بارت جديد

رواية بين طيات الورق -18


رواية بين طيات الورق - غرام

رواية بين طيات الورق -18

(بيت سلمى...الساعة 9 الليل)


صرخ عليها بحرقة: تكلمي... شو صار... تكلمي...

إرتجفت نشوى وصارت تبكي وهي متخبية بحضن أمها...

همست بصوت مبحوح: هي... هي... أنا ما سويت شيء... والله ما سويت شيء...

صرخت سلمى بحرة: بس... بس... هي شو خصها بهالمجنـ...

صرخ بحرقة أكبر: إلا هالكلمة... إلا هالكلمة يا يمه... إلا هالكلمة...

صرخت سلمى على ولدها طلال: وأنت من عينك علشان تصير لها محامي وتصارخ على أختك؟!

تقرب طلال أكثر من أخته وهو ناوي يضربها: أصرخ عليها حتى تقولي سبب وجودها فبيت عمي سيف... سبب هالكدمات على وجهها...

صرخت أمه: بسسسسسسس... بس يا طلال... أنت ما شبعت؟! ثلاث أيام تسأل هالسؤال...

قال طلال بحقد: ثلاث أيام وبكرة وإلي بعده... ووالله... والله بعرف شو سبب وجودها فبيت عمي سيف بالوقت إلي صار فيه...

سكت طلال وهو يتذكر خالد الطفل... وأرتجفت شفايفه...

ورجع يصرخ بوجع: أنا... حاس... حاس إن كل المصايب من ورا هالسوسة...

ولف طالع من الغرفة وسكر الباب بكل قوة تردد فيه صداه... وكان بالممر يبي ينزل من السلالم لما سمع وقتها صوت بكى... وقف فجأة وعرف إن إلي يبكي هي لجين... رجع لوراه ودخل غرفة أخته... لقاها مطفيه كل الأنوار وراميه نفسها عالسرير تبكي... قرب وفتح الأبجورة عند السرير وجلس على حافته وتنهد بألم...

همس: لجين...

رفعت لجين وجهها وبخدودها تجري دموعها... صرخت فجأة ورمت نفسها بحضنه تبكي...

صارت تشاهق بوجع: أهئ..أهئ... مات يا طلال... مات خالد الصغير... مات...

همس طلال يمسح على شعرها يقاوم دموعه: أذكري الله يا لجين... أذكري الله...

كملت لجين بوجع أكبر: وخالي خالد... آآآآه... أمممممم... بيـموت... حالته حرجه... بيموت...

وما قدر طلال يقاوم دموعه وهمس: أستغفر الله العظيم... لا تقولي هالكلام يا لجين... الله يشفيه يارب... الله يشفيه...

همست لجين بألم: والخنساء يا طلال...

ورجعت تبكي بشكل أكثر يقطع... ما قدر طلال يهدي من بكاها... لأنه هو نفسه بدا يبكي...

ورجع يقول وهو يحاول يتمالك نفسه: الله يشفيها يا رب يا لجين... مصيبتها هي أكبر واعظم... فقد الضنى مو سهل... والخنساء محتاجة لنا حتى نوقف معها... وليد عايش بسواد وثلاث من أهله مرة وحدة صار لهم شيء... هم محتاجين لنا نوقف معهم... مو نبكي على مصيبتهم... محتاجين لنا يستمدوا منا قوتهم... محتاجين لنا يا لجين... محتاجين لنا...

تمت لجين بحضن أخوها تبكي حتى شاهقت وهدت وردت تقول: وأنت... أنت يا طلال ليش تصارخ على نشوى... أنت...

همس طلال يمسك وجه لجين بين يديه: كذبيني... كذبيني بس إن نشوى مالها يد بموضوع الخنساء... كذبيني...

نزلت لجين راسها وهمست تهز راسها بلا: لا... ما أقدر أكذبك لأني انا بعد شاكه...

همس طلال بألم: ما أدري شو مخبية عنا... والله وبديت أخاف يصير شيء كبير...

ردت لجين بصوت مرتجف: طلال... لا تقول هالكلام... وأرجوك... أرجوك ما يوصل هالكلام لأبوي... أرجوووك...

وقف طلال يجر رجوله للباب... يحس نفسه ضايع... يخاف أخته مسويه شيء أكبر من تفكيره...

قال وهو معطنها ظهره: ما بقول له... بس أنا وإنتي عارفين أختنا... ومن هي...



.

.

((تابع))

(بيت سيف...)


جلست هدى شاردة بغرفة أولادها... تناظرهم وهم نايمين... فجأة إنفتح الباب ودخل سيف... وقف يناظر زوجته ومسحة الشرود والحزن باينه عليها... تنهد بكل ألم وقرب... جلس جنب زوجته ومد يده يضم كتوفها لصدره...

همس: هدى...

قالت هدى بشرود: تدري سيف؟! الأولاد نعمة الله أنعمها علينا... نعمة عظيمة ما حسيت فيها وبقيمتها إلا هالحين... الخنساء فقدت طفلها... و... و... أنا فكرت إذا فيوم بفقد أولادي... فيوم أ.. أ...

وتلعثمت وهي تبدا بالبكى...

قال سيف: أذكري الله يا هدى... ما جيت أشوفك إلا وتبكين...

همست هدى بصوت مبحوح من كثر البكى: لا إله إلا اله... شو أسوي يا سيف؟! والله مقطع حالتي وليد والخنساء...

والله قلبي تقطع ميت مرة وأنا أشوف حالته لما رجع من السفر...

تذكر سيف إتصالهم بوليد وهو مسافر... رجع وقتها وليد فجر اليوم الثاني والصدمة باينة بوجهه... وأبد ما شاف ولد أخوه بهالشكل الضعيف... أبد...

ورجعت هدى تهمس: وأخوك خالد؟! الله العالم شو مصيرة بغرفة الإنعاش... الله العالم...

تنهد سيف ولمعت عيونه وهو يقول: زين يوم لحقنا عليه... رغم الجروح والكسور وضربة الراس صمد وكان يتنفس... الحمدلله على إنه حي و... وإن شاء الله... إن شاء الله بيتعافى... إن شاء الله...

قالت هدى تمسح دموعها: إن شاء الله... رحت شفت وليد؟!

همس سيف بألم: لا... بس جلند خبرني إنه راح له... وهو إتصل فيني... وطلب مني أجي وآخذ خالتي مريم وأجيبها لعندنا... يقول من يداريها بالبيت هناك وهي مرة كبيرة بالسن...

تنهدت هدى وقالت بسرعة: روح لها وجيبها يا سيف... صحيح خالتي مريم مسكينة كانت أيام العزا هي يمكن الأكثر متأثرة... وخاصة إن هالطفل كان منيتها... هذا غير بكاها إلي ما ينقطع على الخنساء...

رد سيف: بروح أجيبها إلحين جهزي غرفة لها...

ورجع يهمس قبل لا يوقف: وشدي حيلك يا هدى... وليد والخنساء محتاجين لنا... محتاجين لوجودنا معهم...

همست هدى وهي توقف معه: إن شاء الله...

ورغم الدموع حاولوا الإثنين يجمعوا شتات نفسهم... يدرون إن وليد والخنساء وخالد والجدة والبقية محتاجين لوقفة شجاعة... محتاجين لمن يستمدون منه القوة... وإذا هم هذولا الشخصين فهم مستعيدين...



شد وليد على الزجاج ونزل راسه... ورا هالزجاج ينام أبوه... ملفوف من راسه لرجله بالشاش... أستعاذ من الشيطان ومشى للدكتور يسأل ويرجع يسأل نفس السؤال عن حال أبوه... ونفس الجواب يقال له... بغيبوبة... الله العالم يقوم منها أولا... وما زال بحالة حرجة... الملاحظة عليه أربع وعشرين ساعة...

ومن المستشفى إلي كان فيه أبوه طلع للمستشفى إلي فيه الخنساء.. مشى بكل بطء بالممر... وهو ما يسمع إلا صوت صدى خطواته يرن بأذنه... بالأخير وصل للغرفة إلي كانت فيها الخنساء... تردد يدخل... تردد كثير... لأن أصلاً ما قد زارها أو شافها... ثلاث أيام تركها هنا مثل الغبي ونساها... كان يحاول يجري ورا أوهام إن طفله حي مو ميت... وأوهام إن أبوه بخير وما فيه إلا العافية... تركها هنا ونساها مثل الغبي... وقصر بحقها... قصر بحقها كثير...

فتح الباب وكأن شيء يلكزه من ظهره يدخل للغرفة... وقف عند العتبة يناظر الجسد إلي ينام عالسرير... يناظر الجسد المخدر... أهتزت شفايفه وهو يتقدم شوي شوي... قالوا له الخنساء من لقوها كانت بوعيها تبكي والطفل بين يديها... عالجوا يدها المكسورة وجبسوها... وضربة على راسها بس كانت بسيطة... جروح ما هي عميقة بجسدها... كل هذا عالجوه... بس... بس ليش باين سواد وإحمرار تحت عيونها؟! ليش شاحبة؟! ليش هي مرتخية... مخدرة؟! رجع لوراه بعد ما قدر يناظرها أكثر... يناظر إنسانة أختفت معالم الحياة منها... وصارت مجرد شبح...

طلع من الغرفة وبكل سرعة راح لغرفة الدكتور المسؤول عن حالتها... وبدون أي تفاهم دخل الغرفة... رفع الدكتور أنظاره من الممرضين إلي مجتمع عليهم وناظر وليد محتار...

قال وليد بكل عصبية: أنت المسؤول عن حالة زوجتي الخنساء؟!

كان الدكتور أجنبي... مو عُماني الجنسية.. ورجع وليد يعيد له بالإنجليزية...

هز الدكتور راسه وقال: yes...

وبدون أي تفاهم من وليد مشى له ومسكه من قميصه وصرخ عليه بعصبية: وليش كذا حالها؟! ليش؟!

صرخ الدكتور إلي مو فاهم حاجة... وجوا ممرضين...

واحد منهم قال: أخوي لو سمحت... ما كذا...

صرخ عليه وليد: أنت أسكت...

سكت الممرض بسبب نبرة الصوت العالية الآمرة... وهذا شيء مو مستبعد من وليد لأن بصفته عقيد فهو يأمر وينهي...

ورجع وليد يصارخ: شو مسوي فيها أنت؟بشو معالجها؟! الأبر؟! المهديء؟!

همس الممرض الثاني: أخوي لو سمحت من قال إن...

ناظره وليد بعصبيه وقال يزيد ضغط على الدكتور: من قال؟! أنا قايل... الأبر المخدرة واضحة يالأغبياء...

ولأن بصفة وليد عقيد بشرطة مكافحة المخدرات... فله معرفة كليه عن المخدر والمهدئات وآثارها وغيرها...

قالت ممرضه بصوت ضعيف: الخنساء مرضها نفسي... وصراخها مالي المستشفى... مستحيل نعالجها بدون أبر...

سكتها وليد بصرخة: هذا قلة إهتمام... مو عجز بالعلاج... قبل ما تستخدموا الأبر ناظروا للمرض والأدوية...

وزاد وليد بدون دراية ضغط على الدكتور... وصار الدكتور يخربط بالإنجليزي لوحده وهو خايف على نفسه... وبهاللحظة كان واحد من الممرضين منادي على الشرطة وكانوا إثنين منهم واقفين عند الباب...

قرب واحد منهم وقال يكتف يد وليد: لو سمحت... أترك الدكتور... أتركه...

ناظره وليد من فوق لتحت ورمى يده ودفع الدكتور مو مبالي...

عصب الشرطي وناظره: وش هالتصـ...

قاطعه وليد بكل سلطه وامر: قبل لا تقول أي كلمة... أنا بتكلم...

ومد يده للموبايل إلي بجيب بنطلونه ورفعه لأذنه...

تكلم بأمر: ألو... عبدالعزيز...

وقف لحظة وزاد ضغط على أسنانه وقال بدون صبر: أيوه العقيد وليد معاك... أسمع أرسل لي واحد من الخبراء لـ...

وبهاللحظة قاطعه الممرض: أستاذ... أستاذ لو سمحت... أسمع أنت قبل لا تعمل حاجة... أنت مو فاهم شو مرض زوجتك...

ناظره وليد وسكت مرة وحدة... صح أستعجل وأشتعلت فيه الحمية... بس... شو يفهمونه عليه..؟!

رجع يتكلم بالموبايل: ألغي الأمر... لحد ما أرد عليك...

وغلق الموبايل وسكت يناظر الممرض ينتظر منه يفهمه... أما الشرطيين فتراجعوا لما عرفوا رتبة وليد...

قال الممرض: الخنساء مريضة نفسياً...بإختصار مضطربة نفسياً... عندها حالة عدم تصديق إن ولدها ميت...عايشة بوهم طفل ميت... جربنا عليها أنواع الأدوية إلي ما جابت مفعول... بالأخير أضطرينا نعطيها إبر مهدئة...

همس وليد بكل حرة: كم أبرة تعطونها فاليوم؟! الظاهر كل الأبر تغرزونها على زوجتي...

وناظرهم بحدة وقال يأمر: وقفوا هالأبر المهدئة لحد ما أنا بنفسي أأمر...

وطلع تاركهم... طلع وهو يهتز من الداخل... يندمي من الداخل... الخنساء حبيبته... زوجته... مريضة نفسياً؟!... أو شو سماه الممرض؟! مضطربة نفسياً؟!! وشو فرقت المسميات؟!...

جلس على حافة السرير ورجع يناظر الجسد إلي ينام بكل هدوء... مسح على شعرها وباسه يتمنى تقوم وتفتح عيونها... يتمنى تقوم وتصرخ أنا ما فيني إلا العافية... هم يضحكون عليك أنا ما فيني إلا العافية...

لكن تبقى كلها أمنيات... أمنيات غبر الزمن عليها ونساها...



وقف جلند السيارة قدام بيت محمد... وتنهد... يحس نفسه ضايق... بعد موت الطفل خالد وحال العم خالد والخنساء... صار الحزن سيد الموقف... رفع أنظاره لفوق بالصدفة وطاحت عينه على إنسانة ما تمنى إلا يسمع عنها وتحققت منيته...

كانت لجين واقفة عالبلكونه وتناظر للسماء... كانت مثل حورية تناجي أخواتها... وشعرها الأسود الطويل بخصل بنية يلتف حوالينها... غمض عيونه... لف يبعد عيونه عنها... هي مو محرم له علشان يناظرها بهالطريقة... وتم بالسيارة ومسك الموبايل... أرسل لها عل وعسى يرتاح ولو لحظة... ينسى الهموم والأحزان لحظة...

.

.

سمعت لجين صوت مسج الموبايل وهو بجيبها... مسكت الموبايل وأنصدمت من المرسل...

كان جلند كاتب لها: ((أدخلي وسكري باب البلكونة...))

رفعت نظرها مفزوعة وناظرت للحوش مرة ولقدام باب البيت... وما كان فيه أحد.. أصلا جلند مشى بالسيارة لجنب البيت عاليسار... وكان صعب إنها تشوفه بس هو يقدر يشوف طيفها مرتبك وتدور عليه من بعيد...

رسلت برجفة: ((شو قصدك..؟!))

رد: ((قصدي واضح... أو تبين كل العالم يناظروك بدون شيلة ووبنطلون وبلوزة؟!))

أرتجفت لجين... كيف عرف إنها لابسة بنطلون وبلوزة... تراجعت وتخبت ورا ستاير البلكونة... ما عرفت شو ترد عليه...

ورجع جلند يكتب لها: ((إذا تبين تتنفسين هواء طبيعي فألبسي شيء ساتر... ولفي الشيلة عليك... بس مو تطلعين بهالشكل إلي إلحين شفته عليك... وإلا ما يصير لك طيب))

عصبت لجين وتوترت أكثر... ورجعت تناظر من ورا الستاير للخارج... هذا وين؟! وكيف شافني؟!

جلست عالسرير... ويجيها بهالوقت إتصال من جلند... رفضت ترد... لكنه ظل يتصل لحد ما وصلت رنته للعشر...

كتبت لجين: ((أنت مجنون تتصل؟! شو تبي؟!))

رد عليها: (( ردي على إتصالي..))

ردت: ((لا))

ورجع يتصل... وتجرعت ريقها وردت... فتحت الخط وبقت ساكته...

قال بهمس غريب: سكري باب البلكونة... ولا عاد تطلعي بهالبس قدام الخلايق...

ردت وهي تبدا تحتر منه: وأنت شو حارنك؟!

قال بهدوء: الكثير... أولا أنتي ملكي أنا وما ابي أحد يتعدى على ملكي...

صرخت: لا والله؟!

سكتها بكل عصبية: لا تصرخين يا لجين...

صرخت أكثر: أنت ما تامرني... مالك سلطة علي... فاهم؟! فاهم؟!

رد يضحك بشر: لي سلطة... سلطة كاملة عليك... وأسمعيني... إذا شفتك مرة ثانية بهالصورة ما يصير لك طيب...

أرتجفت يدها وكان بيطيح الموبايل... لكنها مسكت فيه...

ورجعت تهمس بعصبية: أكرهك... أكرهك... أكرهك...

ضحك جلند بتريقة ورد: شيء مو جديد... بس الجديد إني أنا أحبك...

سكتت وألجمت لساناها... سكتت ودق قلبها مثل طبول الحرب... تسارع نفسها ووصل لجلند... وصل له بكل نفس... وتموا ساكتين فترة بدون كلام...

قال جلند بضحكة مو بمحلها: هههههه... شفتي كيف كلمة مني توصلك وين؟!

حست لجين على نفسها... يضحك علي... يضحك...؟! أكيد يضحك... مو أنا بالنسبة له لعبة يلعب عليها؟!

صرخت لجين ودموعها على عيونها... وكانت بتخرق طبلة أذن جلند: قليل الأدب... ما تستحي... ما تستحي...

وغلقت الموبايل بوجهه... فترة تمت تتنفس بسرعة كأنها كانت مشتركة بسباق مارثون... وسمعت صوت مسج وصلها... رفضت تناظر للموبايل حتى بالنهاية مسكته وفتحت المسج بكل رجفة...

كان راد عليها: ((أنتبهي لا تقفلين الموبايل بوجهي مرة ثانية... انا إلي يقرر متى تقفليه... ولا تنسي تسكري باب البلكونة))

أرتجفت يد لجين وهي تسكر باب البلكونة... وتتراجع للسرير... جلند... جلند أنت شو تبي مني؟! ما يكفيك ذليتني من قبل جاي تذلني إلحين؟!



(المستشفى... الساعة 5 العصر)


مشى وليد بكل بطء بالممر... وسط الناس يسحب نفسه... يحاول يرجي موعد وصوله للخنساء إلي يألمه وجودها مخدرة... يكفي أمس تركها وما تيقظت من نومها... وصل للغرفة... وسمع صوت من الداخل... صوت أنين... على آهات... على بكاء... على صراخ...

وفتح الباب بخوف... وناظرها... أنصدم لحالها... كانت تقاوم الممرضه وتصارخ عليها... جمد بمكانه ما يدري ليش؟!

قالت الممرضة: يلااا الخنساء خليني أفحصك...

ضربتها الخنساء على يدها وصرخت: لا... لا... أنتي روحي... هاتي ولدي...

قالت الممرضة متأفففه: الخنساء ولدك مات... مات...

صارت الخنساء لما سمعت هالكلمة مثل المتوحشة...

صرخت بعصبية وهي تقفز: لااااااااااااااااااااااااااا... أنتوا تكذبوا.. تكذبوا... روحي... هاتي ولدي... هاتي ولدي...

قالت الممرضة بحدة وهي تمسك بيد الخنساء وتسحبها للسرير: ولدك ميت... ميت...

صرخة الخنساء علت أكثر واكثر وهي تصارع الممرضة: لا... لا... إنتي كذابة... كذابة... ولدي أنا بخير... بخير... إنتي كذابة... كذابة...

تقدم وليد بهاللحظة وقال للمرضة: خلاص أتركيها... أتركيها...

ناظرته الممرضة وقالت: وأنت منو؟!

همس وليد بعصبية: زوجها... أتركينا... وأطلعي...

تأففت الممرضة وهي تطلع وتقول: مدري شو ذنبا يصارخوا علينا... ؟!

تقدم وليد من الخنساء إلي قامت واقفة... مسكها وليد وهي شكلها ناوية تطلع...

همس: على وين رايحه؟!

ردت بعصبية: هذي كذابة... أريد... أنا ولدي... أروح أشوفه...

أرتجفت يد وليد... وأدمعت عينه... مسكها يحاوط خصرها... وضمها له... حاولت تتمرد من هالحضن... بس هو شد عليها...

وهمس: الخنساء... حبيبتي... ولدنا خالد... برحمة الله...

صرخت الخنساء: لا...لا... أنت من؟! من؟! ليش تقول كذا؟! أنت ما تعرف... ما تعرف ولدي...

طاحت يد وليد على جنبه وهمس منصدم: ما تعرفين أنا من؟!

هزت راسها وهي تحاولت تبعد عنه: لا...لا... بس لا... أنا أعرفك... أنت كنت... مرة... وعـ..ـدت الخنساء... وعدتـ...ـها... تاخذها... لولدي خالد...

ومسكت بيده تشد عليه بقوة وهي تترجى: روح هاته... هاتي ولدي... أنت تعرف... روح هاته...

مسكها وليد وردد: أنتي ما تعرفين من أنا؟! ما تعرفي من أنا؟!

هزت راسها بلا... ورددت: أنت ما تفهم؟! ليش... ما تفهم؟! روح هاتي ولدي... رووح...

دمعت عين وليد وهو يشوف الحالة إلي وصلت لها الخنساء... صارت... صارت ما تعرفه... صارت ما تعرفه... لكن...

هزها من كتوفها وقال: أنا وليد... وليد يا الخنساء... زوجك وليد... وخالد الله يرحمه... الله يرحمه مات...

وكأن هالكلمة كانت هي مفتاح جنون الخنساء... ضربته على صدره...

وصرخت: لا...لااااا... لااااااااا... أنت كذاب... كذابين... كذابين... ولدي انا... ما مات... ولدي أنا... ما مات... هو كان هنا... بس راح... هم خذوه... هم قالوا... خنساء ناخذه شوي... كان نايم... هنا... بحضن ماما... قالوا ناخذه شوي... قالوا شوي ونرجـ..ـعه... بس أنا قلت لا... هم شالوه غصب... أنا بكيت... قلت خلاص... بس رجعوه... هم ما رجـ...ـعوه... ما رجـ...ـعوه...

وبكت بين يديه وهي تنتفض... حتى بدت بدون شعور تصارخ بصوت عالي... حاول وليد يضمها له... يوقف صراعها... بس هي صارت مجنونة للألم والصراخ... وتلوت بين يديه وشمخته على وجهه...

وهي تنادي وتصارخ: جيبـ..ـوه... ولدي... رجـ..ـعوه... ولدي... خالد... خاااااالد... مااااما... خالد...

وعلى هالصوت دخلت دكتورة وممرضتين... حاولوا يمسكون الخنساء الضعيفة ويسحبوها من أحضان وليد الجامد... صارعتهم وهم يلزقونها بالسرير أو بالأصح يرمونها عليه...

صرخت وهي تعض يد وحده من الممرضات: لا...لا... بس... بس... إنتي كذابة... هم كذابين... لا... لا...

قالت الدكتورة تناظر وليد الجامد ويدها على كتف الخنساء: ها عقيد... إلحين شو تبينا نعمل...؟! للحين رافض نعطيها الإبرة؟!

غمض وليدعيونه وهز راسه بلا... وكأن الدكتورة تبي تثبت له غلطة قراره... مسكت الخنساء قلم كان معلق على قميص وحدة من الممرضات... ورمته عليها بكل حرة...

وهي ترد تصارخ عليها: كذابة... كذابة...

صرخت الدكتورة لوليد: عقيد...؟!

همس وليد بصوت ما إنسمع منه غير: خلاص... سوي إلي تبينه...

وبلحظات قصيرة... تم يناظر الأبرة تنغرز على يدها بكل قسوة... وغمض عيونه وتنهد بكل الم... تركتها الدكتورة والممرضتين لما بدا مفعول المخدر يعطي نتيجة...

سكنت الخنساء وأرتخت أطرافها...

كانت ما هي معهم وهي تهمس بكل ضعف: أهئ... أهئ... هـا..توا... خـ..ـا..لد... ولـ..دي... هـا..توه... أهئ... أهـ...

سمع للحظات الدكتورة تتكلم بأشياء غريبة... فقدان جزء من الذاكرة... صدمة... ردة فعل... إضطرابات نفسية... عقلية...

وشو بقى..!!!

تجاهلها وليد وقرب من الخنساء... وهنا حست الدكتورة وطلعت مع الممرضتين...

جلس وليد عند حافة السرير... مسك وجهها بين يده وهو ينحني لها... باس عيونها إلي تعلقت برمشها دموع حارة... باس العيون إلي فقدت بريقها... باس العيون إلي بكت شوفة ولدها ميت بين يديها... باس العيون... باسها يبكي هو بصمت... ورخى راسه وأسنده على صدرها...

يهمس ويبكي بدون خجل: الخنساء... حبيبتي...

وخانته الحروف والكلمات... وسكت... يسمع نفسها من ألمه يأن... هالجسد نام نوم تصارعت فيه الدموع والآهات... تصارعت فيه الأحلام والكوابيس...



(كورنيش مطرح.. الساعة 1 الفجر)


ناظر الموج يقترب من كسارت الموج... أقتربت وأقتربت وبالنهاية أنكسرت... فجأة سمع صوت من وراه ينادي بإسمه...

لف وراه وشاف جلند واقف عند سيارته...

قرب جلند وقال: عرفت إنك هنا... ليش ما قلت لي إنك جاي لهالمكان الساحر؟!

ابتسم طلال بحزن وقال: حبيت أكون وحدي...

ناظر جلند البحر وقال بهمس بعد صمت طوويل: نشوى صح...؟!

ناظره طلال متفاجأ... ورجع يناظر الموج وتنهد...

قال طلال بهمس: كيف عرفت؟!

رد عليه جلند وهو يبتسم: العصفورة خبرتني...

ناظره طلال مستغرب روقان جلند...

ورجع يسأله: كيف عرفت؟!

قال جلند بغموض: تبي تعرف؟!

هز طلال راسه... يدري جلند من النوع الغامض... من النوع إلي يحب يخفي مشاعره... من النوع إلي صعب يفهمه الواحد... تشوفه لابس كم قناع باليوم... بس إلي يحبه فيه هي نخوته... شهامته... حبه للناس... وحبه للمساعدة بأي طريقة حتى ولو كان على حساب نفسه... وهو طلال يقدر يوثق فيه...

قال جلند وهو يرفع نفسه ويجلس مقابل طلال: يمكن جا الوقت أخبرك فيه عن قصتي... أو بالأصح قصتي أنا وأختك لجين...

حس جلند بضيق طلال... حط جلند عينه بعين طلال بدون خوف أو ربكة...

لأنه قال بثقة: أدري بتتضايق بس... بتعذرني بالنهاية... ولازم تعذرني... الموضوع صار قبل سفرنا... ما حبيت أخبرك لأني أدري إنك بتسافر متضايق من أخواتك... قلت بعدها بخبرك وإحنا مستقرين بنيوزلاند... بس شفت السالفة ما تستحق أقولها لك... وإلحين تستحق... تستحق لأني بسببها عرفت من هي نشوى...

همس طلال يقول: تكلم... تكلم يا جلند...

قال جلند يحكي: كانت لجين طفلة غرها منظر أختها... أو يمكن هو تأثير نشوى عليها... عرفت عن طريق الصدفة إن لجين مع علاقة بواحد... وما كان صعب لأنه كان واحد من أصحابنا... وعرفت إن نشوى هي سبب معرفة لجين بصاحبنا... ما كنت أبي أفتعل المشاكل فعملت خطة إني أضيف معي لجين بالمسن وأخذت رقمها من موبايلك وانت مو داري... بالبداية ما تقبلتني لأنها كانت عنيدة لكني قدرت أوصل لها...

أبتسم جلند وهو يتذكر كم مرة غلقت الموبايل بوجهه وكم مرة عملت له بلوك... بس إلي عزاه إنها ترجع تشيل البلوك...

وكمل جلند: بس بالنهاية عرفت كيف أقنعها تترك هالغباء وهذا طبعاً بعد ما هددت الغبي إلي تكلمه... وأقتنعت... لكن بالمقابل...

رفع جلند يده لشعره يرجعه وهمس بتوتر: لكن بالمقابل تعلقت هي فيني... ووصلت فيني إني وعدتها بالزواج... كرهت أقطع علاقتي فيها... مدري يمكن لأني وقتها حسيت إني غلط لما سويت هالشيء... وكان المفروض أخبرك... بس وقتها ما نفعني الندم... وكرهت نفسي... لأني بطريقتي هذي أكون خنت ثقتك فيني... خنت عمي محمد وخالد... ورجعت قسيت عليها... سافرت وتركتها هنا متأكد من شيء واحد... إنها ما عادت توثق بكلمة شاب... وهذا إلي كنت أبيه...

سكت جلند فترة بعد ما انتهى... وناظر طلال ينتظر منه تعليق... أما طلال فهو سكت لمدة بدون ما يحرك طرف... وبالنهاية عض على شفايفه...

وهمس بعصبية: كل هذا صار وما خبرتني عنه؟!

همس جلند يقول: طلال...

قاطعه طلال يقول بعصبية: وأنت... أنت...

مسكه جلند من كتفه ورد عليه بثقة: حبيت أهلك مثل أهلي... وما كنت بيوم راح أخون صداقتنا علشان لجين أو غيرها...

قال طلال معصب: وخطوبتك الغبية لها بعد ما رجعنا للبلد؟! شو كان هدفها؟!

ناظره جلند وعيونه تلمع... وترك طلال وتراجع... تراجع يناظره وهو يبتسم...

قال جلند بهمس أنسمع بعضه وبعضه لا بسبب تكسر الأمواج: بسبب غباي... حبيتها... وصدقني... مستحيل كنت أخون صداقتنا بهالغباء... مستحيل...

وترك طلال ومشى... مشى ومشى ومشى... وطلال لازال ساكن بمكانه...

وبالنهاية...

تحرك طلال وهو يركض... ومسك كتف جلند يوقفه... ناظروا بعض فترة طويلة... نظرات تحدي... أسف... وألم...

همس له طلال: تحبها؟!

هز جلند راسه بأيوه بدون كلمه...

ابتسم طلال فجأة وقال: وأنا أقول الأخ فمن هيمان؟! أتاريك عاشق أختي...

همس جلند: طلال...

تنهد طلال وقال: أخطبها رسمي من أبوي...

رد جلند: لكن...

قاطعه طلال: لا تقول خطبتها من قبل ورفضت... كانت ذيك خطبة غبية منك ورفض غبي منها...

تردد جلند وقال: يصير خير... بس بالوقت الحالي ما ينفع...

وابتسم يقول بضحكه: أنا حجزتها خلاص... إذا جاها خطيب غيري أنت رده...

ضحك طلال يقول: لا... تبي تقطع رزق أختي؟! وبعدين إذا جاها الرجال الصالح ما يهمني أحد بزوجها بالسر...

مسكه جلند بس طلال هرب... وضحك عليه...

قال جلند بهمس وعيونه تلمع: طلال...

قال طلال وهو داري شو يريد جلند يقوله: أنسى... مثل ما أنا نسيت...

قرار طلال إنه يسامح جلند مو بقرار غبي... لأنهم يحبون بعض... صداقتهم هي نوع من إلي نفتقدها بالوقت الحالي... طلال رغم إنه تضايق من جلند حاول يشوف الجانب الصح من الموضوع... وترك الأيام تمحي غلطة جلند... لأنه يدري... وأكثر واحد يدري كثر الوحدة بقلب جلند... وإنه يفدي نفسه لغيره وما همه نفسه... وهو يحاول قدر قدرته يسعد من حوله... هذا هو جلند إلي يثق فيه طلال... وأخواته له سالفة طويلة معهم...




(بعد أسبوعين بالتمام...مكتب وليد)


دخل عبدالعزيز مكتب وليد...

قال: عقيد..

رفع وليد راسه... ونزل سماعة التلفون إلي كان يتكلم فيها...

قال: طيب... مع السلامة...

ورجع السماعة وقال: أيوه عبدالعزيز...؟!

رد عبدالعزيز بلهفة: المستشفى على خط المكتب يا عقيد... يقولون يتصلون بموبايلك ما ترد عليهم...

وقف وليد يدور موبايله من جيوبه بس ما حصله... توقع نساه بالبيت...

تكلم وهو مرتبك: أي مستشفى؟!

رد عليه عبدالعزيز: المستشفى إلي يرقد (ينام) فيه الوالد... أحول الخط...؟!

رد عليه وليد وهو يشيل كابه: لا... لحظة بشيله من مكتبك...

وراح طيران على التلفون... وقف جامد يسمع... فترة ورجع بعدها التلفون...


يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -