بارت من

رواية بين الامس واليوم -89

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -89

بقدر ما يثير استغرابي لأبعد حد..
قد اتجاوز صبره على مرافقته الطويلة.. وحتى اطعامه له دون يوسخ ملابسه
رغم أن كلا التصرفين ليست من ملامح صبر الرجال هنا ولا تعاملهم
ولكن ما استغربت له بالفعل..
أنه قبل عدة أيام حين ذهبت للسلام على كاسرة..
رفض أن أخذ حسن معي وقال أنه لا يحب أن أخذه لزيارات نساء فقط مادام لايوجد عندهم أطفال من سنه ليلعب معهم..
لأنه معنى ذلك أنه سيبقى طوال الوقت يستمع لأحاديث النساء..
اهتمامه بهذه التفاصيل غريب..
ولكن الأغرب ماحدث تاليا..
كاسرة أصرت أن أبقى للعشاء رغم محاولاتي للتفلت من أجل موعد نوم حسن..
ولكني لم أستطع التفلت منها.. شعرت بالحرج فجلست
كنت قلقة أنني سأعود وأجد حسن قد التهم الكثير من الحلويات..
والطاقة وصلت حدها الأقصى عنده.. وسأعاني حتى أجعله ينام لأنه تأخر عن وقت نومه!!
وحتى إن نام فهو سينام بملابسه ودون أن يستحم أو يغسل أسنانه..
ولكن الغريب أنني حين عدت..
وجدته نائما.. وبجواره عبدالله يعمل على جهازه المحمول وبعض الأوراق!!
حين انحنيت لأقبله كان شعره تفوح منه رائحة الشامبو.. مسرح.. وهو يرتدي بيجامته..
لم أسأل عبدالله عن شيء.. ولكني بداخلي تصاعد الضيق لأنه كان كل ظني أن الخادمة هي من حممت ابني.. وأنا لم أكن أرضى بذلك..
عدا إن ادخال عبدالله للخادمة غرفتي وفي غيابي.. بدا لي قلة تهذيب منه وتقليل مقصود لاحترامي..
ولكن حين دخلت الحمام.. كان الحمام غير نظيف.. والملابس مازالت في السلة..
استغربت كيف تحممه.. ثم لا تأخذ الملابس للغسيل وتنظف الحمام..
وحينها لم أستطع الصبر للصباح توجهت لها وسألتها..
قالت لي أنها لم تدخل غرفتي مطلقا ولا تعلم من حمم ابني..
حينها سألت عالية بشكل غير مباشر.. قالت أنها وصلت للتو فهي كانت تتعشى مع نايف..
حينها سألت عبدالله وانا أحاول أن أتشاغل بترتيب بعض الأشياء وبنبرة عدم اهتمام..
قهرني حين أجابني ببرود: بدل اللفة الطويلة اللي سويتيها وأنتي ماخليتي حد في البيت ماسألتيه.. كان سألتيني على طول!!
أنا اللي سبحته .. وإلا عندش مانع بعد؟؟!!
وتكرر الأمر مرة ثانية حين ذهبت أنا وعالية قبل يومين لسميرة للسلام عليها وإعطائها هديتها!!
من أين أتي بخبرة هكذا؟؟ صالح الذي هو أب من قبله وابنائه بين يديه منذ ولادتهم.. لا يتصرف هكذا!!
أصبح شاغلي هذه الأيام مراقبة تصرفاته مع حسن.. أكاد أجزم أن خبرته أحسن مني حتى..
في ملابسه وأنواعها.. في أعراض الأمراض والأدوية.. في طرق التعامل والتربية!!
بل أنه البارحة كان يهتف بعفوية وهو يلمس بيجامة حسن:
بيجامات البرزان هنا خايسة.. صديقي فيصل جاي قريب..
بأوصيه يجيب لحسن بيجامات من ماركة ممتازة.. ناعمة ومهما انغسلت ماتخرب..
ويجيب له بعد أدوية حرارة.. وخليها في الثلاجة..
أدوية الحرارة حقت البزران هناك ممتازة..
ألا يصيب هذا بالجنون؟!!
يحممه.. يطعمه.. لا بأس..
ولكن من أين يعرف لأنواع البيجامات.. بل ولتحولاتها بعد الغسيل!!
أفكار عديدة بدأت تغزو رأسي..
ولكني أحاول إبعادها..
أ .. أ... أيعقل أن ....؟؟؟
هو لا يهمني.. ولكني لن أسامحه.. أن ترك حسن بعد تعلق فيه هكذا!!


**********************************


رأيته عدة مرات الأيام الماضية..
وهو يزور ابنة شقيقه..
يلقي تحيته الجافة التي بات يعتز بها كثيرا في الفترة الأخيرة..
وأتسائل أين هي نبرته الدافئة التي كانت تذيبني!!
كم يجمع هذا الرجل من المتناقضات!!
وكم هو متعب حتى استنزاف الروح..!!
قد يكون كلا منا الآن مشغول بوضع مزون أكثر من اهتمامنا بأنفسنا!!
ولكن ما الذي يمنعه أن يتعامل معي بصورة طبيعية؟!!
لا أعلم لِـمَ هذا التجاهل وهو بالكاد يلقي التحية ثم يسألني كأنه يتكرم علي:
كيف حالك؟؟ .... وفقط
وإن كان بيننا خلاف.. فنحن زوجان.. وناضجان.. ونمر بظرف أسري طارئ!!
ما الذي يمنع أن يحادثتني كما يحادث أي أحد.. وليس بكوني زوجته!!
حين يجلس بجوار مزون.. وأنا أعلم انه اختار المكان الأبعد عني..
أحاول أن أتشاغل بأي شيء عن النظر له..
ولكني لا أستطيع.. كما لو كان هو بؤرة الضوء في المكان..
لم يغلق زراره العلوي.. يعلم أنني أكره ذلك لأن عضلات أسفل رقبته تبدو واضحة..
ومع ذلك يتعمده.. ربما نسي!! بل تعمد إغاظتي!!
أنظر لساعته.. لقلمه البارز من جيب صدره..
قلت له مرارا.. أن هذا القلم لا يتناسب مع هذه الساعة..
وفي كل مرة كنت أعيده وأحضر له قلما آخر.. وهاهو يحضرهما معا!!
قد يبدو كل ذلك سخيفا.. ولكن لمن هي مثلي!!.. كل إشارة سخيفة ستزدحم بالتأويلات حتى تتفجر!!
كما لو أنه يرسل لي رسالة.. أنه مستغن عن وجودي في حياته..
كما استغنى عن كل ماكنت أحرص عليه في مظهره!!
.
.
.
أسأل نفسي: هل أبدو كشاب مراهق غبي!!
وهل من حولي يلاحظون؟!!
قد أكون مشغولا تماما ومهموما بموضوع مزون..
ولكن لا أستطيع أن أخدع نفسي وأنكر أن جزءا من أسباب زياراتي الكثيرة لمزون.. حتى أراها هي!!
أراها ذابلة مرهقة.. يبدو أننا كلنا نضغط عليها.. الكل يريد حقه منها..
سواءا أنا أو ابناء أخي..
تبدو مثقلة بالهموم بنظرات عينيها الشاردتين!!
أسألها بجمودي الكريه: كيف حالكِ؟؟ ثم أصمت..
بينما أنا أحترق رغبة أن أسألها بالتفصيل عن كل شيء!!
عن كل مافعلته وتفعله في غيابي!!
أدعي أنني لا أنظر لها.. بينما أنا أتصيد النظر لها..
وأكثر ما أنظر له بطنها.. حين أراها وقفت.. هل كبر؟؟ هل مازال زايد الصغير متعبا؟؟
لأشعر حينها أن يدي ترتجف رغما عني.. فقد اعتدت دائما أن أتحسس بطنها وأنا أعقد حوارا طويلا مع ابني أخبره فيه بعشرات الحكايات..وأنا أستمتع برنين ضحكاتها العذبة!!
كم حلمت أن أكون معها حين يتحرك للمرة الأولى!!
ولكن يبدو أن حتى حق الحلم سُلب مني!!


#أنفاس_قطر#
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الأمس واليوم/ الجزء الثالث والخمسون

" كساب الله يهداك.. روح لشغلك.. أنا بقعد عندها..
ولا صار أي تطور في حالتها.. أو عدك أتصل فيك فورا"
كساب ينظر لعلي ويهتف برفض قاطع: لا.. ماني برايح مكان..
وشغلي ماعليه شر.. هذا الشباب يكلموني إذا احتاجو شيء..
حينها همست عفراء بنبرة مثقلة بالتعب: زين منت برايح لعرس نسبيك الليلة..
مايصير ما تروح يأمك..
أجابها كساب بحزم: إلا بأروح.. بأبارك له وأرجع..
ثم أردف بحنان: أنتي اللي روحي للبيت.. مايصير تصلبين نفسش كذا خالتي..
عفراء برفض مغمور بالحزن: لا فديتك.. دخلت هنا أنا ومزون سوا.. وبنطلع سوا..
كاسرة أصلا عجزت ترجاني أروح وهي بنقعد مارضيت..
ثم أردفت عفراء بابتسامة مرهقة: وإلا لا يكون هذا قصدك.. تبيني أروح عشان المدام تجي تقعد عندك وأنت لك أسبوع مخليها..
كساب لم يرد عليها حتى..
بينما كان علي من علق وهو يهتف بتلقائية:
تدرون أني استغربت إنه مرت كساب في البيت.. حسبتها في بيت أهلها..
توني دريت إنها موجودة اليوم رحت أبي الخدامة تعطيني الريوق أجيبه لكم..
لقيتها في المطبخ تشوف ترتيبهم للريوق..
حينها هتف كساب بغضب مفاجئ: وأنت دخلت عليها المطبخ؟؟
ابتسم علي: عدال لا ينقطع لك عرق.. مادخلت عليها سمعت صوتها ورجعت.. وناديت الخدامة
ثم أردف بنبرة خبث لطيفة: ودامك رجال تغار..وماتبي حد يشوفها..
ماخفت على مرتك وهي بنية في بيت كبير بروحها.. وأنت حتى ما تنام عندها..
مافيها شيء لو أنت قلت لها نامي في بيت هلش دامك لاهي عنها.. وكل اللي في البيت لاهين..
كساب بغضب: قلتها قبل وأعيدها.. مالحد دخل في تصرفاتي مع مرتي..
علي بذات الابتسامة التي تحولت للجدية: والله كلمة الحق بأقولها.. لو مرتي مكانها مستحيل أخليها بروحها والبيت فاضي عليها..
خاف ربك في مرتك ياكساب.. ترا حتى اللي مايشوف.. بيشوف أنك ماتعاملها بما يرضي الله..
حينها هتف كساب بحزم مرعب: علي اقصر السالفة.. ومرتي مالك شغل فيها..
عفراء تهمس بنبرة تهدئة لكساب: يأمك وش فيك شبيت.. أخيك ترا ماقال إلا الصدق.. ويبي لك الخير..
كان كساب على وشك الرد.. حين اقتحم أجواءهم الصوت الضعيف:
يبه.. يبه..
كساب انتفض بعنف وهو يلتفت بحدة لمصدر الصوت.. كانت مازالت مسبلة العينين وعلى ذات وضعيتها النائمة..
كساب هتف بخفوت مبحوح وكأن صوته كله ذهب من شدة الترقب واللهفة:
علي اتصل في ابي خله يجي الحين.. أساسا هو تو رايح.. مابعد بعّد!!
اقترب بخفة وهو يجلس جوارها ويهمس لها بكل حنان العالم ولهفته المجروحة
ترقب أيام وليال متطاولة امتدت لقرون:
مزون ياقلبي.. أنتي صحيتي؟!!
حينها شعر بهمساتها كما لو كانت سهاما من سعادة اخترقت روحه المثقلة باليأس: يبه.. يبه!!
كانت تنادي بضعف ودون أن تفتح عينيها كساب التفت لعلي وهو يكاد يجن من سعادته: علي تكفى خل ابي يأتي بسرعة
يد علي ترتعش على الهاتف وهو يضيع مكان الأزرار ويهتف بتأثر: هذا أنا اتصل لا تربشني..
بينما عفراء جلست وهي تضع يدها على بطنها لأنها شعرت بثقل كبير في جسدها كله..
كانت الايام الماضية مرهقة تماما لها جسديا وروحيا!!
مزون لم تعد مطلقا للنداء أو الهمس.. بينما الجميع يشعرون أن الدقائق تمر متثاقلة بطيئة.. وهم في انتظار زايد..
كساب مازال يجلس جوارها وهو يكتف نفسه وكل مايخشاه أن تكون هذه الهمسات همسات عابرة وتعود لحالتها التي أضنت روحه..
" يالله يا كريم أنك تمن عليها بالعافية من عندك..
لو قعدت على ذا الحال..
ما أعرف أنا أشلون بأعيش وأتعايش مع الوضع!!"
زايد دخل وأنفاسه تعلو وتهبط وهو يهتف برعب جازع: وش فيها مزون؟؟ وش فيها؟؟
علي بقلق: كانت تدعيك يبه!!
كساب وقف ليجلس والده مكانه ودون أن يتكلم.. يشعر أنه لا طاقة فيه للكلام والترقب يستنفذ كل طاقته..
زايد جلس جوارها وهو يمسك بيدها ويهمس لها بحنان متألم وهو يشعر بقلق عميق ألا ترد عليه.. لأنه اُستنزف وهو يناديها الأيام التي مضت دون مجيب:
مزون يأبيش.. أنا هنا..
حينها فقط فتحت عينيها.. وكأنها كانت تنتظر وصوله.. ولا تريد أن تفتح عينيها إلا على وجهه.. همست بضعف:
هلا فديتك.. كنت أتناك من زمان.. ليه ماجيت؟؟..
قبل جبينها وهو يشعر برغبة عميقة للبكاء لفرط سعادته: وهذا أنا جيت يأبيش..
همست بتثاقل: رأسي يوجعني.. كم صار لي راقدة؟؟
هتف بكل حنان العالم: رقدتي واجد.. واجد يابيش..
همست بذات التثاقل ولكن بنبرة مغرقة في الوجع: تدري يبه كني سمعت كساب وشفته هنا..
بس عقب قلت أكيد أتحلم.. كساب وش بيجيبه عندي!!
حينها تقدم من كان يقف خلف والده وقلبه يكاد يتوقف من شدة سعادته التي غمرت كل جوانحه حتى أقصاها..
ليهمس بحنان عميق: وكساب صدق هنا!!
حينها ارتعشت بعنف وهي تغلق عينيها بقوة.. حينها اقترب كساب حتى وقف جوارها مباشرة..
شد على يدها بقوة حانية وهتف بحنان تغلفه نبرة الحزم:
زعلانة علي.. افتحي عينش وحطيها في عيني.. وقولي إنش زعلانة وخلينا نتكلم.. لا تهربين..
همست بصوت مختنق وهي مازالت تغلق عينيها: تبي تعاتبني أني أهرب..
واحنا اصلا عايلة هذا أول شيء تسويه.. أنت هربت وعلي هرب.. كلكم كنتم متفشلين مني وهربتوا مني..
ابي هو الوحيد اللي ماخلاني ولا هرب مني.. ما أبي أشوف حد غيره..
هتف كساب بذات النبرة الحازمة الحانية: حن يوم قررنا نهرب على قولتش
كان قرار والتزمنا فيه.. وماغمضنا عيوننا وحن نسويه..
افتحي عيونش وقولي إنش ماتبين تشوفيني!!
حينها فتحت عينيها بتردد.. وعادت لإغلاقها بسرعة وهي تراه يقف أمامها بإرهاقه المتبدي في كل تفاصيله.. نظرة العينين الحانيتين اللتين افتقدهما حد الوجع
جبينه المعقود بحزم كالعادة..
هتف لها بأمر مباشر: مزون افتحي عيونش..
لتفتح عينيها دون تردد.. ويصبح الاثنان هما بؤرة المشهد والبقية يراقبون بأنفاس محبوسة..
فهم كانوا يشاهدون مجبرين طيلة السنوات الماضية هذا الفيلم المؤلم الذي لايريد الانتهاء..
وهاهي النهاية توشك على طرق الأبواب مع كل توجس العالم كيف ستكون هذه النهاية؟؟
فتحت عينيها بينما اقترب منها لينحني عليها ويدخل ذراعه تحت كتفيها ليجلسها
ويجلس جوارها على طرف السرير وهو يسندها
لأنه يعلم أنه إن أجلسها وتركها فقد تهوي لطيلة فترة نومها الماضية وتخدر جسدها..
والسبب الأهم أنه لا يريد أن يتركها بل يريد أن يحتضنها قريبا من قلبه..
وكم اشتاق لاحتضانها!!
وهي حين شعرت بدفء ذراعه التي أسندتها.. وهي كانت تظن نفسها تحلم.. حلم خشيت أن تفتح عينيها وتجده تبخر.. دفنت وجهها بين كفيها وبكت
كانت تتمنى لو دفنت راسها في كتفه.. ولكنها خشيت ألا يستقبلها حضنه..
"فقد تعبتُ من آمال لا تحقق!!
تعبت من أيام وليال تطاولت وأنا أرهف السمع كل ليلة في انتظاره عله الليلة يطل علي!!
لتنتهي الليلة دون أن يتحقق حلمي سوي من دموع أذرفها على مخدتي.. التي اعتدت أن أبدلها كل أسبوعين..
لأنني أوقن أنها ما عادت تحتمل المزيد من الدموع.. وأنها ستنفجر تحت راسي لو حملتها أكثر... بينما أنا أحتمل!!
ومع ذلك بقيت أحلم.. ولم أتوقف عن الحلم!!
.
لكن حين انفجر بي.. شعرت أنه مهما انتظرت بعد ذلك فلن يتحقق حلمي
رفضت أن يقترب مني.. لأني لا أريد حضنا سأفقده للابد..
لن أحتمل أن أتذوق حضنه وأنا أعلم أنها المرة الأخيرة..
كانت كلمة المرة الأخيرة هي ماتطرق رأسي.. لا أريده.. إن كان سيحضنني لمرة وسيرحل..
كنت أشعر أن هذه اللحظة قادمة لا محالة..
كنت أشعر أنه ينتظر الفرصة ليترك البيت وينخرط في حياة مستقلة بعيدا عنا.. ويتناسانا..
وأحاول أن أنكر هذا الشعور وأبعده عن قلبي لشدة ماكان يرعبني..
أحتمل حتى بعده وتجافيه ولكن وهو معي في ذات البيت..
حتى لو سافر ..رائحته هنا.. ملابسه.. كتبه.. أشياء أتصبر بها على بعده..
ولكني من ناحية أخرى كنت أقول لو أراد أن يفعلها لفعلها من منذ زمن.. ودون اهتمام..
ولكن كنت أصبر قلبي وأقول أن كساب يهتم كثيرا لمظهره أمام الناس..
وخروجه ليسكن وحده سيثير الكثير من الأقاويل
ولكنه الآن وجد الغطاء المناسب
هاهو تزوج.. ثم اتخذ حفلا رفضت حضوره ذريعة ليهرب مني نهائيا..
وحتى يجد المبرر كله.. أعاد كل الذكريات المرة وفتح كل الجروح بيننا
ثم أتى يريد احتضاني لمرة.. لا أريد هذا الحضن الأخير إن كنت حُرمت حضنه للأبد..
لا أعلم ما الذي حدث بعدها.. نمت ربما.. ونمت طويلا...
لم أكن أريد أن أصحو من النوم.. لأني كنت متيقنة أنني حين أصحو سأجده رحل للأبد..
والغريب أنني كلما فتحت عيني.. رأيته هو.. لتفر دموعي رغما عني.. يبدو أنه لا يريد مغادرة أحلامي..
ما أجمل الأحلام إن كان هو فيها.. لأبقى إذن نائمة مع ذكراه..
.
ولكن رغما عني.. وجدتني أصحو لأنه مازال في الحياة من يستحق أن أقاتل من أجله..
من أجل زايد.. من أجله فقط استفقت..
زايد الذي لم ينبذني ولم يقسُ علي..
زايد الذي مهما ارتحل الجميع وتركوني فهو سيبقى معي
زايد الذي أعلم أنه من أجلي احتمل المرارة وقسوة الحرج وكل من حوله يعاتبونه..
زايد أبي وأمي وشقيقي..
ليرحلو كلهم.. فأنا وهو باقيان !!"
كساب شد كفيها ليبعدها عن وجهها وهو يهمس قريبا من أذنها بعمق أزلي:
إذا قلت سامحيني .. بتسامحيني؟؟..
ارتعشت بعنف وهي تشهق وتهمس باختناق: وش قلت؟؟
هتف بصوت أعلى قليلا: أقول أنا آسف.. تسامحيني؟؟
وإلا قلبش صار قاسي مثل قلب أخيش؟؟
عفراء رغما عنها بدأت دموعها تنهمر.. فالموقف كان أكبر من احتمالها..
بينما زايد وعلي وقفا في موقف المراقبة وتأثر عميق يهزهما هزا
حينها.. حينها..
حـــيــــــنـــــها..
أدرات مزون وجهها لتدفنه في كتف كساب.. وهي تنفجر في بكاء جنائزي..
الغريب عاد لوطنه..
والعصفور عاد لعشه..
والطفل عاد لأحضان أمه!!
يا الله كم هذا الشعور جميل ومؤلم وسامٍ!!
كساب احتضنها بقوة كما لو أنه يريد أن يعوض عما مضت من أيام باردة قاسية.. تحجرت مشاعره فيه لدرجة اليأس..
وهو يهتف لها بحنان موجوع: بس.. بس.. طالبش ماتبكين..
علي هتف بتأثر: والمسكين هنا أنا.. طلعت هربان.. ولا حد عبرني ولا حد حضني!!
مزون أفلتت كساب بخفة وهي تمد يديها لعلي.. علي اقترب ليحتضنها بحنو وهو يقبل راسها ويهتف بحنان شاسع:
الحمدلله على سلامتش يالغالية..
والله العظيم الدنيا من غيرش ما تسوى

**************************************

مضى لها حوالي أسبوع وهي تتهرب مني
وقبل هذا الأسبوع كانت تتشاغل عني..
تتشاغل بعشرات الأشياء..
حينا ترتب مع الممرضات الملفات
أو يعلمنها الفرنسية.. أو يعلمنها التطريز أو التريكو أو تنسيق الازهار..
وتقضي ماتبقى من الأوقات بين هذا كله..إن كان تبقى وقت.. في قسم الأطفال الذين يعانون ذات مرضها..
وخصوصا مع وجود طفلين عربيين في القسم كانت تقضي كثير من الوقت مع والدتيهما..
أنا سعيد جدا أنها خرجت من قوقعتها وتتفاعل مع من حولها.. وتبدو هي سعيدة بذلك إلى درجة الإشراق..
ولكن أنا أشعر بالوحدة فعلا.. فأنا حياتي الفترة الماضية تمحورت حولها.. وكنت مشغولا بها تماما..
أشعر كما لو كانت تستغني عني.. وهذا الإحساس يؤلمني لأبعد حد!!
ليتحول بعد ذلك كله تشاغلها الذي كان عفويا إلى هروب متقصد..
قد يكون الذنب ذنبي.. وإن كنت أرى نفسي غير مذنبا..
قبل أسبوع وجدتها تصنع لها شيئا بالتريكو.. سألتها ماهذا؟؟
فقالت أنها ستجرب فيني مواهبها الجديدة.. وتصنع لي شالا سيكون جاهزا مع اقتراب الشتاء..
حينها تناولت كفها بعفوية وقبلتها.. أو لأعترف وأقول أني لم أكن عفويا..ربما أطلت أو تعمقت..
ولكن ما السوء الذي فعلته؟؟ هذه زوجتي..
وتقبيلي كفها تعبير عن امتناني لما ستصنعه من أجلي.. شعرت أن في هذا نوع من التقدير لها..
والقبلة كانت لمجرد كفها لم أقبل خدها ولا شفتيها..
لذا صدمتني ردة فعلها الحادة.. وهي تبكي وترتعش وتطلب مني الخروج من المكان!!
ومن بعد ذلك لم نعد مطلقا للتناقش في الموضوع.. لا هي عاتبت.. ولا أنا اعتذرت.. لأني لم أرد فتح الموضوع مرة أخرى..
ولكنها من يومها بدأت تتهرب مني.. أو ربما هذا إحساسي.. لأن ماكانت تتشاغل به قبلا هو مايشغلها الآن..
كل شيء له من وقتها نصيب إلا أنا !!!


.
.
.
أريد أن أفرج عنه وأمنحه حريته..
فهو شاب يريد أن يكون مع شباب من سنه.. يلعب كرة القدم التي أعلم أنه مفتون بها..
يذهب للفرجة أو التسوق..
وبما أني أصبحت أحسن.. فلماذا لا أطلق سراحه؟؟
أعلم أنه تعرف على مجموعة من الشباب في جنيف.. يستطيع الذهاب وقضاء اليوم هناك..
لا أريده أن يشعر أنه مقيد بي وكأنه سجين عندي.. وخصوصا أنني وجدت عشرات الأمور التي تسليني وتشغلني..
مادمت سعيدة وأتسلى فلماذا لايكون مثلي!!
ولأعترف أنني بعد تحسني.. بدأت نظراته لي تقلقني!!
لم تعد نظرات خليفة المشفقة الحانية التي أدمنتها
ولكنها تتحول لشيء أعمق واخطر.. شيء يقلقني كثيرا..
وما أكد لي ذلك هو قبلته غير البريئة إطلاقا لكفي قبل حوالي أسبوع..
أعترف أني أصبت بحالة بكاء غير طبيعية.. وكأن خليفة الذي أعرفه غادر وتركني مع خليفة آخر لا أعرفه..
فخليفة الذي أعرفه واعتدت عليه لم يكن مطلقا ليتصرف هذا التصرف..
بدا قلق ما يتسرب لروحي.. قلق أقرب للخوف!!
وأعترف أني بدأت أشغل نفسي أكثر وأكثر.. والغريب والمضحك أن شهيتي مع العمل انفتحت أكثر وأكثر..
هذا الأسبوع ازددت كيلوين دفعة واحدة..
الاطباء استغربوا وبدأو يعيدون جدولة برنامج طعامي.. فهم لا يريدون أن تتحول حالة فقدان الشهية لفرط شهية..
وإنما يريدون إعادة التوازن لحياتي بشكل نهائي وطبيعي!!
لا أعلم كيف وأنا أشعر أن حياتي غير متوازنة!!


**************************************


"سميرة قومي يا بنت وش ذا النوم كله؟!!

لش أسبوع كنش قردة ماترقدين..
واليوم ما تبين تقومين"
سميرة تفتح عين وتغلق الأخرى وهي تهتف بنبرة ثقيلة غارقة في النوم:
نجلا تكفين بأنام ساعة وحدة بس
أنا أصلا كلت حبتين منوم.. لو سحبتيني بأنام عليش في الطريق..
نجلاء بغضب: لا بارك الله فيش من بنت..
وأنتي أشلون تأكلين منوم بدون ماتقولين لي..
سميرة لم ترد عليها لأنها عادت لتغرق في النوم.. نجلا كانت تدور في الغرفة بغضب وهي تكمل تجهيز بقية أغراض سميرة
وتهتف بغيظ: زين يا الخبلة.. زين.. اخمدي شوي لين أخلص باقي شغلي..
عقبه بأسحبش من شعرش للحمام.. وأفك الماي عليش..
ولكنها توقفت عن حركتها السريعة وعادت لتقف جوار سميرة النائمة وتنتحني لتمسح على شعرها بحنان وتهمس بشجن عميق موجوع:
ياقلبي ياسميرة.. ميتة من التعب وماعادت تعرف أشلون تريح جمسمها دام عقلها تعبان مايرتاح..
نامي ياقلبي.. نامي.. ريحي شوي..
الله يكتب لش الراحة والسعادة وين مالقيتي وجهش!!


**********************************


" كساب قوم روح لشغلك..
هذا أنا زينة.. وسمعت الدكتور بنفسك.. يقول اليوم بيسون لي فحوص شاملة
وبكرة بيطلعوني إن شاء الله
وابي وعلي راحو وأنت عادك قاعد"
حينها علقت عفراء بابتسامة أمومية دافئة: أصلا صار له على ذا القعدة أسبوع
لا راح للشغل ولا حتى للبيت..
حينها همست مزون بجزع: وكاسرة وينها؟؟
رد عليها كساب بحزم: كاسرة ماعليها شر.. في بيتها ولا عليها خلاف..
همست مزون بحرج: البنية عروس ما كملت شهر.. وأنت تخليها وتقعد عندي!!
أجابها كساب بحنو عميق وهو يميل ليقبل جبينها: الحمدلله اللي رجعش لي بالسلامة..
وأصلا لو قعدت عندش عمري كله ماكفرت عن اللي سويته!!
حينها همست مزون بحزن: لا تحمل نفسك ذنب.. هو ذنبي أنا..
كساب قاطعها بحزم: خلاص مانبي كلام في ذا الموضوع..
أجابته مزون برجاء شديد: زين إذا لي خاطر عندك.. طالبتك..
قوم روح لشغلك.. وعقبه لمرتك.. لا عاد ترجع هنا الليلة..
كساب باعتراض: بس..
مزون برجاء أشد: قلت طالبتك.. تعال بكرة الصبح عشان ترجعني البيت..


************************************


" من اللي بتروح معي الحين؟؟

أنتي وإلا وضحى؟؟"
كاسرة مشغولة بالتأكد من الأغراض الموجودة في الأكياس وتهتف بثقة:
الحين وضحى بتروح معش.. لأنها تبي ترجع تتسبح عشان ترجع تتزين مع سميرة في القاعة..
وهي بتشرف على الترتيبات الأخيرة..
وأنا اللي بأروح معش المرة الثانية عشان أشوف ترتيبات القاعة قبل تكمل
ثم بأرجع و بتجيني اللي بتزيني هنا.. وبأخلص قبل المغرب وأجي لش القاعة
مزنة بحزم: زين بتقعدين لين تلمين معنا أغراضنا آخر الليل؟؟ وإلا بتروحين لبيتش؟؟
كاسرة بثقة: لا بأقعد وبأرجع معكم هنا.. وبأمسي هنا الليلة..
حينها صرت مزنة عينيها بحزم: استأذنتي كساب زين؟؟
" حتى لو لم أستأذن..
لن يعلم أنني لم أنم في البيت حتى!!"
ولكنها هتفت بحزم: أكيد بأستأذنه وماظنتني إنه بيعيي..
كاسرة بالفعل شدت هاتفها لتتصل به.. رغم أنها كرهت أن تتصل به..
فالحوار بينهما الأيام الأخيرة كان شبه مقطوع..
تعلم تماما ماذا سيقول (سوي اللي تبينه!!) المهم ألا تزعجه!!

يتبع ,,,

👇👇👇
تعليقات