رواية بين الامس واليوم -185
لن يحتمل رؤية قبرها وهو يعلم أن ظلمته احتوت جسدها..
يخشى أن يتصرف تصرفا يكدر راحتها في قبرها..
ولكن هو كيف يرتاح؟؟ كيف يرتاح؟؟
حين بدأ علي يبتعد عن المقبرة مرة أخرى.. شعر أن قلبه يقفز من بين جنبيه وعيناه تتابعان بألم سور المقبرة:
بأرجع.. صدقيني بأرجع..
بس عطيني وقت أقدر أستوعب الخسارة اللي ما أظن إني في يوم من الأيام بأقدر أستوعبها..
خسارتش أكبر من قدرتي على الاحتمال..
أكبر بواجد!!
يقتربان من المستشفى..
يرسل علي رسالة لمزنة يخبرها أنه وجد كسابا..
وأنه يريد من الجميع أن يتركوها لوحدها وينسحبوا لغرفة الجلوس..
كان علي يعلم أن الاثنين مثقلان بالجرح..
ومن حقهما أن يعالجا جراحهما بنفسيهما دون أعين تراقب!!
كساب كان يتبع علي دون إحساس.. كما لو كان جثة تتحرك..
" ماذا بقي لي سواك يا بني ؟؟
أرجوك لا ترحل أنت أيضا..
أريدك أن تكون تشبهها..
أرجوك أن يكون لك التماعة عينيها أو ابتسامة شفتيها.."
حين وقفا عند باب غرفة كاسرة..
هتف علي لكساب: ادخل..
كساب انتبه من غيبوبته التي بات يغرق فيها كثيرا: بس هذي مهيب الحضانة..
علي يتنهد: أنت ادخل الحين وبتشوف بنفسك..
كساب دخل بخطوات مترددة.. وعلي تأكد من إغلاق الباب خلفه.. ثم توجه لانتظار الطابق..
مازال عاجزا عن الاستيعاب.. هناك سرير وهناك من ينام على السرير..
(وش السالفة؟؟)
شعر بتثاقل أنفاسه وهو يقترب من النائم...
يقسم أن رائحتها قريبة.. قريبة جدا!!
(الظاهر إني استخفيت!!)
اقترب أكثر وهو يشعر بتزايد إجهاده..
يشعر كما لو كان يصعد لقمة جبل.. والهواء لشدة نقائه وكثافته بدأ يؤلمه بعد اختناق صدره ..
يصعد القمة مع اقترابه من السرير.. أضلاعه تؤلمه أكثر وأكثر..
شهق بحدة وهو يراها ممدة على سريرها نائمة بسكون..
استند على حافة السرير حتى لا يسقط.. وهو ينظر لها كالمجنون..
"حلم.. أحلم أنا..
أكيد أحلم..
بس الحلم ما يكون حلو كذا..
لأمه مافيه حلم يقدر يصورها..
هي أكثر من كل الأحلام وأجمل!!"
مال برفق وهو يستند على حافة السرير بثقل..
مال ليتنفس عبق رائحتها من قرب.. (هي.. هي.. هي!!)
مد أنامله المرتعشة ليتحسسها ( مافيه غيرها.. لا لمسته حسيت أناملي ترتعش مع رعشة قلبي!!)
كان يريد أن يتنزعها من سريرها انتزاعا بدون تفكير ليضمها لصدره بكل قوته ليدخلها بين ضلوعه ويخفيها هناك..
لولا أنه بقي في رأسه بعضا من عقل ينبئه أنها للتو أنجبت..
وأي حركة غير محسوبة ستؤلمها..
شعر أن جسده منهك منهك تماما.. وهو ينهار على المقعد قريبا منها..
ينظر لها بيأس ولهفة..
" يا الله يا ربي ما أوسع رحمتك!!
ما أوسع رحمتك!"
لا يعلم كم مضى له من الوقت وعيناه تلتهمان تفاصيلها الساكنة..
رؤيتها تبعث في روحه جرح السعادة..
جرح لا يعلمه إلا من عرفه!!
قبل أن يجرؤ أن يمد يده ليمسك بيدها..
كان يريد أن يقبل أناملها قبلة رقيقة.. قبلة واحدة فقط..
فإذا به بغمرها بعشرات القبلات المبللة باليأس والسعادة..
لم يخرجه من فوضى المشاعر التي اجتاحته.. إلا أنة ضعيفة صدرت عنها..
حينها أفلتها وهو يقفز ليقف قريبا منها..
همست بضعف دون أن تفتح عينيها: يمه.. كساب جاء..؟؟
كان الجواب هو شفتيه اللتين لم تجدا طريقة للتعبير عن حزنه عليها سوى ببصقهما دما..
لتنفثا في روحها الحياة الآن..
كاسرة شهقت وهي تفتح عينيها لتطوق عنقه بذراعيه وهي مازالت ممدة..
أفلت شفتيها.. ليلصق خده بخدها وهو يرفعها برفق..
انتحبت بشفافية وهي تغرق عنقه بدموعها: وين كنت ذا كله؟؟
أنت تعاقبني عشان بنتنا ماتت بدل ما تكون جنبي..
كساب عاجز عن التفكير لا يستوعب أي شيء سوى أنها بين يديه الآن..
وهو من كان يظن أنه لن يحتضن سوى مرارة الأيام بعدها..
همس في أذنها بكل وجع العالم: أحبش وأحبش وأحبش
وسامحيني على على كل شيء.. على كل شيء..
سوي فيني اللي تبين بس تكفين لا تفكرين تخليني مرة ثانية!!
" يمه كساب وين راح؟؟"
مزنة همست بإبتسامة متأثرة: أكيد قريب يأمش.. راح عشان النسوان اللي جاوو يسلمون عليش..
وأكيد بيرجع..
مازالت عاجزة عن تخفيف فيض دموعها التي تأبى التوقف وهي تهمس بصوتها المبحوح الممزق:
تكفين يمه كلميه يجي..
تشعر في غيابه كما لو كانت محض طفلة فقدت أنامل والدها في خضم زحام كبير..
ولن تشعر بالأمان حتى تعود للاطباق على أنامله..
حينها ستسكن روحها من القلق والخوف والجزع..
همست مزنة بحنان: باتصل له يأمش.. مع إني ما أدري تلفونه معه وإلا لا..
قبل أن تتصل مزنة كان هو من يتصل يسأل هل مازال عندهم زائرات..
ويخبرهما أن معه مفاجأة..
مزنة أنزلت نقابها ووضعت عباءتها على رأسها.. لتخرج وترى.. حين رأت مفاجأة كساب ابتسمت بشفافية وهي تفتح الباب على اتساعه..
دخلا مع باب غرفة الجلسة ليتوجها لكاسرة التي كانت ترفع ظهرها قليلا..
حين رأت القادم تزايدت دموعها وهي تحاول النزول لتقف..
هتف لها كساب بحزم: والله ما تنزلين أنا بجيبه عندش..
اقترب الجد وهو يستند لكف كساب.. ويحاول أن يتبين ما أمامه ويهمس بتأثر عميق: وينش يأبيش؟؟
كان الرد على جوابه أن كاسرة طوقت خصره وهي تقبل كتفه بتأثر عميق حين أوقفها كساب جوار سريرها..
احتضن رأسها بحنان وهو يهمس بذات تأثره الرقيق المتجذر كجذور شخصيته وهو يشعر بتبلل كتفه من دموعها:
ياويل حالي من ذا الدموع كلها.. اذكري الله يأبيش..
الله يأخذ ويعوض بأكثر منه وأحسن..
قبل ما تجيني مزنة.. مات علي خمسة ماحد منهم كمل شهر..
ولو يخيروني بينهم كلهم وبين مزنة.. ما تخيرت حد عليها..
همست كاسرة باختناق: الحمدلله على كل حال يبه.. ما نعترض على عطاه..
بس الوجع غصبا عني..
كان كساب ينظر للمشهد.. ويشعر أن الألم يغوص في ثنايا روحه مع إحساسه بالندم من أجله..
تأثرها يهز أعماقه.. لا يعرف كيف يستطيع التعويض عليها إلا بمشاعره المنهمرة من أجلها.. وهو يبحث عن كل ماقد يرضيها أو يسعدها!!
*********************************************
" أشلون كاسرة الحين؟؟"
تميم يشير بهدوء: الحمدلله أحسن.. بكرة الصبح بتطلع من المستشفى إن شاء الله..
ابتسم فاضل: ماتبي تمرن جنحان طيورك..؟؟ خاست من القعاد في مركز الطيور..
ابتسم تميم: نمرنها هنا في الدوحة ماعليه.. بس قنص ذا السنة ما أقدر..
ثم أردف بإشارة غامضة: عندي شغل..ما أقدر أخليه..
تنهد فاضل بإبتسامة شاسعة: والله حتى أنا ماودي أطلع من الدوحة ذا السنة..
خايف مرت عبدالرحمن تولد وأنا ماني بهنا..
ذا البنات ماعاد مسكوا غرانهم في بطونهم شوي..
وأنا من شفقتي عليه ما أبي حد يشله قدامي!!
ابتسمت أم عبدالرحمن التي كانت تقطع للاثنين صحنا من الفاكهة وهي تخاطب أبا عبدالرحمن:
خاطري أدري أشلون تسولفون.. على أنه ولد أخي أنا.. أشياء واجد ما أعرف أقولها لها.. ولا أفهم عليه..
ابتسم أبو عبدالرحمن: طول العشرة خلته يفهم علي ولو أني داري إن إشاراتي كلها غلط..
أشار أبو عبدالرحمن لتميم بشيء.. فاتسعت ابتسامة وهو يشير برفض قاطع..
أم عبدالرحمن ضحكت: والله أنك منت بخالي.. إشارتك ماجازت لي..
ضحك أبو عبدالرحمن: أقول له عمتك تقول تدور لي بنية مزيونة من هل الكمبيوترات اللي يجونك..
كود نجدد الصبا..
ابتسمت أم عبدالرحمن بغيظ رقيق.. يبقى موضوعا مهما كبرت المرأة تشعر بالغيظ منه:
ومابه من صبي مزيون بعد عشان إذا خليتك أنت وبنيتك المزيونة..
أبو عبدالرحمن ضاحكا: أفا يا الصيتي.. اللي خربت الدعوى..
يا بنت الحلال.. ما أبي إلا أنتي وحسن الخاتمة..
**************************************
اليوم التالي
.
.
يدخلون أربعتهم للبيت..
كساب يحمل كاسرة التي تفجر وجهها احمرارا وهي تحاول اقناعه بإنزالها وهو يرفض بإصرار: بسش حنة.. ماني بمنزلش إلا على سريرش..
أردف بوجع: لو علي اصلا ماخليتش تبعدين من حضني دقيقة..
بينما زايد يهتف بصوت عال وبمودة غامرة: الحمدلله على سلامتش يابيش.. نورتي بيتش..
مزنة باستعجال تتجه لجناحها الذي أصبح في الأسفل:
كساب يأمك جيبها عندي..
كساب برفض قاطع وهو مازال يحملها: اسمحي لي يمه.. كاسرة بتقعد عندي..
مزنة باستغراب: يأمك مايصير.. كاسرة تبي من يراعيها.. ونفاس.. مايصير تقعد عندك..
كساب بإصرار حازم: ماعلي من ذا الكلام كله.. كاسرة بتقعد عندي..
كاسرة ستموت من الحرج وهي تهمس في أذنه: كساب خلاص نزلني..
كساب بخفوت: بس اسكتي.. ماني بمنزلش الحين..
مزنة تتنهد: يأمك ما أقدر أطلع فوق.. أشلون تقعدها فوق بروحها..
مزنة تشعر بالحرج أن تخبرهم أن زايدا حلف عليها ألا تصعد للأعلى مرة أخرى..
حينها هتف كساب بخبثه الذي لا يستطيع تركه:
خلاص روحي اقعدي مع شيبتش في جناحه.. وعطينا جناحش..
مزنة صمتت بحرج بالغ.. ليهتف زايد الذي لا يرضى أن يشعرها أحد بالحرج:
خلاص خذوا جناحي أنا.. أنا اللي بأطلع فوق..
مزنة لم تستطع إلا أن تنظر له بامتنان وكساب يتجه بكاسرة لجناح والده ويهتف بنبرة مقصودة:
كثر الله خيرك يبه.. من يومك جنتل..
خصوصا لا حضرت عمتي مزنة في السالفة..
حين أنزلها كساب على سريرها.. همست بذبولها الذي يلازمها منذ ولادها:
كساب الله يهداك أحرجتني واجد..
كساب هز كتفيه بثقة: وين الإحراج؟؟ ماشفته!!
كاسرة تاخرت قليلا بألم لتضع مخدة خلف ظهرها وهي تهمس بألم حقيقي:
ياشينه إحساس الألم وما في يدي شيء ينسيني الوجع..
كساب جلس على طرف السرير قريبا منها وهو يمسح خدها:
اذكري الله .. ربي بيعوض علينا إن شاء الله..
سالت دموعها بصمت مجروح وهي تتحسس ثديها بحرقة: تدري إن صدري فيه حليب..
همس كساب بندم عميق: أنا آسف.. كله مني!! أنا السبب أنا وسالفتي اللي كنها وجهي..
وضعت كاسرة أطراف أناملها على شفتيه: لا تقول كذا.. هذا اللي كتبه رب العالمين لنا.. وماحد يعترض على اللي ربي يكتبه..
اقترب ليحتضنها برفق وهو يهمس بحنان: سامحيني حبيبتي.. ما تخيلين وش كثر ندمان على أشياء واجد..
همست كاسرة بألم: كان لازم نخسر ذا الخسارة.. عشان اسمع ذا الكلمة..؟؟
همس وهو يغمر شعرها بقبلاته: فيني ذا الطبع الخايب على قولت إبي..
ما أعرف قيمة الشيء لين أخسره..
والحمدلله إني ما خسرتش..
ما تتخيلين وش اللي صار فيني... أنا كنت باستخف يوم تخيلت الشمس بتشرق علي من غير شوفة وجهش!!
ويمكن ياقلبي إن الله سبحانه يبي يطوي صفحة من حياتنا ونبدأ صفحة جديدة..
نجيب طفل قلت لش قبل ما تحملين فيه ألف مرة أحبش واحبش واحبش..
*************************************
" قرت عينش يمه برجعة كساب!!"
عفراء تبتسم ابتسامة باهتة: وعقبال ما تقر عينش بشوفة فهد..
جميلة تنهدت وهي تتذكر موعد عودة فهد الذي يقترب مه تزايد اشتياقها له حتى ماعاد في الاحتمال..
وهي تخجل أن تتصل به.. فيصرخ بها.. أو يقول لها كلمة تؤلمها..
تنهدت جميلة بحنان: زين يمه دام كساب رجع.. ليش متضايقة كذا؟؟
عفراء بتأثر: متضايقة عشانه هو ومرته.. من حزني عشانهم مافرحت بحملي..
جميلة اتسعت عينيها وهي تنظر لوالدتها بذهول قبل أن تقفز بصدمة حماسية: نعم؟؟ حامل يمه..؟؟ وليش ماقلتي لي..؟؟
تنهدت عفرا: توني دريت البارحة.. وما كان لي خلق أقول شيء..
جميلة تترقص بحماس طفولي: ومتى قطيتي المانع؟؟ ماقلتي لي..
عفراء هزت كتفيها: صار لي فترة.. منصور جنني من كثر ما يحن.. وأنا استحيت من كثر ما أرده..
قلت خلاص زيود كبر.. وأنا مهوب من صغري عشان أجل أكثر من كذا..
جميلة بذات حماسها الطفولي: وبما أنه عمي منصور من البارحة وهو في الزام..
معناتها مابعد درى..
ابسمت عفرا وهي تشد زايد صغيرها في حضنها وتغمره بقبلاتها: لا مابعد درا.. بأقول له لا جا..
جميلة برجاء حار: تكفين يمه.. أنا أبشره.. تكفين..
ابتسمت عفراء: هذا هو على وصول... بشريه..
ما أن أنهت عفراء كلمتها حتى كان سلام منصور المجلجل يغمر المكان بفخامته وهو يدخل بلباسه العسكري..
ردتا عليه السلام.. وهو يجلس ويشير لزايد الصغير أن يأتي له وهو يهمس بأبوية حانية:
تعال يامجند.. عط القائد بوسة كبر رأسك ..
عفراء أدارت زايد نحو والده وهي تنظر بابتسامة حانية له ولجميلة التي تبدو كما لو كانت تقلى على النار..
منصور تلقى زايد الذي كان يمشي نحوه بخطواته غير المتزنة..
وهو يمد له يديه الطويلتين ليتلقاه قبل أن يصله كما لو أنه أشفق عليه من طول المسافة التي كانت خطوتين وهو يهتف بإبتسامة حانية:
الولد هذا ذيب.. حتى مشيته مشية ذيب..
حينها همست جميلة بإبتسامة شاسعة: وماتبي لك مع الذيب ذيب ثاني؟؟
منصور استدار نحوها وهو يهتف بصدمة سعيدة: أنتي حامل؟؟
ضحكت جميلة: لو أنا حامل.. الذيب بيصير حق آل ليث..
ضحك منصور: لا ولدش أنتي وفهد حقي بروحي..
جميلة غمزت عينها بشقاوة: دور لك ذيب ثاني.. أقرب بواجد..
حينها أجلس منصور زايد جواره وهو ينظر لعفراء بإبتسامة شاسعة.. بينما كانت تخفض عينيها بخجلها العفوي الرقيق:
يعني الذيب حقنا؟؟
الحمدلله حنتي جابت نتيجة والذيب مايهرول عبث..
أردف بفخامة وهو يقف: جمول .. عادي أحب أمش قدامش لأني مافيني صبر..؟؟
جميلة قفزت بخجل وهي تلتقط أخاها وتهرب به: لا مهوب عادي..
خلني أروح وكيفكم..
منصور وقف أمام عفراء ليشدها ويوقفها..
أحتضن وجهها بين كفيه ليغمره بقبلاته وهو يهمس بخفوت: ألف مبروك ياقلبي..
همست برقة: الله يبارك فيك..
أردف وهو يبعدها قليلا لينظر لوجهها: تدرين إن فرحتي بحملش هذا أكبر..
ابتسمت: وش معنى؟؟
أردف بفخامة: لأنه حملش بزايد عاده حسرة بقلبي.. أول شيء ماعرفت الخبر بطريقة أرضتني..
وثاني شيء ماكنت معش في حملش خطوة بخطوة..
الحين هذا أبي أستمتع معش فيه بكل لحظة أنا وأنتي وزايد..
*********************************
" بسم الله عليش ياقلبي.. بسم الله عليش!!"
شدها برفق ليحتضنها بخفة حتى لا يؤلمها وهو يسمع صرخاتها الموجوعة التي دلت على كابوس كانت تحلم به..
مالت بشكل جانبي لتدفن وجهها في صدره وهي تنتحب بخفوت..
مسح على شعرها وهو يقرأ عليها الكثير من الآيات ليهدئها..
ثم أردف بحنان بعد أن هدأت قليلا: سلامات ياقلبي.. سلامات.. وش فيش..؟؟
همست كاسرة باختناق وهي تدفن وجهها أكثر في صدره : كابوس قديم.. توني أفهمه.. أو يمكن عمري مافهمته..
همس كساب بذات الحنان العذب: إذا شيء شين لا تقولينه..
كاسرة عاودت التمدد وكساب يساعدها أن تتمدد حتى لا تؤلم نفسها
وهمست بخفوت موجوع وهي تنظر لوجهه وهو يتمدد نصف تمدد ويستند على كفه لينظر لها:
من عقب مامات أبي.. يجيني حلم غريب..
إنه بيدي بنت صغيرة.. أنا ضامتها بكل قوتي.. كأن روحي متعلقة فيها..
وبعدين يجي حد ويأخذها غصبا عني.. كل ماصارت ذا اللحظة أفز من نومي أصيح كأنه حد نزع قلبي من مكانه..
عشان كذا كنت واجد أصك على أختي وضحى.. كنت أخاف عليها تكون البنت اللي بيأخذونها مني..
وأحيانا كنت أقول هذي أنا.. حد ينزع روحي من بين إيدي..
عقب ماخذتك.. سبحان الله.. ماعاد جاتني ذا الأحلام.. ما رجعت لي إلا فترة زعلتنا..
ويوم حملت.. كنت متوترة ما أبي بنت.. على كثر ماني مشتهية يكون بكري بنت..
ويوم دريت إن اللي بطني ولد تريحت..
وهذي هي بنتي راحت..
كساب مد أنامله ليمسح دموعها المتناثرة بشفافية وهو يهمس لها بعمق:
خلاص الكوابيس راحت..
وربي بيعوضنا ببنت ثانية.. وإن شاء الله تكون بكرنا بنت مثل ما تبين..
وطالبش ماتحاتين شيء وأنا جنبش..
الدنيا تصير في عيني أضيق من فتحة الأبرة لا شفتش ضايقة كذا!!
هاهو تشاركهما في الحزن وإحساس الفقد يطهرهما تماما..
مخلوقان مثقلان بالوجع والتأزر..
والعشق الذي أنضجته نار الفجيعة..
فلا شيء يقرب البشر ويصهر الخلافات ويجعلها لا قيمة لها..
مثل الــــحــــزن!!
****************************************
اليوم التالي
.
.
" ياعمي طالبك تساعدك..
تميم ماحتى رضى يقابلني.. وش اللي يرضيكم أنا حاضر له..
لاني بأول واحد ولا آخر واحد يغلط على مرته..
وأنا معترف إني غلطان.. وحقها علي..
وحاضر أراضيها باللي هي تبيه"
زايد ينظر له بعتب عميق لا يخلو من غضب: يأبيك..
الرجال لاخذ بنات أما يحشمهم.. وإلا ترا بيوت أهلهم مهيب عاجزة منهم..
تنهد نايف بحزم: وبنت ناصر لها القدر والحشيمة..
لكن ياعمي من أول زعلة بتصير بيننا.. بتقوون رأسها علي..؟؟
عطوني فرصة وحدة بس.. إن رجعت عليكم زعلانة مرة ثانية.. حقكم كلكم برقبتي..
خلاص وش عاد تبون أقول أكثر.. اعتذار مابقى حد ماتعذرت منه..
وأوعدها ماعاد يصير إلا اللي يرضيها..
أنا لا كابرت على الغلط.. ولا أصريت عليه..
على الأقل خلوني أتكلم معها.. أنت إبينا كلنا..
بأكلمها قدامك..
تنهد زايد بحزم: أنا بأقول لها.. لكن ماني بغاصبها..
لأنه حقها أقول لها.. لكن أنتو أجعتوها وأجعتونا معها..
ولولا غلاك وأني شايفك متحسف.. وإلا والله لا يكون تصرفي شيء ثاني مايرضيك..
************************************
" يه عقب ماهو مستر كساب طافش طول اليوم
وأنتي تدورين وراه في السكيك..
ماعاد فارق شوي نشوفش..
اليوم كله مبلط عندش.. ماوراه دوام الأخ؟؟"
كاسرة تنظر لسميرة بإبتسامة ذابلة: حرام عليش سمور..
والله إني طلعته بالغصب عشانش..
قلت له سميرة اتصلت كم مرة تبي تجي..
تدرين وش يقول؟؟ يقول ماوراها رجال المفروض تفرغ له..
ضحكت سميرة بمرح: قولي له رجّالي طافش مني كالعادة.. الله يبارك في سوق الكمبيوترات المزدهر..
عقبال مايزدهر سوق العقارات وتفك شوي بعد..
وضحى تدور بكاسات العصير على المتواجدات بينما مزون تهمس بإبتسامة:
عاد حدش سمور.. كله ولا كساب يلحقه الحكي..
سميرة بمرحها المعتاد: احترمي بنت عم رجالش قبل ألتش كفين..
كيفي أنا ورجّال حماتي..
على قولت خالي هريدي: ياداخل بين البصلة وئشرتها.. ماينوبك منها غير ريحتها..
مزون بإبتسامة وهي توجه حوارها لمزنة: يمه قولي لمرت ولدش قبل أتوثم فيها..؟؟
سميرة تنفذ عن ذراعيها بحركة تمثيلية: تكلمي على قدش يابنت..
دنا بنت أخت هريدي والأجر على الله..
مزنة همست بإرهاق: مزون يأمش.. شاخبارش الحين عقب التعب اللي جاش..؟؟
همست مزون بمودة: طيبة.. يوم شفت كساب.. طبت والشر راح..
همست مزنة بذات الإرهاق: الله الله في نفسش.. تبين أروح معش الدكتورة؟؟
ابتسمت مزون بتأثر: والله يمه أنتي اللي تبين لش دكتورة.. شكلش منتهية من التعب..
ابتسمت مزنة بإرهاقها ذاته: هانت خلاص.. الله يهون من عنده!!
وضحى همست وهي تميل على أذن أمها: يمه فديتش قومي انسدحي شوي..
هذا أنا عند كاسرة.. لين يجي كساب..
كانت مزنة فعلا تريد أن تنهض لتتمدد.. لولا أن هاتفها رن.. تحادثت على هاتفها بخفوت لدقيقة..
ثم التفتت لوضحى وهمست بأمر: وضحى روحي لعمش أبو كساب في مجلس الحريم..
وضحى ابتلعت ريقها..
كانت تعلم أن هذا الطلب قادم.. لكنها تعلم أن إنشغال زايد الفترة الماضية لابد منعه..
تنهدت وهي تهز رأسها بغصة : إن شاء الله..
بينما سميرة ترقص حاجبيها: جاك الموت ياتارك الصلاة..
مزون تضحك: إبي الموت يا الخايسة..
ضحكت سميرة: إلا وضيحى تارك الصلاة.. قصدي تارك نايف..
يا الله استلئي وعدك ياحلوة..
وضحى تأكدت من لبس نقابها.. خشية ان تصادف كساب.. ثم توجهت لمجلس الحريم..
دخلت بسكون وأغلطت الباب خلفها..
ثم رفعت نقابها فوق رأسها لتتوجه لزايد وتقبل رأسه وتجلس قريبا منه بسكون..
هتف زايد بنبرته الأبوية الخاصة: أشلونش يأبيش؟؟
همست وضحى بخجل: لاقدك طيب أنا طيبة..
زايد بحنان فخم: جعلش طيبة وبخير..
ثم أردف بحزم: فيه ناس يبون يشوفونش يأبيش..
وضحى ارتعشت بخفة وهي تهمس باختناق: وأنا ما أبي أشوفهم..
تنهد زايد: يا أبيش ماحد بغاصبش على شيء..
ونايف غلط عليش غلطة كبيرة... بس هو تعذر لين قال بس..
ويقول جاهز للي يرضيش.. ويبي يكلمش..
عطيه فرصة ثانية.. اسمعيه بس..
وضحى باختناق: يبه هذا أمر وإلا أقتراح..؟؟
كانك تأمرني.. نفذت ولا لي حق أفتح ثمي.. وتبيني أشوفه الحين شفته..
لكن كنه اقتراح.. اسمح لي فديتك.. جرحي منه ماطاب عشان أشوفه..
ابتسم زايد: الله يكبر قدر يأبيش..
لا بالله هذي مجرد رسالة وصلتها لش منه..
فكري براحتش..
وخلني أقول لش الكلمة اللي باقولها لمزون لو هي جاتني زعلانة.. مثلش مثلها..
وكلكم بناتي..
المرة لا جاها رجّالها نادم بذا الطريقة.. تعطيه فرصة ثانية.. عشان تكسبه..
ترا ابن آدم خطاء وخير الخطاءين التوابين..
********************************************
" يا الله ياقلبي تجهزي للسفر خلال أسبوع!!"
جوزاء تنظر لعبدالله باستغراب: أي سفر؟؟
ابتسم عبدالله: عشان تكملين دراستش.. مسرع نسيتي!!
خلاص الدراسة بتبدأ بعد عشرة أيام.. وأنا جهزت كل شيء..
جوزاء بصدمة: ماقلت لي..
ابتسم عبدالله برجولة صافية: تقدرين تقولين إنها مفاجأة.. ولو أنه ماعاد هي بمفاجأة لاني من زمان قايل لش..
لولا حادث عبدالرحمن ثم فهودي الصغير وإلا كان رحنا من السنة اللي فاتت..
الحين فهودي صار عمره 4 شهور.. خلاص خلنا نروح..
قبل يكبرون العيال وتصير السالفة أصعب..
والمدة كلها فصل واحد.. وش كثر تعبت لين قدرت أدبرها ماتكون أطول..
جوزاء بدأت تشعر بالتوتر المختلط بالتاثر: ياربي وعيالي وش أسوي فيهم..
عبدالله بحنان: بناخذ خدامة أمي الكبيرة.. صار لها عندنا 15 سنة..
مرة ثقة.. وبعدين ترا كل السالفة تروحين 3 مرات في الأسبوع مدة ساعتين بس..
جوزاء ماعادت قادرة الجلوس.. وهي تقاوم انهمار دموعها: صدق عبدالله صدق بأروح أدرس؟؟
عبدالله شدها ليجلسها ويشد على أناملها بتأثر عميق: صدق ونص..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك