رواية بين الامس واليوم -76
بين الأمس واليوم الجزء الرابع والأربعون
عبدالله وصالح كلاهما التفتا مذهولين لناحية الباب..
بينما أبو صالح تقدم بخطوات ثابتة وهو يوجه نظرات مباشرة لعبدالله
ويهتف بنبرة صريحة مباشرة شديدة الحزم: ها ياعبدالله.. وش عندك؟؟..
عبدالله حينها تبادل النظرات المبهوتة مع صالح ..
فالإيمان بضرورة عمل الشيء مختلف تماما عن عمله على أرض الحقيقة!!
فرغم إيمان عبدالله بضرورة إخبار والده بالحقيقة..
ولكن حينما حانت اللحظة هاهو يجد الأمر غاية في الصعوبة..
كيف يخبره؟؟ كيف؟؟
ليس لديه أي توقعات حول ردة فعل والده.. ولكن أكثر مايخشاه أن يبعده والده عن حضن عائلته..
لن يحتمل مطلقا العودة للوحدة والألم واللوعة والقهر/المسميات والمشاعر التي عايشها طيلة السنوات الماضية حتى تشرّب بها!!
أبو صالح بنبرة غضب عالية صاخبة: عبدالله !!
عبدالله انتفض بعنف: لبيه يبه..
ثم أردف باختناق وهو عاجز عن ابتلاع ريقه.. ليس جزعا ولا خوفا..
ولكن هيبة واحتراما لمقام هذا الشيخ الذي أرهقته السنون..
خوفا عليه وليس خوفا منه: اقعد يبه جعلني فداك وأقول لك..
أبو صالح جلس على أقرب مقعد وهتف بحزم: وهذا أنا قعدت..
وش العلوم اللي في بطنك.. واللي لين الحين ماعلمتني فيها؟؟
مع أنه كان لازم(ن) عليك إنك تجيني أول ماطبيت الدوحة وتعلمني بكل شيء
لكن أنت ضيعت السنع أول وتالي..
عبدالله شد له نفسا عميقا.. ليبدأ حكايته مترددا مشوشا خجلا..
كان في بداية الحكاية يسترق النظر لوجه والده.. ليراقب تعابير وجهه..
ولكنه بعد ذلك بدأ يغرق رويدا رويدا في وجعه وهو ينزف الحكاية التي يستعيدها جمرات تحرق جوفه وتكوي مشاعره..
حكى له كل شيء من البداية.. لم يزد ولم ينقص.. حكى الحكاية كاملة..
استعاد وجيعته كلها.. غرق في وجع الحكاية حتى أذنيه..
امتلئت روحه حتى أقصاها بقيح الوجع حتى ماعاد قادرا على مجرد بصقه!!
ومع وصوله للنهاية وهو يستعيد مشهد فقدان صغيره..
كان صوته يرتعش وهو يمسح دمعات خائنة تسربت من روحه عبر عينيه..
فهو طيلة الأيام التي مضت كان يحاول السلوى والانشغال بأهله عن كل شيء
فإذا الفجيعة تعود لتتجسد بألمها حادا مرا غائرا ..غاص في روحه حتى أطراف نهاياتها المكلومة..
هاهو يقف أمام والده ليخبره كيف فقد كلاهما ابنه !!
حينما انتهى.. صمت..
لم ينظر حتى لوالده.. لم ينتظر ردة فعله.. فهو الآن في عالم خاص من وجيعة لا حدود لها..
مهما كان ماسيقوله له والده.. فهو لن يؤثر فيه في هذه اللحظات.. كما لو أنك تحاول ملء دلو ممتلئ أساسا..
كل ما سيحدث.. أن ما تسكبه فيه.. سيفيض خارجه!!..
أبو صالح وقف وهو يحاول جاهدا ألا تخذله قدميه...
لم يعلق هو أيضا..لم يقل كلمة واحدة!!
وإنما انسحب من المجلس تاركا ولديه فيه
وصالح يربت على كتف عبدالله الذي كان وجهه محتقنا بشدة!!
وكأنه يوشك على الانفجار بالبكاء !!..
أو البدء بالتقيء!!
***************************************
" الله يهداج جميلة ليه هالدموع كلها؟
مايصير تصيحين جذيه.. مو زين لج !! "
لم تجبه وهي مستمرة في ذات وتيرة البكاء المستمرة من أكثر من ساعتين
منذ غادرتها مزون ووالدها..
جلس جوارها على الأريكة وهو يربت على رأسها بحنان:
جميلة بس.. تبين نطلع مكان؟؟
نطلع نتعشى برا!!
جميلة انفجرت باكية بصوت أعلى: خليفة واللي يخليك.. خلني بحالي
أنا حاسة كني باموت.. وأنت تقول نطلع نتعشى برا !!
خليفة بنبرة مساندة: جميلة هذا أنا عندج.. وإن شاء الله مو مطولين..
كلها كم شهر بتمر هوا .. ونرد الدوحة..
جميلة دفنت وجهها بين ركبتيها وهي تشهق: أنا متى عرفتك خليفة؟؟
ما لي حتى شهرين..
لكن مزون وعمي زايد فتحت عيني على الدنيا لقيتهم قدامي..
حينها وقف خليفة ليمشي متجها للنافذة ويهتف بحزم أخفى خلفه ألمه الشفاف وهو ينظر عبرها للخارج:
جميلة وأنا ماطلبت منج تعتبريني مثلهم..
لكن تقدرين تعتبريني تصبيرة.. لو عجبتج التسمية..
لأنه مافيه حد معج هني غيري..
ملزومة تتقبليني.. أو ابجي مثل ماتبين..
.
.
.
في الطائرة التي حلقت قبل دقائق..
زايد يلتفت لمزون ويربت على كفها بحنو: يأبيش وش فيش مكتمة من يوم طلعنا من عند جميلة؟؟
مزون بحزن: جميلة كاسرة خاطري يبه... بكت لين الله شاف لها.. ماتت من البكا..
حاسة فيها والله العظيم...
زايد بابوية حانية: ولا يهمش يأبيش.. ولا تتضايقين..
وعد علي كل كم أسبوع أخذش يومين تزورينها
ولا يصير في خاطرش شيء يالغالية..
مزون بلهفة: صدق يبه!! صدق؟؟
زايد يحتضن كفها بكل حنان: ومتى أبيش قال ولا فعل؟!!
****************************************
"أبو عبدالرحمن!! "
التفت لها أبو عبدالرحمن وهتف بهدوء ساكن يختلف عن مشاعره الثائرة هذا المساء:
نعم.. وش تبين؟؟
أم عبدالرحمن بخفوت: أم صالح تقول تبي تسوي عشاء للنسوان ليلة الخميس أما في بيتنا أو في بيتهم
وأنا أبيه في بيتنا.. أبي أسوي لجوزا عشاء كبير.. واعزم النسوان.. مايصير تروح لبيت رجّالها كذا ماحد درا بها..
أبو عبدالرحمن بسكون: لا تخلين أم صالح تجيب شيء.. أنتو اللي سووا لعشا والترتيب ولا يهمش من المصاريف..
ثم أردف بنبرة أعلى: وياويلش تخلينهم يدفعون ريال..عشا بنتي ماني بعاجز(ن) منه..
أم صالح بذات الخفوت: إن شاء الله تم.. تم..
ثم شد له نفسا عميقا وهتف بحزم: وعشا الرياجيل ذاك الليل لا تهتمين منه..بأخلي المطعم يسوي الذبايح..
والخفايف اللي معه بأجيبها من مطعم ثاني..
اهتمي ببنتش وبس..
*******************************
" وش استعداداتش لليلة الخميس؟؟"
جوزاء تنظر لشعاع ولا ترد عليها وهي تتمدد بجوار ابنها النائم وتمسح شعره وتتنهد..
شعاع بلهجة جدية: ولو تنهدتي عشرين تنهيدة.. الحين أنا الصغيرة بأعلمش..
زواجش ليلة الخميس وأمي تبي تسوي حفلة كبيرة..
وأنتي لا حجزتي شعر ولا مكياج.. ولا حتى جهزتي وش بتلبسين؟؟
جوزاء بنبرة ضيق: شعاع اعتقيني.. ترا ذا الموضوع آخر شيء أبي أتكلم فيه..
ضايقة منه ومن طاريه..
شعاع برجاء: زين يعني بتطلعين للناس مبهدلة؟؟
جوزاء بتصميم غاضب: آخر شيء بأسويه أني بأطلع للناس مبهدلة
لا تخافين بأكشخ أكثر من كل مرة كشخت في حياتي..
ثم أردفت بألم: هذا كن الكشخة تصلح ما أفسده الدهر..
شعاع بغضب: رجعنا لطير يا اللي..
تدرين جوزا لو أنتي آمنتي في داخلش بجمالش.. الناس بيشوفون ذا الجمال..
بس دامش أنتي تقللين من قدر نفسش.. وش بتكون ردة فعل الناس..
جوزاء بإرهاق: شعاع اعتقيني الليلة بس.. مقروفة منه ومن طاري زواجنا الله يأخذه..
شعاع وكأنها لم تسمع شيئا مماقالته: اشرايش تلبسين فستانش اللي خلص عند المصمم ومارحتى تجيبينه..
جوزاء بجزع: تبين ألبس فستاني اللي كان لعرسي مع امهاب؟!!..
مستحيل ألبس فستان عروس..
شعاع باهتمام: زين وش بتلبسين؟؟
جوزاء تريد أن تنتهي من الحاحها: بألبس الفستان الأحمر اللي كنت مجهزته لوصار مناسبة عقب..
خلاص شعاع فارقيني الله يرحم والديش..
شعاع بذات الإلحاح: زين نروح بكرة السوق تكملين تجهيز..
تكفين جوزا لا تعصبين.. أدري أنش متضايقة..
بس عاد لا تفشلين روحش في الناس.. وتخلين روحش مطنزة لهم..
جوزاء قفزت وهي تصرخ بغضب وترتعش: كيفي.. كيفي ..أنا المطنـزة وإلا أنتي؟!..
طول عمري وأنا مطنـزة.. وش فرقت الحين؟!!
اطلعي برا.. ارحميني خلاص.. برا..
شعاع جرجت أذيال حرجها خارجة.. بينما جوزاء عادت لموالها الذي بدأ منذ عودة عبدالله ومازال..
موال دموع لا ينتهي..
"خلني أخلص دموعي الحين.. لأني مستحيل أشمته فيني وأخليه يشوف دموعي
زين يا عبدالله زين!!
تبي ترجعني؟!!
بأرجع لك بس ذنبك على جنبك!!
وذنبي أنا بعد على جنبك"
" خالد وش فيك متعومس؟؟"
يهتف لها بهدوء عميق: مافيني شيء.. ارقدي ياصافية.. أنا مافيني نوم..
وأنتي عادش تعبانة والسهر مهوب زين لش..
أم صالح بقلق: تبيني أرقد وأنت ذاهن!! ياكبرها عند ربي !!
قل لي وش فيك؟؟.. مهوب عوايدك السهر..
أبو صالح بعمق: مافيني شيء.. بس مافيني رقاد..
شوي وبأقوم أصلي وأقرأ قرآن لين يجيني نوم وإلا لين أصلي الفجر..
ارقدي يالغالية.. جعله نوم العافية!!
" نامي.. أريحي أعصابك التي أرهقها طول الهم!!
فماذا تريدين أن أخبرك ياصافية؟؟ بماذا أخبرك؟؟
هل أخبرك حكاية الجلاد والضحية اللذان أصبحا شخصا واحدا؟؟
هل أخبرك كيف نحر ابنك نفسه وبيده؟؟
هل أخبرك أنه طعن نفسه بسكين طعنني بها؟؟
هل أخبرك أن وجيعتي أكبر من وجيعته وفجيعته أكبر من فجيعتي؟؟
هل أخبرك أن شعر جسدي قد وقف من مجرد الوصف فكيف بمن رأى مالايوصف بالكلمات؟؟
هل أخبرك أني حزين وغاضب ومغبون؟؟
هل أخبرك أن بودي أن أصفعه ألف مرة وأن أخذه تحت جناحي وفي حضني ألف ألف مرة؟؟
هل أخبرك أن بودي أن أمزقه بالعتب والتوبيخ حتى أجعله أشلاء؟؟
وأن بودي لو أستطعت أن أحمل عنه كل حزنه ويأسه وألمه حتى يعود قلبا خاليا من الهم كما كان؟؟
فأنا شيخ أثقله الهم ولن يضيرني حمل المزيد..
فكم بقي لي من العمر المكتوب في غيب رب العالمين؟؟
لكن هو شاب صغير أثقلته الهموم وهو لم يبدأ حياته بعد!!
وأي هموم يأم صالح؟!! أي هموم؟؟ هموم لو حملها الجبل لانهار
وهو مازال صامدا أو يدعي الصمود!! "
أم صالح تمددت بعد أن وقف أبو صالح على سجادته وأطال في صلاته
قضت وقتا طويلا تراقبه وهو يصلي..
حينا يقف وحينا يصلي جالسا على مقعد حين تتخاذل قدماه..
عيناها ترقبانه حتى غفت من التعب رغم قلقها من حاله..
بينما هو حينما أنهى صلاته.. وأكثر من الدعاء بعده
وجد قدماه تقودانه إلى مكان أتعب قدميه الهرمتين الصعود له
وقضى وقتا طويلا هو يتسند على حاجز الدرج حتى وصل لغرفته بصعوبة!!
فتح الباب بخفة..
تجاوز غرفة الجلوس لغرفة النوم.. وجده يصلي
عاد ليجلس في غرفة الجلوس..
عبدالله شعر بدخول أحد.. لذا حين سلّم.. توجه ليرى من الداخل
انصدم بوجود والده صدمة كبيرة .. فهو يعلم أن والده لا يصعد الدرج مطلقا ومنذ سنوات.. منذ أجرى جراحة في ركبته..
هتف بعتب ممزوج بالاحترام والقلق العميق: يبه طالع هنا بروحك
كان كلمتني ونزلت لك..
أبو صالح أشار للمكان الخالي جواره وهو يهتف بعمق يخفي خلفه حنينا شاسعا:
تعال يأبيك.. تعال اقعد جنبي..
عبدالله شعر بالطعنة العذبة التي اخترقت قلبه مع نبرة والده الحانية وهو يقول له "يأبيك" وهو يربطه به.. ويقربه منه
شعر أن كل هذا كثير عليه.. كثير جدا!!
عبدالله انحنى على يد والده مقبلا وهو يجلس على الأرض عند قدميه..
ثم يدفن وجهه في حضن والده وهو ينتحب كطفل صغير..
ينتحب كما لم يفعل في حياته كلها.. ينتحب في حضنه كما كان ينتحب وهو طفل لا يتجاوز عمره بضع سنوات..
لم يخجل أو يتردد من سكب وجيعته ودموعه في حضن والده..
لآنه يعلم أنه الآن يستطيع أن يقول أنه عاد إلى حضن وطنه بشكل كامل!!
فعلاقته بوالده لطالما كانت فريدة ومختلفة وعميقة!!
وكم افتقد حضنه!! كم افتقده!!
أبو صالح ربت على ظهر عبدالله وهو يهتف بوجع عميق متجذر حتى أقصى روحه:
الله يواجرك يأبيك على قد صبرك..
على كثر ما أنا زعلان(ن) منك ذا الحين.. على كثر ما أنا زعلان(ن) عليك..
وبين زعلي عليك وزعلي منك.. مابقى في رأسي كون ذا الروح الطاهرة اللي راحت بدون ذنب..
كل شيء ماعاد له قيمة.. وش عاد يفيد لو تشرهت عليك.. أو زعلت عليك.. أو قلت أني ما أصدق انك تسوي ذا كله!!
شفت في حياتك اللي أكبر من شرهتي وزعلي بواجد..
الله يواجرك يابيك.. الله يواجرك!!
**********************************
" الحمدلله على سلامتكم
مابغيتوا تجون.. وأنتو مهمليني بروحي"
زايد يلتفت لعلي الجالس جواره في السيارة ويهتف بمودة: ما يخليك ربك..
بينما مزون الجالسة في الخلف هتفت باهتمام: أنت وشأخبارك.. كنت تأكل زين وإلا كالعادة ناسي الأكل؟؟..
علي يضحك: أنتي وخالتش ما تشوفوني إلا همكم على بطني..
الحمدلله زين..
زايد بحزم: زين دامك ماتبي تحكي عن الأكل.. وشأخبار الشغل..
علي يبتسم وعيناه على الطريق: الله يهداك يبه.. اللي يشوفك يقول ماتدري وش أخبار الشغل
مدير مكتبك كل خمس دقايق يتصل فيك.. العلوم عندك أكثر من عندي..
زايد يبتسم: أحب أسمع منك..
علي حينها هتف بجدية: كل اللي طلبته مني سويته مثل ما طلبت..
حينها هتف زايد بنبرة مقصودة: وعسى جازت لك شغلتنا.. ترا ما يتعارض إن الواحد يكون دبلوماسي وعنده بيزنس..
علي بضيق: يبه مالها داعي ذا السالفة.. أنا مخي مهوب مخ تجارة وعقارات..
وبعدين بين الدبلوماسية والتجارة خط رفيع من النـزاهة.. أفضل ما أقرب منه لا ينقطع..
زايد بحزم: أنا ما أغصبك على شي ماتبيه.. بس أبي يكون عندك خلفية عن كل شيء..
بكرة لا خذ ربك أمانته.. ذا الشركات وش بتسوون فيها؟؟..
تبيعونها وتخسرون مصدر خيركم..
علي بجزع: ما أشين ذا الطاري.. إلا عمرك طويل في الطاعة إن شاء الله وأنت اللي تحاضي حلالك..
زايد بنبرة مقصودة: وحلالي وحلالكم ويش؟؟
مزون تتدخل لتهدئة الجو: يا شين سوالف الشغل لا حضرت.. أنا تعبانة من السفرة وجوعانة ما كلت شيء في الطيارة
خلونا نروح البيت نتريق ونعين من الله خير..
****************************************
يجلسان على ضفاف بحيرة جنيف أو كما تُعرف أيضا ببحيرة ليمان من ناحيتها الأخرى.. ناحية مدينة لوزان..
فهذه البحيرة هي الأكبر في أوربا الغربية.. ويقع على ضفافها عدة مدن سويسرية وفرنسية..
وشكلها يشبه هلال يمتد بين الدولتين ولكن مساحتها الأكبر في سويسرا..
يرن هاتف كاسرة.. ترفع الهاتف ثم تهمس بابتسامة: كسّاب أختك مزون..
في داخله ومهما كان غضبه من شقيقته فهو يستحيل أن يقلل من قدرها أمام زوجته..
أجاب بتلقائية محترفة: تلاقينها استحت تتصل فيني.. ردي عليها وعقب عطيني أكلمها
توهم جايين اليوم الصبح من عند بنت خالتي..
كاسرة تناولت هاتفها وردت بلباقة: هلا والله..
مزون بخجل رقيق: هلا بش.. آسفة لو أزعجتكم.. بس قلت لازم أكلم أشوف أخباركم..
كاسرة بذات النبرة اللبقة: لا أزعجتينا ولا شيء.. حياش الله
والحمدلله على سلامتش
أشلون جميلة يوم جيتي منها؟؟
مزون تبتسم: الله يسلمش.. وجميلة طيبة وتحسنت واجد..
كاسرة بابتسامة رقيقة: الله يتم عليها عافيتها.. هذا كسّاب عندي بيكلمش..
حينها لم يفت ذكاء كاسرة ارتعاش صوتها وصدمتها التي حاولت إخفائها وهي تهمس: يبي يكلمني؟؟!!
كاسرة وهي تنظر لعيني كسّاب وتهمس بهدوء: إيه.. هذا هو أخذيه..
كسّاب تناول الهاتف ليضعه على أذنه ويهتف بحزم: هلا مزون.. أشلونش؟؟
مزون أجابت بارتعاش: أنا طيبة..
أنت أشلونك.. عساك مرتاح؟؟
كسّاب بذات نبرته الحازمة: الحمدلله.. تبين شيء من هنا؟؟ توصين على شيء؟؟
مزون ارتعش صوتها أكثر: لا فديتك.. أبي سلامتك بس..
ثم اردفت رغما عنها بألم شاسع: ورضاك..
كسّاب بذات النبرة الحازمة التي لا تتغير رغم أنه يشعر فعلا أن قلبه كما لو كان يُعتصر بقسوة..
فمهما يكن هذه صغيرته ومهما أنكر عليها.. فهو لا ينكر ألمه على نفسه:
سلمي لي على إبي وعلي.. وإذا تبين شيء كلمينا..
حينما انهى المكالمة أعاد لكاسرة هاتفها.. وغرق في صمت غريب.. ارتعاش صوتها لم يفارق أذنه..
لماذا يبدو كل شيء معقدا هكذا؟؟
لماذا لا يستطيع أن يقول لها أني راض عنك؟؟..
لماذا لا يستطيع على الأقل أن يقول لها:
" غلاش تراه يزيد ماينقص
ولا تظنين إني ارخصتش يوم
بس وجيعتي على قد غلاش
ومثل ماغلاش ماله حد.. وجيعتي مالها حد!!
ومهما حاولت أنسى.. غلاش يذكرني!!"
كاسرة همست بنبرة هادئة عفوية: صحيح أختك حبوبة.. وفعلا القلب ينفتح لها
بس تدري من اللي نفسي فعلا أشوفه من هلك؟؟
كساب بهدوء مشابه: من؟؟
كاسرة هزت كتفيها وابتسمت: ابيك !!
حينها ابتسم كسّاب: وش معنى؟؟!!
كاسرة بابتسامة عذبة حماسية: باموت نفسي أشوفه وأتكلم معه..
ما تتخيل وش كثر أنا معجبة فيه!!
حينها تناول كساب أناملها بين أناملها لترتعش ارتعاشها الدائم الذي لا تعرف له سببا..
بينما كان كسّاب يهتف بنبرة مقصودة: زين ولده ماله نصيب من الإعجاب؟؟
ردت عليه كاسرة بذات نبرته المقصودة: ولده له نصيب من كل شيء..
بس لو أعرف وش اللي في رأسه؟!!
*******************************************
صباح اليوم التالي
" قوم نروح للمستشفى.. عشان يشيلون جبس يدك اليسار"
كانت هذه إشارة مهاب لتميم الجالس في غرفته..
تميم أشار بعينيه لغترته على المقعد جواره... مهاب تناولها وألبسها له..
ابتسم وأشار له بمودة: خلاص هانت.. الحين تقدر تستخدم يد.. وقريب إن شاء الله تستخدم الثانية..
ثم أردف بإشارة أخرى: بأسال الدكتور اليوم لو يقدر يخفف لك جبس يدك اليمين قبل عرسك..
ويحط لك جبيرة خفيفة..
تصلب جسد تميم بعنف.. ورغما عنه مع ذكر موعد زفافه الذي بات يثير قشعريرة قرف ورفض عميقين في روحه
مع مرور الأيام أصبح يرفضها بكل مشاعرها.. ورفضه لها يتعمق ويتعمق..
حتى أصبح حاجزا صلبا يحيط بمشاعره..
والحاجز الجديد الذي أحاط بتواصله مع الآخرين مع كسر يديه جعل مشاعره تصبح أكثر تعقيدا وقوة..
هز رأسه بإشارة مموهة.. لا يُعلم أي تعبير يقصد منه... وهو يقف ليتبع مهاب إلى سيارته!!
*************************************
" تعبانة أبي أنام شوي"
كساب وهو يضع له ملابسا في حقيبته ويهتف بحزم: وين تنامين.. بنطلع الحين
السيارة تنتظرنا تحت..
جهزي ملابسش
كاسرة بإرهاق وين بنروح تونا رجعنا جنيف..
كساب يشدها بحزم: إذا وصلنا ارتاحي.. المكان أصلا قريب واجد..
بنروح مدينة فرنيه الفرنسية لاصقة في جنيف
وعقبها ديفون في فرنسا بعد.. بنأخذ في ذا الجولة تقريبا 3 أيام وعقب بنرجع لجنيف..
حينها هتفت كاسرة ببرود غاضب: زين صار لنا في لوزان يومين.. ولا حتى جبت لي طاري وين بنروح عقب
الحين تقول لي..
كساب ببرود مشابه: هذا انتي عرفتي... خلصيني..
كاسرة كان بودها أن ترفض.. كثير من تصرفاته تثير غيظها.. لا يستشيرها ولا يخبرها بأي شيء..
كان بودها أن ترفض فعلا.. ولكنها لا تضمن ردة فعله.. وهي تريد أن تنهي هذه الرحلة على خير.. وفي موعدها المحدد..
من ناحية أخرى لا تستطيع أن تنكر أنها أصبحت تستمتع كثيرا بصحبته... فهو خبير سفر من الطراز الأول..
وحين يكون مزاجه رائقا.. فهو يتدفق بحديث ممتع عميق حول كل شيء يراه..
"زين ياكسّاب.. زين.. خلنا لين نرجع الدوحة بس!!"
توجهت لتفتح حقائبها وهي تهتف ببرود: زين وعقب مانرجع لجنيف وين بنروح؟؟
كساب بنبرة عدم اهتمام: تدرين وقتها !!
*******************************************
بعد يومين آخرين
" تعال ياعريس خلني أدخنك"
هذه الليلة سعيد إلى أقصى درجات التوجس..
أحقا أصبح حلمه قريبا منه ؟!!
أحقا ستدفئ أنفاسها صدره البارد؟!!
يقرب غترته من المبخر الذي ترتفع منه رائحة العود الفاخرة والذي تحمله عالية وهي تبتسم: إلا ليش منت بلابس بشت؟؟
عبدالله بابتسامة: أي بشت الله يهداش.. خلاص راحت علي
إلا تعالي.. وش ذا الزين؟؟ لا يكونون قايلين لش بتشوفين عبدالرحمن
وإلا بتقابلينه من ورانا؟؟
عالية تبتسم: يا ليت.. أحسن من مقابل وجيهكم..
خسارة الكشخة اللي مهوب شايفها..
عبدالله يضحك وهو يشد أذنها: عيب يا بنت استحي..
عالية تدعي الألم: فك أذني.. أنت اللي قلت وعقبه تبي تعاقبني..
عبدالله صمت لدقيقة ثم هتف لعالية بعمق: عالية.. تغير شكلها؟؟
عالية بتساؤل: من؟؟
ثم أردفت بنبرة أعلى: إيه جدتي!!
بتشوفها الليلة وتعرف تغيرت وإلا لا؟
عبدالله بذات العمق: جد عالية أنا أسألش..
عالية تبتسم: شكلا ماتغيرت.. بس
ثم أردفت بسكون: بس اللي داخل الشكل تغير واجد..
ثم حاولت أن تعود للابتسام: بس يمكن أنت تلاحظ تغيير في الشكل
لأنه تدري احنا نشوفها دايم فما نلحظ التغيير
لكن أنت لك 4 سنين ماشفتها.. وأتمنى التغييرات لو شفت تغيرات تعجبك..
عبدالله يهمس في داخله بألم اشتياقه (عاجبتني على كل حال!!)
********************************************
"تدرين ترا ابتسامة صغيرة ماراح تضر
تدربي عليها قبل تنزلين للنسوان!!"
جوزاء بضيق: تدرين أنش متفرغة!!
شعاع بابتسامة: وليه ما أتفرغ.. عندنا عرس وعروس كنها قمر..
جوزاء بذات الضيق: حسن وين راح؟؟ قبل شوي كان هنا..
شعاع بتلقائية: عبدالرحمن اتصل فيني يبيه.. وخذه معه المجلس.. ريحي بالش بس..
ويالله ابتسمي..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك