بارت من

رواية بين الامس واليوم -128

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -128

الية تزايد نحيبها وهي تدفن وجهها أكثر في كتف والدها.. بينما أبو صالح يكمل بذات الحنو:
يا أبيش المجلس مليان رياجيل وماقدرت أرده.. وهو يا أبيش ترا ما طلب إلا حقه..
والمفروض إنه حن اللي قلنا له ذا الكلام قدام يطلبه...
وأنا ماني بغاصبش على شيء.. بس ما ظنتي إنش بتفشليني وتصغريني قدام الرياجيل..
عالية بدأ ذهنها يتشوش.. ماكل هذا؟؟ وماذا يقصد والدها؟؟
لتنصدم صدمة حياتها ووالدها يكمل: عشان كذا يا أبيش قومي تجهزي تروحين مع رجالش..
نجلا وجوزا بيساعدونش الحين تجهزين اغراضش الضرورية بسرعة..
وأغراضش الباقية بيرتبونها لش ويجونش بها بعدين..
وبالفعل كانت نجلا حينها تدخل.. عائدة من المجمع القريب .. بعد أن أنزلت جوزا في بيت أهلها..
بعد أن أخبرهما زوجيهما قبل أكثر من ساعتين حتى يشتريا لعالية شيئا مناسبا على عجالة..
فمرت نجلا بجوزا وذهبت بها..
واشتريا لها بشكل سريع قمصان نوم وبيجامات وملابس داخلية وبعض الأطقم الجديدة وهما تركضان في المجمع..
والاثنتان فعلا لم تكونا راضيتين بهذا.. فمن التي تتزوج بهذه الطريقة؟؟
حتى جوزا مطلقا لم تكن راضية بما فعله عبدالرحمن وهي تحاول وضع نفسها مكان عالية لتجد الأمر صعبا عليها..
ولكنها اتصلت فورا بشعاع لتجهز هي أيضا غرفة عبدالرحمن..
لتنزل لها الآن لكي ترتب الأغراض التي اشترتها لعالية في الغرفة..
وبما أن زواج شعاع بعد أقل من أسبوع فهي تقريبا كانت أغراضها جاهزة..
لذا قررت شعاع أن تضع مفرشها الفخم الذي كانت جوزاء قد اشترته لها لليلة زواجها لهما..
فهي مازال الوقت أمامها وجوزا ستشتري لها غيرها.. ولكن عالية المسكينة صدموها بهذا التصرف غير المعقول..
بل إن شعاع بأريحية وشفافية كبيرة علقت في الدولاب كثيرا من قمصانها وملابسها الجديدة ..
ونثرت على التسريحة عطورها وكريماتها المعطرة وبخورها.. وكثير من أدوات زينتها..
وكذلك فعلت في الحمام وأرجاء الغرفة.. وهي تبخر كل شيء وتعطره بعناية..
وحين دخلت جوزا بالأكياس الكثيرة ومعها خادمتين يحملونها.. فوجئت أن كل شيء تقريبا جاهز..
كغرفة عروس فعلا بأجواءها وترتيبها ورائحتها..
جوزا همست بتأثر وهي تختنق من تأثرها: شعاع يا قلبي وش خليتي من أغراضش..؟؟
ابتسمت شعاع بشفافية: الأغراض هذي أنتي اشتريتها في أسبوع.. ما تقدرين تشترين لي غيرها يعني؟؟
جوزا احتضنتها بتأثر: واللي خلق عيونش الحلوة لأشتري لش أحلى وأكثر منها.. وفي يومين بس..
جعل ربي يفرح قلبش مثل ما فرحتي قلب ذا المسكينة..
وجعل عين ولد آل كساب ما تشوف غيرش.. قولي آمين..


*******************************************


كانت نجلا ترتب حقيبة عالية على عجالة..
وهي عاجزة عن منع طوفان دموعها من الانهمار.. وهي تهمس بكلمات مختنقة أشبه بكلمات متقاطعة:
ترا والله عمي خالد انحرج من المجلس.. صالح قال لي إن عبدالرحمن ما خلا له مجال... وهو يطلبه قدام الرياجيل..
تكفين لا تتضايقين.. بكرة بنجي عندش ونسوي لش أحلى حفلة..
وبأرقص لش بكرشي..
وبجيب لش هدية ماصار مثلها ولا أستوى.. تكفين لا تتضايقين...
المهم توفيقش..
كانت نجلاء تنهمر بكلماتها المبتورة المتغرغرة بالدموع وهي تتحرك بتوتر في أرجاء الغرفة.. بينما عالية جالسة على طرف السرير غارقة في التبلد..
ختاما كانت هي من شدت نجلا لتجلسها وهي تهمس بذات التبلد:
نجلا بس.. اقعدي.. الشنطة خلصتيها من زمان.. وأنتي نفس الأغراض تدخلينها وتطلعينها..
ومن قال لش أنا متضايقة.. أنا متقبلة الموضوع ببساطة..
وفعايل أبو صالح فعايل رياجيل صدق وما تنلحق.. ومهوب أنا اللي أسود وجهه.. عشان خرابيط مالها داعي..
حينها كانت نجلا من انفجرت في البكاء وهي تدفن وجهها في حضن عالية..
عالية ربتت على كتف نجلاء المنكبة في حضنها وهي تهمس بذات التبلد:
تدرين عبدالرحمن كنه حاسس فيني..
كنت أفكر أشلون أنا بألبس فستان أبيض.. حسيته شيء غبي ما يلبق لي..
وأشلون بأمشي فيه؟؟.. مثل البطة!!
وأشلون أرسم نفسي عروس وأقعد باحترام وذرابة وأنا ما أعرف..
فخلاص تريحت وريحت رأسي من التفكير بكل ذا السخافات..
نجلاء تزايد انهمارها بالبكاء بطريقة هستيرية وهي تشهق: بس عالية تكفين اسكتي..
لا تقولين شيء.. مافيها شيء لا بكيتي.. ابكي وفضفضي..
عالية وقفت وهي تهمس بحزم: وليش أبكي.. أنا أبي أعرف وين المأساة في الموضوع؟؟
عبدالرحمن رجّالي صار له شهور طويلة..
المفروض أساسا أني رايحة بيته من زمان..
ويا الله نجلا كلمي صالح خله يوديني لبيت رجّالي..
نجلا تنظر لعالية بدهشة حقيقية: نعم؟؟ تبين صالح يوديش..؟؟
عبدالرحمن بنفسه بيجيش لين مكانش..
عالية بحزم شديد: عبدالرحمن وضعه مايسمح له يجيبني.. يجيني مع السواق؟؟
أنا أبي أروح بنفسي وأنتظره هناك..
" تحسب أنك بحركتك بتكسرني يا عبدالرحمن..؟؟
بتجي تأخذني وتلاقيني منهارة أبكي..؟؟
لا يا ولد فاضل..
ما عرفتني !!
أنا اللي بأروح هناك.. وبنفسي.. وأتعدل وأنتظرك مثل عروس..
ورني أنت أشلون بتمثل دور العريس !! "


*****************************


" عبدالرحمن لا تروح تجيب عالية خلاص"

عبدالرحمن يعتصر هاتفه ويهمس بصوت مبحوح: وليش ما أجيبها؟؟ أهلها غيروا رأيهم..؟؟
شعاع بابتسامة عذبة: لا بس عالية صارت هنا خلاص..
وتقول بس عطها ساعتين قبل تجي..
عبدالرحمن ألقى الهاتف من يده كأنها شعلة من نار أحرقت يده..
ليسقط الهاتف عن المقعد المتحرك الذي كان يجلس عليه في المجلس.. لأنه اتصل بالسائق حتى يذهب لإحضار عالية..
ماذا تقصد من هذه الحركة؟؟
أن تثبت له سيطرتها على الأمور؟؟ أو عدم اهتمامها بحركته؟؟
بالفعل يشعر أنه يجهل المرأة التي كان يظن أنه بات يعرفها أكثر من نفسه!!
وهو يرى الطريق أمامهما بات مليئا بالتعقيدات والعناد والخطوات غير المحسوبة!!
لا يعلم كيف قضى الساعتين حتى..
يتمزق بين أفكاره المتعارضة المؤلمة والجارحة..
والده غادره منذ فترة مجبرا.. بناء على حلف عبدالرحمن عليه لأنه يعلم أن والده يفضل النوم مبكرا..
والعمال ذهبوا للنوم أيضا.. فهو على كرسيه المتحرك ويستطيع تحريكه بنفسه حتى يصل لداخل البيت.. بعد أن وضع والده الممرات المسطحة على كل المداخل..
سيتصل بشعاع لتساعده فقط ليصعد لداخل البيت..
لا مشكلة حتى الآن في دخول البيت الذي دخله فعلا..
ولكن الـمـشـكـلـة....
أنه يقف الآن على أعتاب باب غرفته ولا يريد الدخول..
لا يريد الدخول فعلا !!!
عاجز عن توقع شكل المواجهة أو وطأتها وهو فعلا غير مستعد لها ولا بأي شكل!!
مازال يقف أمام باب غرفته..
يسب نفسه على تسرعه..
هاهو في خضم مواجهة هو غير مستعد لها إطلاقا..
هو غير نادم على التصرف الذي قام به.. ولكنه تمنى لو أنه قال لعمه أريد أن أدخل على زوجتي بعد أسبوع أو أسبوعين..
يكون تهيأ للأمر نفسيا..
وبهذه الطريقة يكون وصل لكل اهدافه..
أدبها على ما فعلته به..
وفي ذات الوقت استطاع أن يحضرها لتكون جواره..
لا يستطيع حتى أن يتخيل تقبلها له.. أو تقبله لها...
نحن حينما نسمع عن شخص أو نتكلم معه دون مشاهدة نرسم في خيالنا صورة ما.. قد لا تكون حقيقية إطلاقا..
عبدالرحمن لأنه رجل منفتح التفكير كان يرفض أن يتزوج من محض شبح لا يعرفه..
بدأ بالكلام معها.. وكان يخطط لأن يطلب منها صورة لها على أن يراها ويعيدها لها.. لكي تكتمل الصورة في ذهنه..
حقيقة وفعلا الجمال لا يهمه إطلاقا ولا يشغل باله.. ولكن يهمه أن يعرف شكل المرأة التي ستصبح أقرب له من روحه..
لا ينكر أنه رسم لها صورة ما.. صورة تغلغت في تفكيره من خلال شبه أشقائها..
قد يكونون أولاد خالد آل ليث الذكور يتمتعون بوسامة استثنائية إلا هزاع.. ولكنه لم يستطع أن يتخيل أبدا أن عالية قد تكون جميلة بأي حال من الأحوال.. ولكنها ليست دميمة أيضا..!!
بل الغريب أنه شعر أنها قد تكون أقرب شبها لهزاع ولكن بالطريقة الأنثوية..
فالشباب كانوا يتدرجون في هرم على رأسه عبدالله ثم فهد ثم صالح... ثم يأتي هزاع متأخرا جدا في آخر الهرم..
فهزاع يتمتع ببنية جسدية ضخمة هي الأضخم بين أشقائه.. وتتصف ملامحه بالحدة والخشونة لأبعد حد..
ولأن عالية كانت حتى في حديثها معه تربط بينها وبين هزاع فهذا الربط بدأ يحدث في ذهنه تلقائيا..
وخصوصا أن عالية لم تكن تتمتع بأي أنوثة في الحديث.. الذي كان هو مفتاحه الوحيد لمعرفتها..
بالتأكيد يعلم أنها ليست ضخمة.. لأنه رأها بالعباءة الواسعة.. فطولها طبيعي كطول أي أنثى.. قريبة من طول شعاع مثلا!!
إذن فالصورة التي تكونت في ذهنه..
أن عالية عادية الملامح ولكنها (مملوحة) كما يُقال في اللهجة الدارجة.. أي وجه ترتاح العين لمرآه..
وفي ذات الوقت.. الأنوثة عندها هي في مستوياتها الدنيا..
ومع كل ذلك.. كان متأكدا أنها ستكون المخلوقة الأجمل في عينيه..
فمتى كان الجمال هو مقياس كل شيء في الحياة؟؟
ولكن مع هذا التعقيد الحاصل بينهما.. وهي تجرحه بدون رحمة..
يخشى أنها مهما كان شكلها فهو لن يبصر إلا مساوئها..
وهكذا هي النفس.. ما حسنته فهو حسن.. وما قبحته فهو قبيح!!


هـــــي في الداخل..
تسب نفسها على تسرعها أكثر منه..
بل تسب نفسها أكثر على ثقتها التي شعرت أنها تبخرت في الهواء..
فهي منذ وصلت لبيتهم.. رغم دفء ترحيب أم عبدالرحمن وشعاع وجوزا.. وهن يكدن يحملنها عن الأرض..
وهي تشعر أنها عاجزة عن التنفس.. أما حين وصلت للغرفة ثم تركنها فيها..
شعرت أنها سيغمى عليها...
كانت تظن أنها ستأتي إلى غرفة رجل جامدة.. تبدو كأرض حرب محايدة..
ولكن الغرفة كانت تبدو فعلا كغرفة عروسين في أبهى صورة..
فكيف استطاعوا فعل ذلك في أقل من 3 ساعات ؟؟
المفرش الأبيض البالغ الفخامة.. والشموع العطرية المنثورة في المكان.. والرائحة العطرة الدافئة..
وأكوام العطور والزينة على التسريحة..
أما حين فتحت الدولاب أغلقته بسرعة كما لو كان سيخرج منه عفريت وهي ترى أمواجا من الفساتين الجديدة.. والقمصان الفاخرة..
قررت أن تهرب للحمام وهي تنتزع فوطتها وروبها من حقيبتها.. تريد أن تستحم حتى تغسل جسدها من الحرارة والتوتر..
حين دخلت للحمام.. أصيبت بخجل أعمق.. حتى الحمام كان غارقا في فخامة استثنائية بطقمه الفاخر الجديد..
وهو يفوح برائحة الزيوت العطرية.. وغارق في أكوام الكريمات ومعطرات الجسد..
كادت تجن.. كيف فعلوا كل هذا في وقت قصير.. بل دون وجود وقت حتى؟؟
بل لماذا فعلوه وهم يسلبونها حقها في القوة والثقة ليجعلوها تشعر بالخجل والتزعزع كأي فتاة غبية؟؟
لم يخطر ببالها أن كل هذه الأغراض هي أغراض شعاع التي كانت جاهزة أصلا..
وكل ما احتاجته.. هو خادمتين معها لتنتهي من العمل كله في أقل من ساعة..
مع أنه لم يكن لها عقل لتفكر وهي تستحم.. ولكنهالم تستطع منع نفسها من الشعور بألم عميق..
وهي تلاحظ في الحمام بقرب المرحاض والمغطس وجود الألواح الحديدية التي توضع لذوي الاحتياجات الخاصة لتساعدهم على الحركة داخل الحمام..
حاولت تنحية الألم الذي غمر روحها لأقصاها وهي وتقرر أنها لابد أن تمشي في مخططها كما رسمت.. مع أنها ماعاد بها قدرة لا للتفكير ولا للتنفيذ..
صلت قيامها قبل أن تقوم بأي شيء وهي تدعو الله أن يقوي عزيمتها ويبعث في روحها القلقة السكينة..
ثم حاولت أن تهدأ وهي تقوم لتبدأ بتنفيذ مخططها..
بعد أن انتهت من تعطير جسدها وشعرها وتبخيرهما.. أخرجت فستانها الذي قررت أن تلبسه.. فستان زهري..
ضيق على الصدر ويتسع من الصدر بكسرات متعددة..
فهي بطبعها ولأنها نشأت في بيت كله شباب ثم عاشت سنواتها الأخيرة مع شاب كانت لا ترتدي إلا الملابس الواسعة..
وربما حتى هذا الفستان كانت تراه مخجلا.. ولكنه كان الفستان الوحيد الجديد الجاهز لديها لأنها كانت أعدته لزواج شعاع..
تركت شعرها المتوسط الطول يجف دون تمشيط وهي تمرر بعض الجل خلاله ليكون مموجا بطبيعية..
ثم رفعت أطرافه من الأمام بفراشات زهرية..
ووضعت زينة خفيفة.. اعتمدت على ألوان الزهر في مجملها..
لا تعلم حتى لو كان شكلها مرتبا وهي تنهي زينتها برشات كثيفة من العطر..
ولكن هذا ما استطاعت فعله وهي تنظر لساعتها وترى أن الساعتين اللتين طلبتهما من عبدالرحمن عن طريق شعاع قد انتهتا من أكثر من ربع ساعة..
كانت تجلس في الجلسة الصغيرة في الزاوية حين رأت الباب يُفتح..
شعرت أن قلبها يقفز إلى منتصف حنجرتها من الرعب والتوتر..
حاولت أن ترفع عينيها لتنظر له بتحدي و برود حتى تريه أنه لم ولن يكسرها..
ولكنها لم تستطع رفع عينيها عن يديها المتشابكتين وصوت دقات قلبها يكاد يطغى على صوت العجلات التي سمعتها تتقدم لداخل الغرفة..
هــــو... بقي أمام الباب لوقت طويل.. لا يعلم مدته.. ربع ساعة.. نصف ساعة..
يعصف به توجس عميق.. في داخله كره أن تراه بهذه الضعف.. وهو يدخل على كرسيه المتحرك..
وكأنها تتأكد بذلك مما وصفته به أنه " مكسح " !!!
أذى نفسي متزايد هو في غنى عنه..!!
ولكنه في النهاية وجد نفسه مجبرا على الدخول.. فحتى متى سيبقى أمام الباب؟؟
أ ليس من أراد جلبها لعنده؟؟ وهاهي عنده كما أراد تماما..
حين دخل لم يستطع حتى أن ينظر ناحيتها..
وإهانتها المرة تقفز فورا لذاكرته...
غمغم بسلام بارد وهو يتجاوزها للحمام.. لترد هي بسلام أكثر برودا..
وعبرتها تقفز لمنتصف حلقها وهي تتذكر حين سمعت صوته.. ماقاله لها في مكالمتهما الأخيرة..
وهو يطعن قلبها الطعنة التي حاولت أن تنحيها من تفكيرها فإذا بها تقفز لتحتل كل المساحات وهي تراه أمامها..
قضى في الحمام نصف ساعة قبل أن يخرج من غرفة التبديل وشعره يبدو مبلولا..
خلال الفترة التي قضاها في الحمام كانت رغما عنها تتساءل بألم شاسع:
كيف يتصرف في الداخل..؟؟
كانت تنظر له بطرف عينها وهي تراه يعبر من أمامها.. متوجها للسرير ودون أن يوجه لها كلمة واحدة..
نقل نفسه للسرير.. بدا له أنه عانى طويلا حتى استطاع فعل ذلك..
ولكنها لم تجرؤ على عرض المساعدة.. وهي تشعر رغما عنها أن كل حركة فاشلة يقوم بها تجعل قلبها ينتفض وهي تخشى أن يقع على الأرض خلال محاولاته..
وهي مازالت تسترق النظرات له وهي تراه يتوجه للقبلة ويصلي قيامه.. ثم يتناول مصحفه ليتلو ورده..
ثم يضع مصحفه جانبا.. لينظر أمامه.. دون أن يتوجه لها بكلمة..
شعرت بغضبها يتصاعد منها.. لماذا أحضرها هنا إن كان يريد أن يتعامل معها كأحد مقاعد الغرفة..؟؟
فهو لم يكن يحتاج لمقعد إضافي..
مرت دقائق صمت قبل أن يكسر هو الصمت وهو يهتف ببرود مقصود:
تراني تعشيت في ملكة خالش العزيز..
لو تبين تتعشين.. تعشي أنتي..
قالها وهو يشير بيده للعشاء المرتب على طاولة التقديم في الزواية..
حينها رفعت عينيها وهي تنظر له بشكل مباشر وترد ببرود أشد:
شكرا مالي نفس.. نفسي مسدودة طال عمرك..
حينها تجرأ لينظر لها.. فنبرة التحدي منحته عذرا ليقوي أعصابه..
حـــــيـــــــــنــــها...
تبعثرت مشاعره تماما..
فالمرأة أمامه شكلها مختلف تماما عما رسمه في ذاكرته..
لا تشبه أي واحد من أخوتها ولها شكلها الخاص بها..
قد تكون فعلا عادية الجمال.. ولكن ملامحها كانت عذبة وأنثوية ورقيقة لحد بعيد..
كانت فعلا في عينيه هو أنثى فاتنة وهي أمامه كزهرة عطرة متفتحة في أجمل فصول الربيع!!
لم يتخيل أن من لها هذا اللسان الحاد السليط قد يكون لها مثل هذه الملامح الرقيقة..!!
رغما عنها حين رأته يتفحصها بهذه الطريقة المتمعنة أنزلت عينيها
" وش فيه الدب يتمقل كذا كنه عمره ماشاف مره؟؟
يمكن يتمسخر هو ووجهه ذا الحين!!!"
لم تستطع أن تسكت وهي تراه يطيل النظر فيها هكذا .. فروحها المتمردة رأت في تفحصه لها بهذا الاستهزاء امتهانا لها..
لذا رفعت عينيها وهي تنظر له وتهمس بنبرة تهكمية:
تطلع الأخطاء السبعة؟؟.. وإلا تحسر على حالك لأنك كنت تتمنى ناس ثانين يكونون مكاني..؟؟
حينها رد ببرود: ناس ثانين مثل من؟؟
أجابته حينها بمباشرة غاضبة وكل الأقنعة تسقط: بنت خالك مثلا يابو عين زايغة..
حينها أجاب ببساطة حازمة: لو أنا أبغي بنت خالي على قولتش..
ترا أبسط شيء إنه أتصرف تصرفات القرون الوسطى.. و أقرع على خالش من يوم دريت إنه خطب..
ولو كنت مثل ما تظنين.. فخطبة خالش بتحل كل مشاكلي..
لأني لو خطبت عادي لهم حق يردوني.. لكن لو قرعت ما لحد حق يفتح ثمه..
كذا تقول العوايد يا اللي تعرفين العوايد..
ولو حتى بغيتها الحين.. ممكن أروح أشتكي عند كبار القبيلة وأخلي خالش يطلقها..
صحيح هذا مهوب حق في الشرع ولا الدين.. بس حق في العادات والتقاليد..
والرجال العاشق ماعليه شرهة..
أشرايش عالية؟؟ أسويها؟؟
عالية صمتت بغيظ وغضب وألم أوسع من كل ألم..
وما يؤلمها حتى آخر شرايينها.. أنه محق تماما..!!
لو كان يريد وضحى ويحبها كما كانت تظن.. كان يستطيع أن يحجرها على خالها..
فالمحب يستحيل أن يتخلى عن حبيبه.. تماما كما فعل هو معها الآن.. بينما هي فعلت العكس.. العكس تماما!!!
بدا لها الأمر بسيطا واضحا إلى درجة الوجع.. ولكن الأمور لا تكون بهذه البساطة والوضوح لامرأة مجروحة!!
شعرت بتزايد حزنها ووجعها في قلبها.. حتى شعرت أنها تريد أن تتقيأ دون أن تستطيع!!
تبادلا النظرات الصامتة لثوان.. ثم تمدد عبدالرحمن وهو يهتف بسكون:
تصبحين على خير..
ابتلعت غصتها الصامتة.. شعرت لضخامة الغصة أنها ستتقيأ فعلا وهي تبتلعها رغما عنها..
" يا الله كم هو مرهق!! "
بينما هو كان مرهق فعلا.. متعب من هذه المواجهة القصيرة..
لم يتخيل أن ليلته الأولى مع عالية لن تكون سوى مأساة واستنزاف لمشاعره وأعصابه بهذه الطريقة..
ألا يستطيع أن يناديها ويقول لها تعالي جواري فقط.. أريد أن أسمع أنفاسك من قرب..
أنفاسك التي رافقت روحي وأخرجتني إلى ضوضاء الحياة!!
لماذا كل هذه التعقيدات بينهما؟؟
وهو يحاول بفشل ذريع أن يتجاوزها ليجد حاجزين ممتدين أمامها..
معايرتها الجارحة له..
ثم إحضاره لها بطريقة مطلقا لا تناسب قدرها الكبير عنده !!
رغم أنه بذاته إنسان غير معقد أبدا.. واعتاد على أخذ الأمور ببساطة وشفافية..
فلماذا يحضر التعقيد بينهما؟؟
وهو يتمدد... تذكر أن الغرفة ليس بها مكان مناسب للنوم عدا هذا السرير..
لأن هذه غرفة مؤقتة له..
والجلسة الصغيرة في الزاوية عبارة عن أربع مقاعد دون أريكة حتى!!
حاول أن يعتدل بذات الصعوبة التي عاناها في تمدده وكانت مازالت تجلس على المقعد ليهمس بذات السكون:
عالية تعالي نامي جنبي.. مافيه مكان تنامين فيه..
ثم أردف بتهكم موجوع: ولا تخافين.. السرير كبير.. وأنا واحد مكسح..
ما أقدر أجي جنبش..
شهقت بعنف.. ولكنها كتمت شهقتها بداخلها مع أخواتها الأخريات..
وهي تسمع معايرتها له بلسانه.. تبدى لها مقدار بشاعة الكلمة وقسوتها ووحشيتها..
بدت الكلمة فعلا بشعة لأقسى صور البشاعة التي لا يمكن تخيلها حتى!!
" أ حقا جرؤت أن أجرحه بهذه الطريقة غير الإنسانية؟؟
أ حقا فعلتها؟؟"
قفزت للحمام دون أن ترد عليه..
شعرت أنها ستنفجر في البكاء أمامه ودون مقدمات..
لذا أغلقت باب غرفة التبديل.. ثم باب الحمام.. لتنتحب..
يا الله .. أي ليلة زواج هذه التي قضت أكثر من ثلاثة أرباعها في النشيج والنحيب!!
حين استكانت بعد أن فرغت ثورة بكائها..
خرجت لغرفة التبديل لترتدي بيجامة حريرية واسعة بلون مشمشي..
لا تعلم لماذا اختارتها؟؟
كانت أقرب شيء ليدها.. ربما..!!
بريئة ودافئة.. ربما!!
حين خرجت.. كان يتمدد على جنبه .. عيناه مفتوحتان لكن مسبلتان جزئيا..
"يفكر.. مهموم.. !!
وأي شخص بحاله لا يكون هموما.. اجتمعت عليه المصائب..
العجز والقهر والحبس... وأنا !! "
اعتصمت بمكانها في مقعدها حتى أذن الفجر الذي لم يكن بعيدا أساسا..
حينها رأته يزيح غطائه ويحاول النهوض.. رغما عنها قفزت لتقف..
محاولة الاعتدال وهو يسحب قدميه.. بدت مؤلمة..
فكيف بمحاولة النزول عن السرير للكرسي المتحرك؟؟
ولكنها لم تتحرك من مكانها.. فليس لها حق الاقتراب ولا عرض المساعدة!!
لها حق تجميع الغصات فقط!!
هــو.. شعر بأذى نفسي كبير أنها تراقب عجزه وقلة حيلته من هذا القرب..
وقوفها ساكنة متفحصه هكذا يؤلمه.. بل يذبحه..
ولو عرضت المساعدة فهي ستذبحه تماما.. لأنها حينها ستريه أي (مكسح) هو!!
عاني طويلا فعلا لينقل نفسه للمقعد لأن قدميه كانتا متيبستين تماما..
حين دخل للحمام.. شعرت برغبة مضنية للبكاء.. هل هناك من آخر لهذه الدموع التي لا تشبهها..؟؟
لم تتخيل أن رؤيته بهذا العجز وقلة الحيلة سيؤذيها بهذه الطريقة..
والمؤذي أكثر من كل شيء معرفتها أنه يكابر على وجعه حتى لا يبدو كما قالت له في كلمتها البشعة...
بقيت معتصمة بمكانها وآلامها الغريبة تتسع وتتسع..
خرج بعد عشر دقائق مرتديا ثوبه.. ولكنه يحتاج إلى من يسدله له على قدميه..
حينها وقفت وهي تهمس له بحزم رقيق:
لا تصير سخيف وتعيي..
خلني أوطي لك ثوبك..
هتف لها بحزم أشد: إبي ينتظرني في الصالة وبيوطيه لي..
حينها همست بنبرة أقرب للرجاء: وتشوفها زينة في حقي قدام إبيك.. إنك طالع من عندي وشكلك كذا..؟؟
فأجابها بنبرة أقرب للألم: وهذا كل اللي هامش..
خلاص تعالي وطيه..
ألم شفاف فعلا يغمر قلبيهما النقيين.. ألم ماعاد له معنى.. وكل منهما يرى كم الآخر مجروح منه...!!
انحنت لتسدل ثوبه على قدميه..
تمنى حينها وهو يراها قريبة هكذا.. لو استطاع أن يضع كفه على رأسها ويقول لها كلمة واحدة تسمعها منه بشكل مباشر: (أنا أسف)..
وتمنت هي لو دفنت رأسها في حجره وبكت فيض دموعها وغصاتها المكتومة وهي تهمس بكلمة واحدة: (أنا آسفة)..
غريب هو الإنسان كيف يهوى تعذيب نفسه!! ويبحث عن مبررات لهذا العذاب وأسباب!!
مع أن أسباب التسامح والسعادة أقرب وأقرب!!!
غريب هو الإنسان كيف يكون سهلا عليه أن يغضب ويجرح..!!
ثم يكون صعبا عليه أن يحتوي ويسامح..!!
غريب هو الإنسان كيف يرضى بالعطش والماء بين يديه!!
غريب هو الإنسان يرضى أن يكون جارحا ويرفض أن يكون مجروحا!!
غريب هو الإنسان كيف يريد مع كونه جارحا أن يتلبس دور الضحية!!
ويرفض دور الجلاد مع رفضه للجرح...
فكيف تكون ضحية لم تُجرح!!
وكيف تكون جارحا وأنت لست بجلاد !!!
تساؤلات دارت في النفسين المعذبتين على ذات المستوى من القهر والوجيعة
وهي تراه يغادرها للصلاة..
ثم وهي تصلي وتقرأ وردها ولا تكف عن البكاء..
ثم وهي تكتم شهقاتها وهي تراه عائدا من الصلاة....
اقتربت هذه المرة دون أن تتكلم لتساعده على خلع ملابسه..
فما عادت تحتمل أن تتركه يتعذب هكذا لوحده وهي مازالت لم ترى عذابه سوى لليلة واحدة..
وتمنى هو أن يرفض..
ولكنه لا يستطيع أن يكون لئيما ولا يعرف..
وهو يعرف أنه إن رفض سيجرحها.. وهو عاجز عن جرحها متقصدا..
فهو إن كان جرحها عن غير قصد.. فلا يستطيع أن يكون مثلها ويفعلها عن قصد...
بدا كل شيء بينهما حينها كثيفا وجارحا وحساسا ومغمورا في شعور جارف لا يمكن صده ولا تحديده..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات