بارت من

رواية بين الامس واليوم -183

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -183

شوفتش قدامي مثل الحلى اللي عقب العشا..
خبرتي حد يتعشا عقب ما يأكل الحلى ؟!!
ابتسمت برقة: لا ماخبرت.. مثل إني ماخبرت إنه حد يشبع من كلام..
ومع كذا أنا شبعت مع أني كنت جوعانة..
ابتسم كساب وهو يشدها لتجلس جواره: بنتعشى بس بعد شوي
لو مهوب عشاننا... عشان ولدنا مايموت من الجوع..
ثم أردف باهتمام: إلا أنتي ماقلتي لي.. عجبتش المزرعة عقب التغييرات اللي سويتها فيها؟؟
كاسرة احتضنت عضده برقة وهي تهمس بعفوية حانية: تجنن والله..
أصلا أنت كل اللي تسويه يجنن..
ليتك بس تدري وش كثر..................
بترت عبارتها شعرت لثقل ما ستقول أنها عاجزة عن إخراجه كما تشعر به..
بينما هو شعر لحظتها كما لو أن دقات قلبه توقفت انتظارا لما ستقوله..
أنفاسه أصبحت ثقيلة لأبعد حد وهو يهمس بهذا الثقل كما لو أن خروج الكلمات يمزق حنجرته: وش كثر ويش؟؟ ليه سكتي؟؟
همست بإبتسامة تخفي خلفها أنفاسها اللاهثة المتقطعة: وش كثر خاطري أسمع منك سالفة دخلتك السجن واللي صار عقبها؟؟
كساب بإصرار موجوع ( أحقا كانت ستقولها؟!!) : لا ماكانت كذا.. أنا متأكد..
همست كاسرة بابتسامة عذبة مثقلة بالولع: إذا قلت لي السالفة.. كملت لك العبارة اللي أنت صرت عارف تاليها..
حينها ابتسم كساب بأمل شفاف: وعد.. اسمع الجملة كاملة.. لو قلت لش السالفة كاملة..
بس تجمدين لي قلبش..
ابتسمت بحماس: قلبي حديد وجامد.. والجملة تبيها مقدم قلناها..
شد كفها بولع حقيقي: خليها في الآخر عشان الكلام يجر كلام أكبر!!
وخلينا في سالفتي أخلص منها ومن همها..
وعشان تفهمينها عدل.. لازم نرجع بالزمن ورا خمس سنين ونص بالضبط...
تراجعت نبرته لتتحول لشيء غامض.. خليط من وجع ومرارة وذكريات قاسية:
نرجع لأيام ماخلصت مزون الثانوية...
أذكر زين تيك الأيام..
ماكنت أنام .. سهران معها وهي تدرس.. حفظت دروسها من كثر ماكنت أسمع لها..
خليت شغلي وكنت أقعد على باب المدرسة من يوم أوصلها لين تطلع علي..
عشان أشيك معها على إجاباتها..
كنت حاس كأني اللي أمتحن.. من كثر ماكنت أحاتيها..
وعقب ماخلصت... حسيت الأيام ماتمشي وأنا أنتظر نتيجتها..
يوم طلعت نتيجتها فرحت فيها أكثر من فرحتي أنا يوم خلصت ثانوية وجامعة ألف مرة..
أسألها وين تبين تدخلين؟؟ تقول لي طيران.. حسبتها تمزح.. بس هي صممت وإبي قوى رأسها..
حاولت فيها بكل طريقة.. حتى قلت لها بأروح معها أي مكان في العالم عشان تدرس شيء ثاني..
كنت مستعد أوقف حياتي كلها عشانها.. وهي ماهان عليها ترد على رجاي أنا وعلي!!
مع إن ذا السالفة انتهت.. بس حتى تذكرها يوجعني.. ما تخيلين وش كثر ترجيتها.. ماباقي إلا أبكي قدامها..
وهي مارحمتني.. ما تخيلت إن مزون اللي أغلى علي من روحي ممكن تسوي فيني كذا..
مزون ماكانت أختي.. كانت بنتي.. من يوم دخلت صف أول ماكان حد يدرسها غيري..
كنت أعرف أسماء مدرساتها وصديقاتها وكل شيئ يخصها مهما كان صغير!!
كسرتني هي وإبي كسرة شينة.. شينة..!!
صرت حتى قعدة المجالس أتجنبها.. أظن الكل يتكلم عنا.. وعن أختي اللي دخلت طيران!!
وعقبه تجنبت الكل.. دخلت نادي رفع أثقال.. كنت أقعد فيه من الصبح لين الليل.. ما أطلع إلا للمسجد..
أبي شيء أفرغ فيه حرتي وابردها.. وحرتي عيت تبرد.. عيت تبرد..
عقبه قررت أهج برا الدوحة.. سجلت ماجستير ادارة أعمال في أمريكا..
كنت أبي شيء يشغلني عن التفكير والقهر.. لا أستخف..
دراسة الماجستير كانت سهلة علي واجد.. دوام صبح قصير ومقررات سهلة..
كنت أبي شيء يشغلني أكثر..
فدخلت هناك نادي رياضي..
كنت أقعد فيه من يوم أطلع من الجامعة الظهر تقريبا.. وما أطلع منه لين يسكرونه..
كانت طاقة القهر تخليني ما أكل ولا أمل.. خلال 3 شهور بنيت عضلات يبي له الواحد سنة عشان يبنيها..
كان فيه واحد يتدرب معي.. ويراقبني بدقة... والأكيد طبعا إنه سوى تحريات عني..
في يوم قرب مني.. قال لي النادي ذا ما يناسبك.. قدراتك تفوقه بواجد..
أدلك على مكان أحسن هو اللي بتقدر تفرغ فيه طاقتك..
سألته وين مكانه؟؟
قال لي أنا بأوديك.. بس تراه مكان غالي واجد.. مهوب الكل يقدر على قيمته...
وفعلا وداني مكان.. تخيلي يتبع من؟؟
الجيش الأمريكي... طبعا هو غير مصرح إنه يتبع الجيش الأمريكي..
بس أي غبي بيفهم إنه التقنيات والامكانيات ذي لهم...
مكان تتدرب فيه وممكن تأخذ شهادة مدرب جيش لو قدرت توصل لين الأخير...
بس أنا لأني ماني بعسكري الشهادة ذي ماتفيدني!!
بس أنا حسيت بالإغراء والمغامرة... مكان مثل ذا هو اللي بيشغلني فعلا..
تدرين إن الجيش الأمريكي هو اللي مدرب المرتزقة والإرهابيين المنتشرين في العالم..
أي حد يشوفون عنده إمكانيات.. يجيبونه عشان يتدرب.. ويصير له ملف عندهم..
ويأخذون منه مبلغ مهول فعلا...
المهم تدربت عندهم أربع شهور لين خلصت الماستر اللي كان كله سبع شهور..
كنت أروح عندهم من عقب الجامعة لين الفجر..
أتدرب 14 ساعة متواصلة... فخلصت في فترة قياسية كل متطلبات البرنامج..
ما تتخيلين أيش اللي سووه فينا في ذا التدريب..؟؟
كان معاي عيال ناس أغنياء جابتهم هنا البطرة والرغبة في المغامرة..
شفتهم قدامي يبكون مثل البزران..
وفيه اللي شفته يطيح من فوق الجبال ويتقطع..
وفيه اللي مايعرف يفتح المظلة ويتكسر..
وطبعا كل واحد منا موقع إنه المسئول الوحيد عن نفسه!!
بس كله يهون يهون.. قدام اللي شفته عقب..
كاسرة بدأت دقات قلبها تتصاعد بعنف وريقها يجف أكثر وأكثر وهي تسأل بتوتر:
وش اللي صار عقب..؟؟
هتف بسكون موجع والذكريات تستغرقه للبعيد: قالوا اللي يبي شهادة مدرب جيش معتمدة من الطراز الأول..
يسوي الاختبار الأخير..
والاختبار إنه يدخل أخطر سجن في أمريكا لمدة ست شهور.. لو قدر يهرب من السجن قبل الست شهور.. يأخذ الشهادة..
ولو استحمل الست شهور بدون ما يستخف أو يصير له شيء هناك..
هم بيطلعونه ويعطونه شهادته العادية!!
زفر بحرقة ومرارة: أغبى قرار اتخذته في حياته..
وافقت أدخل.. حسبتها مغامرة ماراح تتكرر..
وقلت لأبي إني بأطلع تخييم فوق الجبال ويمكن أطول شهور وما أقدر أتصل!!
من أول مادخلت وشفتهم جايين بيحطون لي الوسم.. صحت..
(خلاص ما أبي.. طلعوني.. أنا ماني ببهيمة تحطون علي رقم..)
لكن ماحد عبرني..
كل يوم كنت أصيح طلعوني أنا ماني بمسجون.. وخلاص ما ابي..
مهوب لأني خايف من السجن..
لكن لأني ماني بقادر أستحمل اللي أسمعه..
تخيلي المسجون اللي معي في غرفتي يتفاخر إنه اغتصب 20 طفل وذبحهم..
ما استحملت.. ما استحملت...ضربته لحد ماكسرت وجهه..
ولا حد حاسبني..
يبونا نصير وحوش صدق..
لولا الصلاة وإلا كان استخفيت..
وتخيلي الله يسامحني إني كنت أصلي ووجهي أحيانا مهوب صوب القبلة لأني كنت أصلي في الزاوية
ظهري لطوفة وجنبي لطوفة..
عشان ماحد يباغتني من وراي..
ولو كان معي حد في الغرفة سجدت وركعت بعيوني بس..
لأني عارف إنهم ينتظرون مني لحظة غفلة وحدة..
ناس الإجرام صار يمشي في دمهم.. يذبحون لمجرد المتعة!!
وتخافين على نفسش من اللي أبشع من الذبح.. وأنتي فاهمتني..
كنت قاعد في ذاك السجن عيوني في قمة رأسي..
أرقد عين مفتوحة وعين مسكرة.. عشان كذا لحد الحين ماقدرت أتجاوز ذا المرحلة.. نومي ما أرتاح فيه..
واللي بيحركني وأنا نايم ممكن أكسر يده..
و ياكثر اللي تهاديت معهم في السجن.. واللي كسرتهم.. ومافيه محاسب..
لحد ماصاروا المساجين يتجنبوني ..
كنت طول اليوم أتدرب.. وأدور في السجن.. أحاول أدرس المخارج والمداخل..
وأدرس مناوبات الحراسة..
وأصنع لي أدوات وأدسها.. وأنا على ذا الحال خمس شهور..
لحد ماعرفت الطريقة اللي ممكن أهرب فيها..
استغليت فترة تغيير المناوبات وقت ماكان المساجين راقدين..
وهربت مع فتحة تهوية كانت تطلع على جبل..
تقطعت إيدي وأرجيلي وأنا أنزل الجبل بدون معدات..
كساب لم ينتبه إلى أن كاسرة بدأت دموعها تسيل بغزارة لشدة انشغاله بحكايته وهو يتنهد:
حسيت إني ورطت نفسي في سالفة كبيرة..
طلعت من السجن للسفارة... وبلغتهم كل شيء بالتفصيل.. حسيت إني لو ماسويت كذا..
يمكن أجي أرجع للدوحة ألقى اسمي على البلاك لست..
لقيت السفارة أصلا مشغولة تدور لي.. لأن إبي جنن الخارجية في الدوحة..
والخارجية جننوا السفارة..
السفارة كانوا يبون يتأكدون من اللي انا قلته..
لكن قبل ما يتحركون أي حركة..
كانت وزارة الداخلية والدفاع والأف بي أي كلها تتصل تسأل عني..
وأنهم مهتمين يبون يعرفون أشلون هربت بالتفصيل..
أنا بداية.. رفضت أقول لهم.. من القهر اللي في قلبي عليهم..
بس السفارة طلبوا مني أعطيهم المخطط كامل..
لأنه السجن ذا فيه أخطر مساجين ولو حد منهم تبع طريقي وهرب بتكون مشكلة كبيرة..
عطيتهم المخطط وعطوني الشهادة اللي ماكرهت شيء كثرها..
رجعت للدوحة..
و ماخلوني أرجع لهلي على طول..
قعدت في التحقيقات أسبوعين وهم يتأكدون من كل شيء قلته..
وعقبها عرضوا علي أني أسوي مهام للدولة..
ولأني ماني بعسكري كنت أسويها بشكل سري..
وكنت مخلي لهم تلفون خاص بهم.. ما أسكره لا ليل ولا نهار ولا أخلي حد يقرب منه.. عشان التواصل بيننا عن طريقه..
دربت في الجيش.. وسويت مهام انقاذ.. وخذت دورات في كل شيء يطري على بالش.. وسويت الدورات هذي هنا..
وشاركت في الكوارث اللي كان تروح لها وفود قطرية..
شفت خلال أربع سنين اللي ماشافه حد..
عرفت معنى الموت والحسرة والخسارة.. شفت الناس قدامي يموتون وما أقدر أسوي شيء..
شفت اللي تحدهم الكوارث يأكلون لحم الميتين عشان يعيشون..
أشياء عمرش ماراح تقرين عنها في كتاب أو تشوفينها في تلفزيون..
شفت أشلون قسوة الحياة والإنسان تحول الإنسان لوحش مايرحم...............
كان مازال سيتكلم لولا سماعه للشهقات المتصاعدة: بس كساب بس..
كان وجهها غارقا في الدموع.. وهو لم ينتبه لنفسه كيف استغرق في الحديث وهو يحرر ذاته أخيرا من كل ثقلها...
يشعر أمامها ومعها بالحرية من كل شيء!!
استدار نحوها بجزع وهو يهتف بتهدئة: خلاص كاسرة خلاص.. أنا آسف يا بنت الحلال.. آسف
كانت تشهق بعنف ودموعها لا تتوقف عن السيلان وهي تتخيل بشاعة كل مامر به..
تتخيل بشاعة الحياة وقسوتها التي حُكم بها عليه.
كانت تمسك ببطنها بقوة: كساب.. باولد.. بأولد!!
كساب قفز برعب وقلبه يقفز لحنجرته: أشلون تولدين وأنتي في السابع..
يتهيأ لش..
غلطانة أكيد..
كاسرة بدأت تنتحب بعنف.. فالألام بدأت تداهمها منذ بداية الحكاية قبل أكثر من ساعتين..
منذ شعرت بتأثره بما فعلته به مزون.. وكأنه لشدة تأثرها تأثر جسدها كله معها:
والله العظيم باولد.. بأولد..
أبي أمي.. تكفى كلم أمي..
كساب قفز ليحضر عباءتها وهو يسب نفسه بأقسى العبارات..
يلفها بعباءتها ليحملها وهو يهتف بجزع حقيقي:
الحين بأكلمها تجينا في المستشفى.. الحين.. هدي.. هدي..
كان يهدئها وهو غير قادر على أن يهدأ..
ركض بها نحو سيارته.. وهو يتصل بعمته.. ويخبرها..
مزنة صرخت برعب: أشلون تولد وهي في السابع.. تو الناس.. يمكن إنها مهيب فاهمة.. وش عرفها هي في الولادة!!
عطني إياها..
كساب أعطى كاسرة الهاتف وهو يقود بأقصى سرعته...
كانت كاسرة تبكي ووالدتها تحاول تهدئتها: يمه بأموت.. بأموت..
ماني بخايفة على نفسي.. خايفة على ولدي!!!
كساب حين سمعها تقول ذلك شعر أنه هو من سيموت فعلا... وهو يزيد سرعة سيارته بطريقة جنونية..
ومزنة تهدئها بيأس: يأمش اذكري ربش.. وخذي نفس... وش حاسة فيه؟؟
كاسرة تشهق: ما أدري يمه.. ما أدري.. بطني يتقطع من الوجع.. نفس آلام الدورة بس أقوى..
والحين أحس الكرسي تحتي غرق ماي...
مزنة قفزت من مكانها وهي تهتف برعب: عطيني كساب..
كساب تناول الهاتف برعب ومزنة تصرخ في أذنه برعبها: لا تخليها تمشي حتى خطوة وحدة..
أنا الحين باتصل في المستشفى يجهزون سرير النقل عند الباب..
الماي نزل عليها وخطر عليها وعلى الجنين..
أنا أنتظركم عند باب المستشفى... لا تتأخرون طالبتك يأمك..
كساب ألقى هاتفه خلفه بعنف.. وهو يبحث عن كفها بلهفة ليشد عليها..
كما لو أن حياته تتوقف على أطراف هذا الأنامل..
هتف باختناق: هدي.. كاسرة.. هدي.. بسم الله عليش..
ماعليش إلا العافية.. دقايق ونكون في المستشفى..
كان يشعر أنه سيبكي من القهر..
قد يكون شعر بالكثير من القهر طوال حياته..
ولكن لا شيء يشبه هذا القهر..!!
فحياة زوجته وابنه على المحك ولا يستطيع أن يفعل شيئا.. يتمنى لو كان يستطيع أن يطير..
فالطريق طويلة.. وحتى لو قاد بأقصى سرعة لن يصل قبل 40 دقيقة..
كانت تعتصر أنامله بقوة وهي تشهق: بأموت ياكساب..
باموت..وأنا ماشفت ولدي..
كساب يصر على أسنانه حتى شعر بالألم فيهما: استهدي بالله.. وش ذا الكلام..
أنتي والولد ماعليكم شر.. وش كثر نسوان ولدوا في السابع وعيالهم طبيعين ومافيهم شيء..
تحاول أن تتماسك وهي تشد لها نفسا عميقا وتزفر بقوة.. وهي تهمس من بين صرير أسنانها:
كساب لو صار لي شيء.. امنتك بالله.. أمي هي اللي تربي ولدي تحت عينك..
كساب يشعر أن روحه تذوي وتتأكل كشمعة أحرقها اللهيب.. وهو يهتف بصرامة موجوعة:
ولدنا أنا وأنتي بنربيه.. وما أبي أسمع ذا الكلام!! فاهمة!!
الطريق طويل.. طويل...
لا يريد أن ينتهي...
وهو يشد على كفها بقوة كما لو أنها المرة الاخيرة التي يمسكها فيها..
يُكثر من الدعاء.. والرجاء.. وهو يسمع شهقاتها التي باتت تكتمها...
والتي تخترق روحه بوجعها..
تشد أنفاسها وتزفرها بقوة..
بودها لو تقول له الكثير من الكلام..الذي لم تمنحها الحياة الفرصة لقوله..
ولكن هل للكلمات معنى الآن؟؟
كلماتها لن تفعل شيئا إلا أن تؤلمه.. وتعلم أنه الآن يتألم بما يكفي!!
لكنها لابد أن تقول شيئا يريحه.. حتى لا يشعر مطلقا بأي ذنب قد يؤرق حياته فيما بعد..
همست بسكون استغربه.. بينما كانت دموعها تسيل بصمت وهي تحاول أن تتناسى آلامها التي تمزقها:
كساب أنا عمري ماندمت على دقيقة عشتها معك..
أنا ندمانة على الدقايق اللي ماعشتها معك!!
ولو رجع فيني الزمن ألف مرة.. كل مرة باختارك.. وأختار الحياة معك..
كساب قفز قلبه لحنجرته وهو يهمس بصوت مبحوح ممزق: وش لازمة ذا الكلام الغريب؟؟
شدت أنامله أكثر وهي تمسكها بيديها الاثنتين وتعتصرها كما يعتصرها الألم:
ماله لازمة على قولتك بس أنا حبيت أقوله لك..
كان يريد أن يقول هو شيئا ولكن مايريد قوله يحتاج سنوات وسنوات ليخبرها به..
لن تكفيه الثوان المتبقية وهو يدخل لداخل بوابة المستشفى..
ويرى والده ومزنة يقفان فعلا هناك.. وبجوارهما طاقم الإسعاف..
أوقف سيارته بشكل عرضي وعجلات السيارة تصر بصوت مسموع..
قفز بسرعة ليحملها هو.. وهو ينتزع غطاء سرير النقل الذي أسرعوا به نحو السيارة.. ويلفها به..
لم يرد أن يحملها سواه..
تعلقت بعنقه بضعف وشهقاتها تصبح أكثر ضعفا..
كاد يجن وهو وهو يرى مقعد السيارة مبقعا بالدم..
كان يتلوى من الأنين و يشعر أن أحشائه تتقطع من الألم..
وهو ينزلها على السرير..
و تهمس هـــي بضعف شديد في أذنه في (لحظة التماس الأخيرة) بينهما:
أحـــــــبــــــك..
كان يريد أن يصرخ لها ( وأنا أكثر) !!
لكن طاقم الإسعاف سحبوها منه بسرعة وهو يركضون بها للداخل..
ومزنة وزايد يركضان خلفهم..
بينما هو وقف لثوان عاجزا عن السيطرة على ارتعاشات جسده.. وأنفاسه المزفورة بحرقة..
ليشد نفسه ويدخل راكضا هو أيضا..
ويجد والده فقط.. هتف بهمسات مبتورة: وينها؟؟ وينها؟؟
والده يربت على كتفه بمؤازرة حانية: دخلوها داخل..
لا تحاتي.. أمها معها..
ووش كثر بزران يجون في السابع.. وهم وأماتهم بخير وسلامة..
صمت.. ابتلعه الصمت في بئر لا قرار لها..
وهو يتأخر ليلتصق بالحائط..
لا يريد كلمات مؤازرة باردة..
لا يريد أن يهدئه أحد..
يريدها هي فقط أن تخرج له سليمة..!!
لا يريد أن يقول له أحد ( لا تقلق )..
لأن ما يشعر به ليس مجرد قلق.. بل روحه تتمزق يأسا ورعبا ووجعا..
شيء في داخله ينبئه أن هذا الوجع الذي يمزق كل مافيه..هو وجع أعمق من مجرد انتظار ساعات..
وجع سنوات .. أو قرون..
قـــــــرون !! قــــــرون!!
فهذا الوجع لا حد له.. لا حد له!!
شرّح روحه تشريحا!!
عبر كل خلية في جسده بمناجله آلاف المرات...
يشعر أنه عاجز عن التنفس .. وهو يسند جبينه للحائط..
لم ينتبه حتى أنه لا غترة فوق رأسه.. وهو يهرع بكاسرة للمستشفى بثوبه الذي عليه!!
والده يقترب منه ويهتف له برفق:
كساب يا أبيك روح البيت.. اسبح وبدل ثيابك..
هذا أنا موجود عندهم..
والنسوان يبطون في الولادة..
لم يرد على والده حتى.. فالصمت ابتلع روحه في سوداويته..
يستحيل أن يبتعد عن المكان وهو مازال لم يطمئن عليها..
روحـــه هنا..
فمن يستطيع أن يبتعد عن روحه؟؟
الوقت يمضي بطيئا.. بطيئا.. بطيئا..!!!
ساعتان فقط..
ساعتان روحه تناجي روحها بيأس..
وأنفاسه تضيق وتضيق.. وتضيق!!!
يريد أن يمزق رئتيه عله يستطيع التنفس.. فلا يستطيع...
أن يفتح صدره وأضلاعه ليجلب نسمة هواء واحدة.. فلا يستطيع!!
حتى خرجت الطبيبة وجهها مسود كسواد اللحظات التي يمر بها وهي تسأل بتأثر:
وين زوج كاسرة ناصر؟؟
كساب استدار نحوها بعنف حاد.. لم يقل شيئا وهو يقترب منها.. ووالده خلفه..
وهي لم تحتج أن يخبرها من هو...
فوجهه أنبأها..!!
والوجع في عينيه أنبأها..!!
ورعشة شفتيه أنبأتها..!!
وهي تهمس بذات التأثر: أنا ما أعرف شنو أقول لك..
بس والله العظيم حاولنا جهدنا ننقذها..
بس أنتو وصلتوا متأخرين كثير..!!


#أنفاس_قطر#
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بين الأمس واليوم/ الجزء المئة وثمانية



ماعاد يسمع شيئا..
وهو يخرج راكضا.. يركض كما لو أنه يحترق والنار مازالت تشتعل في جسده..
وتذيب جلده بلهيبها..
قبل أن يتوقف على باب المستشفى وهو يركع على ركبتيه..
ويتقيأ ويتقيأ ويتقيأ..
يعلم أنه لن يبكي.. فمثله عاجز عن البكاء..!!
يتقيأ حسرته.. فلا تنتهي!!
يتقيأ وجعه.. فلا ينتهي!!
يتقيأ روحه... فلا يجدها!!
فروحه ذهبت معها..
وهو محض جسد لا روح فيه!!
رحلت دون أن يراها..
رحلت دون أن يخبرها كم يحبها..
رحلت دون أن يخبرها أن أنفاسها ما كانت تمده بعبق الحياة ومعناها!!
رحلت دون أن يقول لها أن الحياة بعدها لا تستحق أن تُعاش!!
رحلت وهو لم يشبع بعد من ضمها لصدره..
رحلت دون أن يخبرها كم من المخططات فكر فيها ليقوما بها سويا..
مخططات لم تكن الحياة كلها لتكفيها..
فلماذا رحلت قبل أن ينفذا شيئا منها حتى؟؟
كان مستمرا في التقيء.. والتقيء.. حتى بدأ يتقيأ دما..
دم قلبه.. شرايينه الممزقة!!
خلاياه التي تهاوت!!
" لو استطعت.. لتقيأت كبريائي الذي حال بيني وبينك!!
لو استطعت.. لتقيأت قسوتي التي أبعدتكِ عني!!
لو استعت.. لتقيأت الحياة كلها التي ماعاد لها معنى بعدك!!
كنت أعلم أنكِ نعمة أكثر مما أستحق..
رجل بقسوتي وسواد قلبي.. لا يستحق معجزة مثلكِ!!
أعلم أني لا أستحق أن تبقي من أجلي..
لكن لماذا ترحلين وتتركين صغيرنا يتيما؟؟
لا تبقي من أجلي.. ابقي من أجله.. من أجله هو!!
فأي تربية سأربيه أنا؟؟
وأنا رجل أثخنتني الجراح وقسوة التجارب..
كنت للتو بدأت أعالج جراحي من أجلكِ..
فإذا بك تطعنيني بالجرح الذي لن يُشفى
جراحي بعدكِ لا شفاء لها..
لا شفاء لها!!! "
أسرع نحوه المسعفون يريدون إسعافه.. انتزع نفسه منهم بقسوة..
وهو يعاود الركض..
ثم يعاود الانكفاء على ركبتيه والتقيء.. قريبا من سور المستشفى..
لا يعلم حتى أين سيارته أو أين مكانها؟؟
يوقف أحد المارة سيارته..
وينزل لإسعافه.. ثم يحمله معه خارج المستشفى..


*********************************

اليوم التالي ليلا..

.
.


" يمه كساب وينه؟؟ ليه ماجاء لين الحين..
عطيني التلفون أنا بأكلمه بنفسي!!"
مزنة تتنهد بحزن عميق وهي تمسح على شعرها:
بيأتي يأمش.. بيأتي..
مازالت دموعها تسيل بدون توقف.. لدرجة أن عينيها تورمتا من البكاء..
همست بصوتها المبحوح تماما: يمه تكفين عطيني التلفون..
خلني أكلمه..
أبيه يجيني الحين..
مزنة تحاول تهدئتها فهي لم تتوقف عن السؤال عنه مطلقا منذ فجيعتها بالخبر..
وكأن وجوده هو ما سيبعث القوة في روحها...
همست بثقة مصطنعة: قلت لش يأمش كلمته وبيجي.. ارتاحي الحين..
مزنة أشارت للممرضة أن تعطيها إبرة منومة..
فهي تعبت من وعدها بحضوره.. وهم لا يعلمون أين هو حتى.. بعد أن ترك سيارته في المستشفى.. وهاتفه بداخلها..


.
.
عودة لليلة الماضية
.
.
كانت الطبيبة توجه حوارها لكساب بتأثر: أنا ما أعرف شنو أقول لك..
بس والله العظيم حاولنا جهدنا ننقذها..
بس أنتو وصلتو متأخرين كثير..!!
لا تعلم ماذا حدث له وهو يركض ويتركها مازالت تتكلم:
كانت البنت خلاص اختنقت من قلة الأكسجين..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات