزفر بغضب يتعاظَم كُل ثانية
..- سميّة تحّركي من قدّام وقربي لي التليفون ..
أما هي فقد وقفت بقوى خائرة تحاول الطبطبة على ما يُسمى قلبها
تهدّلت يداها إلي جوارها وهي تسمع لقفل الباب يٌفتح
و يدخَل " علي " بطوله الفارع .. ليتوسط المكان
ثم يستوى أمام والدته
كلمات قليلة نطقها بهدوء شديد و إحترام
..- يمّه و ين رايحة .. عسى ما شر ؟؟
لتجيب تلك بقّوة عجيبة
..- إلا الشر و أهله كُلهم .. بروح لأم وافي .. و بخلّي وافي يطّلق بنيّتي غصب عنّهم .. و لا أنا
خارجة من عنّدهم إلا بورقتها
كلماتها قّوية تخدّشها بعُنف في الصميم
حتى حق الصُراخ بكرامة لا تُجيده .. و لذا هو ليس لها بتاتا
شكَل الأخير وهو يقترب من والدته و يجلس أمام قدميها
وهو يطَلب برجاء حار و نبرة حنونة
مٌرهق لأبعد الحدود
...- الله يهديك يمّه .. مو كذا يحلّون المشاكل ..
رمقَته بنظَرة .. فحّول حديثَه بعدها بذكاء محاولاً إمتصاص غضبها
..- لكَن كلمّيهم بالتليفون اللحيـن .. و وبعدين يصير خير
رفعت كفّها أمام وجهه وهي تحّركها بالنفي القاطع
..- لا .. ذي سالفة ما ينسكِت عنها .. ما ينسكت عنها أبد .. ولازم أروح لها وأكلمها وجهي بوجهها هي وولدها
عقد حاجبيه وهو يلتفت نحو دُعاء
التي إستندت على الحائط بجوارها ، ليألمه وجهها الغارق في الدموع
قفّز إلى حيث تقف بسُرعة وهو يهتف بقلق مجنون
..- أفا يـا أم معاذ تبكين وأنا هنا .. وش إلي صاير ؟ .. قولي لي .. ثم أبشري بعّزك ..
أكتفت بترك عينيها مُسبلتان بألم
فأخر ما توده هو أن تنطَق بما رأته من قذارة
أمام أخيها الأصغر ..
لكَن والدتها أدركت حرجها فوراً .. فزداد غضَبها
وهي تهتف بعنف
..- سميــــة .. وين راحت ذي هذا كُله تقّرب التليفون .. ؟؟؟ .. سميــــة يــآ بنــــت
إزداد إنعقاد حاجبّي الأخير وهو يهمس بغضَب مُتفاقم
..- وبعديـن يعني .. بتطّلعوني مثل الأطرش بالزفة .. وش إلي صاااايـــر..؟؟؟؟؟؟؟؟
هٌنا .. آثرت هي أن ترحل لـمكمنها
وتترك لوالدتها مهمة إنهاء هذا الأمر
فهي لا تستطيع الآن سوى الأستلقاء على وجهها
و الدٌعاء أن يُيسر الله هذا الألم ويخففه
على روحها ..
ثم تركت أمها تشرح القضّية بإختصار
على مسامع أخيها .. الغـآضٍـب
بقوة
*
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه
على الذكَرى القديمَة .. حُفرت على ملامح وجهها حُزن مًستطير ..
تجلس وحيدة في الغُرفَة الكبيرة .. و التي لا تحمل سواها
تتنهد بألم بين الفينة و الأخرى .. و هي تُقول بصوت
لا يسمعه سواها
..- يالله محد فيهم .. مفرّحني .. محد فيهم أبد
أرتشفت من فنجان القهوة المُر .. كطعم الذكريات في قلبها
و عقلها يعود للوراء بِسُرعة خرافية
مصّوراً لها المشَهد وكانها تعيشه من جديد
(
..- وش ذا .. من ذي إلي جايبها معك ..
عيناها المُتسعتان تحاول أن تفكَر بأي شيء عدا ما يُلح أن يكون هو السبب ..
ولأنه مُتوقع أجابها بصوت ثقيل
..- هذي زوجتي يمّه ..
طيف أسود قصير يختبأ خلف طوله الشامخ .. و كأنها لا تود لهذه العجوز المحملقَة ان تراها
إقترب إبنها وجلس والطيف يتبعه كظله و جلست بقربه
ضَربت خدّها بألم وهي تهمس بصوت حزين
..- زين يا ولدي .. دّلها على غرفتها . ثم تعال لي أبيك بكلمة
لا تحمل كُل تلك القسوة لـ تعاتبه أمامها .. لكَن أبنها الغائب
بإستمرار أمامها الآن ..و لن تجعله يغيب بعدها
وأوصلها و عاد بملامح جامدة كئيبة تماماً
وهو يراها تميل نحوه وتهمس له بألم
..- وشوله تتزوج كذا .. مهوب حرام عليك نفسك وبنت الناس ذي .. من وين جايبها ؟
قال وكأنه يتلذذ بقوله
..- هاذي تقرب لأبوعدنان ..
اتسعت عيناها بصَدمة مُطلقَة
..- تقرب للمُزراع يا حسن .. يعني مهيب سعودّية ..
بذات الجمود
..- لا .. بس عاشت هنا فترة طويلة .. و انا مختارها بكيفي وراضي عنها ..

يتبع ,,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -