رواية بين الامس واليوم -90
كاسرة مشغولة بالتأكد من الأغراض الموجودة في الأكياس وتهتف بثقة:
الحين وضحى بتروح معش.. لأنها تبي ترجع تتسبح عشان ترجع تتزين مع سميرة في القاعة..
وهي بتشرف على الترتيبات الأخيرة..
وأنا اللي بأروح معش المرة الثانية عشان أشوف ترتيبات القاعة قبل تكمل
ثم بأرجع و بتجيني اللي بتزيني هنا.. وبأخلص قبل المغرب وأجي لش القاعة
مزنة بحزم: زين بتقعدين لين تلمين معنا أغراضنا آخر الليل؟؟ وإلا بتروحين لبيتش؟؟
كاسرة بثقة: لا بأقعد وبأرجع معكم هنا.. وبأمسي هنا الليلة..
حينها صرت مزنة عينيها بحزم: استأذنتي كساب زين؟؟
" حتى لو لم أستأذن..
لن يعلم أنني لم أنم في البيت حتى!!"
ولكنها هتفت بحزم: أكيد بأستأذنه وماظنتني إنه بيعيي..
كاسرة بالفعل شدت هاتفها لتتصل به.. رغم أنها كرهت أن تتصل به..
فالحوار بينهما الأيام الأخيرة كان شبه مقطوع..
تعلم تماما ماذا سيقول (سوي اللي تبينه!!) المهم ألا تزعجه!!
لذ تفاجأت برفضه القاطع: لا.. ترجعين وتنامين في بيتش..
كاسرة تشعر بغيظ لم يظهر في صوتها الواثق: أنت صار لك أسبوع ماتدري عني شيء..
يعني لو نمت عند هلي يمكن ماتدري.. فليش تبي ترفض بدون سبب!!
كساب بحزم بالغ: وأنتي لازم تنشفين الريق وتطولين السالفة وهي قصيرة..
قلت لش ترجعين بيتش ترجعين بدون نقاش..
أيش الشيء اللي مافهمتيه في كلامي؟؟..
كاسرة شدت لها نفسا عميقا حتى لا تنفجر وهي ترص على الأحرف والكلمات:
إذا على الكلام مفهوم.. ومهوب أنا اللي يجهلني الحكي.. لكن صاحب الحكي هو اللي ماينفهم..
كساب أنا لازم أقعد مع أمي نلم باقي أغراضنا عقب مايروحون المعازيم.. عشان كذا بأرجع معها..
أجابها بحزم أكبر: اقعدي براحتش.. وساعدي أمش مثل ماتبين.. وإذا خلصتي أنا اللي بأجيبش!!
***********************************
" الحين أنتي ليش ترجفين كذا؟؟
ترا أخي مايعض والله العظيم"
حينها أجابت سميرة (بعيارة) باكية وهي تمنع دموعها من الانهمار:
زين يمكن إنه يشخر أو يرفس وهو نايم..
وضحى أيضا تحاول منع دموعها من الانحدار تأثرا مع حال سميرة وهي تهمس باختناق:
لا مافيه أهدأ منه وهو نايم كنه بيبي متكتف..
سميرة شدت يد وضحى وهي تهمس باختناق: وضحى تكفين لا تخليني!!
وضحى ترسم ابتسامة فاشلة: تكونين رايحة تحاربين وتبين مساندة عسكرية..
أصلا أنتي يا الغبية حتى الاوتيل مارضيتي تروحين..
خلاص هذا أنتي الليلة في بيتنا ووطوفتي وطوفتش وحدة.. دقي الطوفة وأنط لش بالمساندة..
والحين افرديها.. المرة عصبت.. تبي تخلص شعرش تحط الطرحة..
حينها قفزت لهم نجلاء التي انتهى شعرها والتي كانت تراقب من بعد اختناق سميرة بالدموع..
وتوقف خبيرة الشعر لأن سميرة شدت وضحى لتقف جوارها!!
نجلاء تحاول أن تهمس بمرح تخفي خلفه اختناقها الحقيقي الذي بدأ بالتزايد منذ بدأت سميرة في التزين واقتراب موعد الختام:
اسمعيني سمور.. ياويلش تخليني أبكي وتخربين مكياجي.. تراني أبي أرجع لصالح يشوفه.. مهوب يشوف خريطة ألوان..
وأكيد بعد تميم مايبي يشوف خريطة ألوان!!
سميرة حينها بدأت تشهق حين تذكرت أن تميما سيراها رغم أنها لا تنسى..
وانحنت وهي تدفن وجهها بين كفيها..
خبيرة الشعر هتفت بتأفف: هيك ماراح نخلص ولا الصبح!!
نجلاء أزالت يديها عن وجهها وهي تهتف لها بحزم: اصطلبي يا بنت.. اللي سوت لش المكياج راحت.. من بيعدله لش لو خربتيه..
وإلا تبين تضحكين الناس اللي بيدخلون يسلمون عليش..
أنتي بتعقلين وإلا أدعي أمي تشوف لش صرفة؟؟
حينها همست سميرة وهي تهتف كطفلة تجبر نفسها على الصمت:
أمي لا.. لا.. أمي بروحها متضايقة..وجننتها الأيام اللي طافت.. لا تضايقينها أكثر.. تكفين نجلا.. خلاص بأسكت!!
نجلاء تأخرت للزواية وهي تتظاهر بالانشغال في ترتيب أغراض سميرة المتناثرة وجمعها..
بينما كانت أنفاسها تعلو وتهبط.. وتقهر نفسها بشدة حتى لا تنفجر بالبكاء..
***************************************
كانت تتأكد من شكلها في المرأة ومن ثبات اكسسوار الشعر قبل أن تتناول عباءتها المفرودة على السرير لتلبسها..
حينها دخل..
لم تهتم لدخوله.. فهما الأيام الماضية اعتاد كل منهما تجاهل الآخر..
وهي أدت ماعليها واستأذنته للذهاب لحفل زفاف ابن خالها وأذن لها..
لذا لم تهتم وهي تتناول العباءة.. ثم تتذكر شيئا فتنزلها... لتتاول حقيبتها.. وتضع فيها البودرة والعطر وأحمر الشفاه..
ولكنها لا تعلم أن هذا الآخر الذي كان يراقبها بدقة.. قد نضج تماما.. ويشتعل شوقا لها!!
يريد أن يعاقبها فإذا به يعاقب نفسه..
فبعدها عنه يسعدها ولكنه يتعسه.. وماعاد به أي طاقة للاحتمال!!
هي على كل حال تفتنه.. فكيف وهي بفتنتها التي بلغت أقصاها الليلة في فستان حرير سماوي؟!!
كانت على وشك ارتداء عباءتها حين فوجئت به يشد عباءتها من يدها..
ويمسك بها من خصرها.. انتفضت بعنف وهي تبعد كفيه عنها..
وتهمس بقرف: عبدالله لو سمحت أنا بأروح العرس.. أمي صافية وعالية ينتظروني تحت..
أجابها ببرود مدروس: اتصلي فيهم وقولي عبدالله بيوديني.. خلهم يروحون..
أجابته بعصبية: الظاهر أنك استخفيت..
حينها هتف بحزم بالغ: والله ماحد مستخف غيرش.. أنتي بتعرفين أشلون تكلمين معي.. وإلا حلفت ما تحضرين العرس الليلة..
حينها أجابت بجزع: لا عبدالله تكفى.. هذا عرس ولد خالي.. وعرس بنت عمك..
حينها أجابها بحزم أكبر: زين دامش ميته تبين تروحين.. تسنعي..
الحين تقعدين عندي وعقب أنا بأوديش.. وأنا رايح العرس..
أجابته بتأفف: أنت وش طرى عليك.. صار لك أسبوع راحمني من ثقل طينتك
وإلا مايهون عليك تشوفني مستانسة تبي تنكد علي..
أجابها بتقصد وهو يتناول كفها ويفتح باطنها ناثرا قبلاته فيها: نكد متبادل ياقلبي
ميت من شوقي. وأنتي لو أموت صدق ماحسيتي فيني!!
حينها شدت يدها بعنف: عبدالله خلني أروح..
أجابها بحزم بالغ: قلت لا..
حينها علمت أنه جاد فيما يقول ( وش ذا الشوق اللي طلع عنده فجأة
وهو أسبوع كامل كني والطوفة واحد
حتى المطالع مايطالعني!!)
حينها قررت اللجوء للخبث النسائي المعهود.. لأنه علمت يقينا أنها أن عاندت فهو سيعاند..
لذا همست بمداهنة مدروسة كاذبة: زين عبدالله خلني أروح الحين..عيب أتأخر.. ووعد علي أني لا رجعت أرضيك وأسمح خاطرك..
حينها ضحك عبدالله: تدرين أنش ماتعرفين تكذبين..
ولا كذبتي قعدتي تشبكين إيديش لأنش مرتبكة..
جوزاء التفتت ليديها لتجد أنها بالفعل كانت تشبك أناملها وهي تفركها بشكل دائري..
جوزاء شعرت بالغيظ الممزوج بالحرج.. قد تكون بالفعل لا تكذب عادة وتكره الكذب..
ولكنها لا تنكر أنها هذه الأيام تكذب على أهلها وأهل عبدالله في شأن علاقتها بعبدالله وأنهما مرتاحان..
ولا يبدو أن هناك من اكتشف كذبها.. فكيف اكتشف هو أنها تكذب؟؟
أجابته بغيظ: خلاص ماراح أكذب عليك.. بأقول لك لا رجعت تفاهمنا.. وما أعتقد أني أقدر أمنعك من حقك إذا بغيته!!
حينها أشار لها عبدالله بيده أن تغادر وهو يفتح دولابه ليتناول له ثوبا
ويهتف بنبرة عميقة بها رنة حزن واضحة بينما كانت هي ترتدي عباءتها:
تدرين جوزا.. يمكن أكون محتاج لش جنبي مثل ما أي رجال محتاج مرته..
لكن عمر ماحاجتي لش كانت مجرد حاجة جسدية رخيصة..
أنا قعدت الاربع سنين اللي فاتت بدون مرة.. وكنت مقرر أني بأقعد عمري كله كذا..
لأنه كان مستحيل أضم مرة لصدري عقبش..
جوزا لازم تشوفين لش حل في طريقة تعاملش معي.. لأنه الصبر له حدود..
وأنا أبي منش الاحترام قبل أي شيء..
لا تحبيني.. بس احترميني..
جوزاء غادرت وكل ماقاله له يتقزم ويتراجع أمام عبارة واحدة
(أنه بقيت السنوات الأربع الماضية بدون امراة)
"إن كان كذلك..
فمن أين أتت معرفته بالأطفال؟؟
يا الله رأسي سينفجر من كثرة التفكير!!"
نجلاء مازالت تحاول منع دموعها التي تريد الانهمار منذ بداية هذا اليوم
وهي تنظر لشقيقتها التي كانت تجلس بين صديقاتها الكثيرات اللاتي حضرن كلهن اليوم..
كانت غاية في البهاء والبراءة والحسن.. تبدو كما لو كانت إحدى شخصيات القصص الكرتونية لشدة رقة ملامحها وصفائها غير المعقول..
تبتسم نجلاء بشجن وهي تنظر لفستان سميرة الشديد الرقي بأكمام الدانتيل الطويلة حتى منتصف كفها.. وتذكر خلافهما حوله..
كانت نجلاء تريده بدون أكمام حتى يظهر لون الحناء ونقوشه الغامقة في شدة بياض بشرة سميرة المصقولة!!
ولكن سميرة رفضت وبشدة كانت تقول ببراءتها العذبة: "تبين تميم لاشافني يقول هذي مافي وجهها حيا..
استحي أول مرة يشوفني.. يشوفني متفسخة كذا!!"
نجلاء لم تقترب منها منذ صعدت لتجلس على مقعدها.. تركت المهمة لوضحى..
لأنها تشعر أنها لو اقتربت فأنها ستثير فضيحة بمناحة تشعر بها باتت قريبة..
كانت شعاع تهمس لسميرة بخفوت: أنتي وين ركبتش داستها.. خلني أقرصها..
فتهمس وضحى بابتسامة مرحة: وخري يالبزر.. وصفي في الدور.. أنا أول.. أنا أكبر وتخرجت وأشتغل..
وأنتي أصغر وعاد باقي عليش سنة..
حينها ابتسمت شعاع وهمست (بعيارة) وهي تنظر لسميرة وبجوارها عالية:
إذا هذي وبنت عمها اللي عقولهم لش عليها تحفظ.. اعرسوا..
يعني حن اللي ركادة وثقل مانعرس..
عالية (بعيارة) أشد: لا حد يحارشني.. أنتو قلتوها عقلي عليه تحفظ..
لا ينوبكم من التحفظ شوي..
تعرفوني خبلة وماينداس لي على طرف!!
شعاع تضحك: احترميني تراني حماتش.. واللي خليت أخي يتورط ويستخف ويأخذش.. بركاتي يعني
وإلا كان الحين الحال من بعضه وأنتي عانس حالش حالنا!!
عالية تضحك: يبقى ذنبش على جنبش في اللي بأسويه فيش وفي أخيش..
مافيه حد صاحي يحط الحية في خُرجه.. (الخرج= كيس منسوج يستخدم لحفظ الأغراض قديما)
وضحى بابتسامة : المثل ذا ماله شبيه عند خالش هريدي ياسميرة "اللي يحط الحية في خُرجه"..؟؟
سميرة لم تكن تستمع حتى .. عيناها زائغتان وذقنها كان يرتعش بشدة دلالة على شدة ارتعاشها!!..
عالية همست بخفوت وهي تشد على كف سميرة: سميرة الناس شوي وينتبهون لش..
شعاع وقفت فورا في وجه سميرة حتى لا يراها أحد.. بينما وضحى جلست من الناحية الأخرى.. وهي تقرأ آيات من القرآن الكريم عليها..
ولكن الارتعاش لم يتوقف.. شعاع همست بقلق: أقول لنجلا تجي؟؟
عالية برفض قاطع: لا تنادون لا نجلا ولا خالتي أم غانم.. الثنتين أصلا على طريف.. وماسكين نفسهم بالغصب!!
عالية شدت ذراع سميرة بقوة وهي تهمس في أذنها بحزم: سميرة ركزي معي..
لا تفضحين نفسش وتفضحينا.. أدري أنش مستحية يالخبلة..
بس الناس اللي بيدخلون هنا يسلمون.. لا شافوش كذا ماقالوا مستحية.. قالوا مغصوبة..
امسكي اعصابش لين تروحين.. عقبها فكي دموعش كلها تميم.. وسودي عيشته
وضحى تحاول أن تبتسم بفشل لتأثرها من حال سميرة: خوش نصيحة لبنت عمش.. واللي بيروح فيها أخي المسيكين..
حينها حاولت سميرة أن تبتسم..
صفقت شعاع بخفة وهمست بخفوت: جدعة يا بنت أخت هريدي.. امسكي الابتسامة ذي لين آخر العرس طالبتش!!
***************************************
" يمه ترا تميم يقول مهوب داخل!!
غانم بيدخل يجيب أخته.. وأنا بأروح لأن غانم هو اللي بيوصلهم البيت"
مزنة حينها هتفت بغضب: أشلون مايبي يدخل.. حن ما اتفقنا على كذا
قل له مافيه حد غيري أنا واخواته وعمته.. وبيدخل مع باب خاص وبيطلع معه
خله يدخل يصور مع مرته يشوفها.. المسكينة وش له متعدلة ومرتزة؟؟
مهاب بحرج: يمه لا تفشليني أكثر ماني متفشل.. توني تلاغيت أنا وإياه..
وغانم واقف وسطنا مهوب داري وش السالفة!!
وأنا ذا الحين في نص هدومي من غانم عقب ماقلت له ادخل جيب أختك لأن تميم مستحي..
والله يمه ماعاد باقي إلا أضرب ولدش وإلا اسحبه عندكم..
معند ورأسه ألف سيف مايدخل..
مزنة بغضب: زين ياتميم.. دواك عندي..
خل غانم يدخل .. لا بارك الله في عدوين ذا الولد قهرني وبيقهر البنية!!
مزنة أشارت لبناتها أن يخرجن معها.. وهتفت بحرج بالغ لأم غانم ونجلا اللتين كانت تقفان في الزواية ملتفتان بعبايتيهما:
أم غانم.. تميم حياوي بزيادة واستحى يدخل.. ولدش غانم هو اللي بياتي يأخذ أخته..
لا تنكر كل من نجلا ووالدتها تصاعد الضيق العميق في نفسيهما.. فحتى هما تمنيتا أن تريا سميرة حين يدخل عليها زوجها
يلمحان الفرحة التي تمنيا رؤيتها.. مادامت قد أصرت على هذا الرجل بالذات
أرادا أن يطمئنا عليها..
سميرة لشدة خجلها وارتباكها لم تلحظ شيئا مما يدور حولها..
فسميرة رغم مرحها الدائم وتعلقاتها الدائمة إلا أنها حينما تعاني من الخجل
الذي يتحول أحيانا لخجل غير طبيعي يجعلها تتوتر وعقلها يتوقف عن التفكير..
لذا لم تنتبه لأي شيء حتى رأت طرف الثوب الأبيض جوارها..
حينها كادت تتقيأ جزعا لولا أنها سمعت الصوت الدافئ الحاني الذي تعرفه جيدا:
إذا بتلاقون لي عروس حلوة كذا.. زوجوني من الليلة..
حينها انفجرت في البكاء وهي تحتضن خصر غانم الواقف.. ليتلطخ ثوب غانم من زينة وجهها المختلطة بدموعها المتفجرة..
ولينفجر معها الاثنتان اللتان كانتا تنتظران مجرد شكة دبوس لينهمرا..
غانم شعر باختناق حقيقي وهو يرى نساء حياته الثلاث كلهن في حالة بكاء هستيري..
سبق له أن مر ببكاء والدته في زواج نجلاء وهو ابن السابعة عشرة وسميرة تنتحب معها وهي تتعلق بثوب أمها..
ولكن لا شيء يشبه مرارة هذا البكاء!!
هتف بهذا الاختناق المر: أنتو متأكدين إن حالتكم هذي حالة بشرية طبيعية؟!!
أمه هزت رأسها وهي تهتف بأنين: مش هاين عليا البيت من بعد سميرة.. حاسة بيه هيبئ زي الئبر..
هتف غانم بابتسامة موجوعة: الظاهر يمه وقت التراجيديا تقلبين على الموجة على المصري الخالص..
همست أم غانم باختناق وهي تربت على كتفه: خذ أختك لجوزها.. وأنتي يا نجلا امسحى وش سميرة..
ولو أني حاسة أنه مكياجها ماعادش نافع!!
.
.
في الخارج يجلس في سيارة غانم..
أنفاسه تعلو وتهبط.. واختناقه يتزايد.. يشعر أن البشت يخنقه.. وأزرار ثوبه تخنقه.. وسيارة غانم تخنقه!!
بل وجسده يخنقه..!!
يتمنى لو أنه هرب من كل هذا..
لماذا يتزوج ليرضي الجميع بينما هو أبعد الناس عن الرضا بهذا الزواج؟؟
لماذا وافق على إدخال نفسه في هذه المهزلة؟؟
لماذا لم ينهِ هذا الزواج قبل أن يكتمل بعد أن بات يشعر بشكوكه تخنقه بعد حادثة تكّسر يديه؟؟
كان غارقا في أفكاره السوداوية.. ولأنه لا يسمع فهو لم يسمع صوت فتح الباب..
ولكنه شعر باهتزاز السيارة الطفيف والباب الخلفي يفتح.. حينها شعر أنه عاجز عن التنفس.. لم ينظر مطلقا للخلف..
بقي متيبسا في مكانه.. يتمنى لو أنهم لم يحضروا.. وجيد أنه لا يسمع حتى لا يسمع نحيب من ركبت السيارة وهي مازالت تنتحب..
غانم كان يُركبها في الخلف.. وقف لجوارها لحظات ثم شد على كفها..
وهتف لها بخفوت حازم: اسمعيني عدل..
أكيد أنا أتمنى لش التوفيق في حياتش..
لكن لو هذا التوفيق ماصار لأي سبب.. لا ترددين ولا لحظة وحدة أنش ترجعين لنا..
أدري عيب أقول ذا الكلام وكأني أعصيش على رجّالش..
لكن اللي أنا خايف منه.. لأنه أنتي اللي أصريتي عليه.. إنه لو ماكنتي سعيدة أو ما ارتحتي
تصبرين على الوجع لأنش خايفة حد يقول أن هذا اللي سويتيه في روحش.. وهذا كان اختيارش..
لا تخافين من شيء.. بيت أبيش وبيتي مفتوحين لش.. وعمر الحياة ماتستمر على اختيار غلط عشان حن خايفين من شماتة الناس..
أهم شيء تكونين أنتي مبسوطة وسعيدة..
سميرة شدت على كف غانم دون أن تتكلم..
غانم التف ليركب سيارته.. وحسرة عميقة تتصاعد في روحه.. لا يستطيع حتى أن يوصي الجالس الصامت جواره بشقيقته..
والمشكلة أنه لا يبدو راضيا.. لا يعلم هل هو خجل كما يقول مهاب.. أم أن هذه شخصيته؟!!
تميم غارق في أفكاره بينما الجالسة غارقة في دموعها وخجلها يخنقها لأبعد حد..
حين وصلا للبيت..
ونزلا الراكبان الأماميان.. غانم يشير لتميم أن يمسك بيد سميرة حتى يدخلها لأنها لا ترى من خلف العباءة الموضوعة فوق رأسها..
ولكن تميم ادعى عدم الانتباه... وهل على الاصم حرج؟؟
حينها أنزلها غانم وهو يقربها حتى أوصلها قرب الباب..
قبل جبينها وهتف لها بحنان: لو بغيتي أي شيء ترا ما بيننا إلا دقة تلفون!!
حين غادر غانم والاثنان واقفان عند الباب.. انفتح الباب لتظهر وضحى خلفه
التي سبقتهما للبيت
لتتأكد من ترتيب العشاء الخاص بالعريسين.. وتخرج المباخر من غرفتهما..
ابتسمت بشفافية : سربرايز أنا هنا عشان أنكد عليكم..
هلا والله بالعرسان..
كانت وضحى تهتف بالعبارة وهي تشير بها في نفس الوقت..
وضحى همست لسميرة : عطيني عباتش مافيه حد في البيت..
سميرة باختناق همست لوضحى: أنا بكيت واجد.. أكيد شكلي الحين يروع..
وضحى أشارت لتميم: تميم فديتك ممكن تطلع فوق.. خمس دقايق بس وأجيب لك العروس..
تميم لم يشر بشيء وهو يصعد بينما كان في داخله يهتف بإرهاق نفسي عميق (خليها عندش أحسن وأنسوني)..
وضحى شدت سميرة بسرعة لغرفتها.. حين خلعت عباءتها عن وجهها هتفت وضحى بصدمة بالغة: ياخسارة المكياج اللي بفلوس واجد على الفاضي
لا وهذا وهو ضد الماي.. شكلش كبيتي على وجهش سطل ماي يالخبل..
سميرة عادت لتنتحب: أنا متفشلة منه بدون شيء.. الحين يشوفني كذا بعد..
وضحى بعزم: ومن قال بيشوفش كذا.. يالله بسرعة خلنا نمسح المكياج كله بسرعة..
أصلا أنتي وحدة ببشرتش ما تحتاجين مكياج..
بنمسحه كله وبنحط لش ماسكرا وغلوس بس..
سميرة بألم: يعني أول مرة يشوفني يشوفني بماسكرا وغلوس.. أشلون عقب؟؟
وضحى تدعك وجه سميرة بمزيل ماكياج قوي..بعد أن ضعت فوطة صغيرة حول جيب الفستان حتى لا يتطلخ.. وتهتف بمودة:
العمر كله قدامكم بيشوفش لين يعجز.. الحين أنتي مستحية وهو مستحي وش بيشوف يعني..؟؟
وبعدين أخي يحب يده مقلوبة اللي الله أرسل له وحدة مثلش.. بيتبطر على النعمة يعني!!
وضحى أنهت مهمتها في أقل من خمس دقايق وأنهتها برشات عطر أحاطت بها سميرة من كل ناحية..
وضحى ابتسمت: يالله قومي هذا أنتي تهبلين وتجننين..
لو أقول لأحد أني مسحت مكياج عروس قبل يشوفه رجالها بيقولون لي استخفيتي
بس والله أنش أحلى كذا.. أصلا أنا دايم أقول لش المكياج مايلبق لش!!
سميرة بدأت ترتعش بعنف ووضحى تقودها لغرفتها الجديدة وتهمس باختناق: وضوّح باقعد عندش شوي.. تكفين
وضحى تضحك: الحين تميم أكيد يدعي علي أني خذتش منه..
يالله بلا بياخة روحوا تعشوا.. أنتي وإياه صار لكم يومين ماكلتوا شيء..
وضحى دفعتها للداخل وأغلقت الباب.. كانت ترتعش كمصابة ببرد شديد وهي تقف عند الباب دون أن تتقدم..
لم ترفع رأسها حتى وقدماها مغروستان في الأرض..
هو كان خلع غترته وبشته وألقاهما بقرف على السرير ويجلس على مقعد مستغرقا في أفكاره التي كلما غرق فيها كلما ازداد ضيقا ووجعا..
لم ينتبه مطلقا لمن دخلت..
وهي بقيت على وقفتها ربما لربع ساعة دون أن يتقدم منها أحد كما توقعت..
حينها رفعت رأسها بخفة لتراه جالسا شاردا.. فشعرت أن قلبها يكاد يتوقف
وعادت لتنكيس رأسها وارتعاشها يتزايد كما لو أنه مازال هناك للتزايد..
وهي ترتجف كريشة جافة معلقة في مهب ريح عاصفة..
بعد فترة من الزمن.. قرر أن يقف ليتوجه للحمام حتى يتوضأ ليصلي قيامه.. فتفاجأ بالمخلوقة الواقفة عند الباب..
رغما عنه صد بقرف.. لم يكن يريد النظر حتى ناحيتها..
ليس لديه اتهام محدد ضدها.. وفي ذات الوقت لديه قائمة ضخمة من الاتهامات!!
ولكنه شعر أنه قليل التهذيب والفتاة تقف لا يعلم منذ متى.. رغم أنه تمنى أن يجعلها تقف حتى تمل.. ربما تقرر أن ترحل حينها..
اقترب منها بهدوء.. وهي حين سمعت صوت الخطوات تقترب..
شعرت أنه يكاد يغمى عليها من الجزع والخجل..
نكست رأسها أكثر وارتعاش جسدها بدا واضحا جدا..
تميم حين اقترب لاحظ ارتعاشها غير الطبيعي (وش فيها ذي؟؟ تمثل وإلا مريضة؟؟)
لمس حينها طرف كمها وهو لايريد أن يلمسها حتى.. ليشير لها أن تجلس..
حينها انفجرت مرة أخرى في البكاء..
نظر لها باستغراب أقرب للغضب..
(وش فيها ذي تبكي؟؟
هذا وأنا ماقربت جنبها
وإلا يكون هذا هو اللي هي خايفة منه أني أقرب جنبها
أكتشف شيء ماتبيني أكتشفه؟!!)
حينها شدها بحدة وأجلسها على المقعد بقوة.. ثم تركها متجها للحمام
وهو يشعر بالقرف من كل شيء..
بينما سميرة حين رأت قوته في شدها كادت تصرخ طالبة النجدة.. لولا أنه أجلسها وتركها..
حينها بدأت تكثر من قراءة آيات القراءن الكريم وهي تحتضن نفسها وتحاول تهدئة روعها...
*******************************************
" يمه كساب ينتظرني برا
تبين شيء بعد؟؟"
مزنة وهي ترتدي عباءتها أيضا: لا يأمش خلاص.. هذا احنا خلصنا وامهاب ينتظرني برا بعد..
خرجت كاسرة لم يكن في الخارج سوى سيارة كساب ومهاب والمكان خال تماما..
كاسرة توجهت لسيارة كساب و..........
************************************
قضت ساعتين ربما وهي جالسة في مكانها حتى استطاعت أن تهدأ وتجعل أعصابها تتمالك..
بينما هو أيضا جالس في مكانه بعد أن أنهى صلاته..
ظنت سميرة أنه اعتصم بمكانه ليترك لها المجال لتهدأ بدون ضغوط منه وفعلا هدأت قليلا وبدأت حالتها تستقر..
ورغم شعورها بخجل عميق منه ولكنها قررت أن تنهض لتستحم وتصلي.. حتى يصليا بعد ذلك معا..
وقفت وغادرت وهي تخشى أن تتعثر في خطواتها لشدة ارتباكها..
بينما هو كان ينظر لها وهي تغادر
(الظاهر تعبت من تمثيل السحا الساعتين اللي فاتت
ماقصرت ساعتين كاملة وهي مستحية يعتبر انجاز)
حين انتهت من الاستحمام..
وجدت أن وضحى قد أعدت لها كل شيء في غرفة التبديل..
ارتدت قميص نومها ولكنها لم ترتدِ روبه لأنها شعرت أنه خفيف.. وارتدت روبا آخر لونه أبيض من حرير ثقيل..
وخرجت وهي تحمل سجادة الصلاة التي أخبرتها وضحى بمكانها..
صلت قيامها بعيدا عنه.. ودعت الله مطولا أن يلهمها السكينة ويكتب لها التوفيق
وكانت تشعر بذه السكينة تحيط بها وتقويها حين اقتربت حتى وقفت أمامه.. وأشارت له بخجل بإشارة التكبير..
لم يكن يريد حتى أن ينظر ناحيتها.. بل هو مازال لم ينظر ولا يعرف حتى تفاصيل ملامحها..
ولكنه وقف وهو يشير لها أن تقف خلفه..
سيصليان.. ولكن هل الصلاة ستصلح أخطائها التي بات يشعر بها حاجز يحول دون رؤيته لها..
فور انتهائهما..
عاد للجلوس وهي جلست والصمت محتكم بينهما..
كيف سيتحاوران وبأي طريقة؟؟
كل منهما يدعك كفيه وهو غارق في أفكاره الخاصة!!
وشتان بين أفكارهما..
بين أفكار سوداء في حياة يبدو لا أمل فيها!!
وأفكار بريئة بحياة وردية يتحديان فيها كل الصعاب!!
طال الصمت واحتكم حتى أغرق المكان..
ليقف تميم فجأة ويغادر لأنه شعر أنه ماعاد يحتمل وجودها قريبا منه هكذا..
توجه للحمام ليستحم..
بعد دقائق.. بحثت سميرة عن هاتفها الذي أخبرتها وضحى أنها وضعته لها على التسريحة..
تناولت الهاتف وأرسلت لوضحى:
" تكفين وضوح تعالي دقيقة عند باب الغرفة"
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك