بارت من

رواية بين الامس واليوم -102

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -102

شفنا العطل يأخوي.. استحملوا بس ربع أو نص ساعة بالكثير..
لأنه فيه واير محترق ولازم نغيره...
والأكسجين عندكم يكفي..وبيكون فيه طاقم إسعاف واقف عند الباب..
علي هتف لشعاع بنبرة تهدئة ودون أن ينظر ناحيتها: ربع ساعة ..نص ساعة بالكثير ويفتحون لنا..
حينها قفزت شعاع أمامه وكل تفكير لديها يتعطل وهي تصرخ بهستيرية:
وش نص ساعة والله العظيم بأموت..بأموت.. أنت ماتفهم.. بأموت..
ثم بدأت تبكي بهستيرية وكل محاولاتها لمنع نفسها من البكاء تنهار:
بأموت والله العظيم ماني بقادرة أتنفس.. بأموت..
بأمـــوت.. بــــأمـــوت...
علي لم يستطع أن يرد عليها بشيء ..
فالتفكير كله طار والكلمات كلها تبخرت..
منذ صافحت عيناه صفحة وجهها.. شعر كما لو أن ماسا كهربائيا كاسحا ضرب قلبه في منتصفه تماما..
لينثره أشلاء رآها تتطاير أمامه في فضاء المصعد !!
شعر أن هذا الوجه كان يرافق أحلامه منذ الأزل..وقلبه يذوي مع انفعالها..
أما حين بدأت بالبكاء.. فهذا القلب المجنون بدأ يتداعى بصورة مؤلمة غير طبيعية..
كان نظره كله مركز على وجهها.. يحاول أن يشيح بنظره فلا يستطيع..
يحاول أن يبعد نظره عنها.. فيجده يعود لها مرة أخرى..
ينظر لارتعاش شفتيها..
وكيف تخرج كلماتها من بينهما مبعثرة كتبعثر السكر..
ينظر لعينيها المغرقتين بالدموع..التي بدت له بحيرة تفيض بحبات الكريستال الصافي الذي تعلق بأطراف أهدابها..
ينظر لخديها المحمرين المبللين كخدي طفلة!!
"يا الله ..هل هناك هناك مخلوقة عذبة ورقيقة كهذا؟؟"
حاول أن يشيح وهو يقول لنفسه: النظرة الأولى لك والثانية عليك..
اللهم أني استغفرك وأتوب إليك..
ولكنه لم يستطع أن يشيح بنظره عنها ..
كما لو أن هناك شيء أقوى منه يجبره على ذلك..
ينظر لها وهي ترتعش وتبكي كطفلة خائفة.. وبباله خاطر واحد مجنون:
ماذا لو أخذها في حضنه ليسكن جزعها وارتعاشها الذي يشعر به يذيب كل خلية في جسده..؟؟
ليكتمل جنون هذا المشهد بشعاع تفقد وعيها..
وربما كان هذا رحمة بها لأنها لو بقيت بوعيها أكثر لفقدت عقلها..
علي حين رأها تميد وكأنها ستفقد الوعي.. أمسك بها..
لأنه كان يعلم أنها ولو وقعت دون إسناد على أي من زوايا المصعد الحديدية
فإن إصابتها ستكون جسيمة..
وكان من المفترض.. أنه حين أسندها.. أن تنتهي مهمته وأن يتركها ممدة على أرض المصعد..
ولكنه لم يستطع تركها للأرض وهو يسندها إلى حضنه هو:
" هذي حرام تلمس القاع القاسية جسمها.. يمكن تنخدش من رقتها.."
" تدري أنك استخفيت ياعلي..
استغفر ربك.. البنية حرام عليك.. ومسكتك لها حرام.."
رغم كل شعوره بالحرج مما يفعله والفتاة ممدة في حضنه..
ولكنه لم يشعر بالأثم وألم الذنب الذي يشعر به أصحاب القلوب الصحيحة حين يرتكبون أدنى ذنب..
كان يشعر أن مايفعله هو حق مكتسب وحقيقي وأصيل..

كانت ممدة في حضنه.. فاقدة للوعي..

وهي تتيح له بذلك فرصة مراقبتها بحرية..
لم يحاول حتى إيقاظها.. أراد فقط أن ينظر إليها بتمعن..
وكأن الله سبحانه يمنُّ عليه بذلك حين جعلها تفقد وعيها..
كل تفاصيل وجهها الطفولي العذب.. وانحناء ذقنها منحدرا لامتداد لعنقها..
بل حتى شعرها الحريري.. لأن شيلتها سقطت مع سقطتها..
كان وجهها خاليا تماما من أي زينة عدا مرطب شفاه ملمع بلون زهري خفيف..
ومع ذلك بدت له أجمل مخلوقة رآها في حياته..
رأى في حياته آلاف الأشكال اللاتي قد يكنَّ أجمل منها فعلا..
سافر لعشرات البلدان ورأى مختلف أشكال النساء..
لم تحرك واحدة فيه أدنى إحساس..
حتى إصراره على جميلة كان من محبته لخالته واعتزازه إنها تربت في بيتهم..
فما مصدر غرابة وقوة وعمق إحساسه بهذه المرأة المجهولة التي تتمدد في حضنه
في موقف لم يكن ليخطر له ببال أبدا؟؟
ماهو السر في هذه المخلوقة؟؟؟
شعر كما لو أنه في حياته كلها كان ينتظر شيئا مجهولا لا يعلم ماهيته وهاهو يجده الآن.. ولا يعرف كيف..
حاول جاهدا ولعدة مرات أن يبعدها عن حضنه ليمددها على الأرض.. ولكنه لم يستطع فعل ذلك..
كما لو أنه يخشى على رقتها أن تكسرها قسوة الأرض فعلا..
لم يستطع إبعادها عنه لأن عينيه كانتا عاجزين عن الابتعاد عن مدى وجهها
كما لو أنه مأسور بسحر أزلي استعصى على الفك..
لم يعلم كم مضى من الوقت وهو مفتون بمراقبتها فقط..
كان يريد إبعادها عنه فإذا به دون أن يشعر بنفسه يرفعها قليلا عنن حضنه ليضمها لصدره بخفة..
ولكنه انتفض بجزع حقيقي..
وهو يفلتها ويكثر من الاستغفار والدعاء لله أن يقويه على شيطانه..
ولكنه لم يستطع إلا أن يعيد الكرة مرة وهو يشعر أن رائحتها أسكرته تماما..وأوقفت كل تفكير عقلاني لديه..
هذه المرة احتضنها بقوة رغما عنه..
وهو يشعر أن قلبه يبكي..يبكي فعلا..
ينزف دموعا لا حدود لها.. ولا يعلم لماذا؟؟
أ خوفا من ذنب مافعله؟؟
أم رهبة قربها؟؟
أسند ذقنه لرأسها وهو يتنفس عطر شعرها بعمق..
يحاول جاهدا قهر نفسه ليفلتها..
ولكنه لم يستطع.. لم يستطع.. كما لو أن روحه ستغادره لو تركها..
أي جنون أصابك ياعلي وفي دقائق معدودة فقط؟!
ضمها أكثر وهو يشعر بليونة جسدها تذيب كل أعماقه..
كما لو أن تفاصيل عظامها الرقيقة تنطبع بعلامات من نار على كل نواحي جسده..
بدأ هو يرتعش بعنف كالمحموم تأثرا من قربها الذي قلب كل كيانه..
كإعصار هائل مر في لحظات ليقلب كل شيء!!
أفلتها قليلا وهو مازال يرتعش بذات العنف ليملأ نظره من وجهها..
يعلم أن المصعد سيفتح قريبا.. رغم أنه تمنى ألا ينفتح أبدا..
أراد أن يتزود من كل تفاصيلها..
كان وجهها قريبا جدا منه..
وشفتاها اللتان ماتزالان ترتعشان بخفة تبدوان غاية في العذوبة إلى درجة التعذيب..
أقترب منها أكثر.. وكان على وشك أن يفعلها..
لولا أنه انتفض بعنف.. وهو يهز رأسه بعنف رافض..
وينـزلها أخيرا على الأرض !!
ويقفز بحدة مبتعدا عنها وهو يلهث بذات الحدة:
استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم..
استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم..
وش كنت بأسوي الله يلعنك يأبليس؟؟؟
"والله العظيم ..إني عمري كله وأنا أدور لها
وعقبه ألقاها في نفس اليوم اللي أتزوج فيه!!"
كان علي على وشك أخذ حقيبتها..
كان يريد أن يبحث فيها عن أي اثبات لها حتى يأخذه ليعرف كيف يتوصل لها فيما بعد..
فهو يستحيل أن يتركها بعد أن وجدها..
ولكنه قبل أن يتناول الحقيبة.. تحرك المصعد بسرعة ثم انفتح ..
وقف علي جانبا.. بينما المرضات دخلن وهن يحاولن إفاقتها..
بينما علي يهتف برجاء عميق: تكفون غطوها..
كان يشعر بغيرة عميقة أن يرى رجل آخر مارآه هو..
بل مايعتبره بكل جنون حق له وحده!!
كان يريد أن يتبع الممرضات ليتعرف على اسمها..
ولكنها مع إيقاف الممرضات لها بعد أن جعلناها تشم شيئا في داخل الأكسجين..
نهضت من إغماءتها وهي تتناول حقيبتها وتغطي وجهها بطرف شيلتها و تهرب وهي تعرج..
الممرضات طلبن منها التوقف ولكنها كانت تشير بيدها: مافيني شيء.. مافيني شيء..
أراد علي أن يتبعها ولكن كان هناك العشرات متمجهرين حول المصعد
ينتظرون رؤية من اُغلق عليهم المصعد..فقدها بينهم..
ركض في أنحاء الطابق الرابع حيث انفتح المصعد..
لم يعلم أنها تركت الطابق كله وتوجهت للدرج..
بقي يدور كالمجنون في الطابق..
ثم استند إلى الحائط وهو يلكمه ويكاد يبكي قهرا..
كيف اختفت هكذا..؟؟
كما لو أنه وجد حلمه الذي كان يبحث عنه حياته كلها..
ثم سمح له أن يتبخر أمامه كسحابة صيف.. وَقَته هجير الشمس لثوان
ثم ارتحلت للأبد ليحترق من الشمس التي كان قد اعتاد عليها..
لأنه يستخدم واق منها هو قلبه الخالي..
ولكن قلبه الآن ماعاد بين يديه.. أخذته وفرت به..
فكيف سيحتمل؟؟
بدا له الأمر فوق احتماله.. لأنه ليس أمرا في استطاعة البشر..
بل هي قدرة رب العالمين الذي حكم عليه بهذا الامر المهول الذي يمزق روحه بطريقة غير إنسانية!!
وهو في وقفته.. رن هاتفه.. كان كساب هو المتصل..
هتف له علي بنفس مقطوع: كساب ما أقدر أجي لخالتي..
تعال لي أنت في الطابق الرابع..
لم يستغرق الأمر دقيقتين ليصله كساب وهو يهتف له بقلق: وش فيك؟؟
علي بإرهاق: تعبان شوي.. أبي أمشي للبيت.. وأبيك أنت تسوق..
وهما في السيارة.. كان كساب يسأله ولكن علي لم ينتبه مطلقا لما يقول..
فباله وتفكيره لم يكونا معه إطلاقا..
هتف كساب بنبرة مقصودة وهو يحاول كتمان غضبه وهو يهز كتف علي بعنف:
علي وش فيك منت بطبيعي!!
علي انتفض بخفة: مافيني شيء.. مرهق شوي قلت لك..
كساب بذات النبرة المقصودة التي أصبحت أقرب للغضب وهو يضرب جيب علي على صدره بقسوة:
والشيء ذا هو سبب إرهاقك؟؟
حينها التفت علي لما يشير له كساب كان لونا زهريا فاتحا يلوث جيبه تماما..
لم يربط علي وهو يجيب بعفوية: ما أدري من وين جا الوسخ ذا؟؟
حينها أوقف كساب السيارة وهو يلتفت بحدة لعلي وينفجر بغضب متفجر فعلا:
وسخ؟؟ أنت مفكرني بزر تلعب عليه..
أنت نزلتني في المستشفى ووين رحت ذا كله يا قليل الأصل..
علي بجزع غاضب: أنا قليل الأصل؟؟
كساب بذات غضبه المتفجر وهو يلكم عضد علي بقوة:
إيه قليل أصل وماتستحي.. ومافي وجهك ذرة حيا..
تقول لي وسخ ..وهي داعسه خشتها في صدرك..
لا وجاي بكل وقاحة لين المستشفى عقبها..
حينها انتبه علي أن مابصدره هو بقايا ملمع شفاهها..
حينها لمسه بكل خفة وهو يهمس بوجع كأنه يحادث نفسه: مكان شفايفها..!!
كساب كان يريد أن يشده خارج السيارة ليضربه..
ولكنه شد له نفسا عميقا وهو يمنع نفسه من التهور ويشغل السيارة ويهتف بحزم غاضب:
وتعترف بعد..زين ياعليان.. خلنا نرجع البيت..
إما ربيتك من جديد ما أكون كساب بن زايد..
أنت ما تستحي على وجهك.. توك متملك مالك ساعتين..
يومك دروبك دورب خمل كذا ماكان خذت بنات الناس..
أموت وأعرف أشلون كنت داس علينا كذا.. أشلون كنت مسوي روحك الملاك اللي مايغلط..
علي حينها هتف بألم: وين راح تفكيرك.. أنا الله العظيم ماطلعت من المستشفى مكان..
علي حكى لكساب كل شيء.. فهو لن يحتمل وزر هذا الألم لوحده..
حينما انتهى من حكايته.. انفجر كساب ضاحكا وهو يهتف:
تدري أني كنت أشك إنك خبل.. بس الحين تأكدت مافيه مجال للشك..
علي أجابه بألم حقيقي: داري أنك بتضحك علي.. واضحك مايهمني..
تدري ياكساب يوم شفتها تبكي هقيت إن الشاعر يوم قال:
(وماذرفت عيناكِ إلا لتضربي...بسهميكِ في أعشار قلب مقتّل)
إنه ما قالها إلا عشانها..
القلب من اللحظة اللي شفتها فيها صار قطع مكسرة..
وزادتها علي ألف مرة يوم شفتها تبكي..
كساب مازال يضحك: نعنبو دارك هذا كلام صاحين..
أنا أشهد أنك استخفيت.. أمحق دبلوماسي عقله أقل شيء يطيره..
علي بغضب: إيه كلام صاحين.. وبأدورها لين أعينها.. واتزوجها..
كساب يحاول أن يتماسك من الضحك: واشلون بتعينها..
المسكينة تلاقيها ارتاعت من المستشفى بكبره..
ثم أردف بتماسك جدي: وبعدين أنت واحد تزوجت خلاص..
عيب عليك ذا الكلام حتى لو كان نكتة..
علي بإصرار: أنا مستحيل أتزوج حد غيرها..
ثم أردف بألم: كساب حتى بعيد عن مشاعري اللي أدري أنها غبية وسخيفة وتضحكك..
البنت ضميتها لصدري.. وأعوذ بالله منك يا ابليس ماكان بين شفايفي وشفايفها إلا ستر ربي..
لين الحين أحس أنفاسها دخلت صدري ومارضت تطلع...وريحتها عبت رأسي..
وعقبه تقول اخليها!! في أي دين وشرع هذا؟؟
كساب حينها هتف بجدية صارمة مرعبة: عشانك بزر.. وقلبك معلق في مخباك..
اصطلب ياولد.. بنات الناس مهوب لعبة عندك..
شفت بنت بين إيديك في موقف ضعف.. وماقدرت تمسك نفسك منها..
سويت غلط كبير واجد.. لكن مهوب لدرجة أنك تحس أنك مسوي غلط تبي تصلحه..
البنت ماصار بينك وبينها شيء بالمعنى اللي لازم يتصلح..
إلا عاد لو أنت اللي تبي تحس إن غلطك لازم يتصلح..
خلك من خبال البزارين..
وإلا تدري روح افضح روحك أحسن.. وقول لأبيك أبي أطلق بنت فاضل
عشان وحدة ضميتها في الأصنصير..
افضح روحك وافضح بنت الناس اللي ماتدري من هي..
اسمعني ياعليان زين.. حكي ياصلك ويتعداك..
والله ثم والله لا تهين بنت فاضل بن عبدالرحمن بأدنى شيء وإلا تفكر تخليها
أن قد تشوف شيء عمرك ماشفته..


***************************************


" شعاع وش فيش.. نقزتي قلبي؟؟

اهدي وقولي لي"
كانت شعاع تنتحب وترتعش بقوة في حضن جوزاء:
يمه ياجوزا يمه..
تسكر علي الاصنصير مع رجّال بروحنا..
وكنت بأموت.. والله ما أدري وش هببت..
بس الأكيد إنه الرجّال شاف وجهي ويمكن شاف شعري بعد..
وعقبه أغمي علي..
ياويلي من ربي.. ياويلي من ربي..
الرجّال شاف مني اللي حتى رجّالي مابعد شافه مني!!
جوزا تهدئها: خلاص شعاع ياقلبي.. أنتي مالش ذنب..
خلاص والله ماعاد تقعدين عندي عقب اليوم..
أساسا أنا بأطلع يا الليلة يابكرة..
وخلاص أنتي مالش قعاد عندي..
شعاع مازالت تنتحب وهي تحاول تهدئة نفسها:
خلاص باقعد لين العصر..
بأخلي الممرضات يشوفون رجلي وبارتاح وعقب بأروح..


*****************************************


" الحمدلله على السلامة يأم زايد!!
أنا أمس ماجيت لأن مزون قالت لي أنش تعبانة"
عفراء تهمس باحترام جزيل: الله يسلمك.. وتلفونك يكفي..ماكان تعنيت..
زايد بفخامة : مايصير يأم زايد.. لو مهوب عشان زايد الصغير..
عشان بنتي جميلة..لازم أجي أتحمد لها السلامة
جميلة تبتسم بمودة مصفاة: وجعل جميلة ماتبكيك.. قول آمين..
ثم أردفت بمرح: إلا سماوة زايد وينها؟؟
عفراء نهرتها: عيب يا بنت..
زايد يبتسم: عفرا وش فيش على البنية.. إنها صادقة.. تبون تسمون عليّ ببلاش..
عفراء بذات الاحترام العميق: اسمك بروحه سماوة..
زايد بمودة: سماوة زايد بتجيكم في البيت لا طلعتوا.. وماتبونها.. تراها لجميلة..
ثم أردف بتقصد: ولو أني زعلان منها واجد..على سواتها في سمي الغالي..
حينها انطفئت ابتسامة جميلة وهي تنكمش قليلا في مقعدها..
مزون شدت ذراع والدها وهي تهمس في أذنه :يبه مهوب وقته..
ثم أردفت بصوت عال: يبه ماتبي تشوف سميك..
همس في أذنها: ترا موضوع خليفة والله ما أخليه يعدي بالساهل.. حطي عندها خبر بذا الشيء..
ثم أردف مثلها بصوت عال: جيبو سميي أشوفه..
مزون وقفت لتحضر زايد الصغير ثم وضعته بين يدي والدها الذي حمله بحرص ووجهه يشرق
قبل جبينه وهو يدعو له بالصلاح..
همست مزون بابتسامة: مهوب لو أنك تطيعني وتتزوج
كان الحين عندنا ولد حقنا بروحنا بدل ماجميلة تحرني كل ماجيت أحبه..
زايد أعاد الولد لها ثم قرص خدها بمودة: وأنتي من جدش تبين مرة تشاركش في أبيش..
ابتسمت مزون: يبه فيه فرق بين المحبة والإنانية.. أكيد أني ما أبي حد يشاركني فيك..
بس لو بغيت تتزوج أكيد حقك.. لأنه أنت توك.. والمفروض سويتها من زمان مهوب ذا الحين..
وتدري يبه الدبة جمول حرتني.. خاطري في أخ صغنون لي بروحي.. مالي شغل..
ابتسم زايد وهو يقف: وهذا زايد الصغير حقكم كلكم..
وانتظري شوي وينترس البيت من عيال كساب وعلي إن شاء الله


**********************************


منذ عاد من المستشفى وهو في حالة انعدام وزن تامة..
لم يستطع حتى الذهاب لعمله وباله مشتت هكذا..
لا يعلم أي عاصفة ضربت منتصف قلبه هكذا وهو يشعر به مفتت أشلاء..
خلع ثوبه.. وهاهو معلق أمامه.. وسيحتفظ به هكذا حتى آخر يوم في عمره..
عيناه لا تغادران مكان شفتيها التي لامست صدره...
كلما تذكر ذلك شعر بنغزة حادة حقيقية في قلبه..
والأمر المؤلم أكثر لمشاعره الرقيقة وضميره الحي أنه يشعر أنه يخون المرأة التي من المفترض أن تكون هذه المشاعر لها..
أنه يخون شعاع..!!
للتو صباحا كان يطبع توقيعه بجانب توقيعها
الذي بدا مرتبكا متعرجا كما لو أن أنامل من يوقع ترتعش..
لماذا يُحكم عليه أن يحب بهذه الطريقة المجنونة..
ذلك الحب المجنون الذي يقال عنه "حب من النظرة الأولى"؟؟
يحب امرأة لا يعرف عنها شيئا وفي نفس الوقت الذي أصبحت مشاعره مقيدة لامرأة أخرى رسميا..
حين يفكر في سخرية كساب منه.. يجد أن كساب كان محقا في كل ماقاله..
فهو ليس أكثر من غبي سخيف من يحب بهذه الطريقة الطفولية الغبية؟؟
ولكن ماذا يفعل.. يعلم أن قلبه اللين ليس كقلب كساب المتحجر..
هكذا خلقه الله.. فهل يعترض على ذلك؟؟
هاهو يصلي العصر.. وقضى الوقت بين الصلاتين في دعاء وحيد:
" يا الله ياكريم
إن كان لي في هذه البنت خير
فاجعلني ارآها..
إن كنت تعلم يا آلهي أن حياتي يجب أن تكون معها
لا تحطم قلبي هكذا واجعلني آراها مرة واحدة فقط
حتى أعرف من هي"
علي قرر أن يتوجه للمستشفى وفي باله خاطر واحد
إن كان الله راضيا عليه ويعلم أن في لقاءها مصلحته
فهو سيعثر عليها حالا..
فهو لا يستطيع إحراج نفسه بالسؤال ولا بالوقوف في الممرات..
أما إن كانت هذه الفتاة ليست سوى مجرد اختبار من رب العالمين ليعذبه في هذه الدنيا
فهو لن يعترض على ماكتبه الله له..
وسيبقى يتجرع ألم ولهه وعشقه غير المعقول..
ولكن زوجته ماذنبها؟؟ ماذنبها؟؟
فهو يعلم أن مايشعر به الآن يستحيل أن يكون شعورا وقتيا سيمضي مع الوقت
بل هذا الشعور اخترق قلبه وأستولى على روحه حتى آخر قطرة..
يشعر أنه لا يستطيع التفكير بشيء عدا تلك المجهولة..
وكلما فكر بها شعّر بدقات قلبه تتسارع إلى حد الإجهاد وهو يشعر كما لو أن قلبه سيقفز من بين جنبيه..


*************************************


" صالح طالع الحين؟؟"

صالح بتأفف: تكفين نجلا بدون تحقيقات.. طالبش..
نجلا بألم: يمه وش فيك شبيت فيني؟؟
كنت أبي أقول لك إني مجهزة فوالة العصر تحت..
ولو كنت بتتقهوى معي قبل تطلع..
صالح بنبرة تراجع نادمة: كله منش.. ماعاد خليتي فيني مخ يفكر..
على طول مخليتني متحفز كني في موقع اتهام..
همست نجلا بضيق وهي تنظر للأسفل: محشوم يأبو خالد..
حينها مد صالح يده وهو يرفع ذقنها ليقبل أرنبة أنفها ويهتف بابتسامة:
مشكلة الغالي لا درا أنه غالي.. تغلى بزيادة!!
حينها ابتسمت وهمست بمرح: يعني لو سألتك وين رايح منت معصب علي؟؟..
ابتسم وهو يربت على خدها: إلا بأزعل.. وأعصب بعد.. وين بأروح يعني؟؟
كانا ينزلان للأسفل حيث القهوة ونجلاء تهمس بنبرة مودة:
أبي أروح الصالون بأغير شوي في شعري.. عندك مانع..؟؟
صالح بعفوية: لا حبيبتي ماعندي مانع..


****************************


لا تنكر أن توترها يتزايد منه..والأكثر استغرابها..
منذ ذهابهما للمطعم قبل أمس.. وتوجس عميق أصبح في روحها من ناحيته..
أصبحت تجيب على إشاراته بإشارات مشابهة..
ولكنه يشير لها في الحدود الدنيا عن أمور عفوية يومية..
تشعر أن حاجزا كبيرا بينهما انهار.. وهذا الإنهيار لابد أن يحدث بعده تقارب!!
وهذا التقارب المفترض يقلقها ويوترها..
تجد نفسها غير مستعدة له إطلاقا..
لطول ما اعتادت على حياتها الساكنة معها.. حياة آمنة كانت تريحها..
لا تريد تغييرها..
فمع التقارب يحدث التعقيد البشري الناتج عن تعقيد المشاعر
أمور هي في غنى عنها..
لكنها في ذات الوقت لا تستطيع منع تميم من حقه الذي هو سنة الله في خلقه..
أفكارها مشوشة.. وتميم بغموضه يزيدها تشويشا..
فلا هو من يصرح بما يريد.. ولا هو يظهر نواياه..
أو ربما كان كل هذا محض هواجس في عقلها هي وحدها وهو يتصرف بعفوية..
منذ أن غادر لصلاة العصر لم يعد.. تعلم أنه سيذهب لعمله..
رغم أنه لم يعد منه إلا وقت الغداء.. بالكاد غفا له نصف ساعة..
رن هاتفها.. كانت نجلا التي همست لها باستعجال:
تروحين معي الصالون؟؟
سميرة بابتسامة: ماكنش يتعز على قولت خالي هريدي..
كان ودي بس عندي تصحيح..
إلا أنتي وش تبين بالصالون؟؟
نجلاء بعفوية: باروح أصبغ شعري...
سميرة بصدمة: نعم؟؟ صاحية أنتي؟؟ حد عنده لون شعرش ويفرط فيه
حرام تخربينه بالصبغات.. أنا أصلا أصبغ شعري عشان يكون نفس لون شعرش..
نجلاء بضيق: أقول ابي أسوي تغيير يمكن يعجب صالح!!
سميرة بتحذير: ياويلش يا الخبلة تسوينها... أنتي أساسا ألف مرة قايلة لي إن صالح يموت في لون شعرش..
نجلاء بيأس: يجاملني.. صالح ماعاد يشوف فيني شيء عاجبه.. مايشوف إلا عيوبي..
يعني الحين شايلته وشايلة بيته.. والله العظيم حتى فنايله وسراويله مايعرف مكانهم..
كل شيء أنا أسويه له.. وعقبه يحاسبني إني أغار عليه..
وكني أنا مصدر الضيق الوحيد في حياته..
سميرة بتهدئة: خلي خلافاتش أنتي وصالح بعيد عن شعرش.. لا تصيرين خبلة..
أنتي الحين شعرش حلو وناعم.. بس يوم يدل الصبغات والله العظيم لا ينقلب حاله..
نجلاء بتصميم: قلت لش أبي أسوي تغيير.. وأنا استاذنت صالح ورخص لي..
ماتبين تروحين معي خلاص.. بأروح بروحي!!
سميرة تنهدت بعمق..
يبدو أن لا أحد مرتاح في هذه الحياة..
فحتى أختها التي يبدو أنه لا مشاكل عندها.. تخترع لها مشاكل من تحت الأرض
أو ربما كان عندها مشاكل فعلا لا تشعر سميرة بها
"النار ماتحرق إلا قدم واطيها!!"
وانشغال سميرة بحياتها جعلها تغفل النظر عن الإحساس بمشاكل أختها كما تشعر هي بها..
كانت تريد أن تحمل أوراقها لتنزل في الأسفل لتصحح عند مزنة
حين وصل هاتفها رنة رسالة..
كانت من تميم..
توترت كما لو أنه سيقفز من الرسالة عفريت ما لو فتحتها..
سابقا لم تكن تهتم حين يصلها رسالة منه لأنها تعلم تماما ماهو المضمون..
" سأتأخر.. جهزي لي الأمر الفلاني" وفقط
لكن الآن لأنها تشعر كما لو كان يلاعبها على الحافة
فهي تخشى من كل خطوة..فتحت وأصابعها ترتعش:
" افتحي درج مكتبي الأول"
توجست.. وهي تتجه للدرج وتفتحه..
وجدت علبة مربعة مغلفة بتغليف راق جدا.. والشريطة عليها اسم محل مجوهرات شهير جدا..
وفوقها بطاقة.. فتحت البطاقة:
" أعلم أني لم أهديكِ شيء طيلة الأشهر الماضية
رغم أن كل شيء جميل أراه أتخيله ينير نحركِ أو معصميكِ أو أناملكِ
ولكن لم أستطع أن أفعل ذلك سابقا.. كما تشجعت وفعلتها اليوم
.
أتمنى أن يعجبك ذوقي..
وأتمنى أكثر ألا تتعبي رأسك الجميل في البحث عن مبررات
فالبحث عن المبررات يفسد دائما كل ماهو جميل!! "
سميرة وضعت العلبة فوق المكتب وهي تنظر لها بفضولها العفوي الطبيعي:
وش اللي تغير زين ياتميم؟؟
أول ماتقدر والحين تقدر!!
الرجّال ذا بيجنني..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات