بداية الرواية

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -171

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي - غرام

رواية لمحت في شفتيها طيف مقبرتي -171

الجزء (٧٣)
+ يارب يارب يارب يقّر عيننا بنصِر سوريَا وبلاد المسلمين ويحفظ شعوبنَا العربيَة والإسلامية من كل شر، ويحفظ " مالِي " ويحفظ أرضها وأهلها من كل سوء.
المدخل لـ يزيد بن معاويَة، أقرأوا فتنته :"( لي يومين وأنا أهوجس بقصيدته :"" أقرأوها كاملة بمواقع مشهورة لأنها منتشرة بتحريف لأبياتها :( المهم هذا مقطع منها.
لها حكم لقمـان وصـورة يوسـف
ونغـمـه داود وعـفـه مـريـم ِ
ولي حزن يعقوب ووحشـه يونـس
وآلام أيـــوب وحـســرة آدم ِ
ولو قبـل مبكاهـا بكيـت صبابـة
لكنت شفيت النفـس قبـل التنـدم ِ
ولكن بكت قبلي فهيج لـي البكـاء
بكاهـا فكـان الفضـل للمتـقـدم ِ
بكيت على من زين الحسن وجههـا
وليس لها مثـل بعـرب وأعجمـي
مدنيـة الألحـاظ مكيـة الحشـى
هلاليـة العينيـن طائيـة الـفـم ِ
وممشوطة بالمسك قد فاح نشرهـا
بثغـر كـأن الـدر فيـه منـظـم ِ
تجمدَت خُطى عيناه ناحية حصة، تجمَد العالم بأكمله في شُرفة محاجره، تصاعدت الحُمرة ببخارٍ ضيَق لتُباعد النظر/البصر عنه، تصاعدت حتى اوشكت على خنقه بدمعٍ متجمَد/متيبس.
لا شعور! أنا أخاف للمرةِ الأولى بهذه اللذاعة، أنا أخاف بعُمق قلبٍ لم يعِش الحياة كما ينبغي أن تُعاش، أنا أخاف من الأحلام إن أتت، أخاف من فكرة تحقيقها، لأن هذه الحياة لا تُناسبي، تروق لي فكرة أن أرى أحلامي تتساقط واحدة تلو الأخرى، قضيت عُمري أتأمل كيف لأحلامي أن تنتهي وتختلف بنهاياتها، أراقب كيف لها أن تتبدد وتتلاشى كأنها لم تكُن، أراقب كيف تنتهي دُون أن تنظر إليْ؟ دُون أن تعتذر عن العمر الذي قضيته في إنتظارها؟ لا أحد يحترم إنتظاري فكيف أحترم معتقدات هذه الحياة؟ كيف يطلبون مني أن أنسى؟ أن اتجاهل؟ أن أتغاضى؟ كيف يريدون مني أن أحترم هذه الحياة التي لم تحترمني ولا مرَة!
حصة بخوف : سلطان ؟
سلطان بصوتٍ يضيق وجعًا : متى ؟
حصة : قبل فترة عرفنا
سلطان زمَ شفتيْه، لينظر بإتجاهٍ مستقيم حاد للجدار الذي أمامه، شعر بأن قلبه يتقيأ حزنًا/كمدًا، " إلتزم الصمت والسكون " ليس لأني أريد الصمت، ولكن كيف لأبجديـة واحِدة أن تشرح حُزني في هذه اللحظة؟ كيف لها أن تصوَر بحة قلبي؟ وترسم تقاطيع الأفكار المارةَ في حنجرة أتخذت لها من الريحِ صوتًا، يالله! هو حلمٌ واحد! كيف له أن يتحقق بهذه الهيئة المؤذية؟ لم أتوقع ولا للحظة أن أًهان بأحلامي! أن أكون آخر من يعلم بولادة حلمٍ ابتعد عني طويلاً! ليه يا جوهرة سلطانِك؟
حصة سقطت دمعتُها بمنظر عينيْه القاسية، يكسرها حزن الرجال كيف إن كان سلطان؟ يكسرها أن تنظر لدموعهم المعلَقة بين الأهداب؟ يؤلمها أكثر أن ترى الوجع بملامحه حتى وإن حاول إخفاءها، هذه المرة سلطان واضح جدًا حدُ الألم/الحزن/الوجع/الحسرة : كانت راح تعلمك مو قصدها تخبي عنك!
سلطان دُون أن يرمش أو يلتفت، تصلَب لتسعُر رعشات الدماء المُثارة في داخله : عمتي اتركيني لحالي شويَ!
حصة برجاء : لا تسوي في نفسك كذا! واللي يرحم والديك يا سلطان
سلطان إلتفت عليها بحدَة تُقيم الثورات بدماءه الهائجة بقاعٍ غاضب : ليتني متَ ولا سمعت منك هالخبر!
حصة بكت بلا تردد، سقطت دموعها سقوطًا حاد: لا تقول كذا! . . وضعت يدَها على كفه الباردة . . سلطان تكفى أبيك تنبسط بهالخبر مو تتضايق!
سلطان : مسألة إني أتضايق منها هذا أمر تركته للوقت ، ماني متضايق من أحد ولا أنتظر أسف من أحد!
صعد دمعُه القاسِي في محجره لتُضيء عيناه ببكاءٍ معلَق : محد بيعرف ويحس بحجم حزني الحين!
حصة بضيق تشدَ على كفَه : حاسة فيك . . حمَلت نفسك فوق طاقتها، خسرت كثيير عشان هالأرض باقي الجوهرة . . لا تخسرها بعد!
سلطان عقد حاجبيْه بتعرجاتِ الضيق في جبينه : الله يعوضني
حصة : لا سلطان . . لا تكفى . .
سلطان يهذي بوجعه : مصدوم منها! إذا أنا غلطت وقهرتها في أيَ شيء فأكيد أنه شي مؤقت هي بتقهرني عُمر كامل! . . ردَت عليَ بأكثر شي يوجعني يا حصَة!!! . . أنتِ أكثر وحدة تعرفين وش كثر متشفق على طفل يحمل إسمي! ممكن أستوعب أنها تسوي أيَ شي بس ماأستوعب أنها تكون لئيمة هالقدَ! تبي تكسرني بطلاقها! وتكسرني بأني آخر شخص يعرف بحملها . .
حصة : الجوهرة مو كذا
سلطان يُكمل بروح مخضبَة بحزنٍ،أسى، غمَ، بأس و شجَن، يُكمل بعبراتٍ ظهرت بعد عُمرٍ طويل لم يتجرأ أن يُتيح لحزنه فرصة أن يتوسَع بتفكيره وقلبه، دائِمًا ما كان يترك البكاء يتغلغل في داخله دُون أن تلتفت إليه عيناه ولكن هذه اللحظة كل حواسَه تلتفت لقلبه ولحزنه.
: إلا كذا! لمَا حاولت أرجع وأصحح معها حياتنا صدَت وهي حارمتني حتى من أني أعرف بالموضوع! إذا أنا غلطت ألف مرة هي غلطت مرَة وتساوي هالألف كلها! هي اللي تبي الطلاق! وراحت .. سوَت اللي براسها وماكلفت نفسها تقولي!! . . ولو ما زلَ لسانك ما قلتي لي! . . أنتِ شايفة أنه تصرفها طبيعي؟ ومالي حق أتضايق ؟
حصة : سلطان . .
يُقاطعها بعصبية : لا تدافعين عنها! . . نبرته تعتلي حتى تبحَ بوجعها/تعبها . . لا تدافعين! لا توقفين ضدي!!! ماعاد في حيل أصبر على أحد!
حصة : ماأوقف ضدِك يا روحي، ولا راح أوقف ضدك بيوم! أبيك تصحح حياتِك! ماراح يجيك اكثر من اللي مضى . . سلطان تجاوز هالموضوع!! تجاوزه عشان خاطر نفسك اللي تبيها
سلطان : اللي موجعني أنه في حياتي كلها ما هزَني شيء، بقيت ثابت مع كل الظروف اللي شفتها واوجعتني، اللي موجعني أنه بعد كل هالأيام والعُمر اللي فات . . يهزَني حمل الجوهرة!!
حصة شتت نظراتها، يا رب! كيف ينكسِر بهذه الصورة العنيفة لقلبي : سلطان! . . أرجوك
سلطان : إتركيني . .
حصة ببلل ملامحها : بس ترتاح راح تفكر صح، . . وقفت . . تصبح على خير
سلطان بلع صوتُه كغصَة عكَرت صفو الكلمات. خرجت حصة ليُغمض عينيْه ثانيتيْن وبنصفها الثانِي فتحها لتسقط دمعة من عينِه اليسرى، دمعةٌ لم يُثبَط مسارها بأيَ جهد، تركها للحياة، للثبات الذي عاش به لسنواتٍ مديدة، للإتزان الذي لم يتخلى عنه الا عند الجوهرة، تركها تسقُط بحزنٍ إلتم حوله كجماعَة توحدت به.
شدَت عروقه حتى بانت في أطرافِ رقبته وجبينـه، أشتعلت عيناه بحزنِ قبائل وليس فردًا واحدًا.
انهارت قوَاه الداخلية، انهارت بعد حياةٍ كاملة ظهر بها في موقف الرجل الصامد الذي لا يهزَه شيء، ولكن هزَه خبر! هزَه جنين في رحمِ إمرأة بلغت من قلبه ما لم يبلغ أحدًا قبلها.
مالذي كان يدُور في عقلك لحظتها؟ كيف قدر قلبك أن يهزمني بإرتطامٍ مدويًا؟ من يُنظف مخلفاتِ الحياة التي تعوث في قلبي؟ من يُرتب كومة ملامحك فيَ؟ من أنا من هذا كله؟ ألغيتِ وجودي في لحظةٍ لم أكن أريد فيها إلا أن أثبت نفسي في حياتك! قاسية، أقسى من أن يحتمل أحدًا هذا الحزن الذي خلفتِيه بصدري!! كل الإناث مهما بلغت عواطفهن الناعمة إن انتقمت الواحدة منهن لا تُبقِ جزءً منَا صالحًا للحياة.
وضع رأسه على الوسادة البيضاء، أغمض عينيْه لتفكيرٍ لا يدري ماهيتـه، لتفكيرٍ يشتدُ مخاضه بعقلٍ بائس، كيف أبتهلُ بحزني؟ لم أعتاد على إتاحة الحزن بيْ! لم أعتاد أن يتحدث بصوتي! يا نداء الحُزانى في مأذنـةٍ أندلسيـة فقدت إمامها، يا نداء الثكالى في محرقـةٍ عراقيـة يسمعُ صداها لعقُودٍ من زمنٍ ذابل لا يقف على عتبة وقت إلا ليحمل دقائقها ويدفنها، يا ندائي الخافت! بحَ صدرُ الحياة ولم يبق بنا صوت.
،
إلتفت عليها ليسحب ساقها بقدمِه ويجعلها رُغمًا عنها تستلقي على الأريكة الشاسعة، سحبها من ذراعها بشدَة غضبه الذي ثار كبراكينٍ مُتصاعدة، أشعرُ وكأن أحدًا حشَر في حلقي طبقةً من النار، بعينيْن تجلدها بسياطٍ من النظرات اللامنتهية : لا تنتظرين مني أثبت لك رجولتي! لأنك لو كنتِ شيء له القيمة كان ممكن أبرر لك!!
ضاقت محاجرها بدمعٍ يغزو البياض حُمرةً : ومين قال أني أنتظر إثبات رجولتك ليْ! أنا ما أسألك عن مبرراتك!
بقسوة تُكمل : كلامي كان بصيغة خبرية ! شكَك في نفسك ماراح يغيَر من الموضوع شي . .
جنَ جنُونـه في وقتٍ لا يلتزم عقله بأيَ تفاوض للإتزان، صفعها بقوَة على حافةِ شفتيْها ليسدَ مجرى الكلمات المتعاليَة بصخبها : راح تندمين! . . على كل كلمة وعلى كل حرف!
رتيل بلعت دمعُها بحموضتِه، كابرت بأن لا يهتَز رمشها لتُردف بحدَة : وأنت راح تندم! قلتها بعظمة لسانك إحنا نقدر نتجاوزكم لكن أنتم الرجَال أبقوا في جهنمكم!! . .
عبدالعزيز : كيف بتتجاوزيني؟ خليني أتعلم من خبراتِك! . . أردف كلمته الأخيرة بسخريَةٍ لاذعة لعدم مقدرتها على تجاوزه طوال الفترة الماضية.
رتيل ببحـة : تحاول تذلني؟ . . وش القلب اللي عليك؟
عبدالعزيز احترق ببحتها الحادة: تقدرين تحكمين سيطرتك على قلبك؟ . . طبعًا لا وأنا كذا يا رتيل!
رتيل اندلع في عينيْها فوجٌ من الدموع لتذبل نبرتها المبحوحة : كذااااب! . . قلبك ما يقدر يضايقني بظل كلمة! . . . . . ما أعرفك ولا راح أعرفك! . . غلبني قلبي فيك.
عبدالعزيز ألان قبضته، بنبرةٍ خافتة : لا تحاولين ولا لمجرد التفكير أنك تضايقيني!! لأن لحظتها ماراح أضمن حياتك!
رتيل بتحدِ عينيْها وبإصرار الكلمات المتحشرجَة على لسانها : و لا تحاول تكسرنِي! .. طول ما أنا هنا صدقني ماراح تشوف يوم حلُو!! . .
سحبت نفسَها لتخرج من بين ذراعيْه، وقفت ليقف أمامها، لاصق جسدها بجسدِه ليحتَد صوته : محد يكسر نفسَه بنفسه مثلك!!!
رتيل بقسوَة أنثويـة : لو تعرف وش الجنون اللي ممكن أسويه إذا حقدت على أحد! لو تعرف بس كيف ممكن أمحيك من حياتي!!
عبدالعزيز تأمل الصدق/الشفافيَة التي تبُوح بها، أدرك أنها وصلت لأقصى مراحل الحقد والكُره : المسألة مو بإيدك! المسألة بإيدي وأنا اللي بحدد وجودك من عدمة بحياتي!
رتيل أخذت نفس عميق لتُثبَت عينيْها به : ماراح أحبسك فيني وأنتظرك تحنَ! ولا راح أمنع دموعي من أنها تبكي عليك! راح ابكِي لين تنتهي من داخلي! ولحظتها راح تعرف حجم خسارتك ليْ وراح أعرف كيف ممكن تجي النزوات ثقيلة!!
عبدالعزيز برزت عرُوقه بغضبٍ عالٍ، سحبها من ذراعها ليدفع بظهرها على الجدَار، أوجعها ليُحيط عنقها بقبضةِ كفه شديدة الحرارة، خنقها حتى شحب لونُها بالهواء الذي يطير من رئتيْها : مطلُوب أخاف منك؟ أو أفكر بأيش ممكن تسوين؟ . . بغضب تعتلي نبرته . . لا تتحدين شخص ما عنده شي يخسره!!!
رتيل تضع كفيَها على كفِه لتُبعده، شدَ أكثر حتى أحمرَت رقبتها، تركها بعد ثوانٍ حاول أن يُسكِن بها حدَة غضبه بروحها.
سعلت كثيرًا وأصابعه تنقشُ نفسها حول رقبتها، رفعت عينيْها بإتجاهه: هان عليك؟ . . صرخت ببحَة . . ليه؟
جلست على ركبتيْها، لم تعد تحتمل الوقوف أكثر وقلبُها يضطرب بنبضاتٍ لا تعرفُ إلى أين نهايتها.
عبدالعزيز عقد حاجبيْه ليجلس بجانبها، بخفوتٍ واضح: ممكن أكون متناقض! ممكن أكون لئيم! ممكن أكون كذاب! ممكن أكون أيَ شي تتخيلينه لكن بخصوصك أنتِ أبدًا . . لكن غصبًا عنَي، مقهور! . . مقهور منهم كلهم
رتيل بضيق محاجرها المتلألأة: وش ذنبي؟ وش ذنبنا أنا وقلبك من كل هذا؟
عبدالعزيز : مالكم ذنب . . بس أنا ممتلي ذنوب . .
رتيل: عزيز
عبدالعزيز : يا روحه
رتيل ببكاءٍ يتصببُ من نهرٍ مجراهُ عيناها : سامح! سامح والله بيجبر خاطرك
عبدالعزيز: أسامح على أنهم بغمضة عين اخطفُوا منَي أهلي! أسامح على أنهم تركوني أهذي بغادة وهي تشوف نفس السمَا اللي أشوفها! أسامح على أنهم كذبوا عليَ بأكثر شي مشتاق له! أسامح على أيش؟ لو تدرين بس مُرَ الوجع اللي فيني؟ لو تحسَين بس بقدر أنك تفقدين أحد بفجيعة كذا! لو بس تعرفين أنه كل هذا مو بإيدي!!!
سَار بخطواته نحو الأريكة ليسحب معطفه والهاتف ويخرج، نظرت لمقبض الباب الذي يلتف ويُقفل جيدًا، وضعت يدها على رقبتها تتحسس الحرارة التي ارتفعت بها، ثوانٍ قليلة حتى يضطرب هدبها وتعُود لكنفِ بكاءها.
جلست على الكرسي لتُخفض رأسها ببكاءٍ عميق، اختر هواكَ يا عزيز، ومثل ما يشتهي هواكَ، عسى أن يقطع الطريق قلبًا عزَهُ هواه وأذلَه، إن نصيبي من دُنيـاك حلمٌ، و نصيبك من حلمِي وجعٌ، كيف ننتهي؟ كيف نتجاوزك؟ أنا وقلبي! كيف نتشافى مِنك؟ إني أؤمن بأن الحُب الذي يصلني بِك محفوف بالخواطِر، إني أؤمن أكثر بأن لا بُد أن نتغاضى ونتنازل، ولكن لا تُشرك إمرأة أخرى معي! لا تُشركها ونحنُ نولد بكيدٍ عظيم.أرجوك يا عزيز! لا تستفز شياطيني الأنثوية بها، أرجُوك لا تقتلني بوجودها، لا تقلتني بالنظر إليْها، لا تقتلني أكثر وأنا أُحبك أكثر وأكثر.
همست : أرجوك!!
،
تيبست قدماه مع الرنين المتكرر، تجمدَت كل خليَة مُتاحة للتفكير، عاد خطوتين للخلف، لا يعرف مالحل المُجدي بهذا الأمر، إلتفت عليها، نحنُ لا نملك القدرة على مُحاربة الأقدار، كل ما يربطنا بها حفنةُ صبِر. انتهينا! لا مدى يسعَنا ولا الأرض تحتمل وجودنـا معًا، نحنُ نموت جزءً جزءً، ننكسر ضلعًا تلو ضلعًا، نتلاشى كفُتاتٍ يصعب على الأرض أن تجمعنا، نحنُ نموت بصورة بطيئة مؤذيـة، كنت أريد دائِمًا أن تكونين آخر وجه أراه، كُنت أدعو الله دائِمًا أن تكونين في الجنـة وأصعدُ إليْك، كنت أطمع بحياةٍ أخرى معك في وقتٍ لم تدفع لي هذه الدُنيا ما يُكافىء حُبِك، أنتِ معصمي في هذه الحياة ومنذُ غبتِ لم أفعل شيئًا صالحًا بيدٍ مستأصلة جذورها! والآن؟ لا أعرفُ أعمق من قولٍ لأودعكِ به سوى " ردَيني لعيُونك " ، كان حُبنا حلمٌ تحقيقه بمتناول اليد، كان حُبنا أقوى من أن يُطوى، كان ما بيننا أعمق من أن تنسينه يا غادة! أعمق من أن يفلت من ذاكرتك! مُتنا، مُتنا منذً زمنٍ بعيد.
تقدمت إليْه بعينيْن مُحمرَة بدمعٍ يضيق بمحاجرها، همست : مين؟
ناصر بجمودِ ملامحه التي تُخفي وجعًا عظيم : الشرطة
غادة برجاء يُبللها بالدمع : لا تروح! .. سحبت يدِه لتضغط عليها بوجَع . . لا تروح!
ناصر بصوتٍ خافت يحبسُ صداه بقلبها : بقولك شي مهم . . .
أحاط وجهها بيديْه ليُقربها منه هامسًا : فيه شي ما قلته لك أمس، وهو مهم بالنسبة ليْ
غادة بعينيْن متلألأتيْن، اختلطت أنفاسها بأنفاسه القريبة منه، رمشت لتسقط دمعاتها مرارًا، ويهزَ البكاء غصنه تكرارًا
يُكمل تحت رنين الجرس المُزعج : تاريخ مستحيل أنساه وأبيك تتذكرينه حتى لو كذبْ! قولي اتذكره وأحفظيه بقلبك، ١٦ أوقست ٢٠٠٨ اشتركنا بالرسائل المستقبلية اللي تنظمها الجامعة . . كتبنا مع بعض كلام كثير وحطينا تاريخ وصوله بداية عام ٢٠١٣ وقلنا راح نكون مع بعض ومرَ على زواجنا ٥ سنوات . . كتبنا أحلامنا كلها . . بس نسيت أكتب شي وأبي أقوله لك الحين . .
اقترب ليُقبَل جبينها بحُبٍ بلغ في قلبه الشيء الكثير والكبير، بحُبٍ أصبح عذريًا نسبَة للنوى والغياب، نسبة لقومٍ عُذرة الذين أبكُوا أجيالاً من بعدِهم، هُم الذين بلغوا الهزَل والمرض حد الموت من أجلِ حُبهم الذي يحترق من شدَة الوَجد والصبابة، أغمض عينيْه.
أريد أن أسحب رائحتِك يا غادة فيَ، لا أريدك تموتين في داخلِي، أريدك حيَة لذاكرة لم تنساكِ لحظة ولن تنساكِ أبدًا، أوَد أن أستنشقك حتى لا يبقَ من هواءِ المدينـة غيرُكِ، أوَد أن أتغلغلُ بِك، بكل خليَة بجسدِي أريدك، لم يهرم حُبنا، لم تتحقق أحلامنا معًا، نحنُ الذين وعدنا بعضنا البعض أن نشيخ معًا، ولم أرى طفلي يا غادة! لم أراه. لم أُأذن بإذنه اليمنى وأُقيم باليسرى، لم أغرقه بقبلاتِي ولم ينام بحُضني، لم نسافر بعيدًا ونُقيم لحُبنا ضحكات هذا العالم بأكمله، لم نفعل أيَ شيء يا غادة!! يا فردوسِي بهذه الدُنيَا، يا جنَـتي، يا ضحكة الميلاد ومواعيده. أحبسي نفسك فيَ، لا أطمح لنهاياتٍ بالغة السعادة ولكن يالله أريد قُربها حتى لو كان وَجعًا إني راضي بوجعها، إني راضي يا ذو الكرمِ. إني راضي بإستبدادها وظُلمها ما دامت هُنا. يا صاحب الجلالة والفضلِ والقوة أرزق فقير الحظ من لطفك واكرمني بحُبها.
انهارت قوَاها وذبلت لتتشبث أصابعها بقميصه، غرقت به حدُ اللاإنتهاء، شدَت على صدرِه لتُغطي به وجهها المُبلل، استنشقت عطرِه الذي يُنقش بذاكرتها بصلاحية عُمرٍ كامل، حبست جسدِها بجسده وهي تبكِ، بكلِ دمعة هُناك رجاء أن لا تذهب، بكل دمعة هُناك حزنٌ يمدُ يدِه نحوك، بكل دمعة هُناك وَجدٌ ينسابُ إليك، بكل دمعة هُناك أحبك مُشرَدة.
ناصِر يهمس : اللي نسيت أكتبه . . كنت دايم أسأل نفسي وش فايدتي في هالحياة؟ بعدِك حسيت إني مجرد عدد زايد لا أفيد ولا أستفيد . . كنت دايم أقول يارب أرزقني الصبر على أنَي اتحمل اللي بقى من عُمري . . وبس جيتي! طلعتي لي مثل الحلم . . ما كنت أبي أنام أو تغفى عيوني دقيقة، كنت أخاف ما اصحى! ماألقاك جمبي، كنت أبي أستغل كل دقيقة معاك قبل لا ينتهي عُمري . . كنت أبيك هنَا وبالآخرة وبكل مكان راح أعيشَه، ما عدت أسأل ربي عن عُمري، انا كنت أحمد الله على كل دقيقة كنتِ فيها هنا . . قدام عيوني، . . اللي أبيك تفهمينه أنه . . مدَ الله بعُمري عشان أعيشَه معاك.
خرج أنينها موجعًا مؤذيًا لكل خليَة بصدره، سقطت حصُونها بآخر جملة، إرتخى جسدِها وكأن العظام ذابت وتبخرت، شدَ على ظهرها ليعانقها بكل ما يملك من قوَة، دفن ملامحه بعنقها، عاد لأصلِ الهوَى، لعنقها الذي هو المرجعُ في العشق والشِعر، صعد بقُبلاتِه نحو ملامحها ليهمس بالقُرب من إذنها : بحفظ قلبي بعد الله.
ستقرأين يومًا عن أحلامنَا المشتركة التي أصلُها إثنيْن وكان لا بُد أن يجمعنا ثالثٌ يحمل إسمِي ويحملُ ملامحك، ستقرأين يومًا عن الحُب الذي غادر ذاكرتك سريعًا، ستقرأين يومًا عن الحياة التي كانت لابُد أن تنصفنا ونجتمع تحت سقفها، ستقرأين يومًا عن هذيَان رجلٍ كتب لكِ عن أطفاله الذين لم يأتون و عن حياته التي لم تأتِ، ستقرأين يومًا أنني أحببتُكِ أكثر مما يجب لنفسٍ بشريَة، لا تحتمل كل هذا الغرام.
تركها ليُعطيها ظهره، أقسى ما في الوداع الإلتفاتة التي تُصعَب من أمرِه، سحب جاكيته ليأخذ نفَس عميق وبداخله ردد " اللهم أحفظها " ، فتح الباب ودُون أن تتحرك شفتيْه بكلمة سحبُوه ليُقيَدوا يديْه.
سقطت على ركبتيْها بمُجرد ما أن اختفى عن أنظارها، رحَل! كيف أدلَ طريقـه بعد الآن؟ هل سينتهي أمره بالسجن ثم الموت؟ وأنا؟ . . يا الله أستعيذُك من إنكساراتٍ أخرى لقلبٍ أمتلأ بثقوبـه/خدوشه. أستعيذُك يالله من الوجع أن يقترب من قلبه، لو أن الوقت يستطيل ويتيح لنا فرصَة واحِدة، فرصَة حتى أُخبرك بأنني أتحدى هذه الذاكرة والزمان الذي رحَل، إنني أتحدى كل شيء من أجلك، من أجل أن أعُود لأصلِي، أصلي الذي هو قلبك.
يُتبع
،
لا صوتٌ ينفذ سوَى رعشات الماء تحت القارب، ولا ضوءٌ يبرق سوى المصباح الصغير الذي على جانبيَ القارب، السكُون يهبطُ بسلامِه على الهواء الذي يُحيطهما والبرودة تُرجِف ملامحهم وتخرج كبُخارٍ أبيض من بين شفتيْهما.
نظر إليها بنظراتٍ أشعلت قلبها بربكة عميقة، شدَت على جاكيتها بتجمُد من درجة الحرارة المنخفظة، شتت نظراتها خوفًا/رهبةً.
فارس وقف ليُثير كل خليَة في داخلها ويُغرقها برعبٍ شديد، رفعت عينيْها المرتجفتيْن لعلوِه و هيبـته المتسللة بجسدٍ تترجمه حواسَه، ثبتت نظراتها لعينيْه المُرَة كالقهوة والحُلوة بذاتِ الوقت.
مالذي تحاول أن تفعله بيْ يا فارس؟ عيناكَ لم تكُن يومًا شيئًا عاديًا حتى أتجاوزه! عيناكَ ثقافـة كُلما رأيتهما شعرتُ بأني أُميَة، عيناكَ موسوعة وأنا لا أحفظُ أمامهما إلا لحنِ إسمك الملتوي على لساني، مالذي تُريد أن تصِل إليْه؟ قلبي؟ أمرٌ أنتهينا منه. عقلي؟وقعنا على إستعمارك له في عقدِ زواجنا. هذه السماء التي تقف خلفك تُضيئني، أم أنت من تُضيء لي هذه السماء! أحبك! " كِذا ببساطة أحبك ". تتغلغل بيْ وتتحكم بحواسَي، كل شيء يخرج تحت سيطرتي لتُسيطر عليه بإستحلال تام، أنا مُقيَدة تحت شرعيْتك، أعملُ بقوانينك أهمها ما تُمليه عليَ عينيْك، أنت تعلم! والله تعلم كم يبلغ مداك فيَ، تعلم وتثق بذلك مهما حاولت أن أنكر لك وجُودك في داخلي. عيناكَ كارِثة! لولا الخوف من الله لعبدتُها عبادة، عينَاك أمسيَة لولاها ما خرَجت علينَا الشمسُ ولا غربَت، عيناك يا فارس! لا أحتملُها.
فارس ابتسم لملامحها حتى بانت أسنانه : وين وصلتي له؟ . . جلس بمُقابلها، بقُربٍ شديد حد أن يلامس أقدامه أقدامها.
عبير أخفضت نظرها دُون أن تنظر إليْه : أفكر وش بيصير بعدين!
فارس : وش بيصير؟
عبير رفعت حاجِبها الأيمن : مدري!! وش بتسوي؟
فارس: عادِي! برجع لحياتي القديمة . . مافيه شي تغيَر
عبير نظرت إليْه بقُربٍ لا طاقة لها به، شتت نظراتها لتُردف : كيف حياتك القديمة؟
فارس: أصحى أقرأ أرسم أكتب وأنام
عبير : بس؟
فارس : بس
عبير بلعت ريقها بصعُوبة : كيف كنت تراقبني؟
فارس بضحكة : كم تعطيني عشان أقولك!
عبير ثبتت نظراتها عليه : أبي أعرف
فارس : وأنا أقولك كم تعطيني؟
عبير : ماعندي شي أعطيك إياه
فارس إبتسم : إلا عندك
عبير إبتسمت : أفهم وش تبي بس ماأبي
فارس غرق بضحكته ليُردف : ولا أنا أبي أقول!!
عبير نظرت لضفَة النهر البعيدة لتُعيد عينيْها نحوه : تحب الغموض في كل أمور حياتك!! حتى معلومة مستخسر تقولها ليْ.
فارس: على الأقل ما ما استخسرت أمر واقع ولا أنكرته
عبير شعرت أن دماءها تجلطت وتجمدَت، صمتت لا كلمات تطفُو على لسانها، كل شريَان يضخُ عجزه أمامك.
فارس بخفُوت : على فِكرة ماراح تمرضين ولا راح تموتين لو كنتِ صريحة شويَ مع نفسك
عبير تنهدَت : جايبني عشان تستدرجني بالحكي
فارس : ماأستدرجك على شي ماتبينه! من حقي أعرف
عبير بحدَة : لآ مو من حقَك
فارس : عبير! من حقي وأنتِ أكثر شخص يعرف أنه من حقي!
عبير : وأنا حُرَة بأني ماأتكلم
فارس : أنتِ عنيدة كذا مع الكل ولا بس معايْ ؟
عبير : ماني عنيدة . .
فارس: كل شي تنكرينه لو أقولك إسمك عبير بتقولين لا ماني عبير!! بس لمُجرد أنك تعانديني!!
عبير بسخرية : إيه أنا نفسية كذا . .
قبل أن يتحدث ثبتت نظراتها به لتُكمل : تسألني وكأنك توَك متعرفْ عليَ!!!
فارس : كِذا . . نفسية
عبير أشتعلت بقهرها لتصمت مشتتة نظراتها، يعرفني أكثرُ من نفسي ذاتُها، يحفظُ أدق تفاصيلي وأصغرها، ومع ذلك يحاول أن يسألني وكأنه لا يستطيع أن يستشفَ الأجوبـة من عيني.
فارس : بردتي؟
عبير بحدَة : إيه خلنا نرجع
فارس ينزع معطفه ليُغطيها دُون أن يترك لها مجال للرفض أو القبول، شدَه ليُقرب ملامحها من ملامحه هامسًا : خلَي عندِك أمور وسط وخيارات كثيرة
عبير اخترق عطره جيوبها الأنفيَة حتى شعرت بأن رائحته تجري بدماءها جريَان الأنهارِ والسيُول، هذا العطر يهزمني بصخبِه، على هواكَ يا فارس ننصبُ طريقَا ونغيَر جغرافيَة العالم بإمتدادِ صوتُك/رائحتك : شكرًا
فارس : عفوًا يا روحي
عبير خافت من إستسلامها له بهذه اللحظة، ارتعشت أطرافُها بحمرةِ الخجل التي صبغت ملامحها البيضَاء.
فارس : جزآ الله عن صبري الجنَة
عبير ضاقت حنجرتها بتحشرجاتها، بنبرةٍ ضيَقة : محد صبر غيري! كنت تعرفني وتعرف اهلي بكبرهم! وأنا حتى أول حرف من إسمك أجهله
فارس : وتحسبين أنه الوضع كان عاجبني؟ لكن كانت لي أسبابي!
عبير بإستهزاء : ماأتوقع أنك أول شخص إسمه فارس ولا آخر شخص عشان تخبي عليَ الإسم
فارس : المُشكلة أنك أكثر إنسانة جدية مع الكل! بس معايْ أكثر إنسانة تستهزأ بكل كلمة أقولها
عبير ابتسمت رُغمًا عنها،" تتحكم بإبتساماتي يا فارس! بكل حركَة أصدرها تملك سيطرتك عليها. "
فارس بضحكة : حيَ الإبتسامة اللي تطلع بالسنة مرَة
عبير بجديَة : لأني مقهورة منك! ماني مستوعبة كيف سنة وأكثر وأنا أشحذ خيالي عشان أخمنك! وآخر شي ببرود تبيني أتعايش مع الوضع طبيعي!
فارس : صححي معلوماتك! ماطلبت هالشي ببرود
عبير : وش تفرق يعني؟ بالنهاية أنت تعرف وأنا ماأعرف ولا شي
فارس: تفرق كثير . . احيانا نكون مجبورين على أشياء ما ودَنا فيها
عبير : من أضعف الإيمان أنك تقولي إسمك . .
صمتت، عادت لكنفِ السكُون، لا قُدرة على الكلمات أن تشرح حزنك في اللحظة التي تغصَ بذاتِ الكلمات، الكلمات التي كانت خلاصُك للإنشراح. كم ليلة شحذتُ بها عقلي حتى يُخمنك ويصوَرك. كم ليلة حاولت أن أرسمك بطريقةٍ أسطوريَة تليقُ بصوتِك الرجولي الذي هزَ ما كان وما سيكُون، صوتُك الذي زلزل قلبي بصخبِه. صوتُك الذي سمعتهُ مرَة وسرقني لعُمرٍ بأكمله، و لمحتُك لحظةً على شارع بمُقابل الفندق حتى توسدت تفكيري بعينيْك، لمحتُك وأنا أدرك فداحة اللمحة الآن، فداحتها التي تنتهي بظلالِ مقبرة يقودها والدك، لمحتُك يا فارس وزعزعت أَمني.
فارس: بس هذا ما يمنع إني كنت صادق
عبير انسابت دمعة تحت ضوء القمر من عينها اليسرى، نظرت إليه بضياءِ الدمع : تتحمل ضميرك يأنبك ليُوم؟ بتضيق الدنيا في عينك وتنام عشان تهرب من هالتأنيب . . كيف تتصوَر هالضمير لو استمر معك سنَة ؟ وأستمر كل دقيقة وكل لحظة!! جرَبت تغص بالحكِي وتحس حتى ضحكتِك ما عدت تملكها؟ مافيه شيء ضلَ على ماهو عليه من لحظة دخولك لحياتي!
فارس: كل شي له جانب سلبي . . وله جانب إيجابي
عبير: الحُب اللي ما يقويك ما هو حُب
فارس: وش اللي صبَرك كل هالفترة؟ مين عطاك هالقوة عشان تخبين على كل اللي حولك ؟
عبير: الله
فارس: بعده؟
عبير بوَجع: أنت تضعفني يا فارس!! ماكنت مصدر قوة بالنسبة ليْ
فارس: وأنا كنت أبيك، حاولت أمنع نفسي عنك بس مقدرت، ماعندي قوتك اللي خلتك تقطعين بالشهور عنَي، ماعندي هالصبر اللي يخليني ما أسمع صوتك ولا أشوفك . . ماعندي ولا شي من هذا!! رآس مالي بهالحياة قلبك! قلبك اللي هنَا . . أشار لصدره.

يتبع ,,,,

👇👇👇
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -