بداية الرواية

رواية عندما نستلذ الالم -27

رواية عندما نستلذ الالم - غرام

رواية عندما نستلذ الالم -27

لكّنه هو أنشغل بتأمل ملامح صبا المذهولة
رفعت عيناها إليه كأنها تبحث عن تأكيـد لما توصَلت إليه
فأحتضَن كتفيها وهو يحّرك رأسه بإبتسامـة
لتنطِق بانبهار
..- أمـــــــي
اختلفت ملامح الأخرى .. و غامت عينيها المُطفأتيـن
وهي تقول بنبرة مُرتجّة
..- ميــن .. صقر يا بوي ميــن ؟
سمعتها جيداً .. لكّنها لن تصدق أبداً .. عاشت وحيدة
طويلاً .. حُرمت من أبنتها منذ أن كانت طفلة
لا تُمّني نفسها بأن تراها من جديد
الان تسمع صوت أخترق قلبها بقّوة شتت
فيها حواسها .. وتطلُب تأكيد
فما كان من الآخر .. إلا أن قّربها إليها
دفع صبا لتقف أمامها وهو يهمس للأخيرة
..- أمسكي يدّها .. أكـــدي لها
لكَنّها بقيت تلتهم تلك التفاصيل عن قُرب
أما الآخرى فقد شعرت بها .. و بأنفاسها
رفعت يدها تحسس ملامحها .. و شدّه أناملها
على شعرها بعد أن سقط الغطاء
نطقت بحُب فاق الحدود و امتلاء به الفضاء من حولهم
..- ص ص صـــبـــآ
نعَم ف للأبناء رائحَــة لا يعرفها سوى أمهاتهم
لهُم ملامح لا يدركها سواهم مُنجبوهم
اقتربت منها ببطء .. وقلبها يصَرخ بفرحه مُتناهية
عظَم المفاجأة أثقل عليها .. فأرهق التعبير
وضَعت رأسها على كتفيها .. و عينيها تُستمطر من
بحيّرة السعـــآدة .. وهي تقول
..- أ أم مــ ي
وقف هو بعيداً يتأمل المنظَر بفرح مهدود الزاويا في قلبه المُعتّل .. أرهقها كثيراً ..
و آن له أن يتأملها سعيدة .. رغُم أنها مازالت تبكي
أنسحب ببساطة .. و لم يَره أيٌ منهم
ف قد انشغلن بهمسات باكيّة لا يفهمها سواهم
و ترك السيارة أمام بابهم
وصعد هو إلى الجبل
< يتبع
في القادم ... قد يتأخر قليلاً
< الفصل الثاني من اللذة الثانية والثلاثين


في الشوارعِ التي تشبهُ الرغباتِ القديمة
بينَ البيوتِ والبناياتِ المائلة
حولَ سورِ الحديقةِ عبرَ الضباب
معَ ضوءِ المصابيح الأزرقْ
خطواتي خيطُ أسى
كأنَّما الأمطار تسيلُ بي حينَ أسيرُ
كأنَّها دَمْعُ حذائي.
ترجّلت من الطائرة .. و بيدها تمسح ملامحها الرطَبة
من تحت الغطاء تحجب عن الأنظار توهجّ الوجنتيـن
و بلل عينيها
تسحب خلفها حقيبة متوسطَة الحجم بكفهّا الحُرة .. و
تنفضَ عن عقلها كُل ذلك التشوش الذي لحق به
تُسرع الخطى وهي تصطدم بالمارة عن غير قصَد
فالمكان مُزدحم .. لاآآ
بل هي تترنح في مشيتها و بحاجة لفضاء فارغ
ترقد على وجهها فيه .. تنشج بصوت مرتفع
إلتقطت سيارة بيضاء بخط " أسود و أصفر " قصير و كلمة .. " أُجرة " إمتلئت في عينيها
ركبت دون أن تتحدث أو تفاوض .. فقد
قالت العنوان
وبعدها اتكأت وأسدلت جفنيها .. مُتجاهلة كُل تلك المخاطر .. يكفيها ما يحدث حتّى
لا حاجَة لكّي تثقل روحها بالمزيد
وصَلت بعد نصف ساعة لـ مُرادها
منزل واسع بحديقة متوسطَـة .. ممتلئة بالسيارات
التي ليست لأحد ..
ترجلت إلى البوابـة بعد أن ألقت بالمبلغ للأول .. بل ما يزيد ..
ثم دخلت للمنزل .. وجدته منيراً بارداً
تحتضَن زاياه كآبَـة تشابه أثاثه العتيق
المتراكم في كُل زاويـة
طرقت خطواتها على الأرض الرخاميّـة
وصولاً للسُلم ..
صوت انبعث من خلفها .. جعلها تستدير ببرود لا مثيل له قائل بفرح
..- ااااااااااالحمد لله على الســـــلامـة .. ما قلتي لي كان أرسلت لكم السوووواق
أحتضَنتها بشَدة ولم تبادلها أبداً
إرتابت الأخرى منها فأبعدتها عنها ..
..- وووووش فيييك مبوووزة كذاااا .. عسسسسى ما ششششر
الأصباغ التي احتوت وجهها المشدود .. عينياها التي توهجّت بالعدسات الزرقاء .. حاجبيها الناعمان
و انعقادهما كان ما رأته
قبل أن تقول ببطء
..- رجـــعـــت لووووحـــدي .. تعبااانة وبطلع أناااام ..
لم تنتظر منها جواباً .. استدارت و هي تشّد حقيبتها معاها صعوداً إلى الأعلى ..
أوقفها صوته القائل بحرارة
..- طّيب خلي الشنطَة تشيلها الخداااامـــة .. خليها مكاااانها
بطرف عينيها رأتها تتحدّث بحماس تنوي به
أن تُريها كُل تلك الأساور الذهبية المرصوصة على ذراعها .. بخشخشة عالية تصدرها وقد اختبأ نصفها تحت
تلك كُم تلك الجلابيّـة الفيروزيّة ..
بسخريّـة قالت
..- لاآ شكراًً .. و مبـــروك كوم الذهب إلي في يدّك ..
تركتها و هي تجّر خلفها حقيبتها الخفيفة
لكّنها تشعر بثقل روحها على جسدها
وصَلت لـ غُرفتها
لكّنها تركتها .. و وصَلت إلى حُجرته
دخَلتها وهي تنفض .. عن المكان غُباره
و تستنشق بقّوة كُل ذكَرى ..
وقفت عند النافذَة لكّي تتنفسّ قليلاً
ف كما قال عليوان
سُورٌ بقامةِ العتمة
تحفُّهُ إثرَ عبورِها الغيومُ
ليعلو بعزلتِهِ بلا أشجارٍ
بدموعي المعلَّقة لوحاتٍ مائيَّة تسيلُ بألوانِها على أحجارِهِ.
في ظلِّهِ فقدْتُ ظلِّي
هُناكَ حيثُ البوَّابةُ السوداء
والحارسُ الوحيدُ ذو العينِ الواحدة
هُنا حيثُ البئرُ بيتي
حيثُ المطرُ جمالٌ دونَما جدْوَى.


أستغفر الله العظيم
*
تستقل السيارة بجواره .. تجلس بالقٌرب منه
وهي.. تهّذب أنفاسها المُضطربة من أن تكشفها
تُرتب ما تنوي أن تقوله له .. لتنهي هذا الأمر بكرامة أكثر .. و فضيحة أقل ..
لن تطُلب منه ما هو صعب .. فقد ستقول كلمتان ..
ستُذل حينها نعَم .. لكّنها ستصفها بعناية كبيرة
وصلوا للمنزل .. فتح الباب بيدها السليمة
و هي تراقب حركاته السريعة .. حيث أغلق لاسيارة
وتوجهه لـناحيّة .. مدّ يده لتضَع يدها وهو يقول
..- شوي شّوي .. بعدها يدّك ضعيفة ..
يجاملها .. و ينافقك بشدّة .. يجرحها
هذا الاهتمام الكاذب و تلك النظرة المُشفقة
وصلت لـ حجرة وهي تكاد تلتقط أنفاسها
كان يمشي بُسرعة ولم يُراعي روحها المُرهقة
تركها هناك .. وهو يقّرب كُل شيء يخصّها لها
باهتمام كبير .. لدرجة أنها جلست كالتمثال
أمام كُل ما يفعَل ..
تود الصراخ .. تريد أن تطالبه بالتوقف عن ما يفعل
تريد أن يتركُها ويرحَل ..
قاطع خيالها صوته القريب منها
..- وش فيـــك ؟ .. موب معي أبد ..
عادت من كُل أفكارها المُبعثرة على ملامحه القريبة
ذات الأهتمام الكاذب يتراقص هناك ..
يستلّذ بألمها .. هيّ
أرخت عينيها عن ملامحه وهي تقول بكآبـة مُفرطَة
..- لاآ .. مافي شيء .. بس جيعانَـة
صوته أقترب أكثر من أذنها وهو يقول بنبرة مُحبّ
..- يخسسسسى الجوع .. اللحيـن أروح أجيب لك أحلىىىى عشااا .. عطيني 10 دقائق بس
إنتي تمددي ليـن أرجع
و قبلة طُبعت على حاجبها من ناحيته .. وبعدها
خرج
و عيناها مٌعلقّة بطيفه الراحل ..
وألم مُريـــع يُمّزق روحها ... يحيلها
فقط في تلك الـ "10 " دقائق لشخص
آخر .. شخص
يجب أن تكونه .. ومنذ زمــن


*
..- مهوب بكيفها كُل ذا المدة أمي تدافع عنها و في الأخير بارد ترجع له .. كأنه ما صار شيء ..
تحادث نفسها بغضَب .. و هي تقف في المطبخ
و هي تساعد في ترتيب اغراض أختها هُنا
و من ثم تركتها وصعدت تبحث عن والدتها ..
التي تركتها و الوجوم يعتلي ملامحها و لم
تسمع منها سوى
..- أكيد إنها شافت خيرة في الروحة .. المهم اللحيـن روحـــي ساعديها ف ترتيب أغراضها..
أغلقت باب حجرتها وتركتها تذهب تحمل ذنب سلبيتها المستمرة .. دون حتّى أن تودعها
و هي في داخلها غاضبة على " علي " وبروده المدقع
في مكان آخر .. داخل السيارة .. حيث جلست تحتضَن صغيرتها فوقها .. و في الخلف كان أصوات
معاذ و براءة ترتفع حيناً .. تهدأ حيناً اَخر
قلبها يخفق بقّوة .. خطوة جريئة جداً .. بدأتها
و التراجع محظور الآن .. يجب أن تمضَي قدماً
وأن تتغييّر قليلاً .. ستعود لكّنها ستكون
هي دُعاء ....... " دُعاء " التي لا تشبه الأولى مُطلقاً ..
أمّ هو فعظَم المٌفاجأة أربكه بدرجة كبيرة .. خطوة لم يتوقعها منها أبداً
و طول المسافة لم يتحدثا أبداً .. هو مشغول بالسبب
وهي مشغولـة بالإجابة عن ذلك السبب الذي ستختلقه من أجله
لكّنَها بدأت تُدرك أن حياتها معه على المَحك
بقدورها أن تتحمل الآلام لو كانت بمفردها
لكّنهم معها ولن تكون أنانيّـة .. من أجلهم فقط
وصلت للمنزل .. دخَلته باعتيادية عجيبـة
و كأنها لم تغادره لـ أيام كثيرة
و ضعت صغيرتها على الأريكَة .. تأكدت من وضعية نومها
ثم أنزلت حجابها وتركته بجوارها
و خرجت لتساعده في إحضار الحقائب هي وخادمتها
إلتفّ لها وهو يقول بجدّيـة
..- خلّيهم .. انا بنزلهم .. أنتو ادخلوا
حّركت رأسها بالنفي وهي تقول
..- لا معليــه بأخذ الشنطة ذي .. و قّرب الخضرا .. فيهم حاجات ضروريّـة
إرتفع حاجبيه بذهول وأستغراب .. قّوة عجيبة تنبثق من عمق كامن
في حدقتيها
أيـن .. " دعاء " .. " النعم " فقط
الموافقة و المنفذة لكُل طلباته
عبث بها طويلاً .. لكّنها كانت ذليلة .. فأمتهنها فقط
ليقّويها .. لكَن لعبته كانت أكبر منه .. بكثير
تجاوزت مبتغاه .. و وصلَت لموارد لم يُردها
أختار " أن " يتزوج بطفلَة .. لكّي يتركها بسهولة بعد ذلك ..
و بالفعَل .. " ها هي " سحر تطالبه بطلاق
خسر كُل ما أراد و فشَلت خطته فشلاً ذريعاً
ها هي تعود بقّوة لـ تصتغر جُزء عظيم من روحه
ليبدو أحمق .. ك مُراهق آراد أن يُحب .
أختفت عن ناظريـه .. هو تابع
انتهى من التنزيل و دخل وهو يجَر بعضها معه
بالصالة الداخليّة سمع صرختها
إقترب على عجَل و خطواته تلتهم المسافة إلتهماً
وصَل لها وهو ينظَر لحيث تشير و كُل ملامح الخوف والارتياع تستكين على ملامحها
حيث وقفت " براءة " لدى الباب يحمل بشكَل مُتدلّي
" جنى " التي بدت مُتألمة من تلك الوضعيّـة
الأول راقب ملامح والده بقلق وهو يقول بتهديد طفيف
عندما قالت والدته بصراخ .. وهي تقترب منه
..- حـــطــهااااااااااااا .. ولاآآآآآآ اجلللللس مكاااااانك ..
تراجع للوراء بقلق .. وهو يشد الصغيرة أكثر لـتبكي
..- لييييييييييييييش ... م م مااابااااا .. ابا ح حل وة
..- لاآآآآآآآآآآآآآ .. حطططططططهااا يا بسسسسسرعة
تراجع للوراء بخوف من ملامح والدته .. التي لم تدرك بأن دموعها سقطت .. و كأنها كان تنتظر لحظَة لتنفجر ..
تراجع وهو يصَعد بها لدرجات عدّة وهو يقول بخوف أكثر
..- بروووح أحطططططها ف الســريييير طيب ؟
بدأت تتحرك بسرعة نحوه .. فخطوة أخرى
منه .. قد تقع الصغيرة أرضاً
لكَن يده دخلّت أخيراً .. وهو يجذبها للخلف و يقول
..- وش فيـــك مو كذآ ؟؟؟؟
ثم إلتفت لبراءة وهو يقترب منه ببطء
و يقول بإبتسامة كبيرة
..- براءة حبيبي ..هات حنى عند ماما .. و انا بعطيك حلاوة ..
إرتبسم الفرح على تقاسيمه البريئة .. وهو يقول
..- والله ...
ثم التفت لوالدته وهو يقول بخوف هامس لوالده الذي اقترب منه كثيراً
..- بس ماما ما تضربني ...
إلتقط جنى من بين ذراعيه الصغيرة .. وهو يمسك بيده
...- لاآآآ ما تضربـــك .. بس ثاني مرة لا تشيل جنى .. عشان هيّ نونو و هبلة و مسكينة
...- هبلة و مسكينَـة ..
إبتسم له أكثر بسبب النقطَة التي أرتكز عليها
..- إيــوة
وصَل للأسفل و مّر من عند والدته وهو يهرول
نحو معاذ الجالس أمام شاشة التلفاز بصمت
..- بابا .. جيب ليييي حلاوتيـــن ليّا ولمعاذ طيب ؟
... - طيّب يا بابا
و قف أمامها وهو يمدّ .. جنى لها
و عيناه تتابع ملامحها التي تجمّدت فجأة و جفت على أثرها
دموعها سريعاً ..
..- دُعاء ...
ضغطت على عينيها بأناملها بإرهاق وهي تهمس
..- عارفة وش بتقول ... لا تنسى الحلاوة بس .. خذها من شنطتي و لا يشوفك براءة ..
و صعدت تتبعه عيناه .. هي المراءة التي آراد
تُولد أمام عينيه اليــوم ..
شعّور غريب .. يستّلذه
بات يُعلقّ بين جنبات قلبه
في الأعلى .. في غُرفتها الأثيرية
الغُرفة التي كانت حُلم المراهقَـة .. حيث خططت لحياتها فيها .. لأصغارها لزوجها لكُل شيء
وحيث هدمت كُل شيء
و الآن تشعر أن كُل ما حولها لا تعرف
و سأترك لـسوزان حقّ الوصَف
وجهٌ أنْكَرَتْهُ المرايا، العيونُ، البلادْ
أحدِّقُ في أمطارٍ تعرفُني
أكثر من دموعي
ينابيعُها البعيدة
لعلَّني في انهمارِها أُبْصِرُ حُبِّيَ القديم
وألتقطُهُ
بنظرةٍ على الأقلّ
قبلَ أن يرتطمَ بالأسفلتِ صرخةَ طائرٍ
أو يَعْلَقَ مثلَ قفلٍ صغيرٍ بغُصْنِ شجرةٍ مُغْلقةِ الأبواب.
ضحك لهم يوم آواجهم وانا خابر
اطيبهم اللي لوبكيفه (شرب دمي)
وأمشي وانا آرفع يديني للسماء صابر
(يالله لاتجعلهم آكبر همي و غمي)


اللذة الثالثة و الثلاثين

قد تختصَر سنين العذاب الطويلة .. بلمسَة
أو كلمة .. أو حتّى دمعة عابرة
و يالـاضُعف قلوب البشَر مُجرد إبتسامة كفيلة
بأن تزيح كٌل تلك المعاناة .. وتبدّل الحياة لـ ألوان مختلفَة مضيئة تلتقطها عيونهم
التي تشبّعت الظلام .. و الألم طويلاً وقفت عفاف وهي تمسح دموعها بينهنّ .. وتصرخ بمرح
مُفتعَل
...- خلاآآصً يا جماعة خلّصتوا لنا دموعنا .. وعيناها تستقر على المشّهد الحيّ أمامها
حيث تمسح أمّها بود وحب بالغين رأس نور المنكّس ..- الله يستر عليك .. ويحفظ من عيال الحرام.... بسّك بكى .. قطعتي قلوبنا
تطلبها بالاكتفاء وهي تبكي .. و ستحمل كُل ما هو قادم من الألم من أجلها
بادلتها ابتسامة صافيَة وهي تهمس لها هي فقط
..- يمّه إنتِ عارفة إنّي مظلومـ ـة بدخلتي للسـ
قاطعتها وهي تُربت على إحدى كفيهاوبالأخرى تمسح عينيها و من بين شهقاتها الموجوعة
..- أدري .. أدري ق قلـ ت لهم إن بـ نـتي ما تسوي يها ..
ضمّتها وهي تغرق رأسها في صدرها
و تقبّل يديها مُستنشَقة بجوع عبق كفيّها
أنستها أيام السجن و وحشَته رائحتها
..- الحمدلله ... على كُل حااااال .. الحمدلله
استلقت بينهّن و كُل واحدة منهن تأخذ ساعة من وقتها أو يزيد .. تحكي كُل ما جرى في غيابها .. وبأدق تفصيل
استمعت لهم بحب .. رغُم التعب المُفرط الذي يكتنف روحها و الخوف الكامن في قلبها فأبيها لم يصَل بعد
صوت " نورة " أنتشلها من غيبوبة أفكارها وهو يقول بود..- شايله هم شوفت أبوي لك ..؟
ابتسامة مُهملة علقتها على طرف شفتيها وهي تُعدّل من جلستها المُسترخيّة
لتنتبه للتو أن الغُرفة أصبحت فارغة من الجميع عداهما...- أبوي عارف إنّي هنا ..
شهقة قصيرة كتعبير عن الدهشَة انطلقت عُمق نورة التي همست بذات النبرة..- كيــــــــف ؟
زفرت الأخرى و هي تجيب ..- أتصلوا عليه .. هناك ...
نظرت لعينيها مُباشرة وهي تتابع ..- بس ... ما وافق يجي يأخذني ..
اتسعت عينا الأخرى بأسى .. وذهووول لتتابع الأخرى ببطء و شبه لا مُبالاة وهي أبعد ما تكون عن ذلك
..- أظّن .. قال لهم إنه مشغول أو شيء
أعتلى الوجوم ملامح الأخرى و بإرتباك قالت..- ب بـس .. ما توقعت ردة فعله بتـك...
قاطعتها وهي تلّوح أمامها بهدوء ..- ما علينا ما علينا .. أصلاً كنت متوقعة هالشيء لكَني خايفة اللحين من ردة فعله لا شافني هنا ..
همست لها ..- هم قالوا له إنهم بيجيبونك .. صح ؟
..- أظن ..
..- إحتمال كبير .. إنهم قالوا له .. بس خليها على ربنا لا تخافي حنّا معك كُلنا .. وأكيد ما بيسوي شيء يضّرك .. تراه أبوكِ
لمعت عيناها وهي تهمس ...- يارب .. يارب .. ما اباه يعصّب و يهوج .. موع شاني عشان قلبه هو ..


إبتسمت وهي تتأمل ملامحها .. أو الجُزء المعطى لها نور العين مختلفة جداً .. حساسة و ودودة
تغيّرت جذرياً حتى عينيها تحملان بريقاً خاصاً
لكّن يبدو أن الجميع أحبها هكذا .. أحبها أكثر ..- سوووووويت لك حاااجة بسيطة .. تعبيراً منّي على
قاطعتها الأخرى ...- شفففففف .. النصاااابــة .. أنا إلي مسويه الحلا
..- ما أنصب منّك إلا إختك .. أنا إلي مسويته تعبانة فيه .. و بعدين أكبر دليل على إنّي أنا إلي مس
قاطعتهم نورة ..- ببببببس حسبيّ الله على أباليسكُم .. ما صار حلا
غضبَ عقد حاجبيها بشَدة و ابتسامة علقت على شفاه " نور " .. .
.- و الله أشتقت لهبالكُم لتتحول إبتسامات حقيقية على وجوههم الممتنة بحق لكُل شيء
و اجتمعت رؤوسهم على صحن حلا صغير .. و مُبارك .. لـما في قلوبهم من حُبو ما تحمله أرواهم من رضى مّرت الساعة تجّر أختها حتى جاء طلال وهمس لهُن
..- أبـــوي جّاااااااااااااااااا نهضَن بسرعة و نورة تمسك بيد نور
وصَلن لحيث جلس تجاوره شروق .. بينما عيناه كانت مُعلقة بأداة حديدة صغيرة بين يديه
صوت " نور العين " المميز أنطلق يقول
..- الســــلآآآآآآآآآم عليـــكُم
لتتبعه أصواتهُن المختلفة
..- السلاآآم عليكم ورحمة الله
توقفت عن العبث بما في يديه .. عندما شعر بإقتراب
إحداهن منه .. و قبلة دافئة استراحت على رأسه
عيناه راقبت رأسها الذي أنتكَس أكثر ليصل ليده المعلقة في الهواء ..
وعندما أستقرت ملامحها كاملة أمام محيّاه ماعدا جبينها الذي غطّته خصلات " قذلتها " الطويلةلتتحول عيناه و تتأمل الفراغ
وهو يشعر بأخوتها يقومون بذات الفعل
و الجلوس إلى جواره .. في عُمق نفسه التي تحمل الأبوّة الرحيمة سعيدة بوجودها
أمامه يتمنَى أن يحتَضنها بقوة و لا يدع أحدهم يلمسَها من جديد
لكّن كُل تلك الأمنيات صغيرة جداً واهنة ضعيفَةأمام تلك القسوة التي تحجّرت حولها لتشّكلها هي كما تريد
و زعل عميق عميق عميق يحفر خطوطه بجلاء على ملامح وجهه التي تهجّمت لتلك الذكرى فوراً
صوتها القادم من حيث لا يرى ..- أبوي سامحني .. تكفـــي سامحني .. والله ما كان لي يد في إلي صااااار ... بنـــتِك مظلووووومة
هذا ما نال سمعه من حديث ظنّه طويلاً بما يكفي لإستمالة عواطِفَه .. يصَدقها و يكّذبها
لكَن للقانون إحترامه في ظنّه .. أنهى كُل ذلك بوقوفه .. ثم تحّركت خطواته
نحو الباب بسرعة لا حاجة إليها .. وهو يقول بأمر
..- نورة .. جيبي .. العشاااااا لحجرتي
أستغفر الله العظيم
*
مرت أيام وأيام وهي تقبع في ذات المكان
كُل ما حولها يتغير بإستمرار .. و تأخذ خلفيات جديدة
لحياتها الكئيبة الرتيبة
موجوعة حد إنسكاب الألم من بين حناياها بلا توقف
ندم لا مُبرر له ينهش فؤادها ..
وهو صوتها الواهن يُكرر
...- لو ما طحــــت .. لو ما طحت وقتها كان عرفت عنهم .. هم أحيا .. ولاآآآآ مـآتـ ـ ـ
و تشهق بالكلمة الأخيرة
.. باستمرار لا تملك القوة التي تكفي لجعلها تصرخ بكُل ما حولها
كذبة بسيطة لفقَتها ..
لتُسكت بها أبيها الصامت أصلاً رٌبما من أجل السؤال الذي علقَه في عينيه ..
سبحان الله العظيم وبحمده
*
إنتهت صلاة المغرب و خرج هو بقامته المديدة و ملابسه
المميزة بفخامتها من بين سكان هذه القرية الصغيرة
طفلان يعبثان بأكوام الرمل على زاوية المسجد و تناهى لمسامعه هذا الحوار
..- تعال بيتنا اليوم ..
..- لاآ مقدر ... أمي تقول صرت كبير عيب أدخل عندكم .. و أخواتك موجوديـن
..- طيب نلعب قرب المزارع و ننادي صلاح و فهيدان
نبرة مٌرتعبة ..- لاآآآ .. بيطلع لي الوحش
صوت الأخر كان أكثر هدوءاً وهو يقول ..- يا خواااااف .. ما فيه شيء .. الشرطة ذيك المرة يوم جت مسكوه و أخذوه
..- يعني ما عاد بوه وحش؟
إبتعد ولم يسمع الإجابـة .. و عقله يتذكر ما حدث للعصابةبينما
تتابعات خطواته صعوداً إلى الأعلى .. و حذائه
المصنوع من الجلّد البني و قد أحاطت مقدمته أكوام الأتربَة يدوس بقّوة على أجزاء الحجارة الجبليّة الصلبة
و عيناه لا تُفارق الكرتون الصغير الذي يحمله بين يديه
وصَل لأعلى الجبل حيث يقبع كهف متوسط العمق سقفه منخفضَ فلا يستطيع هو الوقف بإستقامة تامة داخله
بقايا رماد في منتصف المساحة خارجه و شيء ما أشبه بالفرو الصوفي مُلقى في الطرف البعيد
هبّ النسيم عليلاً في تلك البقعَة حيث غطا ظلام المغرب فأوقد النار .. و بقيّ صامتاً و غارقاً في فكره
سارحاً ف مستقبل مُكبّل بين أناملها تركها بالأسفل تقاسم الفرح سعادته
ف لقائها بأمها .. و تاركاً قلبه موجوع .. مُخطئ حتى النخاع
لكَن على الرغم من أنه عاشق حتى الإمتلاءفهذا لا يبرر ذلك أبداً
أنتبه من أفكاره على صرخات هاتفه ليجدها ندى
..- هلاآ .. صقر وينك إنت ..؟ أنا جيت عند باب المزرعة
عقد حاجبيه وهو يجيبها بحزم
..- وشو ..؟ لي شجيتي المزرعة
خفت صوتها وهي تهمس له
..- أبوي معي و متحلّف فيك .. و جيت هنا على أساس إنك داخل
زفر بشَدة و عقله يلتفت للمصيبة الأخرى المعلقة في رقبته
..- لاآ أنا برا .. عندي شغل مهم و جايكم للبيت بكرة
إرتفع صوتها وهي تقول بتمثيل
...- آهاااا .. طيب متى بتجينا للبيـــــت ؟ خلاآآآص ننتظرك لا تتأخر
أغلقت الخط .. ثم عادت بعدها بدقائق تتصل
وصله صوتها متلهف
..- صقر .. أنا قلت لأبوي وخلاص هو راجع البيت يحطه السواق ويرجع لي .. بشوف صبا شويّ ممكن ؟
لفظة كلمتها الأخيرة برجاء هزّ شيء ما داخل روحه ليقول بنبرة هادئة
..- صبا مهيب داخل .. أدخلي للفيلا في خالتي و بنتها أجلسي معاهم ولا تتأخرين برجعتك للبيـت
نبرة مُتسائلة
..- لييييييش وينهااااااا ؟
..- بعدين أفهّمك ...
..- صقر بليـ
..- قلت لك بعديـن .. و لا أقولك لا ترجعين مع السواق ..
أخلص أنا و أرجعك
بيأس قالت
..- طيّب ..
ابتسامة حزينة نالت من ركُن شفتيه وهو يقول
..- قلت لك بفهّمك .. و بدق لك من رقم ثاني .. مع السلامة
أغلق الخط .. وأنزلت هي الهاتف لتضَعه أمام عينيها المذهولتين .. صوتها خرج هامساً
..- صقر .. متغير .. حتّى ما صك بوجهي الخط .. و بعد
قال مع السلامة
لم يطُل ذهولها إذ قطعه عليا دخول أحد عُمال المزرعة .. لتنتطلق
بخطوات سريعة نحو الفيلاً .. حيث أمرها أمّا هو .. فقد ترك الهاتف بجواره وعيناه تجول
في المنظر من الأسفل من هنا يستطيع أن يرى
القرية بكاملها .. الجُزء المقسم إلى أراضي متعددة و نخيل شامخة ..
و الجزء الأخر حيث تناثرت بانتظام بيوت شعبيّة بسيطة .. و على بعد أمتار مجمع مدارس صغير
في الناحيّة الأخرى منزل أخذ زاوية إستراتجيّة تناسب أصحاب الأعمال المحرمة
و اللصوصيّة .. و قد اتخذوا من هذه القرية أرضاً خصبة لدفن جرائمهم .. و نهب خيراتها من أجل مصالحِهم
و يعللون ذلك بالجِن و ما شاءوا من تسميات
فقط لأخافتهم وإبعادهم .. عن المكان
إبّان عملهم
يتذكَر بصورة متسلسلة رتيبة ذكرى حديثه مع خالد
و مدح الأخير له لمعرفته الجيدة بتفاصيل المكان
و لخطَته المحكُمة
جلس وهو يهمس بصوت لا يسمعه سواه
...- أكيد .. مو كُنت منهم بيوم
إنطلق رنين الهاتف من جديد .. فأجزْم أنها ندى
لكَن إنعقاد حاجبيه وهو يلمح الإسم
الذي يومض على الشاشة بإصرار و تعنّت
و ذل كصاحبته
" سارة " ..
ترك الهاتف و علّق عينيه في ذرات الهواء
أو بالأصح في بقايا زفرته الحارقَـة
رجَل شرقي أحمق يبحث عن الحب كتسلية
حتى لو كان ما يفعله خطأً فادحاً
لأن من يحبها بحق لا تنظر له
و مع ذلك .. لن يتراجع عن هذه وتلك
هو الآن يفعَل العكَس تماماً
رفع الهاتف أغلقه .. وأزال الشريحة
كسرها لـ نصفيـن و ألقى بها بعيداً
في جوف الكهف وهو يهمس لذاته مجدداً
..- و ذي بعد .. ما عْدت أحتاجها
سبحان الله العظيم و بحمده
*
في مكان آخر .. مفعم برائحة الحنين
يتغّنى بالبكاء كطفل يهدهده الأمل
تغفو على عتبت المكان رائحة الماضي الأسود
حيث جلست بالقُرب منها وهي تحتضَن كفيّها
وتتأمل ملامحها بنهم لن تكفي أي منهما
من الأخرى .. وساعات حوارهم تمتد طويلاً
صلين المغرب جماعة بعدها أستمرت أحاديثهم
و وصلوا لوقت العشاء و مّرت عليه ساعة
حين وصَل لحديث لهذه النقطَة
..- بس يمّه أمهم ماتت من زمان .. و خالتهم إلي هي جدتي
.. ربتهم هو ندى .. وقايمة فيهم
عقد الأخرى حاجبيها وهو يتقول بإستغراب

يتبع ,,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -