بارت مقترح

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -149

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي - غرام

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -149

شدَّت على شفتيْها حتى لا يخرج أنينها، لم تستطع أن تتمالك نفسها أمام كلماته المندفعة بعاطفته، هذه العاطفة الرجولية تكسرها بعنف، بضراوة لم تتوقعها. ببحَّةِ البكاء وعيناها تغرق بالدمع وهي لا تستطيع أن تلتفت إليْه ما دام ظهرها يلاصق بطنه وهو يستلقي على جانبه الأيمن : تكفى ....
ناصِر : تبين تبعدين؟ تبين تصلِحِين نفسك بعيد عنِّي! يا قساوتك
غادة وضعت يدها على ذراعيه وهي تحاول أن تفكّ قيده على جسدِها : أرجوك . . والله مافيني طاقة أتحمل كل هذا
ناصر بعنف يشدّها أكثر وهو يضغط على بطنها حتى شعرت بأنه يخترق جلدها ليطحن أحشائها بقبضته، وبنبرةٍ حادة تتركها تصرخ بألمها : أنتِ ليْ.
بضيق حنجرتها : آآآه . . خلاص .. تكفى خلااااص أوجعتني
بغياب الوعي التام يؤلمها بمفاصلِ يدِه المشتاقة، أزداد بضغطه وأزدادت بألمها، غرزت أظافرُها في ذراعه وهي تهمسُ بين أنفاسها المضطربة : نااااصر ...... كافي .. كااااااااااااااافي
بهذيان : تتذكريني! متأكد أنك تتذكريني مستحيل تنسيني لكن فيه شخص ثاني بحياتك! فيه شخص تبينه ..
فتح عينيه ليُكمل : تبينه صح؟
غادة : ماأبي أحد . . أتركني واللي يرحم والديك
ناصر : تبين وليد؟ . . . وليد بسنة خلاك تنسين 5 سنين من عُمرك! أنا بس بسألك شي واحد وبعدها بتركك
أرخى يديْه لتتنهَّد براحة بعد أن شعرت بالغثيان من معدتها، أستلقت على ظهرها وهو يفكّ قيد جسده منها، نظر لعينيْها المُضيئتيْن بالدمع كما تُضيء السماء في هذه اللحظات بماءها.
أردف : مين قال أنه المطر أنت وأنه السما ما تشبه إلا عيونك ؟
غادة تجمدَّت حواسُها في لحظةٍ لا تعرفُ ماهية نبرةُ الأحداث التي تجري على لسان ناصر.
أبتعد ليقف، يُراقب شفتيها، لا يُريد أن يفقد الأمل و موسيقى الحزن تضربُ في قلبه، أنتظر لدقائِقٍ طويلة وهو ينتظر جواب! لاتصمتِي! هذه المرة أرجوكِ اكذبي وقولي أنا وجهتُ هذا الخطاب لعينيْك. من أجل الله لا تكسري مجاديفُ الأمل في قلبي.
أرتجفت شفتيْها ليشعُر بأملٍ أن تتحدَّث ليُصدَم بفظاعة الخيبة وهي تنطق : تضغط عليّ كثير.
من يداوي الخيبات في صدرِي؟ من يشقّ طريقه لقلبِي ويضمِّد جراحه؟ من يعتذر عنها نيابةً؟ من يعتذر عن حزني هذا وسأعفُ عنه! أنا أحتاج وبشدَّة لشخصٍ يقرأ عليّ آياتِ السكينة، أن يقول " وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ " علَّه ينتشلنِي من وعثاء الحياة، يالله لا تُميت بي الحياة بهذه الطريقة.
تراجع بخطواته مضطربًا، وصوتُها الخمري يغشى عليه ليستذكر ذاك اليومٍ الماطر أسفل سماءُ باريس كان صوتُها أغنية، كيف تنسى لحنها؟
بتراقصات المطر تسيرُ معه وذراعها تتأبطُ ذراعه : أعلمك شي !
ناصر : وشو
غادة : جايني حس الشاعرية اللي عندك
وترجفُ شفتيه من البرد وأنفاسه البيضاء يزفرها : سمعينا
غادة تتنحنح لتُردف بصوتٍ عذب : و أعطشك! وأنت المطر وهذي السماء ما تشبه إلا عيُونك.
ناصر بإبتسامة شاسِعة : الله الله صح لسانك! . . . يسمح لي مقامك أني أرد عليك ؟
غادة بخجل شفاهِها التي تُصيِّر أنفاسها للبياض وهُما يدخلان الممر المغطى حتى يقيهما من المطر : إيش ردِّك؟
ناصر يقف لتلاصق أقدامه أقدامها ويدِه تُلامس ظهرها الناعم وعيناهما تُغنِي الصمت: البدر يقول .. انا قلبي عصفورك وباقي الصدر اعشاش.
عاد لواقعه، لِلاإتزان الذي يتشكلُ بها، أعطيني الكلمات حتى أسترجعك أغنية، أنا عرفتُكِ لحنٌ لا ينسى كيف قطَّع أوتارهُ ونسى؟
كيف نسى وأنا قرأتُ على قلبك المعوذتيْن و " أحبك " ، كيف نسيَ صخبُ القصائِد المقروؤة بيننا، قلت لكِ مرّة بلهجةِ مُهندس الكلمة " إنتِ عيونك هالمدى بحر وطيور مهاجرة " والآن بمثلِ القصيدة أُعيد لكِ المقطع " إنتِ عيونك نجمتين ضي ورا ضي يعود، ويادوب غابوا ليلتين خلو شموس الكون سود ، رحتي ولا ظنك تجين .. وين الوعد يامفارقه "
أتجه خارجًا وقلبهُ يسجدُ بحزنه ولا يضربُ بأوتارِ صوته سوى جملة مبحوحة – وين الوعد يا مفارقه ؟ -.
،
خرج من الحمام و المنشفة السوداء تُغطي جزءه السفلي وتُعرِّي صدره الصاخبُ بعضلاتِه المشدودة، بلعت ريقها لتضيع كل الكلمات التي جهزتها لتُلقيها بوجهه بعد أن شعرت بأنه لا نية له للحديث والنقاش، بللت شفتيْها بلسانها لتُردف : ممكن أحكي معك شوي!
ريَّان : طيب ممكن ألبس أوَّل ؟
شعرت بالإحراج يدبُّ بوجهها كقبائلٍ محمرَّة، أخذت نفس عميق لتُغمض عينيها لثواني معدودة حتى تتخلص من ربكتها : قصدي بعد ما تلبس . . . أبتعد متجهًا ليرتدِي ملابسه، أستغرق دقائِقه الممتدة ويستلذُ بجعلها تنتظر طويلاً، خلخل أصابعه بشعره المبلل وهو يتجه نحو الأريكة المقابلة لها : إيه وش عندِك ؟
ريم : أنت ما ودِّك تتكلم معي بشي؟
ريَّان ببرود وهو يسند ظهره على ظهرِ الأريكة : لا
ريم تحاول أن تُرخي أعصابها وأن تُطيل بمزاجها الهادىء معه : أظن صارت أشياء لازم نحكي فيها
ريَّان : وش الأشياء ؟
ريم : ليه تحكي معي وكأنه ما صار شي؟
ريَّان : يعني تبيني أناقشك بإحترامك وأنك طلعت بغيابي وبدون إذني؟ ولا أقول كيف أخوك الكبير المحترم جاء من الرياض عشان ياخذك! ولا أثقفك بواجباتك وبأنك ملزومة ما تطلعين بإذني! وأظنك تعرفين بالدين وتعرفين وش الواجب وش المحظور!
ريم بهدوء : الحين رحت عند أغلاطي وما شفت وش سويت قبلها! أنا بحياتي كلها ما أنمدت يد أحد عليّ وأنت بسهولة تمدَّها! وأظنك بعد تعرف بحقوقي اللي عليك!
ريَّان : أنتِ الغلطانة من البداية وحطي هالشي في بالك
ريم : لا ماني غلطانة! صبرت في تركيا وقلت معليش بس أنك تحرجني قدام أهلك كل يوم وكل ما سألوا عنك سكت وما عرفت كيف أجاوبهم ! أبسط شي عنك أنا أجهله! وفوق هذا طول اليوم طالع من الصبح لين الليل ماأشوفك ولا تشوفني! و لو مااصحى قبلك يمكن ما كان شفتك أبد!
وبإندفاع أكملت : يا روحي أبسط الأشياء اللي مفروض تكون بيننا معدومة.
صمت ينظرُ إليْها بعينٍ ثرثارة لا تفهمُ ريم منها شيءً سوى جمودها، أطال صمته لتقطعه ريم : ليه سكت؟ يالله برر ليْ
ريان : لغة نقاشك ما تعجبني!
ريم أمالت شفتها السفليَة : وأيش يعجبك إن شاء الله ؟
ريّان يتجاهلُ كلامها الأخير : أولاً أنا ما قصرت عليك بشي! لكن أنتِ اللي تبدين بكلامك وتستفزيني وأنا إنسان عصبي! يوم مديت إيدي عليك شوفي من بدآ .. كنت أسألك وكنتِ مستفزة بأجوبتك يعني أنتِ كنتِي تبينها من الله عشان تختلقين مشكلة. ثانيًا سالفة أنك تبشرين أهلك عند كل مشكلة تصير هذي كارثة بالنسبة ليْ! منتِ بزر عشان تخلين أخوك يدري عن أدق الأشياء اللي بيننا
ريم بسخرية : هذا إذا بيننا أشياء
ريَّان بهدُوء : شفتي ! لاحظتي نفسك كيف تتكلمين! وتبينا نتناقش بعد .. الكلام معك ضايع لأن أنتِ حتى السلام ويخب عليك بعد . . . وقف.
ريم بعصبية أحمرّت بها عيناها : لما يكون كلامي كِذا فهذا يعني أني مقهورة! ولاحظ أنه عمري ماأهنتك بكلامي لكن أهين المضمون نفسها لكن أنت! تهينني عند أول كلمة .
ريّان بضيق : طيب يا ريم
ريم تكتفت وهي تقف : وشو طيب؟
ريَّان : أعطيكِ إياها من الآخر. . أنا بالزواج ما أمشي .. خليك هنا معززة مكرمة لا تناقشيني ولا أناقشك لك حياتك ولي حياتي .. أتفقنا ؟
ريم أرتجفت أهدابها لتُردف : كيف لي حياتي ولك حياتك؟
ريَّان : أنا وياك ما نضبط مع بعض فخلينا منفصلين أحسن لي وأحسن لك
ريم : وش مفهوم الزواج عندِك؟
ريّان :تأكدِي أنك منتِ فاهمته بعد.
ريم : طيب ليه رجعتني ؟
ريَّان بإذلال : مزاج!
ريم بهدُوء يُغطي ثورة حزنها وغضبها : وأنا تحت رحمة مزاجك ؟
بصمت أعطاها ظهره، بحدَّة أوقفته : دام ما أنتهى كلامي ما تعطيني ظهرك وتروح!
ريَّان ألتفت عليها وبنبرة ساخرة : أبشري عمتي .. أيّ أوامر ثانية ؟
ريم بغضب سارت بإتجاه الحمام لتصفع الباب بقوَّة، تشعُر بغضبٍ عارِم يستدعي بها الحال أن تكسر كل شيء أمامها، أن تُفرغ كل هذه الشحنات و الشتائِمُ تتوافد على لسانها، أنا الغبية التي خططتُ للزهر الذي سيعانق احلامنا ولم أرى الأحلام بعد، أنا الغبية التي فكرتُ بالحدائِق ونسيتُ البذور! أنا الغبية التي رأيتُك حياةً ثانية وجئت موتٌ أثبت لي بأن هُناك موتٌ في الحياة لم نلحظه بعد.
،
أقتربت من النافذة بخُطى مرتبكة عينٌ تراقب ضي الملتوية حول نفسها وعينٌ أخرى تحاول أن تتلصص لِمَا خلف الستار، خشيْت أن ترى شيئًا مروعًا، وقفت عند النافذة كثيرًا ولا تملك الجرأة أن تُبعد الستارة قليلاً حتى تنظر وتتأكد، قرأت كل الأذكار التي تحفظها وكل الآيات التي أتت على بالها، قطع كل شيء رنين الجرس الحاد الذي أشعل في قلبها خوفٌ ما بعدهُ خوف،
ضي برجفتها تُقطِّع أظافرها بأسنانها: يمكن اللي جايبهم عبدالرحمن!
رتيل ألتفتت عليها وهي تضيعُ بالكلمات حتى تلحفت بالصمت، شدَّت على بلوزتها الصوفية الواسعة وشعرُها الداكن المموَّج يصطف خلفُ ظهرها، أتى صوتُه الرجولي الصاخب : يا أم سعود!!!
ضي شعرت بأن راحة الكون هبطت على قلبها لدقائِق، رتيل تنهدت لتقف خلف الباب : أيوا
: أنا نايف أكيد قالكم بوسعود .. على العموم راح أكون برا إذا أحتجتوا أيّ شي.
رتيل : طيب يعطيك العافية . .
أختفى صوته لتخطُو بسرعة نحو الشباك وتفرج جهةٍ بسيطة حتى ترى بوضوح : إثنين مو واحد
ضي : الحمدلله ..
أتجهت نحوها : للحين يوجعك بطنك ؟
ضي : تقلصات تجي وتروح
رتيل بعفوية : هُم اللي يحملون كذا ولا ممكن شي خطير!
ضي وتُشاركها جهلها بهذه المعلومات : لا أتوقع طبيعي .. إن شاء الله طبيعي لأن من فترة وهي تجيني
رتيل : طيب بسوي لك شي تآكلينه . . . تقدمت نحو المطبخ المكشوف على الصالة، أبتسمت وهي تنظر للأغراض التي أشتراها عبدالعزيز : وش ودِّك فيه ؟
ضي بخمُول تستلقي: أيّ شي
رتيل : طيب لا تنامين . . . أفرغت الأكياس لتُلملمها بكفُوفِها حتى ترميها، أتجهت نحو الرفُوف لتستكشف الأغراض والأواني، أخرجت كُوبيْن وطبقيْن لتُغسلهما جيدًا، بدأت تبحثْ بأسرع شيء تصنعه، قلبت كيس المعكرونة بين يديْها لتبحث عن إناء تضعه بها، أستغرقت دقائقها الطويلة وهي تبحث بكل درج، حتى وجدته غسلته جيدًا لتبدأ طبختها السريعة، أسندت ظهرها بجانب الفرن بإنتظارها أن تنضج، لتغرق عينيها بالطعام المعلَّب والأكياس الصغيرة، أنتبهت للصلصة، تقدَّمت إليها لترفع عينها لضي : ضيوو لا تنامين ..
ضي بصوتٍ ناعس : صاحية . .
رتيل تفتح الصلصة لتُردف : الكولا مضرة للحامل ولا ؟
ضي : لا ما أتوقع يعني عادي
رتيل : تشربين عصير مع مكرونة ؟
ضي : وش جوك رتيل !!
رتيل أبتسمت محاولةً تجاهل كل هذه الظروف : فيه ناس يشربون عصير والله! عشان نتطمن أكثر ..
ضي وهي تمسح على وجهها : طيب .. خلصي هالشي اللي مو راضي يخلص
رتيل عادت للفرن لتُغلقه، وزعت المعكرونة على الطبقيْن لتضع فوقهما الصلصة، أخذته لتجلس بمُقابل ضي : طيب نقدر نطلع مع هاللي إسمه نايف! على الأقل نرجع بس نجيب ملابسنا
رتيل : لآ مستحيل! خلينا هنا أخاف يصير شي هناك! . . نكلمهم نخليهم يروحون يجيبون لنا .. يعني واحد يجلس معنا والثاني يروح يجيب!
ضي : لا فشلة!
رتيل : أجل كيف نطلع؟ . . طيب أطلع أنا وتجلسين أنتِ مع واحد فيهم؟
ضي : أخاف عبدالرحمن يعصب!! أو يصير شي لا سمح الله
رتيل : لآ ماني راجعة لباريس نشوف شي قريب من هنا! . . بطاقتي معي
ضي : بس يتصل أبوك نقوله
،
سمعت صوتِه وهو يقترب من الباب، وعقلها يخيطُ حيلةً للهروب، أستلقت على الأريكة وهي تمثِّل النوم مغمضة العينيْن، فتح الباب ليطِّل عليها، نظر لهدُوئها وغرقها بالنوم، تقدَّم إليْها ليجلس على ركبتيْه فوق السجَّاد بمُقابلها، فرصَة تأملها وهي هادئة مغرية جدًا لعينيْه، وضع يدِه على جبينها ليسحبها لفوق حتى يُزيل حجابها، لأولِ مرة يرى شعرها بطبيعته بعينيْه وليست بعينِ الصور، وإن حسبتُ عمري فإن ميلاده بين خصلاتِ شعرك ونُضجه عندما أبصرك، وإن عددتُ كم من موتٍ عشته؟ فهي كل اللحظات التي قضيتها وحيدًا وأنا منذُ أحببتك جربت لأولِ مرة كيف يكون العيش، كيف أتنفس بصورةٍ منتظمة وأنا أستشعرُ بالهواء الذي يدخل إلى رئتي، كانت حالة الحُب ومازالت ذنبُ الحياة الذي لم أطلب غفرانه يومًا ولم أطلبُ نسيانه، أتلذذُ بهذا العذاب القهري وعيناكِ مغفرة، أتلذذ بقساوة أهدابِك التي تُشبه الحدائِقُ الغنَّاء، على الداوم تُغريني للرسم، تُغريني للكتابة، أنتِ الملهمة في كل شيء وفوق كل شيء. هل أبتسم لأنك زوجتي وهذا الحلمُ أصبح واقع أم أحزن لأنكِ ليست زوجتي بالمعنى الصحيح! ولكن لي الحق أن ألمس شعرك الذي أحب، لي الحق دُون أن يغضب الله منَّا بأن أتحسسُ ملامحك.
شعرت بقلبها يرتبك مع لمساتِه، وشعرها الذي بدأ يتخلخله الهواء، أندفعت الحُمرة من صدرها لتسحب من أسفل جسدها العصَا الخشبية التي كسرتها من الكرسي حتى ضربته بها، أنحنى ليضع يده على رأسه، في جهةٍ أخرى هرولت سريعًا كانت ستسحب حجابها ولكن لم تستطع، تركته لتخرج من الغرفة، نظرت للمساحة الواسعة من الشقة التي شعرت لوهلة أنها بيْت، تقدمت نحو الباب الخارجي لتفتحه لتشعر بأن الحظ يبتسم لها وهي تنظرُ للدرج الخاص بالعمارة خاليًا، نزلت سريعًا لتقف بالمنتصف وهي تسمع الأصوات التي بالأسفل، أقشعر جسدها من الحرس الذين لمحتهم، لم تُفكر كثيرًا وهي تشعر باليد التي تلفُّ ذراعها، دُون أن ينطق شيئًا سحبها للأعلى، أدخلها الغرفة ليغلقها وبغضب بعد أن تجرَّح رأسه ونزف بدماءِه : المنطقة كلها رجال أبوي! يعني وين مارحتي راح يشوفونك!!! أفهمي هالشي!
عبير بضيق : أبغى أطلع
فارس بعصبية أنفجر : يالله أطلعي وريني كيف بتطلعين
عبير أختنقت محاجرها : لآ تصارخ عليّ!
فارس تنهَّد : ليه مو راضية تفهمين؟ قلت ماراح أضرِّك بشي! والله يا بنت الحلال ماراح أقرب لك . .
جلست على طرفِ السرير السُكرِي ذو النقوشات السوداء، أخفظت رأسها لينساب شعرها عليْها، تفقد الأمل في كل لحظة تمِّر، تفقد الأمل في الخروج من هذه الدوامات، أنا التي بقيتُ لأيامٍ أواجه أرق حُبك كيف تأتِ بهذه السهولة؟ كيف بهذه البساطة يحدث كل هذا دُون ان أفكر، متى أتطهرُ من هذا الذنب؟ كيف أكفِّر عنه؟ . . ويبقى حُبك مشيئة وأنا التابعيةُ له.
فارس بهدُوء : عبير
عبير : ماأبغى أتكلم معاك، ممكن ؟
فارس بضيق يسحب الكرسي ليجلس وبين يديْه حجابها : وأنا ماراح أتحرك من هنا
عبير غطت ملامحها بكفيّها لتدخل بغيبوبة بكاءها الصامت.
يتأملها بخفُوت، ينظر لتلاعب خصلات شعرها وتبادلها الأدوار لتغطية وجهها، لو كان لهذه الخصلات صوت؟ أكانت ستصرخ بعراكها على ملامحها، لو أنني فقط أستطيع أن أتقدم خطوة إليْك دُون أن تضجري لمَا ترددت.
أطالت ببكائها وفوق ما يتصوَّر تؤثر به، تغزي قلبه بحنيَّةِ السماء والأرض معًا، أنحنت لتنزع حذاءها دُون أن تنظر إليْها بينما هو كان لا يرمش من مراقبة تفاصيلها الدقيقة، أخذت خصلة من شعرَها لتعقد بها بقية خصلاتها كذيل حصان، مسحت دموعها وهي تتجاهل وجوده، مدَّت أكمامها لتُدفىء كفوفها وعينيها الباكية مثبَّتة على الطاولة.
لم يستطع أن يقاوم هذا الجمُود وهذا الصمت وهي أمامه، وقف متجهًا إليْه لترفع عينيْها والإعتراضات تتضح من نظراتها. : بردانة ؟
عبير بقيت صامتة وعينيها بعينيْه، هذا الأسمر هو الذي كان يواصِلُ غزو قلبي طيلة الشهور الماضية، هذه العينيْن " الولعانة " هي التي كانت تستشف حالتي وتواسيني، يا سُلطة الجمال إذا نضجت عند الرجال! يا قوة هذه السلطة. كيف أفلت منها؟
شعر بأنها تسرح به، ليُعيد سؤاله : عبير بردانة ؟
أخذت نفس عميق وشفتيْها ترتجف : لا . .
فارس : محتاجة شي؟
عبير بربكة كلماتها : أبغى أكلم أبوي
فارس صمت لثواني طويلة حتى أردف : مقدر
عبير شدَّت على شفتها السفليَة تُصارع قوَّاها الداخلية التي تنهار، لم تعتاد أبدًا أن تمر أياما دُون أن تسمع صوت أبيها، تشعر بإشتياق فظيع إليه، إشتياق الخوف من الفقد. تجمَّعت دموعها في محاجرها حتى تضببت رؤيتها، لم ينزل على خدها شيئًا بقيت معلقة هُناك لتُضيء عينيها.
فارس حنّ عليها وعينيْها كيف تحبس الدمع لوحدها بالنسبة له مصيبة عاطفية : ترسلين له مسج ؟
عبير بنبرةِ باكية : أبي أسمع صوته
فارس : مقدر! والله مقدر . .
عبير مدت يدَها لتسحب الحجاب من بين يديْه ولكن ثبَّت يديْها به، أرتجفت أطرافها لتحاول أن تسحب يدها ولكن كانت قبضته أقوى، رُغمًا عنها وقفت وهي تتقيَّدُ بين أصابعه، تلامست أقدامها المغطاة بالجواربْ السُكريَّة بأقدامه، أختلطت أنفاسها البيضاء بأنفاسه، تثبتت نظراتها بعينيْه وصدرها يضطرب بقُربه، يعتلي بشهيق ويهبط بزفيرٍ موبوء، تمرُّ الثواني بضياع مرغوب، كيف أعتاد على إسمك؟ هذا الإسم الذي بين يوم وليلة أصبح يتعارك مع لساني بضراوة؟ كيف لأربعة حروف أن تُحدث كل هذا الضجيجُ بيْ ؟ كيف لكُوبليه إسمك أن يمرُّ كقصيدةٍ حادَّة تقف بثبات دُون أن يكسرها شطرٌ ولا بيتْ، ماذا أفعل؟ أنا واثقةٌ من شيء واحد أن عيناك إجرامٌ محقق وأن سُمرَةِ ملامحك لن يذهب ضحيتها إلا أنا. كُنت أجِد الصعُوبة في نسيانك وأنا فقط سمعتُ صوتك! كنت لا أعرف كيف أنساك وأنت تخترقني بكلماتك، والآن؟ مالحل؟ مالحل أمام كل هذا؟ إن كان نسيانُ صوتك صعب فما بالُ نسيان عينيْك و ملامحك وكل هذه الفتنة؟ و يا حُزني حين ظننتُك ماءً وأتيت ليْ بكل إحتراقٍ، يا خيبةُ الظنون ويا شرّ نارك يا فارس.
أخذت نفس عميق وهي تأخذُ شهيقها من أنفاسه القريبة، سحبت يدها بعد أن أرخى أصابعه، غطت كفيّها المشتعلة بحرارتها والحُمرة بأطرافِ كمّها، شتت أنظارها وهي تبتعد عدة خطوات للخلف.
فارس يسحب شال الصُوف الرقيق ليُغطيها به ويسكن رجفتها، بخفُوت : بكون برا إذا أحتجتِ شي . . وخرج.
لا تعرف كيف تُهذِّب رجفتها بمرورِ صوته الأسمر.
خرج لينظر لوالده الذي يفتح باب الغرفة التي وُضع بها عبدالعزيز، تبعه ليسمع سخرية والده : ماشاء الله فارس مو مقصِّر معقم جروحك بعد!
فارس يغلق الباب خلفه وهو يأخذ نفسٍ عميق.
رائد يضع قدمًا على قدم وهو يجلس بمُقابل عبدالعزيز الصامت الهادىء، يستفزُه بصمته وعيناه التي تنظر إليْه ببرود.
رائد بإبتسامة : بما أني رحوم وقلبي ما يقوى أشوفك بهالحالة! بجرِّب أسألك وش ودِّك فيه قبل لا تندفن؟
عبدالعزيز بمثل إبتسامته : صلِّي عليْ
رائد وشعر بأن براكينه تُثار، لم يُخفي فارس إبتسامته من جواب عبدالعزيز المستفز بصورة رهيبة.
رائد يُخفي الغضب بهدوءه : يعجبني فيك أنك تحاول تكذب على حالك! . . وقف متقدمًا إليْه وبيدِه المشرط المعتاد : أضيِّع خرايط وجهك؟
عبدالعزيز : إذا أنت عاجز تضيع هالخرايط على قولتك وأنا واقف قدامك بدون كل هالتقييد! فغيرّها بجلوسي لأنك ماتقدر تسوي شي الا وأنا منحني!
فارس بخطوات سريعة تقدَّم نحو السلاح المثبت خشيّةً من نفاذه نحوهما.
رائِد بغضبٍ كبير مرر المشرط الحاد نحو خدِه ليُدميه كما أدمى رقبته، ركل الكرسي ليسقط بقوة على الأرضية الرخام وهو مازال مقيَّدٍ لا يستطيع الإنفلات.
تحركت أقدامه ليُحرِّك فارس السلاح بإتجاه النافذة حتى نفذت الرصاصة وتناثر الزُجاج.
بعصبية بالغة يضع قدمه على بطنِ عبدالعزيز : لا تحاول تتحداني بشي أنت ما تقدر عليه! مفهوم؟
عبدالعزيز يشعرُ بغليانِ رأسه والدماء التي تثُور هناك، غشى على عينيْه الضباب وهو الذي لم يدخل بطنه شيئًا يمدُّه بالطاقة، نظر لرائد بهيئةٍ مقلوبة ولشفتيه التي تصوِّب الكلمات الخشنَة.
رائِد : ماهو من صالحك أبد! هذاني نبهتك . . أبعد قدمِه ليغرزها بقوة في بطنه الخاوي حتى يتقيأ دماءُ لثته التي جُرحت دُون أن يصدر صوتًا وهو يحاول أن لا يصرخ ويتحمَّل كل هذا.
خرج رائِد ليتركه عاقد الحاجبيْن من طعم الدماء السيئة في فمه، تقدَّم إليه فارس بحنق وهو يمسح وجهه من الدماء وملامح عبدالعزيز تذبل بشحُوبها، رفعه من ظهره ليستقيم على الكرسي، مسح شعره الذي ألتصق ببعضِ نثرات الأرض، فارس : يوجعك شي؟
هز رأسه بالرفض وهو يشتمُ كل شيء في داخله، تأتِ خيالاتِهم على باله بصورةٍ مُفجعة، ليتني ذهبت معكم ولم أشهد كل هذا، ليتني رحلت.
فارس يجلس على ركبتيْه ليُفكِك الحبال الملتفة حول قدمِه ليشدّ على عقدة الزناد فتنطلق رصاصةً أخرى وقبل أن تأتِ سحبه فارس ليرتطم خده الغائر بجرحه على الأرض.
: آسف يا عبدالعزيز ما توقعت أنه فيه رصاص . . وقف متجهًا نحو السلاح ليفكّ الحبل منه ويعُود إليْه ليرفعه وهو يشعرُ بأنه يموت فعليًا ولا طاقة له بالكلام.
فارس : كِذا تمام ؟
عبدالعزيز بصوتٍ يضيق : إيه
فارس سحب كرسي آخر ليجلس أمامه وهو يمسح على وجهه بعناءٍ شديد ويشعرُ بألمِ عبدالعزيز فوق ما يتخيَّل.
رفع عينه إليْه : أحد أتصل ؟
فارس يخرج جوال رتيل من جيبه : لا جوالك ما جاه ولا إتصال.
عبدالعزيز أخذ نفس عميق خشية من أن أمرًا حدث لهُما، لا يستطيع أن يوصِي فارس أن يذهب ليطمئن بعينيْه ورائِد يراقب خطواته.
فارس : إن شاء الله مو صاير لهم شي .. أبوي اصلا حاط في راسه أنت وعبير! . . . أنتبه لدماءُه تأتِ من رأسه . . أنتظر لحظة.
أتجه نحو المكتب ليخرج من الدرج حبات قطن، مسح رأسِ عبدالعزيز المتوجِّع بصداعِ الدماء المغلية في دماغه.
دخل رائِد بصورةٍ مفاجئة : أطلع!
فارس تنهَّد ليُمسك الهاتف الذي في حضنه ويُمسك عين رائِد معه التي تُدقق بكل شيء : هذا جوال مين ؟
فارس بهدوء : جوالي
رائد يقترب منه : عطني إياه
رفع عبدالعزيز عينه بغضبٍ كبير دُون أن يلفظ شيئًا.
فارس : الحين رضيت تسوي فيني كل شيء لكن بعد جوالي!
يسحبه بقوة وهو يعرف ماذا يُخطط له هذان الإثنان، فتح آخر المكالمات ليجِد – جنتِي ، عبدالعزيز ، عبدالعزيز ، جنتي ، ضي –
نظر لفارس بحدة : وش جايب جواله معك؟
فارس أخذ نفسٍ عميق دُون أن يجيبه بكلمة.
بغضب يتصفح الرسائِل ليجدها أحاديثٍ بضميرٍ أنثوي، فتح الصور لتتسع إبتسامته بخبث، مدّ الهاتف بوجه عبدالعزيز وكانت صُورة رتِيل العفويَة وهي ترفعُ عينها ولسانها خارجًا وشعرُها المموَّج ينعكسُ على ملامحها البروزنيَة، وبنبرةٍ مستفزة : هذي الحلوة حرم سيادتِك!
عبدالعزيز أشتعل بغضبٍ لا يوازيه غضب وهو يصرخ : و ربّ البيت لا أذوقك كل هذا في دقيقة
ضحك رائِد بسخرية : متى بتذوقني إياه إن شاء الله؟ في القبر؟ . . أنا شكلي بغيِّر رايي وبطلعها من تحت الأرض، على الأقل تسلينا
عبدالعزيز يشدُّ على شفتيْه ويشعرُ بحرقة الغبن في صدره، رفع عينيه المحمرَّة بالعصبيَة : والله العظيم يا رائد لو لمست منها شعرة لا أجننك بمعاملاتك الجاية والله ما يهمني شي لو تذبحني ولا يهمني لو تهددني بغيري .. لا أخلي سنينك هذي كلها تطلع من عيونك قدام شركائك!
رائد بإبتسامة هادئة : يعني تبي تساوم على عبير؟
عبدالعزيز بثقة : ما أساومك عليها! ولا راح أساومك على أحد! بساومك على تجارتك
رائد بحدَّة : والله وطلع لك لسان وتبي تساوم بعد
عبدالعزيز بغضب : أترك الجوال!!
رائِد بإستفزاز يتجه لصورٍ أخرى ولم تكُن هي صاحبتها حتى وجد صورةٍ أخرى بفستانِ زواج ريَّان، قدَّم الصورة المغرية له ليُثير كل الحمم البركانية في داخله، أهتز كثيرًا محاولاً الحركة وفك القيد حتى سحب فارس الهاتف من بين يدّي والده بشدَّة ورماه على الجدار ليتفكك قطعةً قطعة.
رائد ألتفت عليه بغضب وهو يُمسكه من ياقة قميصه : ناوي تبيعني عشان هالكلب!!!!
فارس بعصبية : لأن هالأسلوب ما أرضاه على نفسي!
رائد يصفعه بقوَّة دون أن يقاومه فارس، رُغم كل شيء لا يستطيع أن يدافع عن جسدِه أمام والده ولو أستطاع لقدَر أن يتوازى معه بالقوة الجسدية. دفعه على الجدار ليصطدم رأسه فوق إصطدام العصا الأولى، بحدَّة : صدقني محد بيضيِّع نفسه غيرك! للمرة المليون أحذرك لا تحاول تلعب من وراي معاه ولا والله ما تلوم الا نفسك! لأخليك تحلم بشوفة عبير فاهم! . . . وخرج.
فارس عدَّل ياقته التي أنشدَّت بحركاتٍ غاضبة و عبدالعزيز لا تهدأ النار بداخله، يشعرُ بالغيرة تأكل أطرافه كدودةٍ لا تفكّ عن تقطيع جلده وصورتها تأتِ كجحيمٍ لاذع، عيناها المكحلة بزفافٍ يجهله تُثير في داخله ألفْ علامة غضب وغضب.
يُتبع
،
يسجد على سجَّاد المسجد الخمرِي بعد إنتهاءِ صلاة العشاء، لتخرج دمعة القهر من عينيْه التي ذاقت كل أنواع القهر ولم تبكِي، ولكن هذه المرَّة الأمرُ يتعلق بـ - قطعةٍ من روحه - ، كيف يتحمَّل قلبي لذاعةُ الأمر و رُوحي تختطف! كيف أقف بثبات و إبنتِي بصورةٍ لم أتوقعها يومًا تتزوج هكذا! لم أفرح بأيّ منهما، لم استطع أن أسعد ليومٍ واحد! يالله أنت تعرف قيمة الأشياء بقلبي، أن هذا العالم لا يعنيني والله لا يعنيني ولكن " بناتي " لا ترني بهن مكروه، لا تُذيقني حزن واحدةٍ منهن، أنا والله أحترق من بُعدهما ومن المجهول الذي ينتظرهما، يارب القضاء والقدر إن قلبي معذبٌ بهما فلا تزيدُ من نيرانه، أني أسألك بأضعافِ القهر والغبن الذي بقلبي أن تُريِّح صدر بناتي، أن تلطف بهما وأنت عزيزٌ رحيم، يارب السعادة أهطل بفرحك عليهما، يارب أنهنّ جزءً مني فلا تزدني حرقة عليهما أكثر، يارب يا سميع الدعاء.

يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -