بارت من

رواية بين الامس واليوم -122

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -122

فكيف يستطيعان أن يتمازجا روحيا فعلا.. وهي مازالت تضع بينهما هذا الحاجز ؟؟
ولكنها في كل ليلة كانت تجبن.. لتثير خيبة تميم وهو يرجوها ألا تكرر هذا التصرف..
ولكنها تكرره لأنها ترجو أنها اليوم ستتشجع.. ألم عميق يتجمع في روحها.. لأنها تعلم مقدار الألم الذي تسببه له.. ليلة بعد ليلة!!
لذا الليلة قررت أنها لن تتراجع.. حتى لو لم تتقبل الأمر نفسيا ستجبر نفسها من أجله.. ومن أجل حقه عليها..
ربما حين تكسر هذا الحاجز حتى لو عنوة.. ستجد أن الحواجز بينهما تكسرت فعلا..
وتميم يستحق منها أن تفعل ذلك من أجله.. فرجل آخر لن يحتمل كل هذا الجفاء من زوجته!!
لذا كان استعدادها لهذه الليلة مختلفا فعلا.. بأناقتها واستعدادها..
وخصوصا أنها تعلم أنه محتاج فعلا لصدر يطرح عليه همومه التي بلغت ذروتها الليلة..
حين رأته دخل.. وقفت لاستقباله بابتسامة حانية..
بينما هو حين دخل.. لم يشر لها بالسلام حتى..
بل دخل بشكل مباشر.. وأخذ له غيارا .. واستعد للخروج..
حينها أوقفته سميرة وهي تشير له باختناق حقيقي موجوع: تبي تهرب مني مرة ثانية للمجلس..؟؟
تأخر بصرامة وهو يقطب جبينه بحزم موجوع بالغ:
لا ذا المرة ماني بهربان من حسنش اللي ماقدرت أقاومه..
ذا المرة أنا بأخذ لي غرفة ثانية لي وبأنقل أغراضي كلها لها.. وخل هلي يدرون.. لأني خلاص انقرفت منش ومن تغليش..
على ويش ذا التغلي..؟؟ شفتي روحش غالية قلتي أذله بغلاي؟؟
أو قلتي أنا خسارة في ذا اللي ما يسمع ولا يتكلم؟؟
يا بنت الناس لو أنتي عفتي شوي.. تراني عايف واجد..!! طلعتي روحي!!
بغيتي تقعدين حياش الله مثلش مثل وضحى.. وش تفرق؟؟ كلنا أخوان !!
مابغيتي.. وتبين تروحين لهلش.. حقوقش بتوصلش كاملة وزيادة دبل..
وخلصنا من ذا الموال اللي ماله معنى!!


******************************************


مازالا على ذات الجلسة بعد أن صليا قيامهما..
لتهمس له مزنة بتهذيب عذب:
" ماعليه أبو كساب ممكن تسمح لي بسؤال لو سمحت..
ولو مابغيت تجاوب براحتك"
زايد ينظر لها بتعجب لا يخلو من مرارة غريبة فعلا.. !!
رقيقة.. رفيعة التهذيب.. واثقة دون تبجح.... و..... مختلفة.. مختلفة تماما..
لا يتخيل أن مزنة السابقة قد تستأذن بكل هذا التهذيب الرفيع لمجرد أن تسأل..
مزنة كانت لتسأل بكل تبجح.. وآخر ما يهمها رغبة الآخر بالرد من عدمه..!!
هتف لها بثقة رجولية لا تخلو أيضا من لباقته الرفيعة.. فليست مزنة فقط من تغيرت يا زايد !! ..:
أم امهاب.. هذا أنا إحنا في بداية حياتنا سوا..إذا بغيتي تسألين عن شيء..
إسالي ولا تهتمين.. وبدون استئذان.. مافيه داعي تحطين حاجز بيننا..
إن كان شعر بالمرارة غير المفسرة لتغيرها الإيجابي.. فهي ابتسمت باستغراب وإعجاب لتغيره الإيجابي..
فزايد الشاب ربما لو قالت له سأسألك سؤالا.. لربما قال لها (وتستأذنين أنتي وجهش ياقوية الوجه؟!!)
وإن كانت على كل حال تعلم أن من هو في مكانته ردوده دائما محسوبة ولبقة..
همست باحترام:
مرة ثانية خلني أقول اسمح لي بالسؤال لأنه يمكن أنت ماتبي تجاوبه..
أبو كساب.. وش السبب اللي خلاك ترجع تخطبني عقب ذا السنين كلها..؟؟
عشان كساب؟؟
ابتسم زايد بفخامة: وأنتي وش اللي خلاش توافقين علي عقب ذا السنين وعقب مارديتيني مرتين..؟؟
عشان كاسرة؟؟
ابتسمت بعذوبة: مع إنه مايصح تجاوب السؤال بسؤال بس قدرك ما يسمح لي ألف وأدور معك..
أبو كساب أنت أكيد مانسيت أنت وش كنت مسوي فيني وحن صغار..
اتسعت ابتسامتها أكثر: أنت تدري إني كنت قبل أطلع رأسي من الباب.. أطل مع فتحة الباب أشوف أنت قاعد في دكتكم وإلا لا..
لو لقيتك قاعد ماطلعت.. والمشكلة إنك قاعد 24 ساعة.. ما أدري وش تسوي ذا كله؟؟
وإذا في الأخير اضطريت وطلعت.. نطيت في حلقي.. وش مطلعش؟؟ وارجعي وأنا بأجيب لش اللي تبين؟؟
وأنت تذكرني بعد.. الحمدلله والشكر على نعمة العقل.. كنت مرجوجة ولساني طويل..
ولو قلت لي كلمة.. قلت لك عشر..
وبصراحة عقب ماضربتني استوجعت منك واجد.. كانت أول وآخر مرة انضرب في حياتي..
كان مستحيل أوافق وأنا حاسة إنك بس تبي تاخذني عشان تضربني وتكسر شوكتي..
ولو افقت عليك وقتها.. صدقني ماراح نتوالم.. وما أسرع ما بنتطلق!!
حينها بشعور أو بدون شعور.. مد كفه اليمنى ليمسح على خدها اليسار.. وهمس كأنه يكلم نفسه: أجعتش واجد وقتها..؟؟
همست بحرج وهي تتأخر قليلا: ياه يا أبو كساب.. راحت.. وراح وجعها..
" ولكنها في داخلي لم تذهب لم تذهب.. ولم يذهب وجعها
ليتك تعلمين أني حين خرجت من بيتكم ضللت ألكم الجدار حتى أدمت يدي
وكأنمي أريد أن أعاقب اليد التي جرؤت على إيلامك
مع أنني آلمت روحي قبل أن آلمك..
أو الأصح قبل أن أؤلمها هي.. مزنة.. تلك البعيدة الغائبة
يا الله يا مزنة.. لماذا أشعر بكل هذه التعقيدات؟؟
أين ذهبتِ أنتِ؟؟ "
زايد ماعاد يعلم أي مشاعر غريبة تجتاحه بغرابته.. ينظر لمن أمامه ويبحث في ثناياها عن أنثى أخرى اختفت ولن تعود أبدا..
زايد اقترب منها أكثر.. أرادت في داخلها أن تتأخر.. ولكنها منعت نفسها من التحرك..
فهي متدينة.. حافظة للقرآن ويستحيل أن تمنع زوجها حقا إن أراده..
ومن ناحية أخرى تعلم أن الإحساس البالغ بالتوتر والجفول حتى ولو كانت تشعر به فعلا.. لا يتناسب مع وضعها ولا وضع زايد..
لكنها لا تستطيع منع نفسها من الشعور بالاختناق فعلا ..
وأناملها ترتعش حين رأته يميل على خدها اليمين حيث كانت كفه تسكن قبل ثوان..
لتسكن شفتيه مكان كفه على خدها في قبلة دافئة مختلفة.. ويـطـيـل.. لدرجة زادت في اختناقها أكثر..وأكثر..
كان يتنفس عطرها من قرب.. يتنفس بعمق.. مازال يبحث عن مزنة الأخرى.. ربما كانت تختبئ تحت جلدها.. يريد أن يشعر بها بأي طريقة..
ربما لو تنفس واستنشق بصورة أعمق سيجدها..
يستحيل أن تكون اختفت هكذا.. حتى رائحتها اختفت!!
كل ماكان يشمه.. رائحة أنثوية دافئة عطرة مثيرة.. وناضجة لأبعد حد..
ولكنها ليست رائحة مزنة.. ليست رائحة مزنة التي كان يشعر بها تعبق في الأجواء دون أن يقترب منها حتى..
وهاهو يتنفس عبق هذه الأخرى من أقرب مكان..ملتصق بها.. ويجد رائحة مختلفة.. مختلفة تماما..
حينها همست مزنة بحرج بالغ: أبو كساب لو سمحت خلاص.. أحرجتني الله يخليك..
أخرجته من دوامته الغريبة التي كان فيها.. وربما لو لم تخرجه لا يعلم حتى متى سيستمر ملتصقا بها..
تأخر قليلا وهتف بثقة راقية: آسف ماكان قصدي أحرجش.. بس من يشوف ذا الزين قدامه ويمسك روحه؟؟
وجد أن هذا التبرير قد يكون مرضيا لامرأة مثلها.. حتى وإن كان لا يقصده تماما.. فهو على جانب كبير من الصحة..
مزنة صمتت.. في داخلها غير مرتاحة لهذا الاندفاع ولكن هل بيدها حيلة..
همست بذات التساؤل الذي لم يجب عليه.. علها تعيده لعالم الحوار: تراك ماجاوبتني على سؤالي..
ما تبي تجاوب.. قل لي.. عشان ما أكرره..
ابتسم وهو يقف ويهتف بثقة: تعالي باسولف لش اللي تبينه بس وانا منسدح..
لأني طول اليوم صالب روحي ما تمددت ولا حتى شوي..
مزنة توترت أكثر وهي تقف وتتبعه.. حتى دخل إلى غرفة نومه..
خلع ملابسه ودخل ليغتسل.. وحين خرج كانت تجلس على مقعد التسريحة دون أن تستبدل جلابيتها..
أغلق الإضاءة التي على السرير.. وترك لها بقية أضواء الغرفة..
توجه لسريره..وتمدد على يمينه ثم أغلق عينيه.. صــمــت لدقيقة..
ومزنة مستغربة منه.. ردات فعله غير متوقعة..
حــــيــنــــهـــا
همس بنبرة مختلفة.. مختلفة.. تذيب القلب تماما كما لو كان ينادي من عمق عمق روحه: مـــزنــــــة..!!
إن كان غاويا للنكد.. واستكثر على نفسه قربها.. وهو ربما يبحث عن أسباب تقف بينهما حائلا..
فهو الآن على الأقل يستطيع أن يغذي جوع روحه المتطاول بمناداة اسمها الذي سكن روحه... وسماع همسها الذي لم يتغير..
مزنة وقفت وهي تقترب وتهمس برقة: لبيه..
همس لها بذات النبرة المختلفة.. النبرة التي كانت لتكون لمزنة وليس لسواها وهو مازال مغلق العينين:
مزنة اقعدي جنبي ..
مزنة جلست على طرف السرير وأقدامها على الأرض.. لم تجرؤ حتى أن ترفع قدميها أو تمدد جواره..
همس لها بعمق: عطيني يدش.. وعقبه إسأليني اللي تبينه..
وقولي لي يازايد.. خلني أسمع اسمي لا غردتيه بصوتش..
مزنة رغما عنها اختنقت خجلا.. لم تتخيل هكذا غزلا رقيقا عذبا.. !!
لكنها كانت مجبرة على تنفيذ طلبه!!..
لا تريد أن تعصيه وفي ذات الوقت لا تريد أن تبدو بمظهر توتر وارتباك تشعر أنه لا يناسب ثقتها بنفسها..
مزنة حينها كانت مجبرة أن ترفع ساقيها على السرير حتى تستطيع الاقتراب منه.. فطوت ساقيها تحتها وهي مازالت جالسة..
ثم مدت يدها له وهو مازال مغلق العينين ووضعتها في كفه المفتوحة الممدودة لها..
صدمها بعنف أنه تناول كفها ليقبلها بعمق مذهل ودفء متجذر.. لدرجة أنها شعرت أن كفها ستشتعل لحرارة أنفاسه وتوترها المتزايد..
ثم تناول كفها ووضعها تحت خده وهمس بعمق غريب.. غريب ومختلف عن أي عمق كوني: إسأليني يا مزنة..
ولا تسأليني ليه خطبتني يازايد.. إسأليني ليه ما نسيتني يازايد؟؟
مزنة همست بعمق خافت: وانت صدق مانسيتني يا زايد؟؟
كان هذا ما ينتظره لينثال.. وينثال.. وينثال..
كفها تلامس خده.. وهي تهمس له من قرب بصوتها الذي سكن روحه منذ دهور..
وعيناه مغلقتان.. فهو لا يرى شبح المرأة الغريبة التي تقف بينه وبين مزنة..
همس بعمق متجذر.. متــجــذر.. عمق كعمق تاريخ أزلي ضرب بجذوره إلى العمق:
نسيتش؟؟
مزنة.. حد ينسى يتنفس الهوا؟؟ حد ينسى دقات قلبه أو يقدر يوقفها؟؟
حد يقدر ينسى الدم اللي يجري في عروقه..؟؟
هذا أنتي يا مزنة.. هواي اللي أتنفسه.. ودقات قلبي.. ودمي اللي يمشي بعروقي..
مزنة مصدومة فعلا ( هذا كذاب وإلا متعود يبالغ؟؟) شعر بارتعاش كفها تحت خده وهي تهمس بارتباك لم يظهر في نبرتها الهادئة برقي:
مهوب كنك تبالغ شوي؟!!
تناول كفها من تحت خده مرة أخرى ليغمرها بقبلاته بينما كفها تتزايد ارتعاشاتها..
ثم وضع كفها هذه المرة قريبا من قلبه وهتف بذات نبرته العميقة:
أبالغ؟؟ المشكلة مهما حاولت أوصف الحكي بيكون قاصر..
شوفي أشلون يدش ترتعش من قربي.. وأنا طول عمري قلبي يرتعش مثل مذبوح عشانه ماطال قربش..
مزنة تشعر بالصداع والتوتر يتزايدان لديها (هذا مهوب طبيعي!!)
لم تتخيل أنها قد تسمع هذا الكلام من رجل.. وبعد مرور هذه السنوات كلها!!
أكمل انثياله المدفون في صدره منذ قرون وقرون:
هان عليش يا مزنة تكونين لرجّال غيري.. هان عليش تعطين حقي لغيري..
هان عليش تذبحيني بدل المرة مرتين..
مستحيل واحد منهم كان يحبش أو حبش واحد على مليون من حبي لش..
مزنة ماعادت تستطيع منع صوتها أن يخرج بكامل توتره وارتباكه وكلامه غير المعقول يمزق عقلها المطارق:
زايد الله يهداك.. لا تبالغ.. وقتها كنا بزارين.. وكلن راح في طريقه..
زايد على ذات النبرة العميقة المتجذرة: أنتي كنتي بزر وما اهتميتي.. يمكن..
بس أنا قلبي احترق.. احترق..
كل ليلة عرستي فيها.. مسكت لي لي جمرة في كفي.. أقول يمكن حر الجمرة يلهيني عن حر قلبي..
وعن التفكير إنش تنامين الليلة في حضن رجّال غيري..
أول عرس حرقت كفي اليمين.. وثاني عرس حرقت كفي اليسار..
الله يسامحني على الجهل وطيش الشباب ياكثر ماندمت إني سويتها عشان ربي.. وإلا لو علي لو قدرت أحرق قلبي صدق حرقته..
بس وش أسوي.. بغيت استخف.. بغيت استخف..
وعمر ماحد درا بسبب حرق كفوفي غير خليفة الله يرحمه..
مزنة كانت تظنه يتكلم عن حرق معنوي.. حتى أفلت كفها ليريها كفه اليمين..
ورغم ضعف الإنارة ولكن أثر حرق قديم باهت جدا بدا واضحا في المنطقة بين السبابة والإبهام..
هو مابقي من الحرق.. لأن الكفوف تلتئم بسرعة..
مزنة انتفضت بجزع حقيقي.. وهي تنكمش وتبتعد عنه..
ودقات قلبها تتصاعد بعنف مرعب.. حتى كاد قلبها يخرج من بين ضلوعها..
عاود الهمس بعمق: مزنة وين رحتي؟؟
مزنة همست باختناق: جنبك.. جنبك..
صــــمــــت.. فما قاله يكفيه عن دهور..
شعر أنه مستنزف من البوح..كما لو كان بركانا هائلا تمور حممه داخله لقرون ثم أطلقها دفعة واحدة!!
وفي ذات الوقت كان يشعر أنه خفيف.. خفيف..
بعد أن تخلص من ثقل الاعتراف بمشاعره الثقيلة..
كما لو كان يحمل أثقال جبال فوق كتفيه حتى كاد ينهار من التعب ثم ألقاها أخيرا عن جسده ليستطيع أن يرتاح!!
بينما مزنة تشعر كما لو كان أحدهم ألقاها من فوق هذه الجبال العالية..
وتشعر بجسدها مفتت من أثر الاصطدام..
" هذا أكيد يبالغ...يبالغ..
مستحيل يكون يتكلم من جده!!
بس.. بس.. رجّال مثله وفي مركزه.. مستحيل يتكلم ذا الكلام حتى لو مبالغة..
ياربي رأسي يوجعني.. وعظامي حاستها مكسرة..
عمري ما توقعت إني ممكن أسمع كلام مثل هذا.. حتى ولا في أحلام المراهقة الخبلة"
بعد مرور أكثر من ربع ساعة وكلاهما معتصم بمكانه.. سمعت صوت انتظام تنفسه دلالة على نومه..
فهو فعلا لم ينم منذ 3 أيام.. والجهد الذي بذله في مجرد البوح كان جهدا قاتلا فعلا..
كتمان 30 عاما نزفه في دقائق معدودة !!
وهــي.. نهضت.. لتشد حقيبتها..
استخرجت فوطتها وروبها وقررت أن تستحم.. عل برودة الماء في هذا الوقت المتأخر تخفف بعضا من حرارة جسدها..
ربما طوال الأيام الماضية أحاطت مشاعرها بنوع من التبلد حتى لا تفكر.. لكن ماحدث لم يخطر لها ببال.. بتفكير أو بدونه..
خرجت ملتفة بروبها وهي تمشي بحذر رغم أن الجناح واسع جدا ويستحيل أن يصحو زايد على صوت خطواتها..
بعادتها التي لا تتغير كانت تحب تعطير شعرها وهو مازال رطبا..
لكنها الليلة قررت أن تغير استراتيجيتها حتى ترى كيف ستمر بها هذه الليلة العاصفة..
ارتدت بيجامة حريرية باللون الفستقي بأطراف من التور المطرز.. وأرتدت فوقها روبها المصمم على طريقة الكومينو الياباني..
بأكمام واسعة بأطراف من التور المطرز أيضا.. وبحزام حريري مطرز عريض جدا يُربط من الخلف..
شعرت أن هذا اللباس محايد وأنيق وفي ذات الوقت يعبر عن ذوقها الرفيع وفخامته حتى لا تبدو أمامه كما لو كانت غير مهتمة بمظهرها أمامه..
ثم ارتدت جلالها وقررت أن تراجع حفظها.. فهي تعلم أنها لن تنام في هكذا مكان غريب..
وتلاوة القرآن ستخفف كثيرا من توترها حتى وقت صلاة الفجر التي بقي عليها أكثر من ساعتين ونصف..
جلست في زاوية قريبا من زايد وأشعلت لها إضاءة قريبة منها حتى لا تزعجه وفي ذات الوقت إن صحا لا يظنها تركته وذهبت لمكان آخر..
ولكن قطع مخططاتها أنها بعد حوالي نصف ساعة سمعت همسا أشبه بالأنين..
كان صادرا من ناحية زايد.. وضعت مصحفها وخلعت جلالها وتوجهت له..
أرهفت السمع.. كان يناديها.. ويئن.. اقتربت أكثر بجزع..
همست وهي تقترب منه باحترام وقلق: ابو كساب فيك شيء؟؟ تبي شيء؟؟
كان مستمر في مناداتها وعلى ذات الوتيرة من الأنين الصادر من عمق روحه كما لو كان يتألم فعلا: مزنة.. مزنة..
رأت أنه من غير اللائق أن يناديها "مزنة".. وتقول له (أبو كساب)
كما لو أنها تريد وضع حاجز بينهما.. لذا همست من قرب أشد وهي تنحني عليه:
زايد أنا هنا.. تبي شيء؟؟
ولكنه لم يفتح عينيه وهو مازال يئن باسمها أنينا يمزق القلب.. اقتربت أكثر حتى جلست على الأرض على ركبتيها..
وهي تهمس له ووجهها قريب جدا منه وتهز كتفه برفق:
زايد وش فيك؟؟ مستوجع؟؟ تبي شيء؟؟
حينها فتح عينيه..
الإضاءة ضعيفة جدا.. بالكاد يلمح وجهها.. وشعرها المتناثر على كتفيها..
همس بوجع خافت كما لو كان يكلم نفسه: مزنة.. أنتي جيتي؟؟
مزنة تشعر باستغراب (يا الله عدي ذا الليلة على خير.. الرجال شكله مهوب صاحي) ومع ذلك همست باحترام:
أنا هنا يا زايد.. جيت..
همس بوجع أعمق بكثير: أبطيتي.. أبطيتي واجد..
لا تعلم لِـمَ شعرت رغما عنها بالألم يجاوب ألمه... فلا يمكن أن تكون معدومة المشاعر مع هكذا نبرة تذيب القلب:
زايد هذا أنا جيت.. حتى لو ابطيت..
حينها سألها بذات النبرة العميقة التي يبدو فيها كما لو كان يكلم نفسه:
مزنة تحبيني مثل أحبش؟؟
مزنة حينها تراجعت قليلا بجزع حقيقي وهي تهمس بارتباك جزع: نعم؟؟
همس لها بذات الوجع الداخلي العميق بنبرة تبدو مختلطة بالنعاس: قولي إنش تحبيني..
بأموت يامزنة.. بأموت ما ابتلت عروق قلبي..
مزنة لم تستطع أن تقول شيئا حتى( والله العظيم ذا الرجال مهوب طبيعي!!)
ريقها جاف تماما وأناملها ترتعش بعنف..
مد يده ليمسح ظلال خدها غير الواضحة وهو يهمس بذات الوجع المتضخم:
مزنة.. تحبيني؟؟
مزنة وجدت نفسها مجبرة على إسكاته بما يريد.. فيبدو أنه يهذي ولا يعلم حتى ماذا يقول..
وجدت نفسها مجبرة ومنذ ليلتها الأولى معه أن تقول له كلمة لم تقلها لأحد زوجيها السابقين..
فهذا الذي يحدث لها لم يحدث مطلقا من قبل!!
همست له باختناق وباستعجال وهي تشعر بالكلمة كالأمواس على لسانها:
أحبك يازايد..
همس حينها كمن تلقى طعنة قاتلة يعاني شدة ألمها وانهمار نزيفها:
مرة ثانية يامزنة.. قوليها مرة ثانية..
شعرت بها أصعب من المرة الأولى بكثير لذا خرجت بطيئة مبعثرة: أحبك يازايد.. أحبك.. تبي شيء ثاني؟؟
لم يرد عليها ولكنه شدها من عضدها إلى جواره وهو يزيح ليوسع لها مكانا..
مزنة شعرت بقلبها يقفز في منتصف حنجرتها وهو يحتضنها بكل قوته..
ويهذي في عمق أذنها بكثير من الغزل العميق الموجع..
مصطلحات لم تسمعها في حياتها كلها.. والغريب أنه كان يهذي فعلا بنبرة عميقة دافئة شفافة مثقلة بوجع لا مثيل له..
وهي تشعر باختناق عميق وتأثر متعاظم.. لا تعلم هل هو من أجله أو من أجل نفسها..!!
.
.
حينما صحا من نومه على صوت منبه هاتفه المؤقت على قبل صلاة الفجر بقليل..
مد يده ليشعل الإنارة أولا..

ثم ضغط على جانبي رأسه بقوة و هو يرى ظهرها ناحيته..

كان يحاول أن يتذكر بشكل واضح ماحدث.. ليجد نفسه عاجزا عن تذكر الأمور بتفاصيلها..
فهل تستطيع أن تتذكر الأحلام بحذافيرها؟؟
كان في حلم طويل.. عذب.. مليء بالهذيان..
كان يفتح عينيه ويغلقهما دون انتباه أن من كانت جواره كانت كتفاها ترتعشان بخفة..
وهي تحاول التوقف عن البكاء منذ رأته أشعل الأضاءة.. فهي لم تنم مطلقا وهي غارقة في بكاء خافت مثقل بألم شفاف لا تعرف له معنى!!
لا تعلم لِـمَ كانت تبكي حتى؟؟ هـي تبكي؟؟ مزنة تبكي؟!!
مزنة.. من دموعها كانت عندها أغلى من أن تنحدر لأي سبب كان.. ولم ينزلها إلا أسوأ النكبات وفي خفية عن الأعين..
كما تفعل الآن في خفية وهي تمسح وجهها.. وتأخذ لها نفسا عميقا..
لتستدير حتى تجيب على نداء زايد لها بصوت خافت: مزنة.. مزنة..
همست باحترام وهي تعتدل جالسة وتحاول ألا تنظر له بشكل مباشر:
لبيه.. هذا أنا قايمة..
حينها انتفض بجزع وهو ينظر لها بذات الجزع كمن يصحو من نوم عميق..
ألـــم !! ألـــم !! ألــم !!..
ألم عميق.. عميق غاص في روحه حتى أقصاها.. ألم يجتاحه بعنف مرّ !!
أهذه هي المرأة التي قضت الليل في حضنه؟؟
أ هذه هي المرأة التي هذى لها بكلمات حب أسطوري لم يهذي بها لسواها؟؟
أ هذه هي المرأة التي منحها في لحظات مشاعر وأحاسيس عجز عن منحها لأحد طيلة ثلاثين عاما؟؟
أ خان ذكرى مزنة من أجل شبح مزنة؟؟
والأسوأ من كل ذلك.. شعور ندم مر قارص المرارة تخلل كل شرايينه وأوردته وخلاياه..
أ عجز عن حب وسمية كما تستحق من أجل امرأة ماعادت موجودة؟؟
لو أنه علم فقط قبل أن تذهب وسمية كان ليمنحها حبا كانت تستحقه ووقفت مزنة بينهما فيه..
بينما مزنة كانت أساسا اختفت.. اختفت..
كما لو كنت نذرت حياتك ومشاعرك وكيانك لشيء لا جود له..
لا وجـــــود لـــــه أبدا!!


***************************************


لم ينم مطلقا.. ولكنه بقي معتصما بغرفة التدريبات منذ صلى قيامه وأنهى ورده

يتدرب حتى قبل أذان الفجر..
كان يريد شيئا يلهيه عن التفكير بمن يعلم أنها تجلس خارجا..
وكل ما يريده لو أنه يجلس أمامها حتى لو لم يتكلما.. يشبع عينيه من رؤيتها بعد أن أضناه الشوق لها حتى عمق العظام..
لم يتخيل أن كاسرة قد تقدر على الاستيلاء على مشاعره هكذا وفي غضون أشهر قليلة!!
وهنا الفرق بينه وبين والده تماما... هنا الفرق الذي صنع الاختلاف!!
قد يكون كساب غزت روحه كاسرة الطفلة.. وبقيت شيئا ثمينا نادرا في روحه..
هو الأساس العميق الذي صنع من إحساسه بها شيئا مختلفا عميقا..
ولكن كساب عشق كاسرة الأنثى لا كاسرة الطفلة..
كاسرة الأنثى التي أيقظت كل الحواس والجنون فيه..
جمالها وشخصيتها وعنفوانها وروحها.. كل ذلك.. أيقظ فيه رجولته وكبريائه وعنفوانه واندفاع روحه..
معها شعر أن روحه الميتة تصحو من جديد..
ولم يبحث في ثناياها عن ملامح طفولتها.. بل كانت ملامح طفولتها مرحلة انتقالية ليبهره نضج كل مافيها لدرجة الوجع..
هذا النضج الذي أذاب قلبه كانصهار الحديد..
وهكذا كان قلبه.. الحديد الذي انصهر!!
كانت هذه أفكاره التي أرهقته روحه وهو يرهق نفسه في التدريب وافكاره كلها معها!!!
ختاما.. ماعاد فيه صبر.. سيمر ليرى ما فعلت قبل أن ينزل.. على أن يتوضأ في المسجد وينتظر هناك حتى يأذن الآذان..
حين خرج لها.. وجدها مازالت تجلس بعباءتها وشيلتها.. وعلى وجهها معالم إرهاق مرير..
وكانت بالفعل مرهقة ومجروحة إلى أقصى مساحات الوجع..
فما فعله كساب فيها وهو يجرها إلى غرفته كالذبيحة دون احترام لإنسانيتها أو كونها زوجته أو احترام لأي شيء..
نسف كل ما بينهما نسفا.. وهي تشعر بامتهانه لمشاعرها لأبعد حد..
حتى حقها في الغضب والاعتراض والحزن يريد سلبه منها!!
كساب حين رأها انقبض قلبه.. يبدو أنها لم تستسلم بعد..
لم يكلمها حتى.. قرر أن يؤجل المواجهة حتى يعود من الصلاة..
ولكنها على عكسه كانت تنتظر المواجهة..
كانت هادئة تماما حتى رأته فتح الباب...
حينها قفزت وهي تحاول الخروج ليمسك بها كساب الذي كان يفتح الباب بحذر وهي تصرخ باستنجاد: عمي زايد.. عمي زايد الحقني..
كساب أغلق الباب بغضب بيد وهو يسد فمها باليد الأخرى.. ويهمس من بين أسنانه بغضب: بس يالخبلة تبين تفضحينا..
شدها هذه المرة حتى أوصلها لغرفة النوم.. آخر غرفة في الجناح..
كانت تقاوم بشدة فعلا.. ولكن مقاومتها العاتية لم تؤدي سوى لإجهادها هي ولم تؤثر إطلاقا فيه..
كساب لم يتوقع أن يأسها منه وأن رغبتها في تركه.. قد يدفعها أن تفضح نفسها هكذا..
بينما كاسرة فكرت في اتجاه آخر..
ستبقى بعباءتها وشيلتها حتى موعد الفجر حينها ستنتجد بعمها زايد الذي تعلم أنه لابد سيعبر نازلا لصلاة الفجر..
لا يهمها إن علمت والدتها وعمها زايد.. فهم حين يرونها بعباءتها سيعلمون أنه لم يحدث شيئا بينهما وانها قضت الليل مجبرة هنا..
لا يهمها حينها لو علم الباقون أنها باتت في بيت زايد قريبا من أمها.. المهم ألا يعلم أحد سواهما أنها باتت في غرفة كساب..
لا يمكن أن تسمح لكساب أن يفرض عليها نفسه ورغباته بهذه الطريقة وهو يسلبها إنسانيتها وحقها في اختيار حياتها حتى!!
صرخت كاسرة بصوت عال فعلا وبغضب متفجر: ماراح أسمح لك تفرض نفسك علي..
أنا.. أنا.. أنا ما أبيك.. ما أبيك.. غصيبة هي..
كانت تريد أن تقول له " أنا أكرهك" ولكن حتى لسانها لم يطاوعها..وهي مستمرة في الصراخ..
كساب بغضب عارم: اسكتي قبل أسكتش غصب.. أنتي عارفة البيت كله عوازل صوت.. من اللي بيسمعش.. وكل واحد في غرفته.. وش بعدها..
كاسرة ما زالت تصرخ: كيفي بأصيح.. بأصيح لين أنفجر.. عندك مانع..
طلعني من هنا.. طلعني.. ما أبيك..
حينها وللمرة الثالثة يفعلها بها.. حين رأته اقترب علمت ما الذي سيفعله.. صرخت بيأس: لا لا.. حرام عليك حرام عليك.. مهوب كل شيء في الدنيا على كيفك..
ولكنها كانت بعد ثوان كانت تسقط فاقدة الوعي بين يديه..
حينها احتضنها بيأس وهو يجلس على السرير وهي في حضنه..
شد شيلتها عن رأسها.. ثم احتضنها بكل قوته وهو يدفن وجهه في عنقها ويهمس في أذنها بوجع عميق:
أنتي ما تبين تنهدين شوي؟؟.. تعبتيني وتعبتي نفسش..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات