رواية بين الامس واليوم -45
لأن رفض عبدالرحمن كان قرارش.. حتى لو تضايقتي وندمتي على قرار غبي سويتيه
ما تخلين حد يتشمت فيش.. بكرة بنات عمتش يبون يفتشون في عيونش على الندم على أنش ضيعتي أخيهم من يدش
إياني وإياش تعطينهم ذا الفرصة... ما أقول إن بنات عمتي نفوسهم شينة.. حاشاهم
بس هم مجروحين من رفض أخيهم.. ويبون ينتقمون حتى لو بإحساس مخفي في قلوبهم
حينها همست وضحى بضيق عميق: كاسرة أنا ما أنا بمتضايقة عشان عبدالرحمن خذ عالية الله يوفقهم
لكن حسيت إنه كان مستخف فيني.. يعني رفضته من هنا.. راح خطبتها من هنا
يعني كنه ما صدق..
كاسرة بحزم: لا تفكرين بذا الطريقة.. عبدالرحمن من حقه يدور على شيء يرد كرامته
لا تستكثرين عليه ذا الشيء... مثل ما أنتي شفتي إنه خطبته لش كان فيها أخذ من كرامتش
رفضش له جرح كرامته...
وعلى كل حال... السالفة كلها انتهت... وعبدالرحمن شيليه من بالش.. إنسيه
ثم اردفت بحزم أشد وعيناها تنظران بشكل مباشر لعيني وضحى: سمعتيني... إنسيه
ويا ويلش أشوف عيونش وإلا في صوتش ضيق عشانه
ما أبي شيء مثل ذا يهزش وإلا يأثر عليش
************************************
"يبه عطني فنجالك.. أصب لك"
زايد يهز فنجانه.. وبهتف بحنو: شكّرت يأبيك
وبعدين ذا الصبي المقهوي واقف.. ما أدري ليه ملزم أنت اللي تصب..
علي بمودة: أبي أنا اللي أقهويك جعلني فداك..
زايد بمودة مشابهة: إلا يومي قبل يومك.. ثم أردف بأمل شاسع وهو يشد له نفسا عميقا:
أنت أربك منت برايح قدام عرس كساب..؟؟
خلاص ماعاد إلا أقل من أسبوعين.. ما يثمن تروح وترجع..
علي ابتسم: لا ...قاعد..
أشرق وجه زايد: الله يبشرك بالخير.. زين أربك بتقعد عندنا عقب العرس شوي بعد؟؟
أدري إني مسختها يأبيك.. بس كساب رايح.. وانت بعد تبي تروح معه..؟
ابتسامة علي تتسع: وقاعد بعد عقب عرس كساب.. لين تزهق مني..
زايد بحنو: إذا بتنتظرني لين أزهق..عز الله ما شبرت برا الدوحة.. (ما شبرت= ماخرجت حتى شبرا)
حينها وصلت ابتسامة علي لحدها الأقصى: وحن ماعادنا بمشبرين برا الدوحة
حينها اختنقت الكلمات في حنجرة زايد.. أ حقا ما فهمه؟!!
أ حقا لن يغادره علي.. يخشى أن يسأله فيكون مافهمه خطأ فتنحر فرحته الوليدة
ويخشى ألا يسأله ويكون يعلق نفسه في سعادة ستنتزع منه قريبا
لذا هتف بهدوء حازم رغم انشداد أوتار قلبه لحدها الأقصى: أشلون يعني؟؟
علي مال على كتف زايد ليقبله ثم يهمس بابتسامة ودودة: خلاص خليت مكتب التمثيل الخارجي..
ونقلت هنا...قاعد عندك.. صحيح السالفة كانت بتتعقد شوي..
قالوا لي أنت تكلم انجليزي وفرنسي ومحتاجينك في السفارات برا..
بس أنا أقنعتهم إني في مراسيم استقبال الوفود بأكون أنفع..
وخلاص هذا أنا عندك..
حينها اتسعت ابتسامة زايد لحدها الأقصى وقلبه حلق ومشاعره غردت وهو يمد كفه ليربت على كتف علي ويهتف بسعادة صافية:
الله لا يخليني منك يأبيك.. تو ما برد قلبي اللي له أربع سنين ماعرف راحة
الله سبحانه أكرم من كل شيء
كساب يريح بالي ويتزوج اللي أبيها له..
ومزون تخلي الشغلة اللي كانت مروعتني عليها
وعمك منصور يتزوج عفرا..
وختامها مسك.. أنا أشهد إن ختامها مسك برجعتك لي..
ما أبي زود.. اللهم لك الحمد والشكر
**********************************
"جاهزة لبكرة"
يهمس بإرهاق وهو يلقي غترته..
نجلاء بخفوت: كل شيء جاهز..
صالح بهدوء: الطيارة الساعة 11 الصبح
أنا بأطلع الصبح بدري.. فيه أوراق للشغل بأسلمها واحد من الربع
وأرجع الساعة 8 ونص ألاقيكم جاهزين..
نجلاء بنفس الخفوت: إن شاء الله
يغلق عينيه وهو يسند رأسه لطرف الأريكة
تنظر له بشفافية.. يبدو مرهقا فعلا.. خطوط وجهه.. والهالات حول عينيه
كم تتمنى لو استطاعت مسح ملامح التعب عن وجهه
كم تتمنى لو تمسح على صفحة خده
تخلل أناملها خصلات شعره التي تشعر بلهفة لملامستها
يبدو أنه مرَّ قرن منذ آخر مرة عبثت أناملها بمفارق رأسه
كم تتمنى لو تقبل أجفانه المثقلة بالإرهاق.. تلصق حرير خدها بخشونة عارضه!!
ترتمي في حضنه وتختبئ بين عضلات صدره.. تتنفس عطره من قريب
تستمع لأحاديثه التي لا تنتهي حول كل شيء وهو كعادته يداعب خصلات شعرها أو يشد أناملها قريبا من قلبه..
لماذا بات كل شيء معقدا هكذا؟؟
لماذا؟؟
لــــمـــــاذا؟؟
لـــــــمـــــــاذا؟؟
"حبيبتي الحلوة.. عادها زعلانة عليّ"
يهمس في أذنها وهي مازالت نائمة ليعقب همسه بقبلاته المرفرفة
عفراء تفتح عينيها وتهمس بصوت ناعس رقيق: هذي طريقة تصحي فيها النايمين؟؟
منصور يبتسم: يخسون النايمين.. هذي طريقة لحبيبتي بس..
يا الله عادش زعلانة..؟؟
عفراء تعتدل جالسة وهي تمسح وجهها.. وتعيد شعرها للخلف وتهمس برقة خجولة:
شكلك تبي تزعلني غصب يا أبو زايد.. من اول يوم قلت لك الحطب طاح
منصور يبتسم ابتسامة شاسعة: بس أنا أدري إنش أول يوم قلتي لي الحطب طاح
عشان تخلصين من إلحاحي بس..
عفرء تمد يدها لتمسح على خده وتهمس بعذوبة: زين إنك عارف إنك لحوح..
يتناول يدها من خده ليقبل باطنها ثم يشدها لتقف ويهتف بجدية: اليوم مزون بتمتحن خلاص.. أبيش تكلمينها عن فهد
عفراء تتناول روبها وتلفه على جسدها وتجلس لتهمس بهدوء: إن شاء الله يأبو زايد.. لا تحاتي
منصور يجلس جوارها ويحيط كتفيها بذراعه ويهتف بهدوء باسم: خلصتي التجهيز لعرس كساب؟؟
حينها اتسعت ابتسامتها بشفافية عميقة: خلصت كل شيء
ثم أردفت بعمق أمومي حميم: فديت قلب كساب يامنصور.. ماني بمتخيلة إنه بيتزوج أخيرا.. وإنه إن شاء الله عقب سنة بأصير جدة
كساب يستاهل يرتاح.. طول عمره راكبه الهم.. وباله مشغول..
حينها أردف منصور وهو يقلد طريقتها : (فديت قلب كساب يامنصور)
وإلا منصور مسيكين مايطري على حد يطري قلبه بكلمة..
عفراء بحرج: منصور لا تمسك لي عالكلمة..
منصور يبتسم: عطيني كلام مثله وأنا ماعاد أمسك فيه
عفراء تقف هاربة: بأروح أجهز فطورك..على ما تلبس
منصور يضحك: يازين الهريبة ياناس
ثم أردف بابتسامة: أكيد مستانسة إني راجع الدوام عشان ترجعين لطالباتش
تحاتينهم كنهم بناتش..
حينها توقفت عفراء وهي تهمس بهدوء عميق: على طاري البنات.. البارحة كلمت دكتورة بنتي.. صار لها كم يوم راجعة
تقول إني أقدر أشوف جميلة عقب أسبوعين ثلاثة..
فلو ماعندك مانع .. أبي أروح لها عقب عرس كساب.. ولو أنت ما تقدر
خليت علي يوديني..
تجمدت أصابع منصور انفعالا لم يظهر للعيان وهو يهتف بحزم: لا أنا اللي بأوديش متى ما بغيتي
عفراء ابتسمت بشفافية وهي تدخل الحمام: الله لا يخليني منك يابو زايد
منصور مازال جالسا في مقعده ويهمس بعمق خافت به رنة وجع خفية بعد أن أغلقت عليها الباب: ولا يخليني منش..
بعد حوالي 40 دقيقة منصور في سيارته متوجه لعمله.. تخطر له الكثير من الخواطر المزعجة التي باتت تبعث ضيقا عميقا في روحه
يكره إحساس التشويش والفوضى الذي يعيشه ..يريد أن يقف على أرض صلبة
أن يعلم أين رأسه من قدميه؟؟ فهل يبقى متوترا هكذا من شبح شيء قد لا يكون له أهمية؟؟
لذا يقرر إجراء اتصال عله يريحه قليلا ولو أنه علم أن هذا الاتصال سيرفع قلقه للذروة القصوى ماكان مطلقا ليجريه
ولجعل لنفسه مهلة يتأرجح فيها الأمل في جوانحه.. بدلا من نحره!!
وصله صوتها الرقيق محملا بالقلق: فيه شيء يا عمي؟؟
منصور بمودة: وعشان أتصل أصبح على بنتي لازم يكون فيه شيء؟؟
مزون بابتسامة قلقة: لا فديتك.. بس الساعة توها ست ونص الحين.. وتروعت
منصور بذات المودة: أدري إنش أكيد قاعدة تدرسين لامتحانش.. وحبيت أصبح عليش وأقول الله يوفقش
حينها ابتسمت بشفافية: صباحك كله خير جعلني الأولة.. ودعواتك..
منصور يبتسم: أنتي ماشاء الله ما ينخاف عليش...
ثم أردف بنبرة غامضة: مزون لو بغيت أسألش سؤال غبي شوي
تجاوبيني وتخلينه سر بيننا
مزون رغم استغرابها ابتسمت: حاضرين عمي.. وعيوني لك.. ولا تحاتي السرية.. توب سيكرت
حينها أردف منصور بحزم: مثل منتي عارفة جميلة صارت بنتي بس أنا مابعد أعرف طبايعها.. فلو هي....
بدا له السؤال صعبا على كرامته واعتداده بنفسه ولكنه مجبر عليه لذا أردف بحزم أشد:
فلو هي عرفت بزواج أمها.. وش ممكن تكون ردة فعلها؟؟
حينها ضحكت مزون برقة: كل شيء ممكن يطري على بالك.. جميلة دلوعة وواجد متعلقة في خالتي..
منصور بنبرة غموض حاول أن يجعلها في طريقة سؤال مرح: يعني مثلا ممكن تقول لها تطلقي؟؟
مزون مازالت تضحك: أووووه ..هذا أصلا أول شيء بتقوله.. وبتسوي فيلم هندي على سبته.. وبتبكي وبتصارخ وتعاتب
بس من اللي بيأخذ بكلام جميلة؟؟ أنت وخالتي اسمعوا من هنا وطلعوا من هنا.. مسيرها تكبر وتعقل..
أصابع منصور تيبست على هاتفه وضيق عظيم يتصاعد في روحه لم يظهر في صوته الحازم:
يا الله يأبيش ما أعطلش أكثر من كذا.. والله الله بالدراسة!!
أنهى اتصاله وألقى بالهاتف على المقعد الخالي جواره وهو يصر على أسنانه بقهر عظيم:
ليتني ما كلمتها!!
ليتني ما كلمتها!!
**********************************
في سيارة أخرى بعد ذلك بساعة
رجل آخر تشغل تفكيره امرأة أخرى
وما لا تعلمه أنه مثلها يعلق على السفر أمالا كثيرة
أنه سيفتح بابا جديدا للصفاء بينهما
يستنزفه اشتياقه لها
ويستنزفه ابتعاده عنها
ويستنزفه هذا الجو المتوتر حولهما!!
ولكن كرامته ماعادت تحتمل المزيد
فلأنها تعرف بتمكنها في قلبه.. ظلت تعبث به طوال هذه السنوات.. تقربه حين تريد وتبعده حين يريد
ولكنه قبل ذلك لم يكن يسمح لها أن تبعده.. كان دائما يقتحم حصونها التي تتمترس داخلها
كان دائما هو من يبادر للارضاء والمصالحة.. حتى مع شدة غضبه من موضوع تأخيرها للحمل.. لم تعتذر له هي يوما
جعلت لنفسها الأعذار في حرمانه من حقوقه.. أوجدت لنفسها كل عذر
بينما هو لم تجد له أي عذر
طوال السنوات الماضية.. عشقها كما لم يعشق رجلا امرأة.. لا يستطيع أن يكون جاحدا وينكر أنها تبادله المشاعر
فهو يعلم أن نجلا تحبه كما يحبها.. وكانت بالفعل كزوجة وأم وربة بيت بل كإنسان مثال رفيع للعطاء
ولكنها في الحب نفسه أنانية.. تريد أن تأخذ أكثر مما تعطي..
تعب من كل هذا.. يريد أن يكون إحساسها به كأحساسه بها.. يريدها أن تهبه مشاعرها بلا مقياس
كما كان دائما يغرقها في طوفان مشاعره بلا حساب..
فربما بعد تجاهله الأخير.. عرفت ذنبها في حقه
وربما يكون هذا السفر هو السبيل لإنهاء المشاكل العالقة بينهما
وهو غارق في أفكاره رن هاتفه..
التقطه.. لا يظهر له رقم.. فقط كلمة (مكالمة)
استغرب.. تناول هاتفه ورد
وصله صوت الطرف الثاني.. صوت ثقيل صاف النبرات: صباح الخير
صالح بهدوء رغم استغرابه: صباح النور
ذات الصوت الثقيل برزانة: حضرتك صالح بن خالد آل ليث الــ
صالح باستغراب فعلي: نعم؟؟ فيه شيء؟؟ ومن حضرتك؟؟
الرجل بنفس التبرة الثقيلة: معك وزارة الخارجية من مكتب الارتباط الخارجي.. ونبيك تجينا الحين..
صالح باستغراب: بس انا وراي طيارة..ومسافر بعد شوي
الرجل بحزم: اسمعني ياخوي صالح.. الموضوع ما يتأجل.. وبصراحة أنا اتصلت فيك
لأني ما أبي اتصل في الوالد.. لأني والله بعدني ما نسيت إللي صار لأبوك عندنا هنا قبل حوالي 4 سنين
والله إني وقتها ندمت إني اتصلت فيه.. تمنيت لو اتصلت بحد غيره منكم
فلو أنت ما تقدر تجي بأتصل في أخوك فهد.. الأرقام كلها قدامي الحين
تفجر قلق صالح عاتيا: لا أنا اللي بأجي.. لا تتصل في فهد
بس إبي وش دخله في السالفة.. وأنتو وش سالفتكم؟؟
الرجل بذات الحزم: تعال الحين وأنت بتفهم السالفة.. أنا بأحط اسمك عند السيكورتي عند الباب.. عطهم الاسم أول ما توصل وهم بيوصلونك لين مكتبي
صالح بقلق شاسع: زين أعرف على الأقل الموضوع وش هو
الرجل ألقى قنبلته التي تفجرت براكين عاتية مدمرة مصدومة في داخل صالح :
الموضوع يخص أخوك عــبــدالله..
#أنفاس_قطر#
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الأمس واليوم/ الجزء التاسع والعشرون
"حياك الله.. أنا أبو محمد.. نورت مكتبنا"
"الله يحيك ويبقيك"
" وش تشرب طال عمرك؟؟"
" اشرب؟؟
لا طال عمرك.. شربتني من الروعة ما يكفي وزود..
طمني وبس.. دخيلك يابو محمد .. وش السالفة؟؟"
أبو محمد يتنهد بعمق عانى صعوبة في نفث زفراته.. ثم هتف بحزم مهني ضروري:
والله العظيم ماني بعارف من وين أبدأ.. وخصوصا إنه أنا سبحان الله اللي بلغت أبوك قبل حوالي 4 سنوات
وتدور السنين وأرجع أبلغك أنت بشيء ثاني..وكل السالفتين توجع
تدري يأخوي صالح.. إنه عقب اللي صار لأبوك في مكتبي هنا.. إني قعدت كم يوم بعدها أحلم فيه كل ليلة
يا سبحان الله لأبوك هيبة وقدر وتأثير ما تتخيل أشلون أثر فيني
انا ترا جيت وعزيت في عبدالله مع أني ما أعرفه ولا أعرفكم بس حبيت أتطمن على أبوك عقب اللي صار له هنا
يانا تفاجأت من وقفته كنه يا جبل ما تهزك ريح وهو يستقبل المعزين وأنا عارف إنه فجيعته فوق كل حد..
صالح بقلق شديد: الله يهداك أنا بروحي متروع من حكيك
وزود روعتني على إبي.. تكفى وش اللي صاير..وإبي وش سالفته معكم؟؟؟
.
.
.
قبل أقل من 4 سنوات .. نفس المكتب.. نفس الشخص.. لكن مع فرد آخر من عائلة آل ليث
تختنق الكلمات في حلق أبي محمد.. لم يتخيل أن المهمة ستكون صعبة هكذا
تمنى لو أنه لم يتصل بالوالد.. تمنى لو أنه أتصل بأحد الأشقاء
كم بدا له مؤلما حتى نخاع النخاع كسر كل هذه الهيبة.. هذا الجلال.. هذا الاعتداد العظيم!!
ولكن ما باليد حيلة.. فالشيخ يقف أمامه ويسأل عن سبب استدعائه بهذه الطريقة العاجلة: وش فيك يا ولدي ساكت؟؟
أنتو طالبيني.. وصار لي عندك ربع ساعة وأنت تلف وتدور يأبيك
عندك شيء تبي تقوله، قوله.. ماعندك ، خلني أتسهل
أبو محمد بالفعل اختنقت الكلمات في حنجرته: ولدك عبدالله.....؟؟
حينها تقلصت قبضة أبي صالح بعنف وقلبه قفز لحنجرته التي تشققت جزعا مفاجئا وهو يحاول الاعتصام بالجَلَد: وش فيه عبدالله؟؟
أبو محمد بكلمات مبتورة تمنى لو يغير من حقيقتها التي لا تتغير شيئا: يـ ـطـ لـ بك الـ..
يطلبك البيحة...
حــــيــنــهـــا
حــيــــنــــــــهــــــــا
أي كلمات تصف شعور الفجيعة حينها؟؟
كل الكلمات قاصرة.. هزيلة.. لا معنى لها..
أ هكذا يُفجع أنه لن يراه مرة أخرى.. وهو من كان يعد الساعات والدقائق لعودته!!
أي فجيعة هذه؟؟ أي فجيعة؟؟
اسودت الرؤية.. غامت النظرة
انهار كتفا الرجل العظيم ليغوص رأسه بينهما... وهو يسند رأسه لكفه ويغمغم بصوت مختنق قادم من هوة بلا قرار:
يطلبني البيحة؟؟ تقول يطلبني البيحة؟؟
يهز رأسه عاجزا عن التصديق.. بل رافضا أن يصدق:
عبدالله مات.. مات خلاص؟؟
أبو محمد وقف وتوجه لأبي صالح وربت على كتفه وهتف بإيمان موجوع:
قول إنا لله وإنا إليه راجعون..
أبو صالح غمغم بصوت مكسور مبحوح:
إنا لله وإنا إليه راجعون.. إنا لله وإنا إليه راجعون
يا الله الثبات من عندك.. يا الله الثبات من عندك..
ثم بقي لدقيقة عاجزا عن النطق.. لا يجد حتى الكلمات.. فهو هاتفه للتو من أيام.. ثم استغرب انقطاعه عنه..وكان يحاول الاتصال به ولكن هاتفه كان مغلقا على الدوام..
ولكن منذ أيام فقط كان صوته الغالي يصب في عمق قلبه
فأي صوت بعد صوتك ياعبدالله؟؟ أي صوت؟؟
سحب له أنفاسا شعر بها كشفرات تمزق رئتيه المختنقة: وش سببه بعد الله سبحانه؟؟ نبي نروح نجيبه يدفن هنا يأبيك؟؟
أبو محمد يشعر أنه سيبكي نيابة عن هذا الرجل العظيم الذي ضن عليه شموخه بالبكاء حتى وإن كانت روحه تنزف كل دموع الأرض:
ما تقدر تجيبه ياعمي.. ما تقدر
حينها غامت عينا أبي صالح بجزع إن كان يصح تسمية هذا الشعور المرير الجارح المتغلغل صدمة ووجعا مجرد (جزع):
حتى جثة تقر عيني بشوفتها مافيه...ليه؟؟
ليه؟؟ لــــــيـــــه؟؟
ولدي أشلون مات.. أشلون مات؟؟ وين جثته؟؟
أبو محمد باختناق: ما لقوا له جثة.. والله أنهم حاولوا.. والسفارة والخارجية قدمت مذكرة بإعادة البحث.. بس مالقوها.. والله العظيم مالقوها
أي ألم هذا أي ألم.. قفز أبو صالح عن مقعده صائحا بكل ألم الدنيا: أشلون ما لقوها؟؟
حينها ألقى أبو محمد قنبلته المؤلمة الموجعة التي تفجرت في روح خالد قيحا وصديدا لم تتوقف مرارتهما من ذلك الحين:
ياعمي ولدك انتحر.. قط روحه في البحر من فوق جسر..
انتهى انفجار قنبلة أبي محمد ليبدأ مفعولها المتوحش في روح أبي صالح
حــيــنـهــا انـــهـــار..
انهدم جالسا على مقعده.. انهار وهو يتمتم بكلمات ميتة: ولدي ما يموت كافر.. ولدي ما يموت كافر
ولدي ما يموت كافر!!
ليتعالى صراخه الموجوع: ما يموت كـــــــافــــــــر.. ما يموت كــــــــافـــــــــر..
قل لي إنه سوى حادث.. قل لي إنه احترق.. قل لي تفجرت به طيارة..
قل لي أي شيء.. أي شيء ممكن يفجع أي إب على ولده.. أي فجيعة
إلا ذا الشيء يا ولدي.. إلا ذا الشيء.. تكفى.. تكفى
قل لي إن ولدي مامات كافر..
لا تقول لي إنه مطرود من رحمة ربه..
تكفى يأبيك.. قل لي شيء غير ذا.. طالبك.. طالبك..
ولدي ما يموت كافر.. ما يموت كافر..
تكرم لحيته اللي ربيتها على الدين والمراجل..
فأشلون يموت كافر؟؟ أشلون؟؟
.
.
.
اليوم
" أخي ما يموت كافر.. مستحيل أصدق.. مستحيل
عبدالله مصلي.. والفرض ما يفوته
مستحيل.. مستحيل.."
صراخ صالح الموجوع يتعالى اليوم كما تعالى صراخ والده في ذات المكان قبل حوالي أربع سنوات
أبو محمد يشير لصالح أن يهدأ رغم تأثره العميق من ثورة صالح الموجوعة ويهتف له بهدوء: وأخيك فعلا ما انتحر
بس هو ضبط السالفة وأقنع الكل إنه انتحر.. وأخفى كل اثر له
تخيل حتى الشرطة الأميركية مادلته..
ملابسه خلاها فوق جسر بروكلين في نيويورك في أقصى شرق أمريكا
وعاش عقبها في بورتلاند ولاية أريغون في أقصى غرب شمال أمريكا..
صالح صرخ بكل ذهول العالم وصدمته: يعني عبدالله حي؟؟
أبو محمد بهدوء شديد الحذر: حي..
ثم أردف وهو يمد يده لورقة على مكتبه ويمدها لصالح: هذي الرسالة اللي هو خلاها مع جوازه وملابسه اللي كانت عند الجسر
عطيتها أبيك ذاك اليوم وقراها.. ثم داس عليها برجله وهو يقول بوجيعة ما نسيتها عمري (مات كافر وخسيس)
وأنا احتفظت فيها من ذاك اليوم لأنها تعتبر مستند..
صالح تناول الرسالة بيد مرتجفة وفضها بقلب أكثر ارتجافا:
" يبه.. صالح..
أنا عارف إن واحد منكم هو اللي بيقرأ رسالتي
أنا تعبت من ذا الدنيا
عندي مشاكل كثيرة ما تدرون عنها
وخلاص ما أقدر أعيش مع ذا المشاكل
أبي أرتاح من ذا الدنيا... أدري إن ذنبي كبير
أطلب منكم السماح... ودايما ادعو لي..
وتراني ظلمت جوزا كثير..ظلمتها فوق ما تتخيلون.. تراها وصيتي لكم
تكفون ما يلحقها ضيم لين ربي يشوف لها نصيب أحسن مني"
صالح يغمض عينيه ويغلقهما.. عاجز عن التصديق.. عاجز عن التفكير
أ حقا كل هذا الجنون؟؟
وما الذي يدفع عبدالله لكل هذا؟؟
لماذا يؤلف حكاية كهذه؟؟
وكيف استطاع أن يجعل والده يواجه كل هذا الألم وهو يخبر الجميع أن عبدالله توفي في حادث سيارة هناك
وأن السفارة ستتولى دفنه.. وحلف على صالح أن لا يذهب هناك رغم أنه كان سيجن ليذهب لإحضاره
يحاول صالح تخيل كل هذا الألم الذي عاناه والده وحيدا.. فلا يستطيع التخيل حتى!!
الآن فهم رفضه تسمية حسن باسم والده..
الآن فهم نظرة الغضب والأسى العارمين التي كانت تلون وجهه كلما سمع ذكر عبدالله
الآن فهم السنوات التي تضاعفت على كاهل والده
الآن اكتملت الصورة..
كان يستغرب رفضه لذكر عبدالله عنده وكان يحاول تفسيره أن ذكر عبدالله يؤلمه لأنه يقلب مواجعه..
ولكن هذا التفسير لم يكن يقنعه.. لم يكن يقنعه.. ولكنه لم يجد سواه..
الآن يستطيع تفهم أي صراع نفسي مرير عاشه والده طوال السنوات الماضية
وأي ألم هو؟؟ أي ألم؟؟
أبو محمد يكمل حديثه بحذر: ترا كان مع الورقة ذي ورقة ثانية.. بس ما أدري أبيك قراها أو لا..
لأنه بعد ماقرأ الرسالة.. قط الاوراق كلها وداسها وطلع
صالح بتساؤل: أي ورقة؟؟
أبو محمد بذات الحذر: عقد طلاق موثق في السفارة القطرية في واشنطن..
يومها يوم شفته.. قلت رجال يبي ينتحر.. ليش يطلق مرته..
بس الحين فهمت..
صالح ينتفض بغضب وحرقة: وعبدالله ليش يسوي ذا كله؟؟
وأشلون هنّا عليه كلنا.. هان عليه يسوي فينا كذا..
ليه يا عبدالله؟؟ ليه؟؟ ليه؟؟
*******************************
تكاد تجن من القلق... الظهر أذن.. وموعد الطائرة فات.. وماعاد يهمها موعد الطائرة مطلقا.. لا تريد أن تسافر حتى
تريد فقط أن تطمئن عليه.. البيت كله في حالة استنفار.. بعد تأخر صالح عن أخذ أولاده للرحلة
ثم وهو لا يجيب مطلقا على أي اتصال...
فهد وهزاع وحتى غانم ونايف... كل واحد منهم توجه لجهة للبحث عن صالح... فغيابه بهذه الصورة لم يكن طبيعيا أبدا
أم غانم وسميرة حينما علمتا أن نجلا لم تسافر وزوجها غائب.. قررا أن يتوجها لها من باب المؤازرة خوفا أن يكون قد حدث له سوء وتريدان أن تكونا مع نجلا حينما تتلقى الخبر
ولكن رؤيتهما كان لها تأثير عكسي تماما على نجلا
كانت تجلس مع أم صالح وعالية في الأسفل كل واحدة منهن تحاول الاعتصام بالقوة حتى لا تثير القلق في الاثنتين الأخريين
ولكنهن ثلاثتهن كن يذبن قلقا وجزعا.. وأناملهن تمر على هواتفهن بجزع متوتر
أم غانم وسميرة دخلتا..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك