أقسام الوصول السريع ( مربع البحث )

بداية

رواية وش رجعك -24

رواية وش رجعك - غرام

رواية وش رجعك -24

[ أحمـد ]
خرجت من الحمام .. وأنا أنشف رأسي بالمنشفة .. ناديت عادل أخبره بأنني انتهيت .. لكنه لم يجب .. قصدت غرفته .. لم يكن الباب المغلق .. فرأيته جالسا على سريره يقرأ ورقة بيده .. بصوت هادئ حزين :
بسم الله مقلب القلوب ..
السلام عليك يا من أخلصت له فشك في اخلاصي .. ويا من عشقته لحـد تجاهل أخطائه .. وغفران زلاته .. ففتش عن زلة يحاسبني عليها .. ويلقي بأوزار أوهامه واهتزاز ثقته .. وقلة اخلاصه .. على كتف طفلة تائهة في مدن حبه ..
" عــادل " لن أقول المزيد .. ولن أملأ السطور أكثر .. أكتفي بقول بأنك من بدأت هذه المأساة .. وأنت من ينهينها .. أنا ما زلت على العهـد .. لكن ما يخصك الموجود بقلبي .. اهتز التوازن فيه .. فلم يعد كما كان .. بات يستصعب الوثوق بك .. ويخشى وضع كفه بكفك ثانية ..
نحن راحلون .. مغادرون إلى منزل عمي أبا جميل .. وتأكد أنني لم أشي بك بعد لأهلي .. ربما يكون هذا خطأ آخر ارتكبه .. وسأنال جزاءه منك قريبا .. ربما سأندم .. ولكن ليس بقدر الندم الذي أشعر به الآن .. بعد أن سلمت لك زمام نفسي .. وربطت قدري بك .. فبات مجهول المصيـر ..
لي رجـاء .. إن كنت تشعر بالذنب كما تقول .. وتود بنيل رضاي .. وترغب بأن أسامحك .. وأتناسى ما جنيته بحقي .. فابتعــد .. ولا تحاول اللحاق بي .. ومطاردتي ..
فعلني إن لم أراك .. يعود الشوق القديم .. ويتجدد الحب الذي سفكت دمه .. فبت بنظري قاتلا .. فترقب .. فالطريق طويل .. لموعـــد المحاكمة ..
" رنــــا .. تلميذتك التي علمتها فن الأحـزان .. "
انسحبت بهدوء .. ربما لا يحق لي سماع ما يقرأه .. لكن حالته تلك .. أجبرتني لأن أسترق السمع .. فتحت خزانة الملابس .. وسليت نفسي بحزمها في حقيبة السفر .. رغم أنني أفرغتها ليلة الأمس .. لا أستطيع البقاء هنا .. مللت من دور العاشق المنهك قواه من الفراق .. ولم يعد قلبي يحمل ذرة أمل في الوصـال .. لم يعد لي شيء هنـا .. فـ الأنسى .. فعلاما يبدو .. أنهـا ليست قدري .. فليسعدهــــا الله .. ويعينيني على سنين أخرى .. بانتظار قافلة النسيــــان ..
==
وحــل الليل .. وفي منزل فطوم تحديدا .. كانت هناك مفاجئة بانتظار بيان .. الجميع متواجدون .. أي أفراد العائلة .. باستثناء ضيـاء .. وكانت هناك حفلة لتوديع بيان .. أعدها فطوم ويعقوب .. كانت الأجواء صاخبة .. الضوضاء منتشرة في كل مكان .. بعضهم ينظرون إليها بحزن فغدا في هذا الوقت لن تكون بينهم .. والبعض الآخر .. يتهامسون بسخرية .. ويقولون بأنها لا تستطيع تحمل مشقة الدراسة ..
أما هي .. بقدر سعادتها بالمفاجئة .. تحمل بقلبها خوفا من الغد وما سينتظرها .. ووجعـا .. لفراق كل هؤلاء .. وتحديدا .. والدتها .. التي تحاول التظاهر بالرضى ورسم الابتسامة ..
ومن بين هؤلاء .. كانت دعاء جالسة وهي ترسم ابتسامة على فمها .. فصفاء ورنا لم تحضران .. وتشعر بأن وجودها " خطأ " بين هذه العائلة ..
كانوا ينظرون إليها باستغراب .. وهي تكتفي بالابتسام .. وتناقص أعداد الناس .. بعد أن هموا بالمغادرة .. وبقيت هي والبعض .. تنتظر اتصال أحمد ..
وما إن رفعت هاتفها لتتصل له .. حتى رأت بيان قادمة نحوها : دعوووي .. محمود ينتظرج بالسيارة بوصلج بيتكم ..
قالت لها باستغراب : وأحمد ؟ وينه ؟
تبسمت : يقول محمود .. أحمد بس سلم ومشى .. واتصل فيه قبل شوي وقاله يوصلج .. لأنه بالمستشفى .. اتصلو له يروح ضروري ..
عبست بضيق : ما يحتاج .. بتصل في عادل ..
قاطعتها : انزين ليش تتصلين ومحمود بوديج ؟ تخلينه يجي مشوار على الفاضي ؟ يالله بلا دلاعة قومي ..
رمقتها : ما اني قايمة .. استحي من اخوج شوي أني ..
ضحكت بيان : اوه .. من متى ؟
لتقول : اففف .. قلت لج ما بروح مع أخوج قولي له مشكور ..
وضغطت على زر الاتصال لعادل .. فسحبت بيان الهاتف ..
قالت دعاء : بيااانو يالكريييهة .. بلا سخافة ..
غمزت لها : انتي شفيييج .. ( سمعت صوت عادل فتبسمت ) سلام عليكم ..
وصلها صوته الهادئ : وعليكم السلام .. دعاء ؟ من متى تسلمين تحية الاسلام ؟
ضحكت : أنا مو دعاء .. أنا بيان ..
سكت قليلا ثم قال : اخت محمود ؟
تبسمت : ايي .. صديقة رنا ..
سكت ثانية وبعد سكوته قال : هلا .. آمري ؟
فقالت : يمكن ما يحق لي أقولك الي بقوله .. بس لأن رنا واجد قريبة مني .. ولها معزة بقلبي مثل اختي .. وانت كونك خطيبها .. فافترض انك خطيب اختي .. ( ضحكت ) سوري ما اعرف اقول مقدمات .. بس ..
ضحك بخفة : شنو ؟
تبسمت : ما عليك منها اذا قالت لك طلقها .. رنا تحبك .. وشي طبيعي بعد الي صار تطلب الطلاق .. كل الي تبيه سوه .. وخف عليها شوي .. تراها تحتاج وقت تنسى ..
تبسم : وهذا الي بسويه ..
فأكملت : تحمل بها .. ولا تأذيها .. تراها ما تتحمل شي أكثر .. كفاية الي صار من بداية علاقتكم للحين .. خلها بعيونك .. اوعدني إلي بينكم بيتصلح .. وبترجع علاقتكم أحسن من قبل .. أبي أسافر .. وأنا مرتاحة إن اختي بخير .. وما احاتيها ..
قال بصدق : أوعدج .. انتي لا تخافين عليها .. لأني لا يمكن أفرط فيها .. تأكدي .. إن اذا رجعت لي .. راح أكون مثل ما تبي .. خلها تعطيني فرصة .. وبعوضها عن كل الأيام الي راحت ..

[ دعـــاء ]
متى ستعرف كم أهواك يا رجلا
أبيع من أجله الدنيـــا وما فيها
يا من تحديت في حبي له مدنـا
بحالهــا وسأمضي في تحديهـا
لو تطلب البحر في عينيك أسكبه
أو تطلب الشمس في كفيك أرميها
أغلقت باب السيارة بعد أن جلست بالمقعد الخلفي بجانب زهور الصغيرة وأنا أهمس : السلام عليكم ..
أدار وجهه للخلف وهو يبتسم : وعليكم السلام .. شخبارج ؟
تبسمت : تمام ..
التفت للأمام .. وحرك السيارة نحو منزلنا .. وأنا اتجهت انظاري لزهور التي لم تكف عن الحديث معه .. كان يمازحها .. يسألها ما تطلب أن يأتي به لها من الأردن .. كانا يضحكان .. وأنا أنظر إليه تارة وتارة أخرى لها .. أود أن يكلمني .. أن يبادلني أطراف الحديث .. أن يسألني عن دراستي .. عن أي شيء يخصني .. ما يهمني أن يعيرني اهتمامه ..
تنهدت بضيق .. وأنا ألتفت إلى النافذة .. أتأمل الطريق .. بقي الكثير من الأميال لأن نصل إلى البيت .. وأنا أشعر بالضجر .. فتجاهله إياي .. يحرقني من الداخل .. ويشعل حرائق بقلبي .. ترفض بأن تنطفئ ..
لما أشعر بهذا الشعور نحوه هو فقط ؟ لما أريده هو رغم أنني على يقين بأن لا يود بقرب واحدة مثلي .. لما أحاول التقرب منه وهو لا يتوانى على أن يخطو مزيدا من الخطوات في شوارع البعد عني ؟!
تجمع الدمع بعيناي .. أرغب بأن أفصح له عما بقلبي .. لكنني متأكدة من أنه سيصدني .. فلأتشبث بالأمل .. وأحاول عدم النظر إليه .. كي لا تخونني قدرتي على الكتمان .. وأجهر بأحاسيسي اتجاهه ..
كنت هادئة .. وكل شيء فيّ ساكن .. عدى دمعي الذي بدأ بالهطول .. مسحته بظاهر يدي .. والتهمت الطريق بنظراتي وأنا أزفر بضيق .. رأيته يلتفت لي .. يبدو أنه انتبه أخيرا أنني أبكي .. أرجوك يا هذا استمر في تجاهلك .. ولا تسألني شيئا .. فقد ظهر على نبرته الخوف وهو يقول : تصيحين دعاء ؟ صاير شي ؟
لم أجبه .. أساسا ماذا أقول له ؟ ابتلعت غصتي وواصلت النظر للطريق .. لحين أن توقفت السيارة بجانب الاشارة الحمراء .. ليدور برأسه للخلف .. ويسألن مجددا : دعاء شفيج ؟ يألمج شي ؟
قلت له بهدوء : ماله داعي تعب نفسك وتسأل ..
رمقني باستغراب : أتعب روحي ؟
==
[ محمود ]
لما أسألها إن كانت هي لا تود أن تجيب ؟! لما شعرت بالضيق بمجرد أن رأيت دمعها ؟ أدرت وجهي عنها وواصلت طريقي .. لكن حينما سمعت صوت شهقاتها .. ثار وجعي .. أدرت وجهي ثانية وقلت بغضب : للمرة الأخيرة أسلج شفيج ؟ شنو هو لعب جهال ؟ تكلمي .. أحد ضايقج في بيت خالتي ؟
لتصرخ بوجهي وهي تمسح دمعها : يعني هذا الي قاهرك ؟ خايف أحد من هلك ضايقني ؟ ليش يعني ؟ أهمك ؟
قلت لها وأنا أوقف السيارة بجانب الطريق : اكيد .. مو انتي اخت أحمد ؟ ما ابيج تطلعين من عندنا وخاطرج مكسور ..
لتقول : وخاطري مكسور .. شنو بتسوي مثلا ؟
قلت لها بهدوء : شنو صار ؟ من الي ضايقج ؟ تكلمي ..
مسحت دمعها وقالت بنفس الهدوء : اخاف اتكلم .. واطيح من عيونك ..
لم أفهم ما تعنيه : لا تخافين من شي .. كوني واثقة مثل ما أحمد يخاف عليج ويضايقه يشوفج جذي .. أنا بعد نفس الشي ..
لتقول : وليش ؟
سكت قليلا .. ثم قلت : لأنا اخوان .. وكل أخ ما يقدر يشوف اخته تصيح وما يعرف ليش ؟
لتثور : تبي تعرف ليش اصيح ؟ تبي تعرف ليش أنا مضايقة ؟ تبي تعرف ليش خاطري مكسور ؟ كل الي فيني سببه انت ..
قلت لها بصدمة : أنا ؟ ليش شنو سويت ؟
زاد بكاءها : ليش تسوي نفسك ما تفهم ؟ ليش تتجاهلني ؟ ليش تجرحني بكلامك ؟ انت تدري اني ما اعتبرك اخوي ولا يمكن بعد .. تدري ليش ؟
مضت في نوبة بكاء حادة .. وأنا حواسي كلها تحت تأثير المخدر .. ما تقول هذه ؟ ما تعني بكلامها ؟
همست لها بهدوء : مسحي دموعج .. هدي ..
قاطتني وهي ما تزال تبكي : حرام عليك محمود .. ارحمني شوي .. أنا تعبت .. من متى وأنا أكتم ؟ من متى وأنا اتمسك بأمل انك بتحس على دمك وبتحس فيني .. أنا ادري اني ما اعني لك .. أدري اني مو مثل ما تتمنى .. بس أنا مالي ذنب .. ما لي ذنب اني حبيتك ..
اصرخوا عليها بكفى .. لا أحتمل سماع المزيد .. ماذا تضنني ؟ بليد ؟ لا أشعر ؟ ماذا تتوقع مني أن أفعل ؟ أطرق باب قصرها ؟ وأطلب من والدها يدها كي يرميني إلى خلف الشمس ؟ أم أعيش معها بحكاية حب عقيمة ؟ مصيرها محتوم وهو الفــراق : دعاء فكري بعقلج .. الشخص اذا خلى قلبه وهواه يسيره ما بيصحى إلا وهو بالهاوية .. دعاء أنا وانتي مثل شمس وقمر .. مستحيل نتجتمع .. أنا ما اقدر أخطو أي خطوة .. لأن أعرف إني بعدها بندم ..
وهي تمسح دمعها : تندم ؟ أنا الي أعرفه اذا الواحد يبي شي .. يترك أشياء .. ولو كنت تحبني .. بجزء من حبي لك .. كان تقدر تضحي علشان أكون لك .. ما يهمك أبوي ..
قاطعتها : أضحي بشنو ؟ دعاء افهميني .. شلون ما يهمني أبوج ؟ أبوج بس لأني صديق أحمد مو خالني بحالي .. تبيني أروح له برجولي ؟ قولي لي .. وقتها من لأمي وأخواني ؟ أنا نادر نفسي لهم .. فلا تتوقعين مني شي ..
قالت بهدوء : أفهم من كلامك انك تبيني بس ما تبي تتورط مع أبوي ؟ محمود جاوبني .. انت تحبني ولا لا ؟
أدرت وجهي للأمام .. أتسألني إن كنت أحبها أم لا ؟ مهلا .. لم أسأل نفسي هذا السؤال قبلا .. أأحبها أنا ؟ أما أمر به يسمى حبا ؟ أم أنها تعجبني وكفى .. وإن كنت أحبها .. ماذا سأجني إن أعترفت لنفسي ولها ؟ غير العذاب لكلينا .. فقلت بعد تردد كبير : قلت لج .. أنا أعيش حياتي علشان أخدم أمي وأخواني .. وحتى لو كان راح يكون انسان جديد أعيش علشانه .. بتكون زوجتي .. وبعد سنين طبعا .. وما أضنها تكون انتي .. تدرين ليش ؟
لم تجبني .. ولم أتجرأ أن ألقي عليها نظرة .. كي لا أتراجع .. لا بد لي من حسم الأمر .. لا بد لي أن أضع لمشاعري هذه حدا .. إلى أين سأصل بها ؟ أإلى الجحيم : لأني قبل ما أبيها حبيبة .. أبيها تكون أم لولادي .. وما أضن انج .. تقدرين تتحملين مسؤلية تربية .. وانتي ..
قاطعتني بصوت هادئ .. خال من الحياة : مو متربية ..
هزتني كلمتها .. لا أرضى أن تقول هكذا .. لكنني مجبر .. على أن ألبس قناع القسوة : ماله داعي هـ المسطلح .. بس أضنج .. تعرفين .. إن الانسانة الي بتقتحم حياتي أبيها تكون لي بروحي .. ما يشاركني فيها أحد .. محد غيري طالعها ..
لا أعلم كيف رصصت الكلمات ببعضها .. أود الإفصاح .. أود الاعتراف .. لكنني لا أستطيع .. توقعت أنها ستبكي .. واستعديت لسماع صوت انتحابها .. حركت السيارة .. ولم أسمع إلا صوتا هادئا فيه قوة غريبة : معاك حق .. أنا غلطانة بأني فتحت معاك هـ الموضوع .. أنا كنت واثقة من أن ردك راح يكون أقسى من جذي .. قلت بقول رقاصة .. ومن هـ القبيل .. بس طلعت شهم صراحة .. بارع باختيار مفرداتك .. وأنا .. للمرة ثانية أعترف لك بأني غلطانة .. لأن كل كلامك صحيح .. ولا شلون أنزل نفسي لمستواك ؟ وتراك غلطان بس بشي واحد .. احنا مو شمس وقمر .. احنا سما وأرض .. لا يمكن تركب لي .. وتوصل لوين ساكنة .. ومستحيل أفكر .. اني أنزل لك ..
لم أرد عليها .. لأننا وصلنا إلى منزلهم .. ليس ضعفا مني .. ليس لأنني لا أمتلك ردا .. وإنما لأن لساني انعقد .. فمنذ متى .. كان الذي يعشق يتفنن بجرح حبيبه ؟ هذا نحن .. أنا وهي .. فلكل عاشق .. طريقته الخاصة بتعبير عن مشاعره ..
ولكنها لم تكتفي بهذا القدر .. فبعد أن أغلقت باب السيارة .. طرقت على النافذة وما إن فتحتها حتى همست : أوعدك إذا تفنشت من شغلك بعد .. وما لقيت لك شغل .. تجي عندي .. وأشغلك سواقي الخاص .. تصدق .. الشغلة لايقة عليك ..
دخلت المنزل وهي تضحك .. أو قل تمثل الضحك .. وأنا أخذت أتأمل بظلالها الراحل .. وبداخلي غصة .. ورغبة تخنقني بالبكاء .. سامحكِ الله .. قبل قليل أحييتي قلبي .. وبعد حين .. أمتيه ..
[شكراً ، فلقد أهديتني جرحـاً ما زلت أبحث عن علاجه !!]
==
[ أميرة ]
كنت في الصالة العلوية .. أقرأ مجلة سيدتي .. حينما أأتت دعاء متوجهة لغرفتها ووجها تتضح عليه آثار الدموع .. ناديتها : دعاء .. شفيج ؟
التفت لي وهي تبتسم : مضايقة شوي .. تعرفين بيان باجر بتسافر .. وما بتجي إلا بعيد الأضحى ..
تبسمت : ما عليه .. في اختراع اسمه تلفون .. ( قلت بفرح ) المهم ما قلت لج ؟
جلست جانبي : شنو ؟
اتسعت ابتسامتي : اتصلو لي قبلوني بشركة اتصالات .. وبداوم يوم الأحد ..
تبسمت بسعادة : صج ؟ أحسن لج من قعدة البيت المملة ..
قلت لها وأنا أهز رأسي مؤيدة : اييي .. دعوي بكره بنروح أشتري لي ثياب اوكي ؟
ضحكت : اوكييي .. بس شنو بتشتغلين ؟
قلت لها : سكرتيرة ..
بعد عشر دقائق استئذنت وذهبت لغرفتها .. ونهضت أنا نحو غرفتي .. بانتـــظار الأحــد المقبل .. الذي لم يتبقى على أن يأتي إلا يوم واحد ..
[ بيان ]
وحـــــل الصبـــــاح .. الصبـــاح الذي شهدت طلوعـه عيني الأم وابنتها .. وكلاهما .. يعتصر فؤادهما خوفا .. وهمـا من البــعد ..
فتحت باب غرفتها .. مشت بخطوات هادئة نحو المطبخ .. قررت اعداد الفطور اليوم بدلا من والدتها .. وبينما هي تعد الشاي .. دخلت الأم المطبخ .. وعلى فمها ابتسامة حزينة .. أخذت تتأمل بابنتها بضيق كبير .. وما إن رأتها ابنتها .. حتى هرولت ناحيتها .. ضمتها .. وجلستا تعدان الفطور .. والأم مستمرة بتقديم نصائحها التي لم تكف عن قولها منذ أن تحدد موعــد السفر ..
دخل محمود المطبخ .. ولم تنتبها له .. فهما منشغلتين بالحديث .. صرخ بصوت مرتفع : صبـاح الخير ..
التفتا إليه مذعورتين .. وهزأته أمه : بسم الله الرحمن الرحيم .. محمود ! شهـ الحركات ؟
ضحك بخفة : شفيج يا أم محمود انزهقتي ؟ حبيت أسوي شوية أكشن من الصبح ..
ضحك الجميع .. وأتى علي وهو يتثائب : ماما جوعان .. أمس ما عرفت أنام من الجوع ..
لتقول الوالدة : الفطور جاهز .. غسل وجهك وتعال تفطر ..
فقال محمود : أمداك جعت ؟ أمس محد خلص العشا غيره .. يبلع من عرض .. الي يشوفه يقول مجوع .. من مئة سنة مو ماكل ..
قهقه ضاحكا : حدك سخيف .. وما تضحك .. تبيني أصير مثلك ؟ عظم على جلد ؟ أنا يا حبيبي مستقبلي مشرق .. بصير ملاكم .. ولازم أنمي عظلاتي ..
ضحك محمود وبيان بسخرية وقالت الأم : شنو ملاكم ؟ أنا ما عندي عيال ملاكمين .. تبي تصير من هذلين إلي ما عندهم دين ولا مذهب ؟ بس بيعطونك ضربة بتموت ..
ضحك الجميع .. واستمر علي في نقاش عقيم .. محاولا اقناع أمه برغبته .. لكنه يأس أخيرا بأنها لن ترضى .. ومضى الوقت سريعا .. أذن مؤذن يعلن حلول وقت صلاة الضهر .. وتوجه النــاس إلى مناجاة بارئهم .. وبعد انتهاء الصلاة .. لملمت بيان آخر حاجياتها .. قرآن أزرق صغير .. بعض الصور .. وسادة صغيرة .. دميتها التي أهداها إياها والدها .. أقفلت الحقيبة مرة أخرى .. جددت وضوئها .. بدلت ملابسها .. ألقت نظرة أخيرة على حقيبة اليد .. لم تنسى شيئا .. ارتدت شالها وعبائتها .. تأملت جدران غرفتها الصفراء .. حاجياتها .. تأملت كمبيوترها الذي استبدلته الآن بكمبيوتر محمول .. ودعت كل هذا على أمل اللقاء .. أغلقت الغرفة بعد أن جرت حقيبتي السفر .. ونادت محمود : محموود .. كاني طلعت أغراضي .. ثقيلة الشنطات ..
أتى علي وهو يسخر : ثقال ؟ في هـ الوقت تعرفون قيمة صاحب العظلات .. بعدي .. خليني أشوف شغلي ..
رمقته بسخرية : عدال .. أخاف عظلاتك تخاف وتشرد ..
ضحك سخرية : ما برد عليج .. تردين ليش ؟ لأنج غايرة ..
قطعت حديثه : من ويش يحضي ؟ هذا وانت عظامة بدون لحم جذي .. ما يندرى أرد أشوفك بالون ولا للحين جذي ..
طنشها ومشى يجر الحقائب .. وما إن وصلت الصالة .. حتى رأت خالتها أم فطوم .. وفطوم .. تبسمت بسعادة .. وخرج الجميع .. قاصدين المطـــار ..
/
وفي المطار .. كانت في أحضان والدتها .. والدمع متجمع بعينيها .. تنظر نحو أحبتها ..
أمها .. خالتها .. فطوم .. علاوي .. عماد .. يعقوب .. زهور ومروة ..
سلمت على الجميع .. وكانت تقبل أختيها : تحملو بالماما .. لا تعاندوها .. لأني اذا اتصلت وقالت لي انكم عاندتوها .. ما بجيب لكم هدايا ..
قالت مروة : متى بتجين ؟ بتروحين واجد عن البيت ؟
تبسمت : امممم مو واجد .. غمضي وفتحي عيونج .. وبتشوفيني عندكم بالبيت ..
أغمضت عينيها وفتحتهما مرة أخرى : كاني فتحت .. وينج اللحين ؟
ضحكت بخفة : مو اللحين .. اذا رديتو البيت ..
ابتعدت عن أختيها .. وضمت كفي توأم روحها فطوم : تحملي بأمي .. كل تعالي البيت .. لا يخلى البيت منا ثنتينا ..
تبسمت بوجع : لا توصيين .. انتي تحملي بروحج .. بيون اذا خفتين بس ذكري الله .. تذكرى ان الله وياج .. ( تلألأت الدموع بعينيها ) بيون ما ادري شلون بعيش بدونج ..
ضمتها إليها : ولا اني .. يالله يعقوب بياخذ مكاني .. صح ولا لا ؟
ضحكت بخجل : مكانج محفوظ بالقلب .. راجعي عدل .. ولا تستهترين بالدراسة ..
تبسمت : ان شاء الله جدتي .. ايي صح .. على طاري جدتي .. كل ما تشوفينها بوسي راسها عني ..
تبسمت : اوكيي .. وانتي سلمي على صفوي .. وقولي لها اذا ما تحملت فيج يا ويلها مني ..
ضحكت : افا عليج .. يوصل ..
قال لها محمود : يالله بيون .. تأخرنا ..
ألقت نظرة علي الجميع .. شعرت بأن هناك من لم يأتي لويدعها .. بحثت عنه بعينيها .. فلم تره .. أدارت وجهها لفطوم كي تسألها عنه .. لكنها لم تستطع لأن فطوم كانت تبكي .. لوحت بيدها .. حركت قدميها ماشية خلف محمود .. أدارت وجهها للخلف .. وما إن رأت دموع أمها .. حتى هرولت إلى أحضانها .. بكت .. وعادت الأم تكرار نصائحها .. وبصعوبة .. حررت الأم ابنتها .. وجعلتها تسير خلف محمود الواقف بالنتظارها ..
مشت وهي تمسح دمعها .. أتموا الاجراءات .. وجلست بانتظار سماع اسم رحلتهم .. لكنها بدلا من أن تسمع اسم الرحلة .. سمعت أحدا ما ينادي باسمها ..
أدارت وجهها .. رأته واقف بين كثير من الناس .. ينظر نحوها .. وابتسامة عالقة على فمه .. اللتفت لمحمود .. فرأته منشغلا بالحديث مع أحمد .. مهلا .. ماذا يفعل أحمد هنا ؟
لم تشغل نفسها بالتفكير لسبب وجوده .. ونهضت متجهة لذالك الذي تعنى للقدوم .. وقفت أمامه وقالت معاتبة : كان لا جيت .. وربي حطيب بخاطري عليك ..
تبسم متألما : كنت ما بجي .. لأني ما أعرف أودع ناس غاليين علي .. بس جييت علشان أعطيج شي ..
تبسمت بوجع : يعني ضميرك ما يأنبك أسافر وما تسلم علي ؟
قال لها : بلا .. يمكن لهسبب جييت .. ( اقترب منها خطوتين .. ومد ذراعه بمسبحة ) تفضلي ..
تناولت المسبحة وهي تقلبها بيدها : مشكور .. تراها أحلى هدية ..
تبسم : انتبهي لنفسج .. ولا تنسين ذكر الله .. حطي بالج على دراستج .. لا تشغلين بالج بأشياء ثانية .. الجو هناك برد شوي .. دفي نفسج .. ما ابي أسمع انج مريضة ..
تبسمت : ما اوصيك على امي .. دام محمود مو في البيت بات عندها .. لا تقصر عليها بشي ..
هز رأسه : أمج هي أمي .. ويالله روحي .. محمود ينادييج .. الطائرة بتطير عنكم ..
رفعت كفها ملوحة : مع السلامة ..
تبسم : بأمان الله وحفظه ..
\
[ عمار ]
رآها تسير .. وتختفي من بين النـــاس .. وقف يستـرجع كل ذكرياته معها .. لحين أن شعر بكف وضعت على كتفه .. التفت فإذا به شرطي الأمن الذي استغفله ودخل إلى هنا .. عاد أدراجه .. وهو يشعر بكثير من الضيــق .. عـــاد .. وهو يدعــو لهـــا بكـــل الخيــر ..
==
[ جاسم ]
في مثل هذا الوقت .. خرج صاحبنا من السجن .. رفع كفه يغطي بها عينيه من ضوء الشمس .. التفت يمينا ويسارا .. ألم يأتي أحد لاستقباله ؟ فكرا قليلا .. من ذا الذي سيأتي ؟
تبسم بألم .. ومشى ببطئ .. وصل الشارع العـام .. أوقف سيارة أجرة .. توقفت عند منزل عمه .. ترجل من السيارة .. تشابك مع حارسي البوابة .. لحين أن تمكن من الدخول .. مشى متثاقلا .. دخل داخل المنزل .. أخذ يناديها .. كرر اسمها مرارا .. ولم يجبه إلا صدى صوته .. وبعد دقائق .. أتت احدى الخادمات .. وقالت له بلهجتها المكسرة .. أن منتهى غادرت .. وأمه وعمه واخوته خارجين في نزهــة ..
خرج من المنزل .. جلس بجانب بركة السباحة .. خلع حذائه .. ومد رجليه في الماء .. منتهى غادرت .. إلى أين ؟ أيعقل أنها تزوجت أحمد .. وارتاحت من عذاب هذا البيت ..
تبسمت على هذه الفكرة .. الحمد لله .. صحيح أن الله لم يكتب رنا من نصيبي .. لكنه عوضني بفرحتي بأختي ..
تذكرت أن الشرطي عند خروجي أعطاني هاتفي .. أخرجته بسرعة من جيب بنطالي .. وبحثت في قائمة الأسماء .. اسمها .. ضغطت زر الاتصال لكنه وصلني : لا يمكن الاتصـال حاليا بالرقم الذي طلبته ..
تأففت بضجر .. واتصلت بعادل .. الذي رد من بداية الرنين : جميل ؟ طلعوك من السجن ..
تبسمت على نبرته الوالهة : اي .. قبل شوي ..
فقال : شخبارك ؟ بخير ؟ عذبوك ؟ في وينك اللحين ؟
قلت له وأنا أخفي ضحكتي : في بيت عمي .. كنت جاي آخذ منتهى .. بس تقول الخدامة طلعت .. بس ما ادري وين ؟ وعمي ومرته طالعين الله لا يردهم ..
فقال لي موبخا : مرته هي أمك .. مهما سوت تظل أمك فلا تتكلم عنها جذي ..
قلت بغضب : الأم الي تربي الي تتعب .. الأم مو اسم وكناية .. ( بضيق ) والي يسلمك لا تضايقني كثر ما انا مضايق .. تدري وينها منتهى ؟
سكت قليلا وقال بهدوء غريب : انتظر دقايق .. مسافة الطريق وبجييك ..
قلت له : أنا بروح بيتنا .. وحشوني أبوي وأمي .. تعال لي هناك ..
فقال بنفس الهدوء : اوكي .. بسوي لك مسكولين واطلع لي ..

[ منتهـى ]
واقفة في شرفة الغرفة .. تشهد على هطول المطر .. تناجي ربها مناجاة صامتة .. لا يسمع لها صوت .. تدعـوه أن يسكن أنينها .. ويرزقها الصبر .. والقدرة على تحمل هذه العيشة المستحيلة ..
كان الجوء باردا عندها .. أطرافها متجمدة .. لكن .. وخزات العظام بردا .. أفظل لديها من وجع القلب .. مع ذالك الموجود داخل الغرفة ..
وهكذا يشاء الله .. كلما تمر مرور الكرام بالتفكير به .. يأتي إليها .. فها هو يضع ذراعيه فوق كتفيها ويقول هامسا : الجو بارد .. دخلي داخل ..
لم تجبه .. ليس لأنها لا تود الكلام .. وإنمــا أوجــاعها لا تسمح لها بالرد عليه .. وحينما أقول أوجاعها لا أقصد وجع قلبها وحده .. بل منذ مدة وهي تشعر بالضعف .. ودوران في الرأس ..
أجلسها على الكنبة .. وهي ما تزال صامتة .. لمح اصفرار وجهها : تبين تروحين المستشفى ؟
وأخيرا قامت بردة فعل .. فقد تنهدت .. واتجهت نحو السرير .. تدفأت باللحاف .. وغمضت عينيها .. تحاول الهرب من التفكير بكل شيء .. تحاول ارخاء عقلها ولو للحظـــات ..
زفر هو الآخر يائسا منها .. وخرج من الغرفة ..
==
[ رنــا ]
سمعت صوت الجرس .. فنهضت أفتح الباب .. فالجميع نائمون في هذا الوقت من الضهيرة .. عداي أنا .. التي ليس لدي جامعة اليوم ..
اتجهت للباب .. وقلت بصوت هادئ : مين ؟
وصلني صوت جميل : أنا جميل .. فتحي الباب ..
تذكرته .. منذ مدة لم أره .. أين اختفى كل هذه المدة ؟ أيعقل أنه حينما علم بوجودي هنا قرر الذهاب لمكان آخر ؟ ولم أصحى من أفكاري إلى حينما سمعت صوته علا : رنــا أنا جميل .. فجي الباب ..
غطيت شعري بشالي الأسود .. وفتحت الباب .. وما إن دخل .. ألقى علي نظرة لم أستطع تفسرها .. ومشى داخل المنزل ..
وقفت متجمدة .. ليس لنظراته .. بل لمظهره .. فقد بدا متعبا .. ولم ينم منذ أيام .. لأتذكر ما قاله لي عادل تلك الليلة .. جميل .. جــاسم .. مهــلا .. هل ما قاله صحيح ؟
مشيت خلفه .. رأيته يصعد الدرج .. ركبت خلفه .. دخل غرفته .. وأغلق الباب بقوة .. مشيت لناحية الباب .. أأطرق الباب ؟ أأسأله عن صحة ما قيل ؟ كــلا .. يبدو مرهقا .. فليرتح .. وسأجل استجوابي وتوبيخه لي لوقت آخـــر ..
/
[ عـادل ]
طرقت الجرس .. وسندت جسدي على الباب .. وأنا أفكر فيما سأقوله لجميل .. ما ستكون ردة فعله ؟ لأسمع صوتا من خلف الباب اشتقت لصاحبه كثيرا .. لم أجب .. انتظرها تفح الباب وأكحل ناظري بها .. وكلها ثوان .. ويتحقق ما أصبو اليه .. تفتح الباب .. أدير وجهي ناحيتها .. تلتقي عيناي بعينيها الجميلتين .. ابتسم لنشوة اللقاء .. أراها ما تزال مصدومة بي .. فأهمس بشوق : وحشتيني ..
تغلق الباب بوجهي .. فتتلاشى ابتسامتي .. اقرب أذني من الباب .. انصت لأنفاسها الاهثة .. وأقول : أدري انج ورى الباب .. اشتقت لج رنوي .. متى بترحميني ..
فيصلني صوتها الغاضب : لو رحمتني ذاك اليوم .. رحمتك .. روح .. ولا تجي مرة ثانية ..
قلت لها بوجع : أنا غلطت .. وقلت لج مليون مرة آسف وسامحيني .. رنـا أنا هـ الوقت بالذات أحتاجج أكثر من قبل .. متورط .. وما أعرف شنو أقول لجميل ..
لتقول : أنا مالي دخل فيك .. حل مشاكلك بنفسك ..
قاطعتها : هذي مو مشكلتي .. ولد عمج طالع من السجن اللحين .. وما يدري شنو صاير من وراه ..
فتحت الباب بصدمة : شتقول ؟ جميل طالع من السجن ؟ ليش ؟ شنو مسوي ؟
تبسمت حينما رأيتها منفعلة : أحبـج ..
توردت خديها : انقــــلع .. قاعد تتبلى على جميل ليش ..
وما إن همت بإغلاق الباب .. حتى كنت أسرع منها وفتحته : أنا ما اتبلى عليه .. اذا أنا أجذب .. روحي له واسأليه .. قولي له في وين كنت هـ الأيام ؟ اذا سكت .. أو قالج مالج دخل .. افهمي انه بالسجن ..
رمقتني بغضب : وانت شدراك ؟
تبسمت : ممكن أدخل وأفهمج الموضوع ؟ أنا قبل ما اجي .. اتصل فيني .. وقال لي أجي له هني ..
سكتت قليلا .. ثم قالت : ادخـل ..
==
[ منتهى ]
فتحت عيناي بصعوبة .. فرغم أنني نمت نوما عميقا .. إلا أنني ما زلت أشعر بالارهـاق .. حاولت النهوض .. أريد أن أصلي ما فاتني من الصلاة .. لكنني لم أستطيع .. فجسدي كله يؤلمني .. وأشعر بغمامة على عيناي .. رأسي يكاد ينفجر .. خلعت العدستين بصعوبة .. فقد نسيت أن أخلعها قبل أن أنام .. وضعت رأسي على الوسادة .. وأنا أرى كل شيء حولي يدور ..
وما إن خف الدوار .. نهضت بهدوء .. مشيت بتثاقل .. توظأت .. وحينما انتهيت من الصلاة .. فتحت الثلاجة لأتناول شيئا .. وانتبهت لأن المكان خاليا منه .. تذكرت أنني خبأت هاتفي في حقيبة السفر .. أسرعت نحو الحقيبة .. واتصلت ببيان ..
بعد عدة رنين أجابتني بلهفة وخوف : منتهى .. شخبارج ؟
قلت لها بذات الخوف مع كثير من الوجع : انا بخير .. اخوي شخباره ؟ طلعوه من السجن ؟
لتقول : ما ادري .. المفروض اليوم يطلع .. لحظة بسأل ..
سكت قليلا .. انتظرها ترد علي .. ليصلني صوت معشوقي : منتهى ..
سكـر سمعي .. وشعرت براحة ليس لها نظير حينما سمعت صوته : أحمد أخوي .. طلع من السجن ؟
لا أعلم لما سألته عن جاسم ولم أسأله عن أحواله .. ربما بسبب ذالك العقد أو الصفقة التي وقعتها بالحكمة .. وربما هو تسائل سؤالي فقد أجابني بشيء من البرود عكس نبرته السابقة : اليوم بطلعونه .. ويمكن حتى طلع ..
لم أعرف ماذا أقول .. فكل الكلام الذي أود قوله له .. طـار من يدي : سلم عليه ..
ليقول : الله يسلمج .. أنا مو في البحرين .. اذا رديت وشفته بوصله سلامج ..
مهلا .. إنه مسافر .. وبيــان معه .. لماذا ؟ سألته بضيق : ليش مسافر ؟
قال لي : أغير جو .. كلها سبوعين وبعتمر ان شاء الله ..
قلت له بضيق أكبر : وبيان معاك ؟
لا أدري كيف نطقت بهذا الكلام .. وما الحكمة في طرحه ولكن : ايي .. بتدرس بالأردن .. وأنا رايح مع أخوها ..
لم يطمئن قلبي .. قلت له والدمع متجمع بعيناي : طيب أنا بسكر اللحين .. سلم عليهم ..
وصلني صوته الحاني : انتبهي لنفسج ..
ألقيت الهاتف على الجدار .. وأخذت أبكي بقوة .. لما أشعر وكأنه خانني ؟ لما أشعر بأنها تعدت على شيء يخصني .. بيان .. أرجوكِ .. لا تقتربي منه .. فهـــو لي أنــا .. يحبني أنــا ..
ولم أنتبه لظل مازن إلا مؤخرا .. لأفرغ غضبي ووجعي عليه حينما قال لي : تراه خاين مثلج .. ما بغاج تتباعدين .. حتى راح لوحدة الثانية .. مسكينة .. تضنينه يحبج يعني ؟ انتي ما تعرفين الرجــال .. كل يوم نحب وحدة .. إلا أنا تصدقين .. محد يملي عيوني غيرج ..
/
[ مازن ]
سمعت صوتا في غرفتها .. يبدو أنها استيقضت .. طرقت الباب .. وحينما لم أسمع ردا .. فتحته بهدوء .. رأيت سريرها خاليا .. مشيت نحو الشرفة التي تتواجد فيها دوما .. ولم تكن فيها .. قصدت غرفة الملابس .. رأيتها تتحدث بالهاتف .. هاتف ؟! ألم أمنعها من استخدامه ؟ تكلم من ؟ اقتربت منها ولم تلحظ وجودي .. وايقنت أنها تكلم حبيبها .. الخائنة ..
لتنهض كـ المجنونة .. تصرخ .. تهذي بكلام أغلبه لم أفهمه .. أيعقل .. أن منتهى .. الهادئة .. تنفلت أعصابها هكذا ؟ ألهذا القدر تعشقه ؟
صرخت عليها : بس .. جب .. انتي ما تستحين ؟ على ذمتي وتكلمينه ؟ اذا ما تستحين هو يستحي .. وشنو تبين يسوي يعني ؟ ينتظرج لما أطلقج وياخذج ؟ حبيبتي .. هذا الشي مستحيل يصير .. خليه يروح في حال سبيله .. لش تعلقينه بأمل ما له بالواقع صلة .. أنا زوجج .. رضيتي ولا لا .. واذا تحبينه .. خليه ينساج .. الي لقاه كافي .. خليه يعيش حياته ..
تمسح دموعها وتصرخ : ما يحق لك تقولي هـ الكلام .. وأحمد يحبني .. ولا انت ولا غيرك بخلوني أشكك في هـ الشي .. بجي يوم وبتخلص فيه منك .. بجي يوم وبنكون أنا وأحمد مع بعض ..
استفزتني .. فصفعتها : عييييب .. والله ما الومج اذا قلتي هـ الكلام .. انتي ما تربيني مثل الأوادم علشان تعرفين الغلط من الصح ..
قاطعتني : الي رباني أحمد .. رباني أحبه .. رباني أوفي له .. رباني ما أخونه مع غيره .. صحيح انك تحديت حدودك وغصب عني تباعدت عنه .. بس طول عمري بظل وفية له .. عمري ما بحب غيره .. انت زوجي عند الناس .. وكلمة اني لك .. جملة تسكت بها روحك .. وتقنع نفسك بالراحة .. حط في بالك شي .. اني لو أحصل فرصة وحدة بس .. أرفع عليك قضية طلاق وأخلعك .. ولا احد بيجبرني أبقى معاك .. أخوي وبيطلع أو طلع اليوم .. ولا تضن انك بتقدر تمنعني .. لأن عندي عادي أقتلك .. واتحرر بعدها من الصفقة الي تربطنا ..
أود خنقها .. ما تقول هذه المجنونة ؟ بل .. خنقتها فعلا .. طوقت بكفاي عنقها .. كانت تموت .. وأنا أتلذذ بسماع صوت استغاثها .. كانت تموت .. وأنا أبكي وأضحك .. فليأخذها الموت .. فليريحني من التفكير بأنها ستكون لذاك يوما .. سحقا لكِ .. ولليوم الذي أحببتكِ فيه ..

[ جــاسم ]
رأيته من نافذة غرفتي حينما دخل .. نزلت كي أذهب له ويخبرني ما حدث لمنتهى .. وصلت إلى حيث كانا موجودين .. لكنني لم أدخل .. فقد سمعته يقول : رنا ما انا عارف شلون أقوله منتهى تزوجت مازن علشان تطلع من السجن ؟
دارت بي الدنيا .. شعرت بهبوط بالسكر .. شعرت بأن كتلة حديد رميت بثقلها فوق رأسي .. فتحت الباب بهدوء .. ألقيت عليه نظره انسان فقد الحياة من جديد : قول انك تمزح ..
نهض من مكانه .. وتقدم نحوي .. وضع كفه فوق كتفي : خلك قوي .. انتو أخوان .. ولازم كل واحد فيكم .. يضحي علشان الثاني ..
أبعدت كفه .. وصرخت بانهيار : بس أنا شنو سويت لها علشان تضحي علشاني ؟ أنا تخليت عنها وقت ما كانت بأمس الحاجة لي .. أنا ما عطيتها شي بيوم .. علشان ترضى انها تتخلى عن حلم حياتها .. ( هطلت دموعي .. وقلت بجنون ) وين أحمد ؟ أنا قلت له يتحمل فيها .. أنا قلت له لو شنو صار ما يتخلى عنها .. ليش خلاها تاخذ ذاك الحقير ؟ شلون طاوعه ضميره ؟
أتى لي يهدأني .. وأنا أبتعد عنه .. كنت منهارا .. أشعر نفسي صغيرا أمامها .. أنا لا أستحق هذه التضحية .. لا أستحق محبتها .. حتى لو قضيت كل عمري بالسجن .. لا أستحق أن تحزن علي حتى .. لما هذا يا منتهى ؟ لما تقتليني هكذا ؟!
أتى والدايّ .. عمي وزوجته .. تجمع الجميع حولي .. لم أستطع أن أبقى معهم للحظة .. انسحبت نحو غرفتي .. أجر أذيــــال الخيبة .. وفقـــــدانٌ قسم ظهري ثانية ..
==
[ بيـان ]
تتابع الأحــزان .. تكبــر المشـاكل .. يصل اليأس إلى ذروته .. ولكــن .. يبقى هنـــاك بصيص أمل ..
أستغرب ما كتبته .. ربما لأنني ساخطة الآن على لوحة مفاتيحي .. التي لا تكتفي برسم مزيدا من الأوجـاع ..
دعوكم من ثرثرتي هذه التي أتت في غير وقتها .. ولنذهب للتي وصلت إلى الشقة التي ستعيش فيها أعوام .. بعيـــدا عن أحـــضان الوطن ..
رفعت بصري أنظر نحو الطابق الثالث .. الذي يضم مكان سكني .. ولم أنتبه إلى ليد محمود تجر ذراعي : تعالي ندخل داخل .. اذا ما عجبتج الشقة ترى عادي نبدلها ..
تبسمت له وأنا أصعد الدرج : انت قلت هذي قريبة من الجامعة صح ؟ يعني حتى لو ما عجبتني بقبل فيها ..
ضحك بخفة : زيين .. ريحتيني ..
تبسمت ثانية وقلت وأنا أقف لارتاح : تعبت .. ما وصلنا الطابق الثالث للحين ..
ضحك ثانية : الطابق الثالث وتعبتي .. عجل لو كانت بالسادس ..
رمقته : كان ما أطلع منها .. حتى الجامعة ما أروح ..
ضحكنا .. وواصلنا ركوب الدرج .. نزل الحقيبة التي بيده .. وفتح الشقة .. وقال : تفضلي ..
سميت باسم الله .. وخطوت خطوتي الأولى داخل بيتي الصغير .. الذي ستشاركني فيه صفاء القادمة بعد اسبوع .. أخذت أتأمل المكان .. صالة متوسطة الحجم .. تحتوي على 3 كنبات .. وتلفزيون .. وبها

يتبع ,,,,,

👇👇👇
تعليقات



    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -