رواية بين الامس واليوم -111
" كاسرة لا تكونين ناوية تسهرين عندي الليلة بعد؟؟
خلاص بكرة دوام!!"
كاسرة ابتسمت بتحكم بالغ وهي تجيب وضحى:
لا طبعا ليش أسهر عندش..
أمس وقبل أمس سهرت عشان ويك إند.. بس بكرة على قولتش دوام..
وضحى تبتسم بمرح: الظاهر العرس خربش.. قبل كان مستحيل تسهرين للفجر إلا في الأعياد..
كاسرة تنهدت في داخلها.. يبدو أنها الليلة لا مهرب لها من مقابلته..
بعد أن تهربت اليومين الماضيين بحجة إنهم في إجازة نهاية الأسبوع..
ولكن قبل ذلك كانت تتفاجأ به كل ليلة كالشبح في غرفتها..
لم ترد أن تهرب من غرفتها حتى لا يلاحظ أحد شيئا غير طبيعي فهم لم يعهدوها تخاف من شيء..
كما أنها لم ترد أن يظنها كساب خائفة منه هو شخصيا وهي تظن إنه سيمل وسيتوقف..
ولكنه مازال لم يمل.. وهي لابد أن تفكر بحل جذري لهذه المشكلة..
فهي لا يمكن أن تسمح له بفرض نفسه عليها أكثر..
الأمر بات ضاغطا وجارحا لأبعد.. تظن حين تنام أنها ستصحو هذه المرة ولن تجده ..
لتتفاجأ انها أحيانا تصحو وهي نائمة على صدره!!
تكاد حينها ان تصفعه حتى تتعب .. ثم تشد شعرها حتى يتمزق!!
وأحيانا أخرى تقرر أن تنتظره جالسة لتعرف من أين تدخل.. فتراه يدخل بكل بساطة عبر نافذة تأكدت من إغلاقها..
هل هذه حياة طبيعية؟؟ زوج يدخل لزوجته عبر النوافذ المغلقة؟؟
كما لو أنها تعيش حياتها في فيلم أكشن سخيف لا تستطيع ترقب مشهده التالي!!
والأغرب والأكثر إيلاما معرفتها اليقينية أنها تتلهف لرؤيته حتى نخاع النخاع..
فهي لا تنكر أبدا على نفسها ولعها به.. فهي تعلم تماما كم هي مغرمة به..
ولكنها لا بد ان تنقطع عن رؤيته حتى تستطيع إغلاق جروح قلبها وروحها التي لن تغلق مادامت رؤيته زادا لهذه الجراح...
اليومان الماضيان لم تعد لغرفتها حتى صلت الفجر.. ومع ذلك وجدت آثاره في الغرفة
الليلة الأولى أثار عاصفة من الفوضى في الغرفة رغم أنها تعلم أنه مرتب ومنظم كالمسطرة..
والبارحة بكل وقاحة ترك ملابسه في الحمام بعد أن استحم واستخدم مناشفها..
تتخيل منظرها لو أن الخادمة أو والدتها دخلت الحمام قبلها..ووجدت ملابس رجل فيها..
كيف سيكون موقفها؟؟..
ويبدو أنه الليلة لا مفر من مقابلته وهي تعود لغرفتها في وقت مبكر.. فهي تريد أن تشبع نوما قبل أن يعكر صفوها بوجوده الثقيل..
فهو رغم لمساته التي تتجاوز الحد أحيانا.. إلا أنها تعترف أنه لم يحاول مطلقا إجبارها على شيء.. وهو يلتزم الحدود القاطعة معها..
رغم أنها تعلم صعوبة التزامه الحدود حتى لو أظهر تحكمه البالغ بنفسه..
ولكن حتى لو حاول.. فهو لن ينجح..
لأن مابينهما انتهى.. انتهى إلى غير رجعة!!!
*********************************
" علي هذي والله العظيم مهيب حالة..
شوف نفسك قربت تنهار..
وأنا وأنت كل يومين رايحين كن حن حرامية عشان ماحد يدري من أهلنا
نركب عليك مغذي ونضرب أبر فيتامينات"
كان كساب ينظر لعلي المنهار بإرهاق في مقعد السيارة المجاور له وهو يقود السيارة
عائدين من المستشفى كعادتهم كل يومين أو ثلاث ليركب الجلوكوز على علي
بعد أن باتت شهيته مسدودة عن الطعام لأبعد حد..
عدا عن إرهاقه النفسي!!
علي هتف بإرهاق: زين وش تبيني أسوي؟؟
هتف كساب بغضب: اصطلب يا رجّال.. حالتك مهيب حالة رياجيل..
إذا قلبك بيسوي فيك كذا اشلعه من مكانه أحسن وأبرك..
علي نظر لكساب من تحت أهدابه ويهتف بنبرة مقصودة:
لا.. حالة الرياجيل إني ما اقدر أمسي الليل وأنا اطوف حول بيت هل مرتي لين صلاة الفجر....
كساب نظر بصدمة لعلي لم يتوقع أن أحدا قد يكتشفه..
رغم أن علي الهادئ الساكن والعميق كان دائما دقيق الملاحظة وهو يراقب بصمته وعمقه..
كساب صمت وهو يشد على المقود ويعتصره بين كفيه بغضب وعلي يكمل بذات النبرة المقصودة:
أنت ياكساب آخر حد ممكن يعطي نصايح..
يا أخي يومك رايح في خرايطها ومالك صبر عن مرتك..
وش فيك مسوي روحك اللي مايهمه حد وأنت قلبك ذايب..؟؟
اشلع أنت قلبك من مكانه يا رجّال واصطلب...
كساب بغضب متفجر: لا.. إلا أنا اللي باخذ نصايح من واحد ماصدق يشوف له زول مره
ويتسكر عليهم في مكان إلا هو اللي رايح في خرايط خرايطها..
علي هز كتفيه ببساطة: على الأقل ماكابرت في مشاعري.. ولا كذبت ولا ادعيت..
كساب يحاول أن يكتم غضبه: وأنا ما أكذب ولا أدعي..
حينها حاول علي أن يعتدل جالسا وهو ينظر لكساب بشكل مباشر ويهتف بنبرة حازمة مباشرة:
زين يا اللي ماتكذب ولا تدعي.. أنت وش تسوي في بيت أهل مرتك..
مزون كانت اللي لاحظت إنك ترجع وقت الآذان بلبس رياضة وتبدل وتروح للصلاة على طول..
وطلبت مني أشوف وش فيك.. كانت تظنك تركض لين صلاة الفجر وأنك متضايق من غيبة مرتك..
مادرت إنك منت بمتضايق بس.. لكن ميت من الشوق لدرجة إنك قاعد تراقب البيت لين يأذن الفجر..
أو قل لي.. فيه شيء غير المراقبة؟؟ معقولة ذا الساعات كلها قاعد تراقب بس؟؟
كساب بين صرير أسنانه: مهوب شغلك.. وياويلك حد يدري..
مشاكلي بأحلها بروحي..
علي عاد ليسترخي وهو يهتف بثقة: لو أني بأعلم كنت علمت مزون اللي بالها مشغول عليها..
لا تخاف... متى كنت ما أكتم سر ؟؟ ..
بس لا تعاتبني وحالك مثل حالك..
كساب زفر بحرارة وهو يشعر بضيق متعاظم..
يكره أن يبدو في مظهر ضعف أو أن يمسك عليه أحدهم ممسك..
ويكره أكثر عدم توصله لهدفه مع كاسرة وكسر مقاومتها رغم مرور كل هذه الأيام..
فهو كان ينتظر أن تمل من ضغط زياراته وتقرر أن تعود!!
يريدها أن تعود بأي طريقة.. بــــأي طـــريـــقــة!!
لأنها ما أن تعود لبيته لن يسمح لها أن تفكر حتى بتركه مرة أخرى!!
" شوشو عندي لش مفاجأة تطلعش من المود المتوتر شوي!!"
شعاع تلتفت لجوزا وتنتبه من شرودها الناتج عن قلقها وترقبها لتطورات حالة عبدالرحمن: ها نعم؟؟
جوزا بحماس رقيق: عندي لش مفاجأة!!
شعاع بترقب: ويش؟؟
جوزاء ترقص حاجبيها: صورة المسيو علي.. أخيرا جبتها لش!!
شعاع قفزت بجوارها وهي تهمس بحماس طفولي: أخيرا مابغيتي.. صار لي أكثر من عشرة أيام وريقي نشف معش
والله لو أني طالبة مخططات مبنى البنتاغون كان قد جبتيها..
جوزا تضحك فهي سعيدة جدا بتطورات حالة عبدالرحمن وكوالدها وأمها وشعاع تظنها علائم الصحوة القريبة:
يمه البنت مافي وجهها سحا.. بغت تأكلني..
يا أختي أنا طلبتها من أخته دايركت لأنها كانت قد لمحت لي إنه لو أنتي تبين صورة بتجيبها..
بس أنا استحيت وقلت مافيه داعي..
وعقبه تشجعت وطلبتها منه.. واتفقنا لا رحت أزور خالتها نتقابل هناك وتعطيني إياها..
وتوني زرتها البارحة..
شعاع بلهفة: زين وينها؟؟ وينها؟؟
جوزاء تبتسم: في شنطتي..
شعاع قفزت لتأخذ الحقيبة بلهفة وبعثرت محتوياتها بذات اللهفة.. ولكنها لم تجد شيئا همست بخيبة أمل عميقة:
جوزا مافيها شيء!!
حينها ضربت جوزا رأسها: يووووه البارحة كان معي شنطة غير هذي!!
خلاص بتكون في بيتي..
شعاع تكاد تبكي: زين أنا وش استفدت الحين كون إنش شفقتيني على الفاضي..
يا الله روحي لبيتش جيبيها..
جوزاء تضحك: آسفة يا الشيخة.. الساعة الحين عشر ونص وحسون راقد.. ومستحيل أطلب من عبدالله يوديني ذا الحزة..
بكرة بأجيبها لش...
وبعدين تطمني أنا شفته..صحيح ضعيفون شوي.. بس مزيون وماعليه باس.. أبصم لش بالعشرة والعشرين بيعجبش..
شعاع تكتف ذراعيها بغضب: ياسلام... وأنا وش علي من رأيش.. أنتي اللي بتاخذينه..؟؟
أم عبدالرحمن قاطعت جدلهم خارجة من غرفتها وهي تهمس لجوزا بإرهاق:
جوزا ادعي أبو حسن ينام عندش هنا.. واختاروا أي غرفة تبونها...كفاية البارحة أمسى في المجلس..
جوزاء بخجل: لا يمه فديتش.. عبدالله ملزم يمسي في المجلس..
ومستحيل يدخل داخل البيت..
***********************************
هذه الليلة نامت فعلا مبكرا... قررت أن تريح بالها منه ومن التفكير فيه..
لتصحو بعد منتصف الليل على أنفاسه حارة ملتهبة تلفح كتفها وهو يحتضنها من ظهرها وذراعيه تحيطان خصرها بقوة..
همست بسكون وهي تريد أن تبكي من هذا الحصار:
كساب أنت مسخن؟؟ نفسك حار بزيادة...
قبل كتفها حيث تتساقط أنفاسه وأجاب بسكون كسكونها: مهتمة يعني؟؟
كاسرة أنتي ماتعبتي من العناد؟؟
أجابت بخفوت وهي تتحسس أنامله الساكنة على خصرها بحنان دون أن تشعر:
وأنت ماتعبت من طريقتك في فرض رأيك بدون ماتقدم تنازلات..؟؟
أفلتها ليديرها ناحيته.. أنامله تتبع تفاصيل وجهها بدفء وشجن واشتياق
هتف بشجن: كاسرة أنتي لحد الحين ماقلتي لي وش اللي مزعلش مني بالضبط
صارحيني بالتفصيل.. خلينا نخلص من ذا السالفة..
كاسرة أمسكت كفه التي تعبر وجهها واحتضنتها بين رقة أناملها.. وهمست بألم:
كساب أنت تحبني وإلا لا؟؟
شعر بالصدمة من سؤالها.. لم يتخيل أنها قد تسأل بهذه المباشرة والشفافية والوجع.. همس بسكون:
ومافيه حياة زوجية تستمر بدون حب يعني؟؟
أجابته بألم أعمق لأنه تجاهل الإجابة عن سؤالها المصيري:
فـيـه... تستمر بالاحترام والمصارحة بين الزوجين..
وكلها مفقودة عندك.. أنت ماتحترمني.. وفي حياتك أسرار واجدة واقفة بيننا..
حينها همس بألم لأول مرة تسمعه بنبرة صوته مخلوط بنبرة استنكار موجوعة:
كاسرة أنا ما أحترمش..؟؟
ضربتش مرة؟؟ هنتش؟؟ سبيتش؟؟ جرحت في حد من هلش؟؟
أجابته بوجع: لا.. محشوم
بس وين الاحترام وأنت عمرك ماحسستني إني شيء مهم في حياتك..؟؟
تطلع وتدخل على كيفك.. كنك عزابي.. وبدون حتى ما تأخذ بخاطري!!
كلمة حلوة عمري ماسمعت منك..
حياتك مليانة غموض مستحيل تشاركني بشيء فيها!!
أنا يا كساب عداني العيب خلاص..
قمت بواجبك على أكمل وجه..
مستحيل إنك كنت ترجع البيت ماتلاقيني قدامك قاعدة ومتعدلة وأنتظرك..
احترمت غيبتك وحضورك.. واحترمت هلك وكل من يهمك..
وقمت بواجب بيتك وعزايمك ومقابلة حريم الناس اللي لك شغل معهم وحريم ضيوفك الأجانب..بدون ما أشتكي..
عمري ماطلعت مكان حتى لو أنت مسافر إلا لما أخذ أذنك..
كل هذا سويته عشانك.. وأنا ما أتمنن.. لأن هذا واجبي ومهوب طيب مني..
لكن أنت وش قدمت لي في المقابل..؟؟ سويت على الأقل واجبك..؟؟
كساب أنا ما ابي زوج بنص دوام.. ونص مشاعر..
أنا أستحق منك أحسن وأكثر من كذا..
مايكون قدري عندك هو فتات وقتك ومشاعرك اللي فاض عن هلك وشغلك ومشاريعك وغموضك..
وكل شي هو أهم عندك مني.. وأنا في ذيل القائمة..
لم يجبها بشيء ولكنه شدها ليدفن وجهها في صدره..
تمنت حينها أن تبكي..أن تحرق صدره بدموعها.. أن تخترق ضلوعه بأنينها..
ولكنها يستحيل أن تفعلها.. فهي ستبدو كمن تستجدي مشاعره حتى يشفق عليها..
همس في عمق أذنها بخفوت ثقيل: ارجعي معي وإن شاء الله يصير اللي يرضيش..
همست بألم وجهها مختبئ في صدره: اللي يرضيني وأنت حتى حبك مستكثره علي؟؟
حينها سألها وهو مازال يهمس في أذنها: أنتي الحين تطلبين مني حب أنتي ماعمرش عبرتي لي عنه..
همست بشجن مثقل بأمل ما: المفروض المبادرة تكون منك..
صـــــمــــت..
صمته ذبحها من من الوريد للوريد..
مضى وقت ما.. وهما على ذات الوضع
أنفاسه تسكن أذنها.. وأنفاسها تسكن صدره..
حينها همست باختناق أخفته خلف سكون صوتها:
كساب هدني أبي أقوم الحمام..
ماعادت تحتمل.. تريد أن تنتحب كما لم تفعل من قبل.. تريد أن تبتعد عنه لتترك لدموعها المجال..
ولكنه لم يفلتها وهو يغمر حرير وجهها بقبلاته الناعمة اللاهبة.. حينها هتفت بغضب مقهور مكتوم:
كساب هدني.. اللي تبيه مستحيل يصير..
أجابها ببساطة موجوعة حازمة: وأنا ما أبي شيء..
أما اللي في بالش.. بأخذه..بس لا جيتيني أنتي في بيتي..
في غرفتنا ومكاننا... إذا رجعتي الرجعة اللي مستحيل تطلعين عقبها..
زفرت بغضب مثقل بالحزن وهي تسند كفيها بكل قوتها في صدره لتبتعد عن مداه: هدني.. هدني..
أفلتها حينها.. ونهضت لتهمس له بخفوت وأنفاسها تتقطع:
أرجوك كساب على الأقل احترم العشرة اللي بيننا..
أرجوك لا تجي غرفتي مرة ثانية..
لو سويتها وجيت.. اعذرني.. باحط كاميرات على الدرايش
وتخيل منظرك لو هلي وهلك شافو التسجيل بس..
همس بثقل: مايهمني.. أنا أبيش ترجعين لبيتش وبس..
همست بحزم موجوع وهي توليه ظهرها متجهة للحمام: وأنا ماراح أرجع..
واللي بيننا انتهى خلاص..
فخل عندك شوي كرامة واحترم نفسك ومافيه داعي تفرض نفسك علي بذا الطريقة!!!
*************************************
كان عبدالله يغفو للتو بعد صلاة الفجر..
حين تعالى رنين هاتفه.. قفز جزعا وهو ينظر للهاتف بارتياع كما لو كان سيحمل له خبرا مرعبا..
وحين رأى رقم هاتف الخادم الذي يلازم عبدالرحمن ووالده شعر بريقه يجف وحلقه يتشقق جفافا وهو يرد عليه باختناق: نعم أمجد!! فيه شيء؟؟
ليقفز عبدالله بصدمة وهو يرتدي ملابسه دون تفكير
بعد أن أخبره أمجد أن أبا عبدالرحمن سقط مغشيا عليه وتم نقله للإنعاش..
#أنفاس_قطر#
.
.
.
. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الأمس واليوم/ الجزء الرابع والستون
عبدالله وصل إلى المستشفى مع خيوط الشمس الأولى..
كان يركض في الممرات بدون تفكير حتى وصل إلى غرفة الإنعاش كما أخبره الخادم..
يحاول إبعاد كل الافكار المؤذية وتجميد حتى محاولات التفكير..
مابين زوجته وأخته وعمه وأهل عمه.. كيف سيحتمل وجيعة كل هؤلاء؟؟
أ لم يأن له أن يرتح من الهموم التي كسرت ظهره؟!!
حين وصل بأنفاسه المقطوعة.. أخبروه أنه تم نقل إبي عبدالرحمن للعناية المركزة بعد أن تم إنعاشه..
ليعاود الركض للطابق السادس حيث العناية المركزة..
حين وصل كان أبو عبدالرحمن غائبا عن الوعي محاطا بأجهزة التنفس والتغذية..
جلس منهارا على مقعد قريب منه..
"يا الله ماذا حدث لك؟؟ "
لا يريد أن يُفكر حتى.. ليجد عشرات الصور المفزعة تقفز أمامه رغما عنه!!
يحتلها وجهان أثيران غاليان قريبان جدا من قلبه..
وجها جوزاء وعالية !!
حاول أن يقف.. ليجد قدميه متخاذلتين..
سأل الممرضة التي دخلت للتو لتتأكد من سير الاجهزة بصوت مبحوح تماما:
كيف حاله؟؟
أجابت بمهنية وهي مشغولة بأجهزتها: لا بأس.. تجاوز مرحلة الخطر أساسا..
سألها عبدالله بذات الصوت المبحوح: وما الذي حدث له؟؟
أجابته بذات المهنية: أزمة قلبية خفيفة.. وتجاوزها..
سألها بصوت مبحوح أكثر وأكثر: وما سبب الازمة؟؟
هزت كتفيها دلالة الجهل.. ليتلفت حوله باحثا عن أمجد ولم يجده..
حينها سحب قدميه برعب متجذر.. متجها لغرفة عبدالرحمن..
وهو شبه متأكد أنه لن يجده فيها..
كان يتقدم خطوة ويتأخر خطوتين..
قضى وقتا طويلا قبل أن يصل للغرفة حتى..
ووقف على بابها لوقت أطول وهو عاجز عن سحب أنفاسه الذاهبة..
ليس عاجزا مطلقا عن مواجهة الموقف كموقف.. لكنه عاجز عن مواجهة أحبائه بعده!!
كان مازال يقف أمام باب الغرفة وأفكاره تأخذه وتأتي به..
لينتبه بعد ذلك لحركة غير طبيعية داخل الغرفة..
زاد رعبه.. أما زال في الداخل.. وما زالوا لم يخرجوه..؟؟
لا يعلم لماذا كانت أفكاره كله موجعة!!
ربما لأنه ظن أنه لن يفعل بأبي عبدالرحمن ذلك سوى خبر فاجع لم يحتمله!!
حينها خرج أمجد لأنه يريد الذهاب للاطمئنان على أبي عبدالرحمن..
حين رأى عبدالله ..تفاجأ عبدالله حينها به يحتضنه وهو يبكي..
عبدالله فُجع وهو يرى أمجد يبكي على صدره.. أيقن أن كل مخاوفه التي ترعبه هي حقيقة..
ولكنه استغرب أن أمجد كان يبكي ويبتسم ويهذي بسعادة..
حينها أمسك عبدالله بكتفيه وهو يهتف بحزم: بس أمجد.. بس.. شنو صار؟؟
حينها تماسك أمجد قليلا ليخبره بما حدث..
قال أنهما عادا من صلاة الفجر.. وأنه كان يريد النوم.. بينما أبو عبدالرحمن كان يقرأ في المصحف قريبا من من عبدالرحمن..
حينها سمعا همسا ضعيفا متقطعا مبحوحا تماما: يـ ـبـ ـه.. يـ ـبه..
.
.
.
أبو عبدالرحمن وقف بجزع وهو يرتعش بصدمة.. ليتأكد من مصدر الصوت وهل هو يحلم..؟؟
مؤكد يحلم.. يحلم..يــــحـــــلـــــم!!
يــــــــــحـــــلـــــــــم!!
شعر بألم حقيقي في عضلات قلبه؟؟
كما لو أن عضلات قلبه تتمزق بحد مسنون يحفر شغاف قلبه وشرايينه بوحشية...
اقترب أكثر من عبدالرحمن .. اقترب وهو يشعر أن قدميه لا تحملانه.. لا يعلم حتى كيف استطاع الوصول للسرير..
كما لو أن شيئا أقوى منه حمله.. لأن قدميه كانتا كصخرتين لا يستطيع تحريكها..
حينهارآه على حاله.. ساكن مغمض العينين.. ف
زفر بألم عميق مثقل بالوجع والخيبة واليأس لأبعد حد (كنت أدري أني أتحلم)!!
لكن أمجد اقترب معه وهو يؤكد له أنه سمع الصوت أيضا..
حينها شعر فعلا أنه قلبه يؤلمه وأنفاسه تضيق وقدميه لن تحملاه أبدا.. وكأنها تشدانه للأرض بثقلهما..
استند على حاجز السرير بثقل ليمنع نفسه من السقوط... وهمس بكل حنان العالم وأمله ويأسه ووجعه..
همس بكل مابقي في روحه من أمل.. همس بكل ماتجمع في كيانه من اليأس
همس بوجع أيامله الذابلة وشيخوخته التي كسرت ظهره من بعده..:
عبدالرحمن.. عبدالرحمن ..دعيتني يأبيك.. تكفى يأبيك ماعاد فيني حيل..
تكفى يأبيك.. عبدالرحمن.. عبدالرحمن... رد علي يأبيك..
كان ينادي بكل مافي روحه من الأمل وهو يخشى أن يتحطم حين لا يسمع ردا..
وفي ذات الوقت كان ينادي وبداخله إحساس أنه لن يجيبه أحد..لصعوبة كل هذا الأمل عليه..!!
لذا كانت صدمته البالغة أنه سمع ذات الهمس المتقطع المبحوح ولكن هذه المرة من بين شفتي عبدالرحمن الجافة وهو يراها أخيرا تتحرك أمامه:
يـ ـبـ ـه.. يـ ـبـ ـه..
أبو عبدالرحمن شهق شهقة حادة.. لم يستطع أن يحتمل أبدا.. سقط مغشيا عليه من فوره..
ليرتاع أمجد وهو ينادي الممرضين ليحملوه لغرفة الإسعاف فورا..
.
.
ثم أخبر أمجد عبدالله أنه عاد بعد ذلك لغرفة عبدالرحمن..
وأن عبدالرحمن فتح عينيه بصعوبة وأنه عرفه وناداه باسمه.. ثم عاد للنوم..
وطلب أمجد حينها من الممرضات أن يتصلن بالأطباء
وأنهم كلهم في الداخل الآن مع عبدالرحمن...
ثم هتف أمجد بين ابتساماته ودموعه وهو يختم حكايته: أنا بيروح بابا كبير
أنتي خلي مع عبدالرحمن..
حمدلله ربي.. حمدلله ربي!!
عبدالله دخل بخطوات مترددة... وجلة.. مثقلة بتضاد اليأس والامل.. لا يعلم لماذا مازال قلقا حتى مع بشارة أمجد!!
دخل ليجد الاطباء يحيطون بسريره..
يحاولون إفاقته وهم يراجعون كل المؤشرات..
الطبيب المسئول حين رأى عبدالله هتف بحزم: زين إنك هنا..
تعال قرب.. نبي نفوقه الحين.. ونبي نشوف لو هو بيعرفك..
لأن البوي اللي عنده يقول إنه عرفه وناداه باسمه.. بس أنا أقول يمكن إنه يتهيأ له..
ونبي نتاكد بنفسنا..
الطبيب أعطاه إبرة ثم بعد دقيقة هزه برفق..
حـــيــنــهـــا... فتح عبدالرحمن عينيه بصعوبة وعاود إغلاقها ثم فتحها بشكل جزئي..
عبدالله كاد قلبه يتوقف من الترقب فعلا.. لم يتوقع أنه سيرى عبدالرحمن يفتح عينيه مرة ثانية..رغم أمله الشاسع في ذلك..
ولكن الأمل شيء مختلف عما كان يشعر به وهو يرى الشهور المتطاولة التي غرق عبدالرحمن فيها في غيبوبة عميقة..
عبدالله اقترب من عبدالرحمن وهو يربت على كتفه بحنان ويهتف بصوت هادئ عميق رغم اشتعاله بالترقب:
عبدالرحمن عارف أنا من؟؟
عبدالرحمن عاود إغلاق عينيه وفتحها ثم هتف بصوت مبحوح تماما ومقطع:
عـ ـبد الـ ـله .. ويــ ـن راح ابــ ــي؟؟
عبدالله حينها كاد يجن من السعادة وهو يقبل جبين عبدالرحمن ويرتعش:
الله أكبر.. الله أكبر..
ابيك قريب.. قريب.. راح قريب وبياتي الحين..
حينها هتف عبدالرحمن بذات الصوت المبحوح المتقطع:
ريــ ــقــ ـي نـ ــا شـ ــف..
عـ طنـ ـي مــ ـاي..
كان عبدالله سيتناول القنينة ليبلل شفتيه فقط لأنه يعلم خطر أن يسقيه بعد كل هذه الأشهر التي لم يستخدم فيها فمه لتناول شيء..
بعد أن كان يسكب الطعام السائل بأنبوب داخل حلقه مباشرة..
لكن الطبيب منعه وهو يهتف بحزم: خله حن بنعطيه.. انتظر شوي..
عبدالله حينها هتف للطبيب بحزم: أنا بأروح شوي وبأرجع..
كان يريد أن يكون من يبلغ جوزا ووالدتها بنفسه.. لم يردهم أن يسمعوا الخبر من سواه فيفجعوا به
أراد أن يكون من يهيئهم له..
واتصل وهو خارج بصالح وفهد ليكون أحدهما مع عبدالرحمن والآخر مع أبي عبدالرحمن حتى يعود..
خرج وهو يشعر كما لو أنه يحلم..
أ يعقل عبدالرحمن يصحو بعد كل هذا!!
أ يعقل؟؟
يا سبحان الله ما أكبر رحمته!!
الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر...
***********************************
كانت منهارة تماما وهي تسند رأسها لطرف كتف عبدالله وتنتحب بخفوت
بينما عبدالله يكتف يديه في حضنه.. رغم أنه يتمزق.. وكل رغبته أن ياخذها في حضنه ليهدئ بكاءها العميق منذ علمت بصحوة عبدالرحمن..
ولكنه بالطبع لا يستطيع فعلها في وجود أم عبدالرحمن وشعاع اللتين تحيطان بسرير عبدالرحمن..
بعد أن عادتا من غرفة أبي عبدالرحمن الذي نُقل لغرفة عادية قريبة من غرفة عبدالرحمن بعد أن فاق من أثر الأزمة الخفيفة..
أم عبدالرحمن التفتت بيأس لعبدالله وهي تهمس بنزف روحها الثكلى:
عبدالله يأمك أنت متأكد إنه قام..؟؟
عبدالله بابتسامة حانية مثقلة بالشجن: والله يمه إنه قام وعرفني.. انتظري عليه شوي
يعني صبرتي يمه ذا الشهور كلها.. اصبري شوي بعد..
أم عبدالرحمن همست بأنين وجعها العميق: مل الصبر مني ومليته يأمك..
لم تمضِ دقائق حتى فوجئ الجميع بدخول أبو عبدالرحمن على كرسي مدولب تتبعه ممرضة بالمحلول المعلق في يده ويدفعه أمجد..
شعاع كانت أول من بادرت وهي تنكب على قدمي أبي عبدالرحمن وتدفن وجهها في حضنه وتنتحب نحيبا مكتوما..
أبو عبدالرحمن هتف بتثاقل مرهق وهو يربت على رأسها:
أخيش قام يا شعيع.. قام..
دعاني اليوم.. قام..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك