رواية بين الامس واليوم -47
لم يسمح لها أن تحشره في الزاوية وهو يرد بذات نبرتها المقصودة: إن كان هذا واحد من أحلامش الوردية اللي أدري أني ما أفارقها
فما راح أكسر بخاطرش
اعتبريها غيرة إذا هالشيء بيرضي غرورش..
لم تسمح له أيضا أن بشعرها بالحرج وهي ترد بخبث مغلف بغرورها: حلوة لعبة قلب الأدوار هذي
أنا اللي أحلم فيك؟!!
أو أنت اللي أنا متأكدة إنك كل ليلة مشغول تفكر فيني من عقب ما شفتني
لدرجة إنك منت قادر تنام مثل ذا الليلة..ومولع من الغيرة عليّ
لكن أنا نايمة ومكبرة مخدتي بعد.. وما أحلم ولا حلمت..
حينها هتف لها كساب بخبث شاسع: وأنا أعترف.. كل الليلة أحلم فيش وبالي مشغول فيش
تبين أحكي لش وش يصير في أحلامي وأفكاري بالتفصيل؟؟
حينها اشتعل وجه كاسرة احمرارا من تلميحه.. وفي داخلها كانت تسب نفسها وتسب كساب وتسب الورشة التي كانت سببا لاتصاله الليلة
ثم دفعت في عروقها أكبر قدر من الحزم وقاطعته قائلة: الوقت تأخر كساب تصبح على خير..
ثم أنهت الاتصال وهي تشعر بضيق عميق انها سمحت له أن ينتصر عليها هذه المرة
فهي مهما يكن يستحيل أن تجاريه في وقاحته هذه..
ولكن إن كان انتصر في جولة.. فليس معنى ذلك انتصاره في الحرب!!
أبـــــــــدا!!
على طرف المعركة الآخر كان كساب يسترخي على سريره وهي يمرر هاتفه على شفتيه بابتسامتهما المتلاعبة:
زين يا كاسرة.. ياحليلش طلعتي تستحين..
طلع فيش شيء طبيعي يشبه طبايع البنات!!
*********************************
" أنت أشفيك من الصبح تطالعني كنك أول مرة تشوفني؟"
خليفة انتفض من صوتها المغتاظ المدلل على الدوام وهو يهتف بحرج أخفاه خلف هدوء ابتسامته: أطالعج عادي.. تبين أصد صديت؟؟
جميلة بجمود: عادي يا ابن الحلال.. طالع وتمسخر بعد.. ما تفرق عندي
جميلة أعادت خلف أذنها خصلات شعرها الخفيف الذي قمن الممرضات مؤخرا بقصه قصيرا جدا حتى ينمو بشكل أفضل مع تحسن صحتها
ثم أخذت تنظر أمامها دون تحديد... وسرحت
بينما عاد خليفة لمراقبتها.. ليس اليوم فقط.. بل كل يوم ليس لديه شيء يفعله سوى مراقبتها.. ومراقبة التغييرات السريعة التي بدأت تطرأ على شكلها
لم يكن يتخيل أن بضعة كيلوجرامات قليلة قد تبدأ بتغيير شكل هذه المخلوقة اليابسة..
بدا يتضح خلف تقاطيع وجهها الهزيل ملامح حسن شفاف.. بات يتخيل كيف كان شكلها قبل أن تفقد وزنها..
بات يتخيل هذه الملامح على وجه وجسد مرتويين..
في أحيان كثيرة يحتقر تفكيره
ولكنه يعود ليفكر أنه لا شيء عنده يفكر به سواها وما يرتبط بها
بات ينظر لها كبذرة يابسة يعلم أنها تخفي خلف جفافها وضمورها حياة متدفقة بالحسن والامتلاء والنضارة...
يتشوق بالفعل لوصول هذه البذرة لمرحلة نضجها النهائي..
يعلم أن توقعاته قد لا تكون صحيحة.. وأن تصوره لحسنها المختبئ ليس سوى خيالات رجل يشعر بالملل ويريد أن يصنع بخياله شيئا خارقا للعادة..
ولكن حتى وإن كان.. فيكفيه الآن التسلية التي يشعر بها وهو يراقبها ويساعدها على الخروج من غلاف البذرة القاسي للحياة والشمس والاندفاع!!
**************************************
صباح الدوحة
مازالت لم تنم مطلقا
تعلم أن رحلته تستغرق حوالي 14 ساعة متواصلة
كان بإمكانها أن تنام وتصحو
ولكنها لم تستطع.. لم تستطع..
بالها مشغول عليه.. وقلقها وصل مداه.. تريد الاطمئنان عليه
بعثت له عشرات الرسائل أن يطمئنها فور فتحه لهاتفه.. وهي لا تعلم حتى إن كان سيفتح هاتفه أو سيأخذ شريحة أمريكية من المطار..
المهم أن يتصل بها وهاهي في الانتظار..
ذات الوقت
ليل واشنطن...
طائرة صالح تنزل في مطار واشنطن دالاس القريب من واشنطن دي سي
قضى رحلة مرهقة مليئة بالأفكار والهموم
لا يعرف حتى كيف سيقابل شقيقه.. وبأي طريقة سيخفف عنه مصيبته الهائلة التي مازال صالح عاجزا عن تصديقها حتى
ويعتقد أنهم ربما بالغوا في تصوير ماحدث.. لأن صالحا عاجز أن يتصور حدوث شيء متوحش كهذا؟؟
وها هو الآن محصور بين مشكلتين عويصتين
وضع عبدالله هنا.. ثم وضعه حينما يعود به للدوحة..
فهو يعلم أن والده وحده سيكون مصيبة حين يعلم أن عبدالله خدعه وأن انتحاره لم يكن سوى تمثيلية سخر بها منهم جميعا..
ولكن الظرف المرير الذي يعانيه عبدالله الآن يحتاج أن تلتف عائلته كلها حوله
فكيف سيقنع والده بتقبل عبدالله بعد كل هذا؟؟
صالح يعلم أن لابد لعبدالله مبررا قويا جعله يقنعهم بموته.. فعبدالله يستحيل أن يفعل كل هذا إلا لسبب قاهر
ولكن ماهو السبب؟؟ ماهو السبب؟؟
وهو غارق في أفكاره.. لمح اللافتة التي تحمل اسمه.. كان مندوب السفارة الذي ساعده على انجاز إجراءاته ثم استخراج شريحة اتصالات أمريكية
سارع فيها للاتصال بأهله وهو يطمئن الجميع عن وصوله باستعجال
لم يسمح لأي أحد منهم بالاسترسال معه في الحديث ولا حتى نجلا ورجاءاتها
فتفكيره مشغول بعبدالله وعبدالله فقط..
حينما أصبح في السيارة سأله المندوب: وين تبي تروح؟؟
فأجابه صالح بتصميم: للمستشفى طبعا.. أبي أشوف عبدالله..
#أنفاس_قطر#
.
.
.
وكأضاءة مادام الموضوع حضر.. نفعنا الله وإياكم وجعلنا ممن تحفهم الملائكة
اعلم أن البعض قد يعترض مثلا على أن أبو صالح تلقى العزاء في ولده مادام يظنه انتحر.. أو لماذا كان يطلب من والدته أن تدعو له..
وأنا هنا أقول أني بحثت كثيرا وسألت بنفسي عدة مشايخ
لأنه الشائع عند العامة فعلا أن المنتحر كافر ولكن المنتحر هو مرتكب كبيرة
وهنا جزء من نص فتوى حول هذه القضية عن فتاة انتحرت:
" وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء : يصلى عليه ، وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله ، وصلت عليه الصحابة " انتهى .
" شرح مسلم " ( 7 / 47 ) .
أي ثبت أن الصحابة صلوا على المنتحر في وجود الرسول صلوات الله وسلامة عليه
ورسول الله لم ينهاهم عن الصلاة عليه..
ولكنه صلوات الله وسلامه عليه لم يصل معهم زجرا للناس أن يفعلوا كفعله
ولا يعني هذا – إن ثبت انتحارها – أن تتركوا الدعاء لها بالرحمة والمغفرة ، بل هو متحتم عليكم لحاجتها له، والانتحار ليس كفراً مخرجاً من الملة كما يظن بعض الناس ، بل هو من كبائر الذنوب التي تكون في مشيئة الله يوم القيامة إن شاء غفرها وإن شاء عذَّب بها ، فلا تتهاونوا بالدعاء لها ، وأخلصوا فيه ، فلعله يكون سببا لمغفرة الله لها .
والله أعلم"
وعلى العموم طبعا وما يهمنا في القصة أن عبدالله لم ينتحر.. لكن أنا أردت أن يكون السبب قوي لغضب والده عليه
وأن تتوقعوا أي سبب هو هذا الذي قد يدفع عبدالله نفسه أن يكون أهون عليه أن يظن والده أنه مات منتحرا رغم بشاعة الأمر.. ولا يعرف الحقيقة!!!!
أما على سالفة الأربع سنوات وليش بالذات خليته 4 سنوات
هي بالتحديد موب اربع سنوات إنما أقل من كذا
والمهم في السنين هذي عندي موب عدة سنوات المفقود مثل ماظنوا الغوالي
إنما المقصود في ذلك هو عمر حسن الصغير *ــ^
وللحديث بقية!!
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم أني استغفرك وأتوب إليك من كل ذنب وجهل
.
بين الأمس واليوم/ الجزء الثلاثون
مضت أكثر من نصف ساعة وهو يجلس على مقعد أمام غرفة عبدالله
المندوب احترم رغبة صالح في البقاء وحيدا وتركه على أن يعود له فيما بعد
وصالح بقدر لهفته لرؤية شقيقه بقدر توجسه الجارح من رؤيته
فما سمعه عن حالته كان مؤلما.. مؤلما لأقصى حد
يريد له وقتا للاستعداد للمواجهة!!
مازال جالسا رأسه مدفون بين كفيه
غارق في الهم والتفكير .... والذكريات!!
.
.
.
قبل حوالي 5 سنوات و ثلاثة أشهر
" أنت ياعبدالله.. أنت.. ؟؟
هذي آخرتها.. ماهقيتها منك..
لو فهيدان أقبلها منه.. بس أنت يالعاقل تسويها!! وقد لك ثلاث شهور بعد حتى أنا داس علي"
عبدالله يتنهد بعمق في مقابل ثورة صالح المتزايدة ويهتف بعمق وهو يشد صالحا ليجلسه جواره:
اقعد يابو خالد الله يهداك.. اقعد جعلني فداك.. خلني أشرح لك
أنا أبيك تصير لي عوين مهوب فرعون
صالح يلطم يد عبدالله بحدة ويقف وهو مستمر في غضبه: وأنت خليت فيها عقل وإلا تفاهم..
يوم لك خاطر في العرس.. وإلا تبي لك مرة تحصنك في الغربة
كان قلت لنا وزوجناك شيخة النسوان تروح معك
مهوب تأخذ كافرة مالها أصل ولا دين..
عبدالله بضيق عميق: أنا داري إني غلطان إني تزوجت بذا الطريقة
وأدري إني ضعفت قدامها
بس صدقني أنا مقتنع فيها
راكيل فيها بذرة خير ما تتخيل أشلون.. وخاطرها تسلم...
صالح مستمر في غضبه: كنك يعني ما تسمع البلاوي اللي تسير مع المساكين اللي خبالهم حدهم على أجنبيات مثلك...
وبعدين ابيك مستحيل يوافق.. مستحيل.. وأنت أكثر واحد عارف ابيك
حرام عليك ياعبدالله... أنت عارف غلاك عند ابي.. تسوي فيه كذا..
عبدالله بضيقه المتزايد: تكفى صالح أبيك تساعدني عليه... أنا بعد ست شهور تقريبا راجع
وأبي أرجع فيها معي..
صالح غاضب فعلا ولكن ما باليد حيلة.. فالمرأة أصبحت زوجته لذا سأل عبدالله بذات نبرة الغضب: عبدالله صارحني... مرتك ذي أنت مقتنع فيها؟؟
وعندك إنها تقدر تعيش في مجتمعنا وتتبع عوايدنا..
حينها أشرق وجه عبدالله بشبح ابتسامة: مقتنع فيها وواثق منها... راكيل تموت في طبايع العرب.. وأمنية حياتها تعيش في مجتمع عربي
صالح حينها هتف بعزم: تدري.. لا تقول لأبي شيء.. والمرة الجاية إذا جيت جيبها معك.. ونحطه أمام الأمر الواقع
وقتها مايقدر يطردها عقب ماجبتها..
ثم أردف بنبرة ذات مغزى: ولو أني باقعد أدعي في كل صلاة إن ربي يفكك من شرها..
عبدالله بابتسامة: راكيل شر!! راكيل ملاك نازل من السما !!
***********************************
قبل حوالي 4 سنوات وثمانية أشهر
يجلسان في زوية المجلس الكبير بعد انتهاء عشاء عبدالله وعودته بشهادة الماجستير
صالح يهمس في أذن عبدالله باهتمام: أنا قاعد على أعصابي من يوم دريت إنك بتجي
خايف من صدمة هلي بمرتك..
ويوم شفتك جاي بروحك يأنا أنبسطت.. بس قلت عقبها ليتك جبتها معك
دامك فيها وش أنت تتنيها
ليه ما جبتها معك.. وخلصتنا من ذا السالفة الغثيثة... وخصوصا إن ابيك وأمك يخططون يزوجونك وملزمين بعد؟؟
حينها عبدالله همس بغموض: أنا وراكيل انفصلنا خلاص
صالح بصدمة مغلفة بفرحته العارمة: صدق؟؟ الله يبشرك بالخير
ثم أردف باستغراب: بس غريبة لين آخر مرة كلمتك وأنت تمدح فيها مدح العباير..
عبدالله بتهكم موجوع بل بما يتجاوز كل معاني التهكم لألم صاف مجروح:
ممثلة درجة أولى.. خلاص ياصالح تكفى ماعاد تجيب سيرتها عندي
المرة ذي لطخة سودا في حياتي.. وأبي أمسحها من حياتي وذاكرتي
الله يقدرني بس..
صالح بحذر: ليه ما تقدر؟؟ تحبها لذا الدرجة؟؟
عبدالله ببغض شديد: أحبها؟؟ أنا عمري ماكرهت حد في حياتي كثر ماكرهت ذا المخلوقة
لكن اللي هي سوته فيني.. شيء صعب أنساه وياخوفي يظل مرافقني في حياتي..
صالح بحذر اكبر: ليه هي وش سوت؟؟
عبدالله يريد اغلاق الموضوع تماما: تكفى صالح انسى السالفة خلاص
حينها لمعت عينا صالح: تبي أنسى وتنسى.. خلنا نزوجك شيخة من بنات العرب الأجواد تطيب كبدك من الحرشاء الغبراء
عبدالله بجزع: لا تكفى وش عرسه.. ماني بمستعد أرتبط بوحدة وأنا مجروح بذا الطريقة من علاقتي بمرتي الأولية
حينها غمز صالح بعينه: ما يفل الحديد الا الحديد وانا اخيك..
*********************************
بعد ذلك بأربع أشهر
"ريقي نشف معك ..
من متى وأنت تعصاني كذا"
انتفض بجزع: أعصاك؟! جعله يومي كني عصيتك
آمر على رقبتي يأبو صالح
بس أنا رجّال.. تبي تغصبني على العرس؟؟
أبو صالح بحزم: ماحد يغصب على العرس يأبيك
غير أنا أبغيك تعقل وتعرف صلاحك
وش عاد مقعدك دون عرس.. وضعك وشغلك كلها زينة
وسنانينك قد عندهم عيال
ثم أردف برجاء شفاف أخفاه خلف حزم صوته العميق: يأبيك خاطري أشوف عيالك..
مهوب كفاية صالح أبطى لين جاله صيب..
ريح بالي يأبيك..
لو علي كان مزوجك من زمان.. مهوب كفاية روحتك للدراسة ذي
أول شيء اقنعتني أخلي عالية تروح مع خالها وعقبها أنت تروح على طول
كنك مرتبها
لأنك داري إني مستحيل أرخص لعالية وأنت بعد رايح
وتراني بلعتها بمزاجي.. وما بغيت أخرب عليك ولا على أختك
حقي عليك الحين تريح بالي وتستقر مثل باقي رياجيل خلق الله
وأنا ما أحدك إلا على خير يأبيك.. بنت عربن أجواد ترادك الصوت وتجيب لك الولد..
عبدالله يشعر بصداع فعلي من هذا الموال اليومي الضاغط.. تعب بالفعل.. كيف يتزوج وهو مازال لم يحل مشاكله العالقة مع زوجته الأمريكية
التي ترفض توقيع أوراق الطلاق.. وإن كان عبدالله قد قال لها على طريقة المسلمين (أنتي طالق) وهو ينويها فعلا
لكنها في الأوراق الرسمية هناك مازالت زوجته
وخصوصا أنها تطارده بالاتصالات بشكل لحوح.. وبات يخشى أن تصاب بحالة جنون ويراها أمامه هنا في قطر
وهي تهدد بشكل صريح أنها لن تتركه أبدا
ومع كل ذلك يكره أن يجعل والده يترجاه كل يوم بهذه الطريقة.. يؤلمه قلبه من رجاءاته وهو الذي اعتاد أن والده لا يكرر الأمر له مرتين لأنه ينفذ من المرة الأولى
لذا هتف بحزم: خلاص يبه تم.. قوم نخطب اللي تبون
*******************************
الــيــوم
"من أنت؟؟"
صالح يرفع رأسه استجابة ليد صاحب السؤال تربت على كتفه وتعيده من دوامة أفكاره
صالح ينظر للطبيب أمامه ويجيب بهدوء: أنا شقيق عبدالله..
الطبيب بمهنية: جيد أنك حضرت...عبدالله بالفعل محتاج لأسرته..
صالح يشعر بألم عميق: وأنا أريد أن أعود به معي لبلدنا وأهلنا..
ثم أردف بألم أعمق أعمق: كيف حاله الآن يادكتور؟؟
الطبيب بهدوء مهني: نحقنه بالمهدئات على الدوام
أنا شخصيا لو كنت مررت بما مر به.. كنت فقدت عقلي تماما
ولكن هو محتفظ بشكل كامل بعقله وذكرياته.. لذا ألمه لا حدود له..
فالتجربة التي مر بها قاسية جدا..
في البداية عانى انهيارا عصبيا حادا.. ثم بعد ذلك تحول الانهيار لثورة حادة..
صالح وقف وهو يقول بتردد: أقدر أشوفه ؟؟
الطبيب بهدوءه المهني: بالتأكيد تستطيع
هو الآن مخدر.. لكن مفعول المخدر سيزول بعد ساعتين أو ثلاث
وأنا أفضل ألا نحقنه مرة أخرى.. فهو لابد أن يواجه الواقع
فلو كنت تستطيع تهدئته إذا صحا.. ستكون ذا منفعة هائلة لنا
فهو ما أن يصحو حتى يبدأ بالثورة والصراخ .. ولا نستطيع السيطرة عليه إلا بمساعدة اثنين من رجال الأمن حتى نعود لحقنه
صالح بثقة: إن شاء الله أقدر..
صالح توجه لباب الغرفة وهو يفتحه بتردد.. خطوات مترددة نقلته حتى السرير الأبيض
شعر أنه سينهار... لذا جذب مقعدا وجلس قبل أن ينظر لوجه عبدالله..
تنهد بعمق.. فتح عينيه وأغلقهما.. سمى بسم الله.. ثم رفع عينيه لمحيا عبدالله
ألم عميق اجتاح روحه.. ألم لا حدود له..
كان أول ما صافح عينيه شعيرات بيضاء غزت سواد عارضي عبدالله
يبدو كما لو كان كبر كثيرا في العمر
سابقا كان من يرى عبدالله مع فهد يظن ان فهدا هو الأكبر في السن.. رغم أن عبدالله أكبر من فهد بأربع سنوات
ولكن من يراه الآن سيشك أنه أكبر من صالح حتى!!
صالح يمسح ملامح عبدالله وتفاصيل وجهه بحنين عميق
من كان يظن أنه سيراه مرة أخرى وأنه سيعود من خلف غياهب الموت
صالح نهض ليطبع على جبين عبدالله قبلة عميقة
ودون أن يشعر خرت من عينه دمعة لم يشعر بها إلا حينما رأى التماعتها على خد عبدالله
مسح خد عبدالله قبل أن يمسح عينيه
ثم همس في أذن عبدالله بخفوت مختنق: الله يواجرك يأخيك.. أدري مصابك كبير.. بس تدري إن الله مع الصابرين..
عاد ليجلس جوار عبدالله وهو يضع يده على عضده ويدعو..
دعا الله كثيرا أن يفرج هم أخيه ويشرح صدره ويمنحه الصبر والسلوان من عنده
ولشدة استغراقه في الدعاء لم يشعر بالخطوات الهادئة التي دخلت الغرفة
حتى شعر بالظل الواقف جواره
وقـــف
كان شابا بدت ملامحه المرهقة الحزينة عربية
فور وقوف صالح سلّم عليه الشاب ورحب به حرارة دافئة بقدر ماسمح له حزنه وإرهاقه
ثم هتف له بصوته المبحوح:
أنا فيصل صديق عبدالله.. وأكيد إنك صالح أخ عبدالله.. السفارة بلغوني بوصولك
بس أنا توني واصل من بورتلاند.. رجعت هناك عشان .. عشان.. عشان
اختنقت الكلمات في حنجرته حزنا... بصقه حشرجات موجعة: عشان أدفن خالد الصغير
سامحني ياخوك أني تصرفت من نفسي
بس أنا كنت أبي أدفنه أول ماخلصوا تشريح وتحقيقات.. ماكنت أبي عبدالله يشوفه
أو يلزم إنه ياخذه يندفن في الدوحة.. مابغيت جروحه تقعد مفتوحة
أدري إن عبدالله ماراح يسامحني على اللي سويته.. بس أنا سويته عشان مصلحته
صالح شعر باختناق عميق وهو يتذكر ابنيه خالد وعبدالعزيز..
لو حدث لأحدهما ما حدث لابن عبدالله.. نفض رأسه جزعا مرعبا من الفكرة ومن مجرد تخيل ما رآه أخوه وهو يهتف باختناق:
جزاك الله خير يافيصل.. ونعم ما سويت.. نعم ما سويت
أردف صالح باختناق عظيم: قالوا لي أنك أنت اللي بلغت عن الحادث... وأنت اللي طلبت من السفارة تطلب حد من أهله..
فيصل بحزن عميق: اللي شفته شيء عمري ما تخيلت أنه ممكن يصير لبشر
خالد كان ولدي.. أنا ربيته مع عبدالله
كان عمره شهور أول ما عرفت عبدالله.. أول ماشفته ماهضمته قلت هذا مافيه دمنا.. أشقر وعيونه زرق.. بس سبحان الله اللي زرع حبه في قلبي
كنت استحقر إن عبدالله يرضعه ويبدل له.. تعرف أفكارنا المتغلغلة فينا
عقبها صرت أنا أبدل له وأرضعه إذا صار عبدالله مشغول..
شهق فيصل غصبا عنه: حسبي الله ونعم الوكيل
أقول لك ولدي.. يمكن لو أنا جبت ولد ما يكون غلاه مثله..
ابتلع عبرته التي سدت حلقه ثم أكمل: بالعادة كان عبدالله يوديه للنيرسري وهو رايح شغله.. وأنا أجيبه..
كنت أقعد عندهم في بيتهم أكثر من قعدتي في السكن..ولولا أني أبي قرب الجامعة أو كان سكنت معهم..
هذاك اليوم.. رحت النيرسري قالوا لي ماجا.. استغربت..
لأن عبدالله حتى لو كان خالد مريض يوديه ويقول لهم انه مريض ويعطيهم أدويته.. شيسوي لازم يروح شغله
اتصلت في عبدالله مارد علي
رحت لبيته أنا معي مفتاح.. فتحت.. وليتني مافتحت.. ليتني ماشفت ذا الشوفة
حينها لم يحتمل انهار جالسا وهو ينتحب بخفوت..: حسبي الله ونعم الوكيل
حسبي الله ونعم الوكيل.. جعلها تشوفه في نفسها وفي أهلها
ذبحته قدامه.. ذبحته قدامه.. وعبدالله يشوف.. تخيل..
تخيل فيه إجرام كذا
دخلت لقيت عبدالله مربوط ومكمم.. والولد الولد......
عجز عن الإكمال وصوت نحيبه يرتفع شيئا فشيئا.. صالح اختنق حلقه بالعبرات وغامت عيناه تماما ربت على كتف فيصل: خلاص لا تكمل لا تكمل..
ولكن فيصل أكمل حديثه بين موجات نحيبه الخافت: كانت سكرانة وجايبة معها اثنين بودي جاردز
عبدالله من يوم هي دلت طريقه وهو متوتر منها.. طول السنين اللي فاتت وهو مرتاح منها.. ما أدري أشلون دلته..
أنا كنت موجود أول مرة جات... سألت خالد وش الأشياء اللي هو حافظها؟؟
خالد بكل براءة سمّع لها السور القصار ... عبدالله كان محفظه كل السور القصيرة
ليتك شفتها.. صارت كنها ثور هايج.. وهي تهدد عبدالله إنها تأخذ الولد لانه خربه بأفكار دينه المتخلف
لكنها بدل ما تأخذه خذت روحه... تخيل خنقته قدام عبدالله اللي ربطوه البودي جاردز في العمود وكمموه..
الولد كانت أرجيله ترجف وترجف لين همدت وقعدت عينه شاغرة
يوم شافت الولد مات في يدها قطته قدامه وهربت..
تخيل طول الليل ولين ثاني يوم وهو مرمي قدام أبوه وعينه مفتوحة في عينه
تخيل ذا المنظر.. تخيل
زين إن عبدالله ما أستخف..
قاطع فيصل عبرات فيصل المسفوحة وهو يصرخ بغضب: الحيوانة اللي مالها ذمة ولا دين.. والله يادم ولدنا ما يروح هدر..
حينها تماسك فيصل من انهياره وهتف لصالح بهدوء منطقي بصوته المبحوح تماما:
اسمعني ياصالح
طليقة عبدالله أهلها ناس واصلين فوق ما تتخيل
هي الحين اعترفت بجريمتها.. والمحاكمة بتتم على أساس إنها بين أطراف أمريكين
لكن لو أنت يا للي جاي من برا ومسلم وعربي صعّدت السالفة.. بيقلبون السالفة ومهوب بعيد تطلع هي براءة
ويطلع إن عبدالله كان يعذبها وهو اللي جاب لها عقدة نفسية خلتها تذبح ولدها
ما تعرف أنت أشلون الامور هنا تصير.. والإعلام أشلون يضغط..
وهم لحد الحين ما دققوا في سالفة إن عبدالله عربي.. انتظر عليهم لين ينتبهون.. بينقلب الوضع 180 درجة.. والإعلام اللي ضدها الحين بيصير معها
أنت اطلع بعبدالله من ذا الديرة في أسرع وقت.. عبدالله محتاجكم
أنا ما أدري وش سبب القطيعة اللي كانت بينكم .. بس هذا لحمكم ودمكم
****************************
" ياكثر ما تسبحين!!
كم مرة تسبحين في اليوم أنتي؟؟ خمس مرات؟؟ "
جوزاء تنظر لناحية الصوت المرح حيث تتمدد شعاع على سرير جوزا بجوار حسن النائم..
تبتسم جوزا وهي تشد روبها على جسدها: وإذا سبحت خمس مرات.. شيء من حلالش..
وبعدين تراني ماسبحت إلا مرتين مرة الصبح والحين.. ياختي حر حر..
شعاع تعتدل جالسة وهي تنزع يدها برفق من تحت رأس حسن وتبتسم: يأختي خايفة عليش تسيحين..
وبعدين وش عليش.. أنتي طقيتي للحمام ونقعتي فيه.. وخلتيني أبتلش في ولدش
أكل أبو مخي بحنته...
جوزاء تقف أمام المرآة وتجفف شعرها بالمنشفة وتهمس وهي تبتسم: أنتي صاحبة اقتراح حرمانه من صور أبيه..
أول كان يقلب في الصور لين ينام بروحه.. الحين ما ينام إلا عقب محايل وحنة..
شعاع تضحك: بس حنه على مستوى.. ما يسكر حلقه..
شعاع تعقد حاجبيها: الله أكبر.. قولي ماشاء الله..
شعاع تبتسم: وش بأنظل ياحسرة.. حنت ولدش.. خليني أنظله يسكر حلقه شوي..
جوزاء تتجه للسرير وتميل على ولدها وهي تقبل كفيه وقدميه بحنان مصفى: الله يخليه لي ويحن على كيفه
شعاع بعفوية: تدرين جوزا يوم رحت مع أمي لعالية عشان تودي هداياهم
أنا وعالية رحنا لغرفتها.. فرجتني صورهم القديمة
ياربي ما صدقت.. عبدالله وهو صغير نسخة من حسون.. شيء غير طبيعي..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك