بارت من

رواية بين الامس واليوم -46

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -46

فهد وهزاع وحتى غانم ونايف... كل واحد منهم توجه لجهة للبحث عن صالح... فغيابه بهذه الصورة لم يكن طبيعيا أبدا
أم غانم وسميرة حينما علمتا أن نجلا لم تسافر وزوجها غائب.. قررا أن يتوجها لها من باب المؤازرة خوفا أن يكون قد حدث له سوء وتريدان أن تكونا مع نجلا حينما تتلقى الخبر
ولكن رؤيتهما كان لها تأثير عكسي تماما على نجلا
كانت تجلس مع أم صالح وعالية في الأسفل كل واحدة منهن تحاول الاعتصام بالقوة حتى لا تثير القلق في الاثنتين الأخريين
ولكنهن ثلاثتهن كن يذبن قلقا وجزعا.. وأناملهن تمر على هواتفهن بجزع متوتر
أم غانم وسميرة دخلتا..
نجلا حينما رأتهما.. جف ريقها.. وقلبها هبط بين قدميها وهي تتمتم بصوت خافت: صالح فيه شيء؟؟
صالح فيه شيء؟؟
ليبدأ صوتها بالارتفاع: صالح فيه شيء؟؟
لتصلها والدتها وهي تربت على كتفها بحنان: مافيه شيء يأمش.. ليش تفاولين؟؟
ولكن صوتها تحول لصراخ مفجوع: وش انتو داسين علي؟؟
صالح وش فيه؟؟ صالح وش فيه؟؟
ليتعالى صراخها بهستيرية أكبر والكل يحاول تهدئتها.. والكل مصدوم من ثورتها فلطالما كانت نجلا شديدة التحكم بأعصابها وانفعالاتها
ولكن صراخها تعالى أكثر وأكثر.. وجسدها يرتعش بعنف
ليسقط مغشيا عليها بين أيديهن..


******************************


بعد صلاة الظهر بساعة..

صالح صلى هناك وعاد لإكمال حواره مع أبي محمد.. فور انتهائهما من الحديث هتف صالح بحزم بالغ أخفى خلفه صدمته وألمه لما حدث لشقيقه:
أنا أبي أسافر لواشنطن في أسرع وقت.. بس خايف من تأخير الفيزا.. تقدرون تساعدوني؟؟
أبو محمد أجابه بتصميم: تبي تسافر الليلة؟؟
صالح بلهفة ورجاء شديدين: ياليت.. يا ليت
أبو محمد بثقة: عطني جوازك وصور شخصية لك الحين..
الوزير بنفسه مهتم من موضوع أخوك
احنا بنتوسط لك عند السفارة الأميركية تخلص الفيزا اليوم
روح انت احجز وعلى العصر ارجع على السفارة إن شاء الله إنك تلاقي فيزتك جاهزة
صالح يقف ويهتف بتصميم شديد: مشكور ياخي الله يكثر من أمثالك
أنا طالع الحين أحجز على أقرب طيارة..
أبو محمد يصافح صالح ويهتف له: هذا رقم تلفوني حدد لنا موعد وصولك وبتلاقي مندوب من السفارة ينتظرك هناك..
صالح خرج من عنده... لم يكن في رأسه سوى أن يحجز فقط
تفكيره غارق في التبلد وليس فيه سوى عبدالله وماحدث عبدالله
وأنه لابد أن يراه في أقرب فرصة.. لو استطاع أن يطير حتى لطار
ليس به صبر.. ليس به صبر..
توجه لأقرب محل سفريات.. عانى قليلا ليجد له حجزا مستعجلا في طائرة تطير قبل المغرب بقليل
هاهو يقود سيارته عائدا للبيت وغارقا في الهم والتفكير
أ يعقل كل ما حدث؟؟ أ يعقل أن عبدالله مازال حيا؟؟
أي صدمة هذه؟؟
كيف يستطيع اخبار أهله بهذا؟؟
كيف يستطيع أخبارهم كل هذه التفاصيل الفاجعة؟؟
وكيف أخفى عليه والده كل هذا؟؟؟
لو أن والده أخبره.. كان يستحيل أن يصدق أن عبدالله قد يفعل ذلك
كان قد شك أن هناك ما هو أكبر
كان ليذهب بنفسه ويتأكد.. هو كان سيعرف كيف يجده.. حتى لو أختبأ في بطن الحوت
لأنه يعرف أساس الحكاية التي لا يعرفها والدهما!!
يتنهد بعمق.. لا يستطيع إصلاح الماضي.. فما مضى قد مضى
ومن معرفته لوالده.. يعرف أنه يستحيل يسامح عبدالله بعد مافعله بهم..
لذا يجب أن يدرس خطواته بدقة تحسبا للتاثيرات
أول شيء سيفعله أنه لن يخبر أحد بسبب سفره ..
سيخترع لهم أي سبب..
وهو غارق في أفكاره تذكر بجزع أكبر الرحلة التي فاتته وأهله الذين لابد جزعين عليه.. كان يقترب من بيتهم
والوقت قبل صلاة العصر بقليل..
"كيف نسيَ أن يطمئنهم؟؟ كيف نسيَ؟؟"
تناول هاتفه ليفجع فعلا من عدد الاتصالات التي لم يرد عليها
تجاوزت المئة اتصال.. من والده وأشقائه وعمه وغانم ونايف.. والدته وعالية ونجلا وحتى بعض خالاته..
ضرب مقدمة رأسه وهو يلوم نفسه على نسيان أن يتصل بهم ليطمئنهم
ولكن مع الخبر الصدمة الذي صُدم به كيف يجد له مساحة للتفكير بشيء آخر؟!
تنهد بعمق وهو يشد أنفاسه ويتناول هاتفه ويتصل ..


في ذات الوقت.. في مجلس الحريم في بيت خالد آل ليث
نجلاء تنتحب بصوت خافت على كتف والدتها التي كانت دموعها تنساب بصمت على حال ابنتها
سميرة وعالية تجلسان متجاورتان.. توترهما قفز للذروة.. ولكنهما كلاهما تحاولان الاعتصام ببعض قوة
فآخر ما ينقص الجميع هو أن يزيدا الوضع سوءا
يكفيهما ما حدث لنجلاء التي كادت تموت بين أيديهن..
أم صالح كانت ترفض في داخلها أن تبكي..
لن تبكي.. البكاء يعني أن هناك سوء حدث له.. وهي تريد أن تحميه حتى من مجرد سوء أفكارها
كانت تتمتم بالدعوات في داخلها.. تدعو الله عز وجل بكل عمق أن يحفظه ويعيده لها.. فقلبها المفجوع الذائب لن يحتمل فقدا آخر.. لن يحتمل أبدا
وهي غارقة في دعواتها رن هاتفها
كانت تجيد قراءة الأسماء.. لذا حين رأت الاسم الذي ينير على الشاشة لم تحتمل
وكل مقاومتها الهشة انهارت وهي تنتحب بألم يمزق نياط القلب
ألقت هاتفها على عالية جوارها وهي تشير لها أن ترد.. والجميع تحفزوا مع الموقف
عالية التقطت الهاتف بيد بينما شدت بيدها الأخرى على يد سميرة الجالسة جوارها من الناحية الأخرى وهي تهمس بلهفة وتخوف: صالح..؟؟
جاءها صوته مرهقا هادئا: ليه حد بيتصل من تلفوني غيري.. وين أمي؟؟
عالية تنظر بقلق وتأثر لأمها الباكية جوارها: أمي تكرم في الحمام.. أنت بخير..؟؟
صالح بهدوء: بخير مافيني شيء... بس جاني شغل ضروري وتلفوني خليته في السيارة
عالية بعتب: وش الشغل اللي يخليك تخلينا على أعصابنا كذا؟؟
أم صالح التقطت الهاتف من يدها وهي تحاول أن تخفي رنة البكاء من صوتها:
وينك يأمك؟؟ وش سويت فينا الله يهداك؟؟
صالح بحنو شاسع: والله أني طيب.. وجايش الحين..
أم صالح أنهت المكالمة والتفتت للجميع وهي تهمس بصوت مبحوح: صالح طيب وجاي الحين
قلب آخر كان يستمع للمكالمة وهو ينتفض بعنف.. كانت صوت بكاءها يرتفع وهي تتمتم بالحمد لله والشكر له
لا تعلم ما الذي حدث ولا يهمها أن تعلم .. يكفيها أنه بخير
تشعر بجسدها يغرق في عرق بارد.. تشعر كما لو كانت قضت يوما طويلا في السباحة ضد التيار
وألم عظيم يستشري في عظامها ومفاصلها
التفتت لوالدتها وهمست بخفوت من حنجرة ممزقة: يمه اسمحي لي باروح أسبح قدام يجي صالح ما أبيه يشوف حالتي كذا.. يتروع
أم غانم ربتت على خدها بحنان: روحي يامش.. حن بنكلم غانم وبنروح للبيت أصلا ماعاد باقي شي على صلاة العصر
نجلاء صعدت لغرفتها وهي بالكاد تسحب جسدها المكدود.. بعد دقائق وهي في منتصف استحمامها سمعت طرقات على الباب..
تحفزت وهي ترد: من؟؟
وصلها صوته العميق المرهق الذي بعث رعشة عميقة في أوصالها: أنا صالح.. اطلعي نجلا.. ابيش ضروري..أبي أكلمش وماعندي وقت
نجلاء بخفوت وحرج: خمس دقايق صالح بس..
وصلها صوته محملا بالضيق وخيبة الأمل: ما أقدر أنتظر .. باتصل لش تلفون..
نجلا حين سمعت أنه لا يستطيع الانتظار وأنه قد يذهب –ربما للصلاة- دون أن تراه
خرجت من فورها وهي تلف جسدها الغارق في رغاوي الصابون بروبها.. عدا عن الرغاوي التي كانت تحيط بشعرها وتتساقط على وجهها
فُجعت حين خرجت أن المكان كان خاليا من صالح
وفجعت أكثر أن الحقيبة التي كانت أعدتها له من أجل سفرهما غير موجودة أيضا!!


*************************************


بعد عشر دقائق

في صالة بيت خالد آل ليث السفلية.. نزلت نجلاء باستعجال وهي تلف شعرها المبلول بجلالها الواسع وتغطي وجهها بطرفه خشية أن تجد أحد أشقاء صالح معه.. وقلق مرعب غير مفسر يلتهم روحها
لتجد عالية تجلس وحيدة.. ينتابها سكون عميق غريب
همست لها بنفس مقطوع: وين صالح؟؟
عالية ردت بسكون: راح
نجلا بصوت مبحوح: راح الصلاة؟؟
عالية نظرت لها بعينين غائمتين: لا سافر أمريكا..
نجلا انهارت جالسة وهي تشهق بصدمة كاسحة: ويش؟؟ أمريكا؟؟
عالية بقلق: يقول عنده شغل.. ماقال لش؟؟
نجلاء بصدمة موجوعة: كنت في الحمام..
وبعدين من متى وصالح عنده شغل في أمريكا؟؟
عالية بضيق عميق: إبي متضايق حده من سفرة صالح.. تدرين ما يداني طاري الروحة لأمريكا من عقب مامات عبدالله هناك بحادث سيارة
نجلاء بألم: وش ذا السفرة الفجاءة؟؟
عالية بألم مشابه: ليتش بس شفتي وجهه.. مسود.. وباين عليه الهم.. وعقبه يقول رايح شغل.. ومارضى يقول لاحد أي تفاصيل
يقول شغل ضروري وبس
والله ما أبي أروعش عليه.. بس أنا بروحي متروعة..
نجلا تكفين كلميه شوفي وش سالفته؟؟
طيارته يقول قبل المغرب..
نجلاء تنهدت بألم عميق وهي تعاود سحب نفسها للأعلى.. صلت العصر.. ودعت الله طويلا أن يحفظ صالحا لها ولأولادها ولأهله..
بعد أن نهضت عن سجادتها.. تناولت الهاتف لتتصل ولكن أناملها جفت على أزرار هاتفها
تشعر بخجل عميق من صالح..
في كل خلاف بينهما.. كانت تبرئ نفسها من أي ذنب.. وتحمله مسؤولية كل شيء..
لا تنكر أنه أخطأ في حقها خطأ لا يُغتفر.. ولكنها عجزت دائما عن إيجاد حل.. عجزت عن إيجاد منطقة وسطى بينهما
اكتفت باعتذاراته وباستنزاف مشاعره كلها من أجلها..
دون أن تحاول حل المشكلة من جذورها..
كانت تتصرف كما يتوجب من زوجة خلال حياتهما اليومية..
لكن حينما يحدث خلاف تعجز عن المواجهة..
ورغم شدة محبتها لصالح إلا أنها لم تشعره بعمق هذا الحب كما كان يشعرها به..
ورغم معرفتها اليقينية لتشوقه لإنجاب فتاة.. إلا أنها لم تمنحه هذه الأمنية.. ولم تفكر أن تعتذر حتى عن حرمانه من هذا الحلم..
شعرت أن من حقها أن تعاقبه بهذه الطريقة.. مادام سمح لنفسه بتجريحها وإهانتها..
وإن كان بعد ذلك أعتذر واعتذر واعتذر.. فهي لم تفكر في الاعتذار يوما
استكثرت عليه مجرد حقه في أن ينال اعتذارا على ما سببته له من ألم!!
تشعر الآن بصفاء شديد في التفكير..
في أحيان كثيرة نحتاج لموقف صادم حتى يوقظنا من غيبوبتنا الفكرية..
ولكن السؤال هو : هل استيقظنا في الوقت المناسب أو بعد فوات الأوان؟!!
تناولت هاتفها وضغطت آخر رقم لديها في قائمة الصادر..
حينها كان صالح أنجز إجراءاته وينتظر موعد الصعود للطائرة الذي لم يتبق عليه سوى القليل
كان فهد هو من أوصله للمطار بعد أن مرا بالسفارة الأمريكية وأخذ فيزته
طوال الطريق وفهد يستجوبه بإصرار غاضب عن سبب سفره
ولكن صالح لم يجبه بغير جملة (شغل ضروري ما أقدر أجله)
فصالح بطبيعته ليس من النوع المراوغ أو الذي يجيد الكذب أو الدسيسة أو حتى الاحتيال الذي قد يكون ضروريا بعض أحيان
ولكنه من الناحية الأخرى بئره عميق جدا.. وإن كان لديه سر فيستحيل أن يخرج سره..
ومن ذلك سر عبدالله الذي عرف به قبل حوالي خمس سنوات ونصف ومع ذلك لم يخبر به أحدا أبدا..
وهاهو الآن جالس في صالة الانتظار يسند رأسه المنهك إلى كفه اليمين
انتزعه من أفكاره رنين هاتفه.. حين رأى اسمها يضيء على شاشة هاتفه
شعر بحنين عميق.. وشجن أكثر عمقا.. ولام نفسه بشدة أنه لم يكن هو من أتصل بها..
تناول هاتفه ورد بعمق خافت: هلا أم خالد..
عانق شرايين قلبه قبل أذنه صوتها العذب المرتجف: هلا بك يأبو خالد..
ثم أردفت بعتب رقيق: يعني ماقدرت تنتظرني دقايق لين أشوفك؟؟
رد عليها صالح بعتب مشابه: ماهقيت إن شوفتي تهمش..
نجلا بألم شفاف: ماله داعي لذا الكلام.. لأنك عارف إنه أكيد شوفتك تهمني..
وتهمني واجد مهوب شوي
صالح رد عليها بنبرة مقصودة: وش يدريني؟؟
هل تكرمتي مرة وقلتي لي يعني؟؟
أو تبيني أعرف الغيب؟!!
نجلا صمتت لثانيتين.. بدا لها ما ستقوله صعبا عليها وهي تدفع في عروقها الشجاعة التي لطالما نقصتها
تريد أن تعتذر له بعمق.. لا يمكن أن تدعه يسافر هو وهو عاتب عليها هكذا بعد أن انهارت مخططاتها في سفرهما سويا..
همست برقة وهي تبتلع ريقها: صالح أبي أقول لك شيء..
لكن صالح قاطعها باستعجال: أدري إنش تبين تدرين وش موديني أمريكا
عندي شغل ضروري والله العظيم
الحين ينادون صعود الطائرة بأكلمش إذا وصلت
نجلاء همست برجاء موجوع: بس صالح..
صالح قاطعها بتصميم: يالله في أمان الله.. خلي بالش من نفسش ومن العيال
ثم أنهى الاتصال وهو يتجه لبوابة الصعود للطائرة باستعجال.. فلهفة عميقة وحزن أعمق يخترمان روحه
يشعر بتخوف عميق لما سيواجهه هناك.. ليس التخوف بمعناه المادي ولكن بمعناه المعنوي الجارح الحاد
كل هذه السنوات ماذا أخذت من شقيقه وماذا أبقت منه؟؟
ماذا بقي من عبدالله الذي يعرفه؟؟
وهذه المصيبة التي مر بها عبدالله أخيرا والتي عرف بها صالح اليوم كفيلة بتحطيم كيان أي إنسان.. فماذا بقي من عبدالله.. ماذا بقي منه؟؟
على الطرف الآخر
ألقت هاتفها جوارها بقهر.. ثم أنكبت جواره تسيل دموعها المقهورة بصمت
"أ كان عسيرا عليه أن ينتظر لدقيقة واحدة يستمع لما أقول؟؟
بالكاد استجمعت شجاعتي والموقف أعطاني دفعة معنوية للتشجع
فكيف سأجد هذه الشجاعة مرة أخرى؟؟
كيف سأجدها؟؟"


************************************


" خالتي من جدش؟؟
وإلا تمسخرين علي؟؟"
عفراء تمسح على شعر مزون بحنو: ليه السوالف ذي فيها مزح؟؟
مزون بخجل عميق: مهوب المقصد..
بس عمري ماحد خطبني.. ويوم انخطب يكون اثنين مرة وحدة وعيال عم بعد
السالفة محرجة وغريبة..
عفراء بحنان: ما يهمش شيء من غرابة السالفة وإحراجها.. المهم أنتي تفكرين زين وتختارين واحد منهم
مزون بذات الخجل: بس خالتي...
قاطعتها عفراء بابتسامة: لا تبسبسين.. أنا بجيب لش مواصفات الثنين كاملة
من كساب ومنصور
وانتي عقب اختاري
استمر الحوار بين الاثنتين لفترة .. وعفراء اتصلت بالفعل بكساب ومنصور وسألتهما عن الشابين أمامها وهي تسمع
وكانت تقصد أن تفعل ذلك أمامها حتى تسمع بنفسها وساطة كلا منهما
بينما مزون كانت مشوشة.. ويغتالها شعور عميق بالغرابة والحرج والتردد
شعور عميق جدا بالتردد!!
تحاورت طويلا مع خالتها.. ولكن الحوار زاد ترددها وتشوشها بدلا من أن يدفعها لاتخاذ قرار أو في اتجاهه..


بعد حوالي ساعتين..
هاتف عفرا يرن.. كان منصور يستعجلها للخروج فهو ينتظرها في السيارة..
في السيارة عفراء تهمس له برقة: واشفيك تأخرت علي؟؟
منصور يشد على يدها ويهتف بعمق: اشتقتي لي؟؟
عفراء بخجل: مشكلتك واثق من نفسك زيادة اللزوم..
منصور بثقة: إذا صار للثقة أساس.. ماعلينا شر..
وإلا الثقة مالها أساس؟؟
عفرا تغير الموضوع: لا جد.. قلت لي بتجي الساعة 9 والساعة الحين صارت 11.. تروعت عليك ليس إلا
منصور بغموض: انشغلت شوي بسالفة..
حينها وصلا لبيتهما وكانت عفرا على وشك النزول.. لولا اليد القوية التي منعتها.. ومنصور يمسك بعضدها ليوقفها..
عفراء نظرت له مستفسرة برقة:
فيه شيء يابو زايد؟؟
منصور ينقله كفه لكفها ويتناوله ليطبع في باطنه قبلة عميقة.. عفراء تلفتت بحرج:
منصور الله يهداك.. حن في الحوش
منصور يبتسم: حوش بيتنا.. ومافيه حد غيرنا
ثم أردف بثقة: أبي أطلب منش طلب.. ممكن؟؟
عفراء برقة: آمرني.. مهوب تطلب بس
منصور بذات الثقة الحازمة: مثل منتي عارفة عرس كسّاب عقب أقل من أسبوعين
وأنا داري إنش تبين تسافرين لبنتش عقبه..
لكن أنا عقبه عندي شغلة بسيطة.. ممكن نأجل السفر بس 3 أسابيع عقب العرس
حينها انتفضت عفراء بجزع وشعر هو بارتعاش كفها الساكن في كفه:
تكفى يأبو زايد دخيلك.. مافيني صبر.. قلبي ذايب على بنيتي..
لو علي ودي أروح اليوم قبل بكرة..
منصور بغموض: زين أسبوعين بس عقب العرس..
عفرا برجاء عميق: خلاص منصور.. بأخلي علي يوديني.. واوعدك أرجع بسرعة.. بس أشوفها..
منصور في داخله (وأنا وش خايف منه إلا ذا الشوفة)
ثم هتف بحزم:
عفرا ياقلبي ما طلبت منش شي.. بس أسبوعين عقب عرس كساب
وأنا اللي بأوديش.. أبي أتعرف على جميلة بنفسي
يهون عليش تخليني أترجى فيش كذا؟؟
وبعدين أنا ما أستحمل تسافرين وتخليني.. يهون عليش منصور يعني؟!!
عفراء بضيق وخيبة أمل: خلاص منصور مهوب مشكلة.. اللي صبرني ذا الأيام كلها .. يصبرني كم يوم بعد
ماأقدر أردك..
اتسعت ابتسامة منصور بانتصار: الله لا يخليني منش.. قولي آمين..


*************************************


مضى من الليل أكثره
قلبان رقيقان ساهران
أحدهما يفتقد شريك حياته
والآخر يفكر في اختيار شريك حياة
.
.
.
تنظر للمكان حولها بحنين
قد يكون طوال الأيام الماضية يعمره البرود والسكون
ولكنه على الأقل كان هو موجودا يغمر المكان حوله بحضوره
ويأخذها الحنين لأيام أقدم من ذلك
قبل عام من الآن
وصالح يحتويها بدفء مشاعره اللا محدود
تشعر بضيق عميق يكتم على روحها.. من نفسها.. من هذا العمل التعيس المفاجئ الذي أبعد صالح عنها
تقف.. تفتح الخزانات .. تريد شيئا تلتهي به.. كعادتها عندما تشعر بالضيق
تعيد ترتيب بعض الأشياء
تعثر لها على شيء.. تنظر لشريط الأقراص الطويل الذي مازال في نفس مكانه الذي تركته به قبل عشرة أشهر
تتناول كل الأشرطة الموجودة وتلقي بها في سلة القمامة...
.
.
.
في مكان آخر قلب شاب غض ساهر
تدور في غرفتها.. ولا تفتأ تنظر بشجن وابتسامة لانعكاس صورتها في المرآة
لا تنكر شعورها بالنشوة العارمة
بعد إحساس نقص لازمها لسنوات
وإحساسها الدائم أنها لن تكون يوما زوجة ولا أما
فإذا بها تتفاجئ أن تكون مطلبا لشابين لا يُرفضان
كلاهما يتميز بمواصفات فريدة..
ولكن خلف إحساس السعادة البريئة هذه
كان يكمن إحساس آخر أعمق وأخطر
" يا الله ألهمني الصواب
يا الله ألهمني الصواب
وش ذا اللي يصير لي يارب
معقولة؟!!
معقولة كذا؟؟ "


***********************************


كانت غارقة في نومها حين أفزعها رنين الهاتف
ألتقطته بفزع وهي ترد دون ترى المتصل: ألو
وصلها صوته ساخرا كالعادة: ليش متروعة كذا؟؟ لذا الدرجة أنا أخوف
حين تعرفت على المتصل.. تنهدت بعمق وهي تدعو الله أن يلهمها الصبر.. اعتدلت جالسة وهمست بصوت ساحر علقت في أطرافه رقة النعاس:
وهذا وقت حد يتصل فيه إلا لو كان وراه مصيبة
رغما عنه شعر بقشعريرة باردة تجتاح خلاياه وصوتها الخلاب الغريب يثير فيه مشاعر يعجز عن تفسيرها
ومع ذلك وذاك أجاب ببروده المعتاد: شكرا يا مدام على ذوقش
يعني رجّالش ماوراه المصايب..
كاسرة أجابت بتهكم بارد: لا محشوم رجالي..
بالعادة لو وحدة يتصل لها زوجها ذا الحزة.. يكون يبي يقول لها كلام حلو
يا ترى وش الكلام الحلو اللي أنت متصل تقوله لي؟؟
يطيح السقف علي ويكسر عظام صدري.. مثلا
حينها ابتسم كساب وهتف بخبث: وقلبش أسود بعد.. وما تنسين!!
كاسرة ببرود: كساب لو سمحت وش تبي؟؟
كساب بنبرة مقصودة: اليوم الصبح ما قدرت أقرأ كل الجريدة..
والحين تو كملتها
كاسرة شعرت بغيظ لم يظهر في صوتها الواثق: ويا ترى تبي تسولف لي عن أخبار الجريدة
كساب بذات النبرة المقصودة: لا هو خبر واحد بس.. عن ورشة عمل لرؤساء الأقسام في الهيئات الحكومية في معهد التنمية الإدارية..
حينها كاسرة بذكائها عرفت سبب الاتصال ولكنها تركته يكمل حديثه بذات نبرته المقصودة: وأنا أقرأ الأسماء.. تخيلي من اللي لقيت اسمها؟؟
حرمنا المصون
والمشكلة إنها خذت الورشة هذي عقب ماصارت مرتي.. وبدون ما تستأذني
تخيلي!!
كاسرة شدت لها نفسا عميقا ثم همست بحزم: والله يا زوجي المبجل أعتقد أني اشترطت عليك شغلي وأنت وافقت..
وهذي كانت ورشة ضرورية وكانت يوم واحد بس
كساب ببرود حازم: والله أعتقد أني وافقت على شغلش .. مهوب على دورات مختلطة مع رياجيل
كاسرة همست بحزم: والله أنا ماخذت دورة مفتوحة أنا خذت ورشة لرؤساء الأقسام بس.. وما كنت فيها بروحي
كان معي حريم ثانين.. وأحنا قاعدين في صوب والرياجيل في صوب
ثم أردفت بتهكم: يعني ما كنت قاعدة جنب واحد وماسكة في يده
حينها انفجر كساب بغضب (أتجرؤ أن تقول له هو هذا؟ أتجرؤ؟) :
هذا اللي ناقص يا بنت الأصول.. هذا مزح تمزحينه مع رجالش ياللي ما تستحين..؟؟!!
كاسرة ببرود: من طق الباب سمع الجواب...
كساب يهتف بحزم بالغ: زين يأم الباب والجواب.. والله ثم والله لو أدري أنش رايحة ورشة مثل هذي مرة ثانية.. يايصير شيء ما يرضيش
كاسرة تكاد تنفجر غضبا منه ومن تحكمه وهي مازالت في بيت أهلها
كادت تقول له (والله اللي يشوف ذا الغيرة والحمية اللي عندك مايقول إن أختك دراستها كلها مع الرياجيل)
ولكنها شعرت أنه مهما بالغ كساب في مضايقتها.. فلا يمكن أن تستخدم أخته سلاحا ضده..
شعرت أن في هذا خسة لا تتناسب مع رؤيتها الشريفة للحرب حتى
لذا همست له بحزم شديد: ترا منت بأحرص علي من هلي.. وهلي طول عمرهم واثقين فيني.. ويعرفون إني ما أروح في طريق خمَل (خمل =شبهة)
وأتوقع منك أقل شيء يكون عندك ثقة فيني..
كساب ببرود: ومن جاب طاري الثقة؟!...
الموضوع كله.. أني ما أرضى مرتي تكون في مكان مختلط بذا الطريقة
ماعليه رضيت بشغلش .. وهذا واجد عليش...
لكن أي شيء ثاني مستحيل
حينها همست كاسرة بنبرة مقصودة: غيرة هذي؟!
لم يسمح لها أن تحشره في الزاوية وهو يرد بذات نبرتها المقصودة: إن كان هذا واحد من أحلامش الوردية اللي أدري أني ما أفارقها
فما راح أكسر بخاطرش
اعتبريها غيرة إذا هالشيء بيرضي غرورش..
لم تسمح له أيضا أن بشعرها بالحرج وهي ترد بخبث مغلف بغرورها: حلوة لعبة قلب الأدوار هذي
أنا اللي أحلم فيك؟!!

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات