رواية بين الامس واليوم -184
كانت الطبيبة توجه حوارها لكساب بتأثر: أنا ما أعرف شنو أقول لك..
بس والله العظيم حاولنا جهدنا ننقذها..
بس أنتو وصلتو متأخرين كثير..!!
لا تعلم ماذا حدث له وهو يركض ويتركها مازالت تتكلم:
كانت البنت خلاص اختنقت من قلة الأكسجين..
سبحان الله على صغر حجمها بس عمري في حياتي ماشفت مولودة أحلى منها..
كأنها ما تنتمي للأرض.. لازم تكون عصفورة من عصافير الجنة!!
زايد اقترب منها وهو ينظر لظهر كساب المغادر ركضا باستغراب.. ويسألها باهتمام:
والأم أشلونها؟؟
الطبيبة بذات التأثر: الأم منهارة بصراحة.. لأنه من أول مانزلت الطفلة وهي تصيح تبي تشوفها..
سمعت الممرضات يقولون الجنين ميت.. انهارت أكثر.. كنت أبي أبلغ الأب عشان يمتص الصدمة..
ويدخل يهديها شوي لما نطلعها الاستراحة..
بس مبدئيا وضع الأم كويس..
وممكن لو حبت.. تحمل بعد شهر شهرين.. لأن هذي ولادة مش تسقيط..
والله يعوض عليكم بطفل سليم تقر عيون أبوه وأمه فيه!!
لا يعلم لِـمَ كانت الأفكار السلبية هي ما تركزت في رأسه..
شعر أن حبا متعاظما كحبه لها.. لا يكتب له الحياة..
شعر أن الله عز وجل يريد أن يعاقبه ويحرمه منها لكثرة ما أرتكب من أخطاء..
شعر أن الله عز وجل يريد أن يتنزعها منه لأنه لم يعرف قيمتها..
لدرجة أنه شح عليها بكلمة واحدة كان يعلم جيدا لهفتها لها..
وحين قالتها هي له.. شعر أنها تودعه بها..
شعر أنها كلمة الوداع بينهما..
وما أكد له ذلك كله أن الطبيبة قالت (لم نستطع إنقاذها) وليس (إنقاذه)
وهو يعلم أن مافي بطنها هو صبي..
فهو ذهب معها بنفسه إلى موعد (التلفزيون) وهكذا أخبرتهما الطبيبة..
لذا لم يشك للحظة واحدة أن الراحلة المقصودة هي كاسرة..
روحـــه... ولا أحد سواها..
عقابا له أنه لا يعرف قيمة شيء حتى يفقده !!
وما أقسى هذا العقاب..!!
ما أقساه!!
فأنت حينما تعاقب شخصا.. تعاقبه حتى لا يكرر خطئه!!
لا تعاقبه لتأخذ روحه!!
.
.
.
" يمه.. مايصير مخليتها راقدة على طول كذا..
وكل ماصحت ساعتين خليتيهم يعطونها منوم!! "
مزنة تنهدت بروحها الممزقة وهي ترد على وضحى:
وش تبين أسوي يعني..
كل ما صحت رجعت تبكي على بنتها.. وتسأل عن كساب!!
على الأقل خلي كساب لين يجي.. يمكن يقدر يهديها..
وضحى تمسح دموعها وتهمس بسكون: والبنت متى بيدفنونها؟؟
مزنة اختنقت بعبرتها حين تذكرت رؤيتها للصغيرة البالغة الصغر:
زايد يدور لكساب.. كان يبيه يحضر دفنها والصلاة عليها..
لو مالقاه لين بكرة بيدفنها..
وضحى تنهدت باختناق حقيقي: يمه صدقيني أحسن يدفنها بدون مايشوفها إبيها...
أنا وتميم حالتنا حالة عقب ماشفناها.. أشلون إبيها وأمها؟؟
خلها تندفن قبل ما تقول كاسرة إنها تبي تشوفها بعد...
والله يعوض عليهم إن شاء الله.. ويجعلها حجاب لهم من النار!!
ثم تنهدت وهي تردف بألم: يمه لو ولدوها قيصري.. ماكان ممكن تعيش البنت؟؟
يمكن عشانها جابتها طبيعي انخنقت..
تنهدت مزنة بإيمان: يأمش اللي الله كاتبة مامنه مفر..
كاسرة يوم وصلت كان نبض البنت متوقف خلاص.. ورأسها صار في أسفل الحوض..
ماخذت حتى وقت جهزوها للولادة إلا البنت نازلة..
ياقلب أمها وش كثر تعذبت بنيتي.. بكرية ومالحقت حتى تأخذ أي نوع من المهدئات..
لا أكسجين ولا إبرة الفخذ حتى..
وضحى تقف لتطل عليها.. تطبع قبلة على جبينها وتهمس في أذنها من قرب بوجع عميق:
الله رحمته واسعة.. واللي مثلش ما يكسرها اختبار مثل ذا!!
أردفت بإبتسامة موجوعة: قومي ياقلب أختش.. شوفيني سمعت نصيحتش..
خليت البيت لنايف وخواته.. قومي عشان تقولين (عفية على أختي)..
شدي حيلش وقومي..ترا الدنيا ماتسوى من غيرش..
" تميم حبيبي.. استهدي بالله..
هذي أختك طيبة... والله سبحانه له حكمة في كل شيء!!"
تميم يشير وهو يتنهد بوجع: كاسرة خاطري واجد أختي..
سنة كاملة وهي تنتظر ذا الحمل..
وعقبه تموت البنت ماحتى شافتها..
سميرة بحزن: يمكن الله يبغي لها الخير.. عشان ماتشوفها وتتعلق فيها..
لله عز وجل حكمة في كل شيء!!
تميم بتأثر متزايد: حارقة قلبي كاسرة.. الله يعوض عليها باللي يسر قلبها..
*************************************
يلقي غترته جواره وهو يسند ظهره بإرهاق للمقعد بعد أن أطل على كاسرة
ويهتف بإرهاق موجوع:
مزنة الله يهداش.. ليه مهوب أنتي اللي بلغتينا الخبر..
على الأقل كنتي لمحتي لي..
وأنا مهدت للولد.. الحين الولد هج..
ماخليت مكان مادورته أنا وعلي ومنصور.. وحتى موظفين شركتي كلهم.. ومالقيناه..
مزنة بإرهاق متزايد مغلف بالحزن: زايد من جدك.. أخلي بنتي وهي تبكي ومنهارة وأطلع عشان أبلغكم..؟؟
كاسرة كانت بتموت في يدي وهي تصيح خلوني أشوف بنتي..
كانت تحسبها ولد.. ويوم درت إنها بنت تأثرت زيادة..
خفت يصير لبنتي شيء الله يصبر قلبها..
أصلا الدكتورة ماطلعت عليكم إلا عقب ما يأست تهديها..
زايد تنهد بحزن: الله يصبر قلبها ويعوض عليها..
توهم صغار.. والدكتورة تقول وضعها زين..
وهي مؤمنة وعارفة قضاء ربي وقدرته!!!
مزنة صمتت.. فماباتت تعانيه أكثر من طاقتها بكثير.. تشعر أنها توشك على الانهيار فعلا..
وهي تستنزف كل طاقاتها الجسدية والنفسية!!
زايد هتف لها بحزم وهو يتذكر: مزنة ارفعي أرجيلش قدامش..
مزنة بحرج: زايد مافيها شيء؟؟
زايد تنهد: منحرجة مني؟؟ قمت أروح لبيت..
صمتت مزنة.. تعلم أنها تحتاجه لجوارها فعلا.. لكن لشدى استغراقها في مأساة ابنتها عاجزة حتى عن طلب المعونة...
ولكنها تعلم أنها لو رفضت تنفيذ أمره.. معنى ذلك أنها تقول له ضمنيا أنها تريده أن يغادر..
لذا استدارت قليلا لتمدد ساقيها أماما على الأريكة وهي تغطيها بعباءتها..
لولا أن زايد فاجأها بوقوفه وهو ينتزع العباءة عن ساقيها ليهتف بغضب حقيقي وهو يرى ساقيها وقدميها المتورمتين بشكل مأساوي:
كنت عارف إنها بتكون كذا.. أنتي ما ترحمين نفسش شوي..
حرام عليش اللي تسوينه في نفسش..
ليش ماخليتي وضحى تقعد عند أختها ورحتي للبيت..
مزنة تنهدت وهي تشد العباءة من يده بحرج لتغطي قدميها:
ما أقدر أخلي كاسرة.. ما أقدر.. مستحيل أرتاح لين ترتاح هي..
زايد تنهد وهو يعود لمقعده ويهتف بحزم: خلاص أنا قاعد عندش الليلة..
وياويلش تنزلين أرجيلش من مكانها..
اللي تبينه أنا بأسويه..
مزنة تنهدت بحرج عميق (ليتني خليت وضحى تقعد عندي بدل ما أحلف عليها تروح..
الحين وش السواة؟؟)
***********************************
" مزون حبيبتي مايصير اللي أنتي مسويته في نفسش؟؟
أنتي بروحش تعبانة..
اتقي اللي في اللي في بطنش!!
يعني البنت هذي حتى ماعاشت عشان تحزنين عليها كذا!!"
كان يمسح دموعها بأنامله وهو يتمدد جوارها مسندا ظهره لظهر الحائط..
بينما رأسها مسند للمخدة التي تضع رأسها عليه..وتنظر في الزاوية لباقة الورد الضخمة التي بدأت تذبل ومع ذلك لم تخرجها..
همست باختناق عبراتها وسيول عينيها: ياقلبي ياكساب.. ماتخيلت إنه ممكن يتأثر كذا عشان بنته ماتت..
لدرجة إنه ماحد يدري وينه..
دامني ماشفته قدامي وضميته لصدري..مستحيل أرتاح.. أو تجف دمعتي!!
ياقلبي وش كثر كان فرحان يوم درا إني حامل.. يعني مستكثر علي ذا الحين أتأثر معه..
ياقلبي يأخيي.. مالحق يفرح هو ومرته..!!
غانم يصمت وهو يمسح شعرها..
ففي الختام هي محقة.. ففرحة شقيقها بحملها جعلته يخجل من فرحته هو..
وهو ينظر مثلها لباقة الورد الضخمة التي توسطتها هدية ثمينة جدا..
مع سلة خاصة من الشكولاته وصلا كلاهما من كساب فور معرفته بخبر حملها...
تنهد بعد دقيقة صمت وهو يهتف بحزم: أوعدش بكرة أدور مرة ثانية..
وين بيروح؟؟
وبأسال عنه في المطار.. لو كان طلع برا الدوحة.. حتى لو طلع عن طريق البر..
بيكون واضح في الكمبيوترات عندنا في المطار..
غانم يشعر باستغراب عميق..
يعني حدوث أمر كهذا .. وفاة ابنته..
ليس بالأمر الذي قد يهز رجلا مؤمنا ككساب..
لدرجة أنه يهرب ويختفي بهذه الطريقة!!
**********************************
صباح اليوم التالي
.
.
" مِن مَن الورد ذا يأمش؟؟"
تنهدت وضحى وهي تعيد البطاقة لمكانها بعد أن قرأت الاسم:
من نايف يمه..
مزنة تنهدت بسكون: عادش منتي براضية تردين على تلفوناته..؟؟
وضحى بألم عميق: لا أبي أرد على تلفوناته ولا أشوفه..
موجوعة منه واجد.. واجد يمه..
تخيلي يمه قعدت في حوش بيته أكثر من 5 دقايق وأنا عيني على الباب..
أقول ماني بهاينة عليه..!!
مستحيل يخليني أطلع في ذا الليل!!.. بيلحقني الحين..!!
كسر نفسي يمه.. كسر نفسي..
مزنة تنهدت: يأمش المسكين كل شوي يدق عليش.. كلميه.. أكيد يبي يعتذر لش..
وضحى بألم: ما أبيه يعتذر لي وما أبي شيء منه..
يمه فيه شيء ينفع فيه الاعتذار.. وشيء ما ينفع..
وياكثر ماسمعت منه آسف وامسحيها في وجهي..
مابقى في وجهه مكان أمسح فيه..
بالفعل نايف أرسل لها الكثير من رسائل الاعتذار الهاتفية.. ثم طلب من عالية أن تكلمها..
حين رأى رفضها الرد على اتصالاته..
*************************************
" ها عالية.. وش قالت لش وضحى؟؟"
عالية نظرت بحدة إلى خالها الذي كان يستجوبها بلهفة.. وهمست بذات الحدة:
أنا بصراحة ماكنت أبي أكلمها.. بس من غلاك عندي..
أولا وضع أختها مايسمح كلش بكلام مثل ذا..
ثاني شيء لأنه لو أنا مكانها.. كان كسرت البيت فوق رأسك أنت وخواتك ثم طلعت!!
نايف بتأفف حازم: عالية ترا مهيب ناقصتش.. خلصيني..
عالية هزت كتفيها: طبعا مارضت حتى أفتح ثمي في الموضوع..
نايف بخيبة أمل: تقولينها وأنتي مبسوطة بعد؟؟
عالية تنهدت: وليش انبسط.. بس بصراحة غلطتك عليها مالها دوا..
ثم أردفت بنبرة أقرب للغضب: خلنا من إنك خليت خالتي نورة تجرح فيها وفي أهلها وأنت قاعد مثلك مثل الكرسي..
بس عيب عليك مخلي مرتك طالعة في نص الليل للشارع..
ولا تقول لي خالتي نورة حلفت.. لأنه الرجال ماترده حلوفة النسوان من المراجل!!
نايف قاطعها بغضب: تراش مسختيها.. عيب عليش..
عالية بغضب مشابه: الحين أنا اللي عيب علي..
تخيل إن إبي يدري بسواتك.. والله يا أقل شيء يسويه إنه يطردك من مجلسه..
وأزيدك من الشعر بيت.. سميرة بنت عمي تقول إن رجالها مصمم إنها ماعاد ترجع لك..
يقول اللي مايحافظ على أخته ما يستاهلها.. وهو خذها من بيت رجّال مهوب من الشارع..
سميرة تقول إن تميم مستوجع واجد.. إنه جا ولقاها واقفة في الحوش قريب من باب الشارع...
يعني لو أنك على الأقل وقفت معها لين يجي أخيها.. أو حلفت أنت توديها.. كان غلطتك ممكن تنبلع..
بس الحين.. خبز خبزتيه يا الرفلا اكليه...
عجزت أقول لك لازم تحط حد لخالاتي.. بس أنت كنت مبسوط بالوضع..
خلاص اشرب..
نايف تنهد بيأس حقيقي.. حياته كاملة تنهار أمامه.. وليس في يده أي حل..
فماذا يفعل؟؟
ماذا يفعل؟؟
**************************************
"دفنتوها خلاص؟؟"
علي يلقي غترته جانبا ويهمس بتأثر: دفناها.. جعلها تكون حجاب لأبيها وأمها من النار..
شعاع تمسح دمعة تأثر: ياقلبي ياكاسرة..
الله يعينها ويواجرها..
أنا وأنا حملت على طول.. لو يصير للبيبي حقي شيء بعيد الشر بأستخف..
أشلون هي .. وهي ماحملت إلا عقب سنة..
ويوم قربت خلاص.. يطلب الله أمانته..
علي يتنهد وهو يربت على كفها: الله له حكمة من كل شيء..
مهوب حارق قلبي الحين كثر أخي اللي ما أدري وين راح..
ماخليت مكان مادورت فيه.. لا هو في مستشفيات ولا سجون.. ولا طلع برا الدوحة..
وين راح؟؟ بأستخف.. بأستخف..
ثم أردف بتهيدة شاسعة: باتسبح وأرجع أدور له..
شعاع بتأثر رقيق: حبيبي أنت من أمس ما نمت ولا قعدت دقيقة في البيت وأنت تدور له..
علي يتجه للحمام وهو يهتف بحزم: ولاني بنايم لين ألاقيه..
تدرين وش اللي موجعني؟؟
إني مابعد احتجت كساب ومالقيته جنبي..
والحين يومه محتاجني ماقدرت أكون جنبه!!
حين خرج علي من الحمام..
همست شعاع وهي تناوله ملابسه: ترا تلفونك دق كم مرة..
لا يعلم لما شعر بتوتر مفاجئ وهو يركض نحو هاتفه..
حين وجد أن الاتصال من العامل المسئول عن المزرعة.. تزايد توتره ولهفته وهو يتصل باستعجال...
شعاع توترت معه لتوتره وهي تقترب منه وتسمعه يصرخ في الهاتف:
أشلون يكون عندكم وأنا سألتك بدل المرة ألف وتقول لي إنه مارجع عليكم..
........................
متأكد إنه نايم؟؟
...................
أنا جاي الحين.. لا تحركونه ولا تقومونه..
شعاع بتوتر ولهفة: لقوا كساب..؟؟
علي يرتدي ملابسه باستعجال وهو حتى لا يعلم كيف ارتداها ويهتف باستعجال مغلف بجزع ورعب حقيقين..:
عمال المزرعة لقوه نايم في غرفتي أنا.. يوم جاو يرتبون..
لأنهم أمس مارتبوا.. وماشافوه دخل.. ولا كان فيه سيارة..
يقولون إنه نايم.. والسرير عليه بقع دم..
الله يستر الله يستر..
لا تقولين لحد شيء.. لحد ما أروح بنفسي وأشوف السالفة..
.
.
.
علي لا يعلم كيف وصل إلى المزرعة حتى...
وهو يقفز من سيارته ويتركها تعمل.. ويركض نحو غرفته ليجد عمال المزرعة كلهم يتجمهرون على بابها..
طلب منهم جميعا المغادرة.. وبقي معه فقط المسئول عن المزرعة..
حين دخل.. كان كساب فعلا نائما..
والمرعب أنه كان هناك بقع دم لا يعلم من أين أتت..
وهو يدقق النظر في جسده فلا يجد إصابات..
اقترب منه ليجد أن هناك دم متخثر على أطراف فمه..
علي اقترب منه ليهتف له برفق قلق قبل أن يهزه: كساب.. كساب قوم يا أخيك..
فعلي يعلم جيدا أن كساب لا يحب أن يحركه أحد وهو نائم قبل أن يكلمه..
كساب انتفض بجزع وهو يقفز بتحفز ويمسح وجهه: بسم الله الرحمن الرحيم..
أعوذ با الله من الشيطان الرجيم..
علي بقلق: كساب الدم ذا من وين جاي؟؟
كساب عاجز عن النظر لأي وجه وهو يهتف بنبرة ميتة: يمكن من ثمي..
لأني البارحة زعت دم..
علي برعب حقيقي: زعت دم... قوم.. قوم نروح للمستشفى..
كساب رد عليه بقسوة: ما أبي أروح للمستشفى..
ثم أردف بنبرة ميتة تماما بالكاد استطاع إخراجها: أبي أروح أدفنها..
علي بتردد: دفناها خلاص..
كساب هتف بذهول: دفنتوها بدون ما أشوفها؟؟.. توها ماتت قبل الفجر.. تدفنوها بذا السرعة بدون ما أشوفها..؟؟
ثم بدأ يصرخ بشكل هستيري: تدفنونها ليه؟؟ ليه؟؟ ليه؟؟
علي يحاول تهدئته: كساب أنت مختفي من فجر أمس.. وإكرام الميت دفنه..
ولكن كساب لم يهدأ وهو يصرخ بكل هستيرية الكون: مالحد منكم حق يدفنها..
أنا بس اللي لي الحق..
أشلون هان عليكم تنزلونها في القبر..؟؟
أشلون هان عليكم توسدونها القاع؟؟
من اللي نزلها؟؟ من اللي كشف عن وجهها؟؟ من آخر من شافها؟؟
حرام عليكم.. حرام عليكم.. ليه تسوون فيني كذا..؟؟
ماحتى خليتوا لي شيء أتذكره منها!!
علي يصرخ فيه بحزم: بس كساب.. تراك مزودها..
الحين فيه اللي محتاجك أكثر.. اسبح وأمش معي..
يا الله.. ما أضيق الدنيا في عينيه..!!
أ حتى جسدها اختفى من وجه الأرض قبل أن يراها ولو لمرة واحدة..؟؟
هتف بتبلد: الولد أشلونه؟؟
علي بعدم فهم: أي ولد؟؟
كساب بذات التبلد: ولدي!!
علي يحاول أن يفهم ويجمع الصور.. لتتضح الصورة بشكل مفاجئ في عينه..
هتف علي بنبرة مقصودة: الولد زين.. في الحضانة.. ماتبي تشوفه؟؟
كساب تنهد بألم شاسع: أكيد أبي أشوفه.. وش بقى لي من ريحتها غيره..
ثم أردف بالم أشد: تكفى علي جيب لي ملابس من حجرتي.. ما أقدر أدخلها عقبها..
" يا الله.. ما اكبر ألمك يا أخي!!
لأول مرة أراك تصرخ بإحساسك بالألم بهذه الطريقة!!"
علي قرر ألا يخبر كساب.. لأنه لا يعلم كيف ستكون ردة فعله..
هذا الذي نام لأكثر من يوم وهو يظن أنه نام لساعات..
وتقيأ دما..
وكأن جسده يتصرف نيابة عنه.. لأنه عاجز عن البكاء..
حين خرج من المستشفى فجر أمس..
لم يفكر أن يذهب إلى أي مكان إلا للمزرعة.. آخر مكان جمعهما سويا..
كان يريد أن يهدأ قليلا..
لم يستطع أن يدخل لغرفتهما.. لذا توجه لغرفة علي..
لا يعلم كيف نام كل هذا الوقت..
هل كان جسده يرفض أن يصحو بعدها؟؟
أو هي رحمة الله به الذي أراد أن يرحمه من كل هذا الضغط؟؟
يتنهد بوجع وهو يدخل للحمام ليستحم..
وهو يبصق دمـــــا..!!
" فمثلها لا يُبكى بمجرد ماء بارد.. دموع تنسكب من العين..
بل تُبكى بدم ملتهب يُبصق من القلب"
فأي عشق هذا الذي أورثه هذا الرجل لابنائه؟؟
يستند على جدران الحمام بضعف.. يشعر أنه بالفعل ماعاد يريد أن ينظر حتى للحياة من بعدها..
ولكنه يبقى رجلا قويا.. في إيمانه.. قبل كيانه!!
يعلم أن هذا اختبار رب العالمين له.. لابد أن يصبر من أجل ابنه على الأقل..
" ولكن من أين أتي بالصبر؟؟
من أين أتي به؟؟
وحالي معها كما قال الشاعر:
يامن صورت لي الدنيا كقصيدة شعر....... وزرعت جراحك في قلبي وأخذت الصبر
جرح فقدها في قلبي لا قرار له..
والصبر أخذته معها.. أخذته معها..!!
كل شيء أخذته معها.. ما أبقت لي شيئا..
ماذا بقي من الدنيا بعدك ياكاسرة!!
الدنيا باهتة..
والسماء اختفت نجومها..
والهواء بعدكِ بات ثقيلا يدخل لصدري كالخناجر..
أقسم أني عرفت قيمتكِ
أقسم أني حفظت الدرس..
فهل تعودين لي الآن؟؟
هل تعودين؟؟
سأقول لكِ أحبكِ ألف مرة في كل دقيقة..
سأقول لكِ أنني كنت غبيا لأني لم أصرخ لكِ بها كل ليلة حتى أصيبك بالصداع!!
أريد أن نسافر لمكان بعيد.. فقد وعدتكِ منذ أشهر طويلة أن نسافر..
أعلم أني تأخرت كثيرا لأفي بوعدي..
فلماذا ترحلين وتتركين وعدي معلقا..؟؟
كنت اريد أن ارى الدنيا بعينيك.. وتريها بعيني...
فأي عيون سترى الدنيا من بعدك؟؟
لو كنت أعلم أن الدنيا ستكون شحيحة بكِ هكذا..
لو كنت أعلم فقط!!"
طرقات علي تتصاعد على باب الحمام بقلق: كساب وش فيك تأخرت؟؟
كساب يصحو من غيبوبته والماء ينسكب بغزارة حرقته فوق رأسه هتف بتبلد:
دقيقة وأجيك..
حين خرج كساب هتف بذات التبلد الذي يغلف فيه مشاعره:
خلني أصلي الصلوات اللي فاتتني ونمشي..
.
.
.
يخرجان خارج المزرعة وعلي يسأل بنبرة مقصودة: وين تبينا نروح أول؟؟
كساب بحزم: قبرها..
علي برجاء: زين خلنا نأجل زيارة القبر شوي.. بأوديك المستشفى أول..
كساب بحزم أشد: قلت لك ودني قبرها.. ماتبي توديني نزلني هنا وبألاقي اللي يوديني مثل مالقيت اللي جابني..
علي باستسلام: إن شاء الله.. بأوديك!!
حين أصبحا قريبين من المقبرة.. همس كساب بإجهاد: ما أقدر.. ما أقدر..
خلنا نرجع ماني بمستعد..
بدت الدنيا سوداء تماما في عينيه.. ما أن شعر باقترابه من رائحة الموت الذي انتزعها منه..
لن يحتمل رؤية التراب يحول بينه وبينها..
لن يحتمل رؤية قبرها وهو يعلم أن ظلمته احتوت جسدها..
يخشى أن يتصرف تصرفا يكدر راحتها في قبرها..
ولكن هو كيف يرتاح؟؟ كيف يرتاح؟؟
حين بدأ علي يبتعد عن المقبرة مرة أخرى.. شعر أن قلبه يقفز من بين جنبيه وعيناه تتابعان بألم سور المقبرة:
بأرجع.. صدقيني بأرجع..
بس عطيني وقت أقدر أستوعب الخسارة اللي ما أظن إني في يوم من الأيام بأقدر أستوعبها..
خسارتش أكبر من قدرتي على الاحتمال..
أكبر بواجد!!
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك