بارت مقترح

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -118

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي - غرام

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -118

رفعت عينها بشتات لتُكمل : ليه تعذب نفسك وتعذبني معاك ؟ أقسم لك برب هالروح أنك تكااابر وتقسى على نفسك يا سلطان !!
بحدَّة : أقسى ؟ وأنتِ عُمرك فهمتيني ؟ صعب صعب كثير أني أتعامل بهالسهولة اللي تبينها .. صعب عليّ لأني مااقبلها على غيري ولا راح أقبل على نفسي
أنفجرت بغضب لتصرخ : تقبل بأيش ؟ أنا وش ؟ الله كرَّمني بأي حق ترخصني !! بأي حق ؟؟؟ كافي إهانات كافييي ... كافي منك لله يا سلطان .. منك لله وش هالقساوة !! غيرك كان ينتظرني قبلك !! أعدد لك كم شخص تقدَّم ليْ ! أنت تعرف أني عمري ما كنت بقايا أحد !! إذا أنت تشوف فيني النقص هذا عقلك ماهو أنا ، ماهو برضاي رحت له .. ماهو برضاي ومالك حق تحاسبني كأني خنتك ! مالك حق أبد .. أتركني وبتشوف من بعدِك كم شخص يطلب رضايْ . .
لم تُكمل من صفعةٍ حادة جرحت خدُها الناعم ، أردف بصوتٍ هادىء مقهور وهو يتملكُ ذقنها بأصابعه : تعرفين شي !! لو أني أتجاهل أخلاقي كان علِّمتك كيف كم شخص من بعدِي يطلب رضاك !! كان علِّمتك الرخص على أصوله ... ماهو أنا اللي ترمين بلاَك ومصايبك عليه ، تحمَّلي اليوم اللي وافقتي فيه عليّ تحمليه يالجوهرة ... أبتعد للجهةِ الأخرى من السرير.
أبتعدت وهي تسيرُ بخطواتٍ سريعة للحمام ، أغلقت الباب وهي تضع ظهرها على الباب وتجلس ببكاءٍ عميق. كم من إهانةٍ يجب أن يتحمَّل قلبُها ؟ لِمَ أحببتك ؟ لِمَ ؟ أنت لا تستحقني ! لا تستحق والله بأن أُحبك !!!
مسك هاتفه وأغلقه ، أخذ تنهيدة طويلة وأفكاره تصطدم من جديد ، نظر بإتجاه الحمام ، يسمعُ أنينها وبكائها المُزعج لروحه. أتجه للدولاب ، غيَّر ملابِسه ليردتي زيُّ العسكرية ، أخرج سلاحه ووضعه بمكانه المخصص على خصرِه ، ترك هاتفه وخرج في ساعاتٍ هدأت بها شوارعُ الرياض الصاخبة.
،
يلتفتُ بكل جهةٍ بالغُرفة ، بصوتٍ مُنادي حاد : رييييم !! .. لم يجِد إلا صداه الذِي حفَر في باله فكرةٌ وحيدة ، كل النساء خائنات حتى يُثبتن عفتهُن ، كل النساء متساويات بقدرِ الخيانة ، كل النساء لا يصلحن للحُب ، جميعهُم مُستغلات كاذبات كيدهُن عظيم وصدق قولُ ربي. أخرج هاتفه وبأولِ رقم ضغطه ألتفت للباب الذِي يُفتح ، أتجه نحوها بغضب جعلها تتراجع للخلف بخوف حتى أصطدم ظهرُها بحافةِ الباب.
ريان يُمسكها من زندها ليحفر أصابعه : وين كنتِ ؟
بملامحها الشاحبة وعينيْها المُحمَّرة ضاع حديثُها من التوتر والربكة. أخذت شهيقًا ونست زفيرُها معلقًا في عينِ ريَّان الذِي سلبْ أنفاسها بغضبه.
ريان صرخ : وين كنتِ ؟
ريم بتأتأة : أأ .. تصلُوا عـ
ريَّان بحدَّة : أتصلوا ؟ مين اللي أتصلوا إن شاء الله
ريم بلعت ريقها لتسيل دمعة على خدها : الريسبشن مقدرت أتفاهم معهم فأضطريت أنزل .. أخرجت من جيبِ جاكيتها محفظته .. نسيتها وكلموني بس مافهمت عليهم
ريان ترك ذراعُها ليأخذ محفظته التي لم ينتبه لضياعها حتَى ، رفع حاجبه : ثاني مرة ما تطلعين بدُون إستئذان !!
ريم أخفظت بصرها لتسيل دمُوعها بصمت ،
ريَّان تجاهلها ليجلس على الكُرسي ، دقائِق طويلة مرَّت على وقوفها وجلُوسه ، صمت وهدُوء مزعج يهرول بينهُما.
رفع عينه لها وبنبرة هادئة : أجلسي
وكأنَّ هذه الكلمة سكبت الزيتُ على النار حتى فاضت ملامحُها بالدمُوع وبالبلل. يطلبُ مني بهدُوء كأنهُ لم يصرخ للتو ! أيّ تناقُض تعيشه ؟ أيّ ألم يحفُر بيْ !! تحطمت احلامِي في مهدها ، لم تُطيل رفرفتها الزهريَة أمامي ، ناحت وأنت يا ريَّان سببُ حُزنها.
ريَّان : رييم ... أجلسي
على طرفِ الأريكة جلست دُون أن تنظر إليْه ، وهي تتشابكُ بأصابعها وفرقعتها تحكي شيئًا واحِد : وَجَع.
ريَّان : ماهو قصدِي بس لما دخلت ومالقيتك عصَّبت ..
ريم بصوتٍ مُتقطع : أبغى أرجع الرياض
ريَّان تنهَّد : طيب .. بقدِّم حجزنا .. هاليومين إن شاء الله
،
أستيقظ على صخبٍ وربكة خارج غُرفته ، نظر للساعة التي تُشير للثامنة والنصف صباحًا بتوقيت باريس ، تنهَّد و فتح الباب ليسمع صوتٍ مُبتهج : سبرااايز
رفع حاجبه بإستغرابٍ شديد وهو ينظرُ لترتيب الصالة الغير مُعتاد والأشياء الكثيرة المُتغيِّرة في الشقة ، إبتداءً باللوحات الزيتية المُعلَّقة إنتهاءً بالأرائِك.
أثير بإبتسامة : الليلة راح نحتفل يا زوجي العزيز
ضحك بسُخرية : سجليها بالتاريخ الزوجة هي اللي تحتفل
أثير عقدت حاجبها : لا والله ؟ يعني أطلع ؟
عبدالعزيز مُتجهًا للحمام : طلعي هاللي جايبتهم !!
أثير تنهَّدت وهي تخرج من محفظتها نقُود للعاملين ، دقائِق حتى أغلقت باب الشقة ونظرت نظرة أخيرة للمكان الذِي بدأ أكثرُ بهجة بألوانٍ دافئة. فهي لا تقبَل بمكانٍ كئيب ، أهتم كثيرًا بنفسيتي وبمزاجِي الذِي ينظرُ للمكان. ويجب أن أهيء عيني لرؤية ألوانٍ تُساعد على الإسترخاء والهدُوء. طبيعي أنّ رتيل ستخطف هدُوئي هذه الأيام.
خرج من الحمام وهو يضع المنشفة الصغيرة على وجهه : من الحين بديتي التسلط ؟ كان أستأذنتي ؟
أثير بدلع : لو مثلا أستأذنت بترفض ؟
أبعد المنشفة ليبتسم : لا
أثير : هههه خلاص أجل
عبدالعزيز جلس بخمُول على الأريكة الجديدة ليتألمُ ظهره : هذي شكلها من كذبتي
أثير رفعت حاجبها بحدة : عززووووز !! أنت ما تلاحظ أنك كل ما قلت لي كلمة حلوة قمت وتطنزت عليها !
عبدالعزيز : ههههههه شفتِي هذا دليل مافيه ثقة مُتبادلة
أثير تنهَّدت : طيب الشرهة ماهي عليك ! الشرهة عليّ أنا
عبدالعزيز وهو ينظرُ للبسها من أقدامها حتى رأسها : قولي لي بس أنك طالعة بهاللبس ؟
أثير تكتفت : بنبدأ هالموَّال !!
عبدالعزيز بغضب : قلت لك مليون مرررة هاللبس ماتلبسينه معيي!! عيشي مصخرتك بعيد عني ماهو معي
أثير بحدة : أولاً لا تعلي صوتك عليْ ! ثانيًا تقدر توصِّل المعلومة بأسلوب أهدأ .. وبعدين كنت لابسة جاكيتي
عبدالعزيز : الكلام معك ضايع ! بس جربي تلبسين هالأشياء مرة ثانية اللي تخليني أتقزز من نفسي حتى والله يا أثير لأحرقها قدامك
أثير بقهر : تعرف شي ! أنا رايحة
عبدالعزيز ينظرُ إليْها ببرود : ماراح أقولك أجلسي
أثير ضحكت من دهشتها : لا والله !! ما تقصِّر يجي منك أكثر
عبدالعزيز بإبتسامة واسعة : هذا اللي عندِي ... كسرتي لي ظهري بهالكنبة !
وقف ليتكلم بجديَّة : أثير هاللبس أنسيه .. أحرقيه .. سوِّي فيه اللي تبينه .. وشعرك صدقيني أنا داري أنه طويل ماله داعي كل يوم فاتحته ! ولاحظي أني للحين مافرضت عليك الحجاب ..
أثير : ليه ناوي تفرضه بعد ؟
عبدالعزيز بضحكة :أنا أحاول أتدرَّج لك بالأحكام إقتداءً بالإسلام أحرِّم عليك الأشياء شوي شوي ..
أثير عضت شفتِها : صاحي ومروِّق وجاهز للطنازة
عبدالعزيز : أكيد بروِّق يا روحي دام أشوفك
أثير وجنَّ جنونها : عزووز ! لا تتمصخر
عبدالعزيز : هههههه طيب جايبة شي آكله ؟
أثير : لأ
عبدالعزيز : صار لك قرن تجيبين لي كل يوم وأكون ماني مشتهي ويوم أشتهيت يالبخيلة ماجبتي شي معك !
أثير بتمعُن شديد وكأنها تكتشفُ أمرًا : هالرواقة مو لله !
عبدالعزيز أبتسم : كذا من الله مستانس ولا حاسدتني على فرحتي بعد
أثير : على العموم جايبة فطور
عبدالعزيز أقترب منها ليطبع قُبلة رقيقة على خدها : شُكرًا
أثير بإبتسامة : وش سويت بالشغل أمس ؟
عبدالعزيز : عال العال
أثير وكأنها تُريد أن تعرف أمرًا : وبعد ؟
عبدالعزيز وهو يسكبُ له من الحليب : وش بعد !
أثير : قلت لك أني شفت حرم سيادتِك بالطريق أمس
عبدالعزيز : والله !! بشري أمك
أثير تجلسُ امامه : جد ماأمزح
عبدالعزيز بلامُبالاة : عسى ما هفتك كفّ
أثير : يا ثقل دمِك
عبدالعزيز رفع عينه : مدري عنك ! يعني وش أسوي طيب ؟ هم ساكنين بنهاية الشارع أكيد بتلتقين معها كثير
أثير بهدُوء : متزوجها برضاك ؟
عبدالعزيز بسخرية : عطوني كف وأجبروني
أثير بسخرية أكثر : لأن واضح الحُب ماشاء الله
عبدالعزيز بضحكة عميقة : أنا ورتيل بيننا تفاهم من نوع خاص
أثير بشماتة : الله يحفظ لك هالتفاهم
عبدالعزيز مستغرق بأكله : بيني وبينك تراها تنحَّب حاولي تصادقينها
أثير بغضب : كمِّل أكلك
عبدالعزيز بجديَّة : وش سالفة حفلة الليلة ؟
أثير تُقلد صوته : أنا يا أثير أبغاك تسكنين معي
عبدالعزيز يُغلظ صوته : وأنا يا أثير غيَّرت رايي
أثير أخذت الفطيرة لتحشُرها بفمِه وتتعالى ضحكات عبدالعزيز التي غصَّت ، بلع لقمته ليُردف : جوكينق يا شيخة
عند الباب ترتدِي معطفها : روِّق يا حبيبي زي ماتبي وتحمَّل ضرايب هالرواقة
عبدالعزيز : خلاص الليلة موعدنا ...
أثير : الليلة بس راح نعلن زاوجنا بشكل رسمي لكن مسألة أني أسكن عندك أنتظر أسبوع لأن عندي شغل
عبدالعزيز : شغل وشو ؟
أثير : مايهمك
عبدالعزيز كحّ ليُردف : نقانق يا مال ... أستغفر الله بس
أثير ضحكت من ملامحه المتقززة وبخبث : نسيت عقدة الهوت دوق !! يالله هني وعافية حبيبي .. وخرجت.
عبدالعزيز بأكمله مُتقرف ، شرب الماء دفعةٌ واحِدة حتى يذهب طعمُها الذِي يكره.
،
يسمعُ للخطط التي يشعرُ بفشلها لحظة وبنجاحها لحظات ، يُمعن النظر بعينِ والده الذِي يُحب مهما فعل ، مهما قال يبقى أبيه الذِي يعشقه ولا يتحملُ فُقده ، مهما كرَه ما فعَل يُحب قلبه وهذا يكفِي بالنسبة له.
كم من مرَّة يجب أن نُضحِي ؟ كم من مرَّة يجب أن نندم يا أبِي أننا ننتمي لبعض ؟ كم من مرَّة ؟ لستُ أتمنى أبٌ غيرك ولكن أتمنى صفات من غيرك بِك. أنا أعرفُ جيدًا نهايتُك ونهايتي لكن كيف أتحملُ الحياة دُونك ؟ أو كيف تتحملُ الحياة دُوني ؟ نحنُ الذِين نحب بعض بأكثرِ من رابِط أبٍ وأبنه ، أكثر بكثير من هذا المعنى أنا أشعرُ بأن لا أحِد على هذه الحياة يستحقُ التضحية من أجله سواك ومن ثُم التي سلبت قلبي ، لا أحد سواكُما. أعرفُ كيف تشتُمني كثيرًا وأنت تقصدُ " أحبك كثيرًا " أعرف والله يا أبِي كيف هي أفعالُك الحانية وأقوالك المُعادية ، أفهمُك وأفهمُ تسلطك وخوفك. لكن من حقِي أن تقف معي بهذا الحُب.
رائِد بنبرةِ وعيد لأحدِ رجاله : بالأشياء هذِي ماعندي ولدي ولا أبوي ! أحد يغدر فيني أغدر فيه لو كان قطعة من روحي .. أذبحه وأتلذذ بذبحه بعد
فارس بلع ريقه ، لا يرضى بأن يكُون والده في محل إستغفال مهما فعل يبقى والده الذِي لا يرضى عليه بشيء ، هل يُخبره ، أن يقُول له ما يعرف ! كيف يُخبره ؟ هل يبدأ بسردِ ما يعرفُ عن عبدالعزيز أو عن عملِ عبدالرحمن أو عن خططهم. تبقى مكانة والِده تفُوق عبير بعدةِ درجات ولن يستطيع أن يكُون بين ناريْن.
ألتفت لإبنه مُبتسمًا : وش تفكر فيه ؟
فارس بإبتسامة : الحرية
ضحك ليُردف : أفآآ !!
فارس أقترب ليجلس أمامه : يبه .. خاطري أقولك شي من زمان
رائِد أشار للجميع بأن يخرُج لينظُر بنظرةِ الأم الحنُونة على إبنها : وشو ؟
فارس : ما تحلم أني أكوِّن أسرة وأتزوج وأعيش حالي حال الناس
رائِد بصمت مُهيب ، ينظرُ إليْه دُون أن ينطق حرفًا ، يضيعُ هو الآخر بحديثِ إبنه.
فارس بتوتر : يضايقك ؟
رائد : لا ! بس هالفترة مستحيل هالشي
فارس بتنهيدة : إلى متى ؟
رائد : بنستقر هنا ونعيش هنا وبعدها تقدر تتزوج وتكوِّن حياتك
فارس بعُمق ألمه : ليه تكذب عليّ ؟ تقولها وكأنك راضي ! أنت مستحيل يا يبه تخليني أنسلخ بحياتي عنك
رائد بحدة : إيه صحيح ! مستحيل ودامه مستحيل لا عاد تفتح الموضوع
فارس عقد حاجبيْه بهدُوء : تبيني أموت ؟ وش تبي نهايتي بالضبط ؟ قولي عشان ماأحلم كثيير
رائد بغضب : لا تحلم بشي !!
فارس وقف ليصفع ضمير والده : طييب !! ... بفكِر بأي طريقة راح أموت وأوعدك ماراح أخيِّب ظنك في الموت زي ماتبي يا يبه ... بموت بطريقة بطولية تليق بإسمك
رائد تنهَّد ليُردف : أطلع برااا
فارس عض شفتِه السُفلى : من حياتك ؟
رائد بصرخة : فاااااااااارس !! أنتبه لحكيْك معي لا يجيك شي عمرك ماشفته
فارس أنحنى لهاتفه ليُخرج الشريحة أمام والده مُعلنًا التمرُد : تجسسك عليّ ماعاد ينفع معي ! أنا كبرت !!! أفهم شي واحد أني كبرت وأنه من حقي أعيش زي ماابي ماهو زي ماأنت تبي !
رائِد ينظرُ إليْه بصمت وكأنه يُفكر بشيء يُثير فزع فارس هذه اللحظات.
فارس : ماطلبت منك شي كبير ! حياتي يا يبه
رائِد : وش تبي بالضبط ؟ تبي فلوس ؟
فارس : لا .. أبي أكون حُر
رائد : وأنت مسجون ولا عبد عند أحد
فارس : إيه مسجون !! شخص ينجبر يجلس في غرفته زي المعتقل أكيد مسجون
رائد : كله يا غبي لمصلحتك !!
فارس : ما تخاف عليّ ؟ ما تخاف أحد يوجعني زي ما توجع خلق الله ؟
رائِد بغضب كبير : ومين آذيت إن شاء الله ؟ أنت أصلا ماتعرف وش صاير وجايْ تحكم !! مخك يا حبيبي توَّه
فارس بهدُوء ألتفت ليأخذ معطفه : تعرف يا يبه مهما سويت أني بكون يمينك وبشيلك على راسي لكن لمرَّة وحدة أصلح حالنا
،
صخب المُنبه بجانبهم مُعلنًا على وقُوف عقربه عند الساعة الحادية عشر ظهرًا بتوقيت الرياض. ألتفت ليُطفئه ، نظر لهاتفه ليتعرجُ جبينه بلوم ، تأخر على دوامه كثيرًا. أخذ نفس عميق ونظر لمُهرة الغارقة بنومها على صدره ، سحب يدِه ببطء ، شعر أنها تصلَّبت ، حرَّكها كثيرًا وهو يحاول أن ينشِّط دورته الدموية ، ردّ على هاتفه الذِي أهتز بصوتٍ ناعس : هلا منصور .... لا جاي الحين ... بس مسافة الطريق .. وأغلقه. مُتجهًا للحمام. مرَّت الدقائِق الخافتة حتى أكملت الحاديةُ عشر ونصف. واقف أمام المرآة يُعدِّل من – نسفة – شماغه. أتجه نحوها ليأخذ هاتفه ومحفظته ويرتدِي ساعته ، أنحنى وقبَّل جبينها. على وقعِ قُبلاتِه رمشت.
بإبتسامة : صباح الخير
مُهرة أستغرقت ثواني طويلة حتى تستيقظ فعليًا وتستوعب ، نظرت إليْه وعيناها تضحكُ بشروق الشمسِ المُتأخر بالنسبة لها : صباح النور
يُوسف أبتعد مُتجهًا للباب : عطي الفطور وجه ماهو زي العادَّة
ضحكت لتُردف : إن شاء الله
،
منذُ الفجِر وهو يتسلقْ حتى أنهك جسدِه وأرهقه بتدريباتٍ قاسية، أراد أن يُعاقب نفسه ويُعاقب جسدِه الذِي أمتنع عن عناقها من أجل الكرامة وتلك الأشياء التافهة التي جعلت نصف من عشقُوا يفترقُون ، لو لا وجود للغيرة ، للكرامة ، لعزة النفس كان سهلٌ علينا أن نتخطى جراحُنا ولكن كرَّمنا الله بالغيرة التي مهما كانت فهي تُجمِّلنا وتجمع كلانا بنصفه المفقود.
تنهَّد وهو ينظرُ لأحمد الآتي إليْه : صباح الخير طال عُمرك
سلطان : صباح النور
أحمد : حطيت الأوراق اللي طلبتها على مكتبك ؟ بتكمِّل تدريب ولا بتجي تشوفهم الحين
سلطان بعد صمتٍ لثواني : شوي وجايْ
أحمد أكتفى بالصمت وأنسحب من المكان.
مسح وجهه المُتعرق بكفُوفه ليتسلق آخر بُرج بلا حبال وكأنهُ يتحدَى نفسِه من يسبُق الرُوح إلى الموت ؟ هل الجسد يستسلم قبل أم روحه ؟ ياللأفكار الموبوءة التي تتسلطُ عليه في يومٍ كهذا. وقف في مُنتصفه ليجلس بتعب وإرهاق ، لم يُريد ضربها ، ليت هذه اليد تُقطع قبل أن تُمَّد عليْها. ياللسخرية! أنا الذي كُنت أنظر بإزدراء لكُل رجل يمدُ يده على أنثى ، أنا الذِي كُنت أستحقر الرجال وأضعهم في تصنيف أشباه الرجال في كل لحظة يضربون بها الإناث ! أنا الذِي كانت قناعاتِي ثابتة لم أكتفِي بضربها بل حرقتها !
أخذ تنهيدة طويلة ليتمتم : حسبي الله ونعم الوكيل
،
سلَّم من سُنةِ الظُهر ، أخذ نفسًا عميقًا ليغرق بتفكِيره الذِي لم يهدأ منذُ تلك الليلة ، ماذا سيحصلُ مع تُركي ؟ يكره أن يرى إبنه وأخيه الآخر بهذه الصُورة ؟ لا يعرفُ ماهو الأصَّح ؟ العقاب أم العفُو ؟ لا يعرفُ أبدًا كيف يغفرُ لتُركي أو حتى يحاول أن يجعلُ منه رجلاً صالح كالسابق وهو أعتدى على عرضِه ولولا ستر الله لكانت فضيحتهُم تُجلجل هذا المُجتمع هذا غيرُ إسم عبدالرحمن المُتصل بنا دائِمًا. أستخار كثيرًا ليطلبُ من الله المعونة ، أن يُريه الحق ، يُريد أن يستشير أحد ولكن لا يستطيع ؟ كيف يُخبر أحدهُم ما حدث ؟ لو أخبر عبدالرحمن ماذا سيفعل ؟ لن يُسامح نفسه بالتأكيد وسيشعر بأنه مُذنب ، لا يتحمَل عبدالرحمن كل هذا ! يكفيه الهمُ الذِي يحمله على أكتافه ؟ من يُقدم لي المشورة ! أنا أفلست والله من كل شيء ومن كل هذه السنوات التي مرَّت. لا أجِدُ ملاذًا غيرُك يالله فساعدني.
مسك هاتفه ليرسُل رسالة لـ سلطان " محتاج أشوفك يا بوبدر "
،
نظرت لسقفِ غُرفتها لدقائِقٍ طويلة حتى صخبت مسامعُها بصوتها : يالله تحرِّكي نبي نطلع
عبير ألتفتت مُستعدلة بجلستها و تفرقع فقراتُ ظهرها : مالي خلق
رتيل وهي ترتدِي جاكيتها : ليه ؟ لاحقة على النكد بالرياض !!
عبير تتأملُ عين رتيل لتسرحُ بعينِ الذي رأتهُ أمس ، تلاقت نظراتُهم وأرتعش قلبُها ، شعَرت به ، بشيءٍ يربطهُم ولكن من المستحيل أن يكُون هو ؟ من المستحيل أن يظهر ليْ بهذه البساطة! ليتهُ كان هو حتى أُفكِر بهذا المنظرُ دائِمًا.
ضحكت لتُردف : عاد أدري أنه عيوني فتنة بس عاد مو لهالدرجة
عبير بضحكة رمت عليها الوسادة : مصدقة نفسك
رتيل كانت ستتكلم لولا دخُول والدها وضي ، ضي : صباح الخييير
عبير ولأولِ مرَّة تردُ عليها : صباح النور
عبدالرحمن : هذا وأنتوا نايميين بدري قمتوا متأخر
رتيل وهي تجلس لترتدِي حذائُها : مصحيتها من ساعة بس جالسة تتأمل هالدنيا اللي أشقتها *أردفت كلمتها الأخيرة بسخرية شديدة*
عبدالرحمن بضحكة : طيب يا ستِّي وين ودِّك تروحين اليوم ؟
رتيل رفعت عينها بإبتسامة : وين ماتبي !
عبدالرحمن بمثل إبتسامتها : نروح بروحنا ؟
رتيل عقدت حاجبيْها : أيه !! كأني عرفت السالفة
عبدالرحمن بضحكة عميقة : ههههههه تفهمينها وهي طايرة ، قومي دامك جاهزة *مدَّ يده لها*
مسكت يدُه ووقفت : لا بروح معهم.
عبدالرحمن : طيب بسولف معك بشوي إذا ماعجبك الوضع رجعنا
رتيل تنهَّدت ليخرجَا من الغُرفة مُتجهين للمصاعد الكهربائية : عز يبي يشوفك
ألتزمت الصمت لم تنطق كلمة مازال والدِي يُمارس سطوتِه وإذلاله ليْ من أجل " عِز ".
عبدالرحمن : أنا عارف وش تفكرين فيه ، ماراح أجبرك على شي ، بس أتركيه يشرح لك وجهة نظره .. يعني عطيه شوي من وقتك
رتيل بجديَّة حادَّة : ماراح تجبرني !! أنت يا يبه حتى بطلبك هذا تجبرني بطريقة غير مباشرة ! يعني طلعتني من الغرفة عشان تقولي معناها أخذت موافقتي بالجيب !
عبدالرحمن بضيق : لا تفكرين بهالطريقة ، أنا بنفسي قلت له إذا رتيل مهي موافقة ماراح تشوفها
رتِيل : يبه الله يخليك قدِّرني شوي ! ماني رخيصة لهدرجة عاد عشان توافق له
أنفتح المصعد ليخرجَا مُتجهين للخارج حيثُ هواءُ باريس يُجمِّد أطرافهم ، أردف : هذا هو
ألتفتت رتيل لتلتقي عينها بعينه ، أخذت نفسًا عميقًا لتشعُر بحماسةِ يدِها بأن تصفعه ، : يعني يبه وش بيتكلم معي فيه ؟
عبدالرحمن بإبتسامة عتب : زوجك يا بعد الدنيا
رتيل ضحكت بسُخرية على حالها : إيوا صح زين ذكرتني بغيت أنسى
أقترب عبدالعزيز منهم على وقع ضحكتها الساخرة/الموجعة.
عبدالرحمن : لا تتأخرون ، ومرِّني الساعة 6 نشوف شغلنا
عبدالعزيز : إن شاء الله
تلاشى بوسعود من أمامهم ليلتفت عبدالعزيز لها : وين تبينا نروح ؟
رتيل تفيضُ قهر بهذه اللحظات ، لوَت فمِها مُعبِّرة عن ضيقها : أنت وين تبي توديني ؟
عبدالعزيز بإبتسامة : لأي مكان تبينه
رتيل : آهآآ !! طيب .. ودني لو لجهنم
عبدالعزيز : هههههه للجنة يا قلبي
رتيل سارت مُتجاهلته ، أدخل يديْه بجيُوبه : تبينا نحكي من بداية الموضوع
رتيل بسخرية : إيه أحكي لي عن الفيلم الهندي
عبدالعزيز يُجاريها : هذا الله يسلمك مرة وحدة قليلة حيا
ألتفتت عليه بغضب ليُردف : طيب أنا قلت رتيل سبحان الله اللي على راسه بطحا يحسس عليها
رتيل : جايبني عشان تستفزني .. طيب ... أرادت الرجوع لولا أنه أمسك معصمها : خلاص أسحب كلمتي ، مرَّة وحدة يعني حلوة نص ونص شفتها داخلة غرفتي عاد نحسن النية ماندري وش تسوي بالغرفة يمكن مالقت مكان تصلي فيه وكانت غرفتي قريبة .. أهم شي النية
أبتسمت دُون أن تمنع نفسها من إظهار صفُ أسنانها العليا وبنبرة خبث : الله يعطيك على قد نيتك
عبدالعزيز : أتقي الله
رتيل دُون أن تنظر إليه يُكملا السير على الرصيفُ الذي يضجُ بالخُطَى
عبدالعزيز وهذه الثقة الأنثوية تُدمِر أيْ رجُل : طيب ... أركبي
رتيل نظرت لسيارته وبإندفاع : طبعًا ماراح أركب .. وين بتوديني ؟
عبدالعزيز بضحكة : لا تخافين ماراح أتحرش فيك
رتيل : قذر
عبدالعزيز : هههههه مقبولة منك
رتيل : وين بنروح ؟
عبدالعزيز : بهالمنطقة ماراح نبعِّد
رتيل ركبت دُون أن تنطق بشيء وهي تختنق من رائحة عطره الذِي تتشبثُ بأجزاءِ السيارة السوداء.
،
وضعت رأسها على صدرِها لتبكِي بوجع وحُزن عميق ، لا شيء سيمنعها من الحديث ، تشعرُ بأنها ستبتلع صوتُها وتنسَى حياتُها في هذا الموت البطيء الذِي تعيشه ، مسحت الأُم على شعرها : خلاص يالجوهرة أهدِي !! حسبي الله على عدوك يا سلطان
الجُوهرة أبتعدت عن حُضنها وبنبرةٍ باكية : حصة أحتاج تساعديني .. تكفين أضغطي عليه لا أنا اللي بفرح ولا هو اللي بينبسط بهالحياة اللي مدري كيف أسميها
حصة : لا تقولين هالحكي ! انا بنفسي بخليه يعتذر لك
الجُوهرة بوجع : مستحيل! أفهميني بس
حصة تُقاطعها : أنتِ اللي أفهميني مفروض ما توقفين حياتك عند أول مشكلة ، أوقفي على حيلك وبتقدرين .. كل مشكلة ولها حل
الجُوهرة : اللي تعتبرينه ولدك ضربني !! اللي خلاك تتطلقين من زوجك عشانه مدّ إيده عليك .. هو بنفسه يمد إيده عليّ
حصة بتشتيت نظراتها لا تعرفُ كيف ترُد عليْها.
الجُوهرة : ما تشوفين أنه ظلم بحقي ؟ هو يبي يقهرني وبس ! ما خاف ربه فيني ولا راح يخاف دامه يتصرف معي كذا .. حصة أفهميني أنا أدري أنك عمته وتخافين عليه وتبين له الحياة السعيدة بس انا مستحيل أوفِّر له هالحياة لأن ما بيننا من الأساس تفاهم .. ما بيننا أي شي من هذا كله
حصَة بضيق : تقدرين يالجوهرة ، أمسحي دمُوعك وإذا ضايقك مرَّة ومرتين لا تستسلمين وتبكين على طول ، إذا قهرك أقهريه ماراح أقولك أسكتي له .. ناقشيه بأيّ شي يفرضه عليك ومنتِ مقتنعة فيه ، ناقشيه يالجوهرة وراح تنحَّل مشاكلكم لكن إذا كل واحد يشيل بنفس الثاني أكيد ماراح تنحَّل أموركم
الجُوهرة : ولد أخوك عقله موقف عند حقبة زمنية ماراح يتعداها

يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -