رواية بين الامس واليوم -129
تساؤلات دارت في النفسين المعذبتين على ذات المستوى من القهر والوجيعة
وهي تراه يغادرها للصلاة..
ثم وهي تصلي وتقرأ وردها ولا تكف عن البكاء..
ثم وهي تكتم شهقاتها وهي تراه عائدا من الصلاة....
اقتربت هذه المرة دون أن تتكلم لتساعده على خلع ملابسه..
فما عادت تحتمل أن تتركه يتعذب هكذا لوحده وهي مازالت لم ترى عذابه سوى لليلة واحدة..
وتمنى هو أن يرفض..
ولكنه لا يستطيع أن يكون لئيما ولا يعرف..
وهو يعرف أنه إن رفض سيجرحها.. وهو عاجز عن جرحها متقصدا..
فهو إن كان جرحها عن غير قصد.. فلا يستطيع أن يكون مثلها ويفعلها عن قصد...
بدا كل شيء بينهما حينها كثيفا وجارحا وحساسا ومغمورا في شعور جارف لا يمكن صده ولا تحديده..
أنفاسه الدافئة المتوترة قريبة منها وتلفح وجهها!!
وأناملها الباردة الأكثر توترا على عضده وكتفيه..!!
بدت العملية أكثر من مجرد خلع ثوب إلى معضلة إنسانية موجعة.. بين الفعل ورد الفعل!!
بين إحساس كل منهما بالذنب وبالجرح في ذات الوقت!!
بين إحساس كل منهما بالقرب والبعد!!
بين اختلاج الإنفاس وارتعاش اللمسات !!
حين انتهت وهي تشد ثوبه مبتعدة.. كان كل منهما يشد أنفاسه التي شعر بها احتبست من هذا القرب اللاسع..
همست بخجل وهي عاجزة عن النظر له: أقومك على السرير..؟؟
فرد عليها بثقل عميق: لا.. أقدر بروحي..
فكلاهما بدا غير قادر على احتمال جولة أخرى من هذا القرب المموه اللاسع الجارح..!!!
وبالفعل حاول نقل نفسه بصعوبة بالغة لسريره حتى نجح..
تمدد على جنبه.. وأسبل عينيه وهي مازالت واقفة..
همس بإرهاق شديد وهو مغلق العينين: تكفين عالية تعالي نامي.. أنا ميت من التعب.. ومستحيل أقدر أنام وأنا عارف أنش قاعدة صالبة نفسش كذا..
تنهدت بعمق.. " إذا كنت عذبا وشفافا هكذا؟؟
فكيف استطعت أن تجرحني بهكذا قسوة؟؟"
وقفت لثوان ثم اقتربت من الناحية الأخرى..
تمنت أن تهرب من المكان كله..
لكنها لم تستطع أن ترفض وهي ترى كم هو متعب!!
لم تتخيل أن رؤيته قريبا هكذا ستفجر في داخلها مشاعر على مستوى آخر..
أنها تود أن تكون جواره.. تخفف عنه..
تنسيه هم هذا الثقل الذي لم تستطع هي احتماله.. فكيف بمن يعانيه؟؟
اقتربت وهي تختنق بخجلها لتجلس على طرف السرير الآخر..لم تستطع أن تتمدد حتى..
علم أنها أصبحت جواره هي تسلل إلى أقصى خياشيمه رائحة عطرها العذب المعذب..
فتح عينيه.. لتنتفض هي بجزع.. همس بسكون: ليش قاعدة كذا.. انسدحي.. ترا أنا ما أعض..
تمددت وهي تشعر كما لو كان الفراش يتحول لفراش من مسامير..
شدت الغطاء على كامل وجهه.. وهي تترك فقط عينيها اللتين كانتا نتظران نحوه وهي تمسك الغطاء على وجهها...
حينها همس بيأس حقيقي.. بصدقه الشفاف: تكفين عالية لا تزيدينها علي..
والله إني ندمان إلى جبتش بذا الطريقة اللي ما تناسب قدرش عندي..
فلا تزيدينها علي وأنا أشوفش خايفة وحزينة كذا!!
حـــيـــنـــهــــا...
انفجرت تماما في البكاء.. ماعادت تحتمل.. ماعادت تحتمل!!
أيكون نادما لأنها أحضرها هنا..
وهي أ ليست نادمة ألف مرة على تجريحها البشع له الذي دفعه لهذا التصرف؟؟
هو حين رآها تبكي هكذا.. شعر بقلبه يتحطم لشظايا..
ظنها تبكي لأنه شعرت بالقهر منه ومن تصرفه معها..
شد نفسه بصعوبة ليقترب منها.. ثم ربت على كتفها بحنو ذائب وهو يهمس بذات الحنو الذائب الموجوع:
عالية يا قلبي.. والله أني آسف.. الله يلعن الشيطان ويباس الرأس..
تكفين لا تبكين.. والله قلبي ما يستحمل..
وش اللي يرضيش؟؟ تبين ترجعين بيت هلش وننتظر لين أقدر أمشي وعقب نحدد عرس؟؟ أنا حاضر..
أدري إنه كلام مهوب منطقي عقب ماجيتي عندي وأمسيتي في بيتي!!
بس أنا ما علي من حد.. وما يهمني كلام الناس.. يهمني اللي يرضيش أنتي..
تبين الطلاق صدق؟؟.. أنا حاضر حتى لو كان الموت أهون علي.. المهم أنتي..
تزايد نحيبها وهي تدفن وجهها بين كفيها..
بينما شعر هو أن شظايا قلبه المحطم تتزايد تطايرا كلما رأى تزايد بكاءها..
تمنى لو يشدها ليحتضنها وهو يرى نفسه عاجزا عن تهدئتها..
ولكنه لم يرد أن يزد رعبها منه رعبا..
هـــي.. مطلقا لم تكن مرعوبة.. ولا خائفة... بل محض نادمة!!
عاجزة عن تجاوز تجريحها له الذي يتغلغل ألمه في روحها..
تشعر أن شفافية روحه تكاد تضيء جوانحه بينما تشعر هي أنها روحها ملوثة بسواد لا يليق بطهر روحه!!
همس عبدالرحمن بذات الحنو الموجوع وهو يمد يده المرتعشة ليمسح على شعرها:
عالية بس تكفين.. طالبش.. خلاص..
زين كلميني بس.. سبيني لو تبين..
بس طالبش ما تبكين كذا!! حرام عليش.. بروحي نفسيتي زفت..
حينها أزالت كفيها عن وجهها.. لتقترب هي منه وهي تحارب خجلها وحزنها ويأسها وتوترها.. وتصدمه بدفن وجهها في منتصف صدره...
وحينها.. ماعاد للكلمات معنى أو قيمة.. !! تضاءلت كل قيمة لها ومعنى أمام معجزة إحساس سماوي غير مسبوق...
فيكفيه ارتعاشها بين يديه.. ودموعها تغرق صدره.. وأنفاسها تبعث قشعريرة قارصة في كل خلاياه..
ويكفيها صلابة ذراعيه تحيطها بكل حنان العالم.. وهي تتوسد عضده وتستمع إلى دقات قلبه المتصاعدة من هذا القرب!!
يكفيه أنها غفرت له جرحه لها وهي تطهر روحه بلهيب دموعها وأنفاسها الساكنة بين حناياه..
ويكفيها أن صدره كان الميناء الذي استقبل بشاعة معايرتها له دون أن يجعل هذه الكلمة المرعبة سدا بينها وبين ميناء حضنه..
يكفيهما هذا الإحساس بالذوبان والتماهي والامتزاج وكل منهما يشعر أن خطيئته في حق الآخر هي الأكبر..
ويشكر الله على نعمة التسامح التي منحها لقلبيهما ولسكينة روحيهما..
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع في [ 4 ] ..
من الجزء الخامس والسبعين الى الجزء التسعين ..
منتديات غرام | أقلام لا تتوقف عن الإبداع
تجميع / ♫ معزوفة حنين ♫..
روآية : بيـــن الأمس واليـــــــــــوم ..
للكــآتبة / # أنفاس_قطر #
[ 4 ] ..
من الجزء السادس والسبعين الى الجزء المئة ..
منتديات غرام | أقلام لا تتوقف عن الإبداع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بين الأمس واليوم/ الجزء السادس والسبعون
الليلة السابقة..
ملكة وضحى ونايف..
.
.
.
" يا الله وش إحساسش ياعروس؟؟ "
وضحى بتوتر خجول: ما أدري..مرحلة عدم توازن!!
ثم أردفت بحزن عميق: وحزينة واجد..
تخيلي تميم مابارك لي..!!
كاسرة هزت كتفيها بحزم: أنا ما أدري أنتي وش مزعلة تميم فيه.. بس عطيه كم يوم..
تميم قلبه كنه قلب طفل.. مسرع ما ينسى..!!
وهما تتحاوران رن هاتف كاسرة.. ابتسمت وهي تشير للهاتف: السكنية سمور تتصل..
وضحى بعتب: أنا زعلانة عليها.. ومتقصدة ما أرد على تلفوناتها..
أكلمها أقولها تعالي أنا محتاجتش.. تطنشني..
كاسرة حينها تنهدت: ردي عليها.. لا تزودينها عليها.. ظنش إنها لو روحتها طبيعية لأهلها.. كان قعدت كذا كله وفوتت ملكتش بعد..
وضحى صرت مابين حاجبيها وهي تهمس بتردد: أنا عارفة إنه فيه شيء مهوب طبيعي.. بس كل ما سالتها تقول لا
وأنا ما أتخيل سميرة تدس علي..
حينها ربتت كاسرة على خد وضحى وهمست بعمق: بكرة لا تزوجتي
دريتي إنه اللي يصير بين الأزواج بيكون سر المفروض ماحد يدري به!!
كلمي سميرة.. وخذي بخاطرها..
************************************
" يأمك ليش ما باركت لأختك؟؟
عيب عليك اللي تسويه فيها!!
وضحى ما تستاهل منك كذا!!
زين وصار اللي صار.. كانت بزر.. ونيتها صافية وغلطت دون قصد..
بس أنت عارفها زين وعارف أخلاقها.. عيب عليك تشك فيها.. ترا كنك تشك في روحك!!"
تميم يشير بألم: يمه موجوع منهما واجد.. أنتي عارفها غلاها عندي..
كن حد حرقني بالنار يوم دريت..
والله العظيم كان ودي أخذها في صدري وأبارك لها..
بس على قد غلاها وجيعتي منها!!
عطيني كم يوم يمه.. كم يوم.. أدري عظامي ما تشلني عليها!!
حينها همست مزنة بحزم: زين خلنا الحين من وضحى..
ومرتك؟؟
انتفض تميم: وش فيها سميرة؟؟
مزنة بحزم: خلاص مالك عذر.. أول تعذر أنك مشغول مع وضحى وبفحوصها..
هذي وضحى تملكت.. وخلصت..
بكرة تروح وتجيب مرتك..
حينها أشار تميم بيأس: بس يمه أنا خايف هلها يعقدون السالفة..
وأنتي عارفتني نفسي عزيزة واجد.. وأكره ما علي أقعد قدام حد يحاسبني..
حينها ابتسمت مزنة وهي تقف وتهمس بنبرة مقصودة:
زين أنت روح بكرة.. واتصل بس لمرتك وقل لها تنزل لك..
وراضها مثل ما الناس السنعين يراضون نسوانهم..
ومهوب أنا اللي أعلمك السنع..
******************************
" ها سمور.. شأخبار العروس؟؟"
سميرة تضع هاتفها جوارها وتهمس بابتسامة: مسوية روحها مستحية الأخت..
لا وزعلانة ليش إني ماجيت..
حينها نظرت لها نجلاء نظرة مباشرة وهمست بنبرة مقصودة:
وليش مارحتي.. صار لش أكثر من أسبوع هنا ترا..
سميرة تتشاغل بشيء في يدها وهي تهمس بنبرة تمثيلية: بأروح ذا اليومين..
تميم كان لاهي شوي.. وعنده مشاغل..
نجلا تنظر لها نظرة مقصودة: زين.. سلمي لي على تميم لا رحتي..
سميرة تزايد تشاغلها بما في يدها حتى لا تنفجر في البكاء..
تعلم أن أسرتها باتت تشعر بشيء مريب..
الكل بدأ يلمح لها بالسؤال إن كان هناك مشكلة بينها وبين تميم.. والدها ووالدتها ونجلاء وغانم..
وهي تصر أنه لا شيء.. وتعلم أن التلميحات ستتحول قريبا لتصريحات..
ستموت أن جابوها بشكل مباشر.. تعلم ما الذي سيحدث..
" أ ليس هذا من اخترتيه رغم تحفظنا الشديد على اختيارك؟؟
أليس هذا من أصريتي بكل قوتك عليه؟؟
فما الذي حدث الآن ؟؟"
باتت تفكر بشكل جدي أن تعود لبيتها حتى لو لم يرجعها تميم..
أ لم يقترح عليها أن تبقى كأخت لو أرادت.. وهكذا ستفعل إن لم يكن يريدها زوجة؟؟
ولكن مهما كان كرامتها تمنعها أن تتصرف هذا التصرف..
كيف سيحترمها لو تصرفت هكذا؟؟
يا الله.. تتمزق من كل هذا.. تتمزق.. ولا تستطيع طلب المعونة من أحد..
حتى خالتها مزنة.. ماذا تقول لها؟؟
اطلبي من تميم أن يرجعني..
**************************************
" عاد أنا جيت في الوقت الضايع..
لا حضرت ملكتك..
ولا حضرت روحة عالية لبيت سبع البرمبة!! "
نايف بضيق شديد: لا تذكرني.. لا تذكرت طرا علي أخنق عبدالرحمن وأبيك فوقه..
هزاع يضحك: عبدالرحمن بكيفك.. بس عاد أبو صالح دون حلقه حلوق..
نايف بذات الضيق: تلايط بس.. وأنت من يوم جيت بس تنكت أنت ووجهك..
هزاع مازال يضحك: الشرهة علي اللي جيت أبارك لك وقلت أمسي عندك وأسهر عندك ياعريس..
نايف بتحسر: الله ينكد على عبدالرحمن مثل ما نكد علي.. قال عريس قال..
هزاع بمرح: لا تخاف عليه.. عنده بير نكد الليلة.. عنده حبيبة قلبك بتقوم بالواجب وزيادة..
نايف بذات نبرة التحسر: حتى الشوفة مالحقت أشوفها..
قهروها.. قهروها.. وقهروني معها !!
حينها همس هزاع بجدية: أنا أبي أدري ليه حارق نفسك كذا.. صار لك ساعتين تأكل في روحك..
والأخت تلاقيها طابخة الطبخة مع رجالها..
نايف تفجر بغضب: ما اسمح لك تقول عنها كذا..
هزاع حينها تفجر غضبه المكتوم عارما: بلا ما تسمح لي بلا بطيخ..
الشيخة عالية.. طايحة مكالمات مع حبيب القلب وأنت بتموت من الحزن عليها
نايف بصدمة حقيقية: كذاب.. عالية ما تسويها.. كذاب
وحتى لو سوتها أنت أشلون تدري وساكت يا الرخمة..؟؟
هزاع حينها هز كتفيه وهو يتماسك: توني دريت اليوم الصبح وأنا رايح الكلية..
إبي قال لها تروح تسوي له جمر..
فهي خلت تلفونها وقامت.. خذته أبي أشوف مسجاتها..
وخصوصا إنها ذا الأيام صارت مستحيل تخليه يطيح من يدها.. واستغربت إنها خلته ذا المرة..
يوم فتحته انفجعت بالمسجات.. اعتذارات بالكوم.. والمسكين قلبه ذايب من جده..
ما قدرت افهم السالفة لأن إبي صاح علي : ماعاد إلا تلفونات النسوان تقلب فيها يا الرخمة..
حطيت التلفون وأنا مولع وأبي أروح أوريها شغلها.. بس إبي موجود وأنا كنت أبي السالفة بيني وبينها بس..
وموعد الكلية تاخرت عليه وانا عندي امتحان اليوم.. قلت خلاص لا رجعت وريتها شغلها..
ثم أردف بابتسامة: بس سبحان الله.. جيت لقيتها في بيت رجّالها..
خلاص خلهم ينلمون بدل الفضايح!!
نايف بصدمة حقيقية: عالية تكلمه وتدس علي بعد..عشان كذا كانت بتموت عشان أخذ بنت خاله..
ثم أردف بغضب كأنه يكلم نفسه:
زين ياعالية.. زين.. دواش عندي.. عطيني كم يوم بس..
***********************************
" مبروك ملكة وضحى.. جعل تشوفين عيالها "
مزنة تهمس برقة وهي تتناول غترة زايد منه: قلتها لي قبل..
ابتسم ابتسامته الفخمة المعهودة وهو يجلس على الأريكة ويشير للمكان الخالي جواره: بس وجه لوجه غير..
مزنة همست بذات الرقة وهي تجلس حيث أشار : الله يبارك فيك..
ثم أردفت بنبرة حزن مخفية: ولو أنه صعب علي أتخيل إن وضحى بتتزوج..
هذي آخر العنقود ولحد الحين في عيني أشوفها صغيرة..
زايد بذات الابتسامة وهو يستدير ناحيتها: خلي كساب وكاسرة يتشطرون ويجيبون لنا أحفاد يلهوننا عن عيالنا اللي عرسوا..
مزنة حينها ابتسمت بشفافية: الله يرزقهم برزقه..
وحينها مد زايد يده ليمسك بذقنها بين سبابته وإبهامه وهو يهمس بنبرة خافتة دافئة: استغرب وحدة لها ابتسامتش وما تكون مبتسمة على طول..
رغما عنها حضر لها شعور الارتعاش الذي يجتاح فؤادها ما أن يهمس لها زايد بهذا الدفء..
وكأنها تختبر هذا الإحساس لأول مرة..
"وكـــأنــــهـــــا؟؟؟ "
هي فعلا تختبر هذا الأحساس للمرة الأولى.
والد مهاب لم يعش معها إلا لفترة قصيرة..
أما زوجها الثاني فقد توفي وهي في نهاية العشرينات.. وهي في صباها كانت حادة الطباع نوعا ما..
حدة هدأتها مرور السنوات وزيادة التدين..
وربما كانت حدتها القديمة حاجزا فصل بينها وبينه..
عدا أنه رحمه الله كان لين الطباع لأبعد حد.. وترك لمزنة حرية التصرف كيف تشاء..
لم تشعر بهذا الإحساس بالاحتواء بالرجولي المثقل بالزخم إلا الآن..
مـــع زايــــــد!!
ثم أفسد هذا الإحساس الرائع المذهل المحلق.. ما همس به زايد بنبرة أكثر دفئا وعمقا وحنانا كأنه يحادث نفسه:
صحيح الحين ابتسامتش أحلى بدون مقارنة حتى..
بس أول كنت لا شفتش تبتسمين وحن صغار.. أحس عظامي تبرد لدرجة إني ما أقدر أتحرك من مكاني..
لا تعلم لـِمَ شعرت بضيق غريب... (أول) ليس الآن..!!!
لا تعلم لماذا بدا لها هذا الماضي كأنه حاجز غير مفهوم..
فهذه ليست المرة الأولى التي يفصل فيها في الحديث بين ماكانت في الماضي وما هي الآن.. كما لو كان يتحدث عن امرأتين مختلفتين!!
مزنة كانت على وشك النهوض.. لولا أنه منعها وهو يشدها من كفها التي احتفظ بها بين كفيه وهو يهمس بدفئه المتجذر الغريب:
زعلتي؟؟
ابتسمت ابتسامتها التي لا يعلم أتعجبه لإثارتها وحسنها؟؟.. أم تثير شجنه بذكرياتها وماضيها؟؟ :
وليش أزعل؟؟
زايد بعمق: ما أدري.. أخاف أني أحيانا يمكن أضايقش بكلامي اللي ماله معنى..
حينها همست بنبرة مقصودة: دامك تشوفه ماله معنى.. فليش أزعل من شيء ماله معنى..
إلا لو أنت شايفه شيء ثاني وله معنى..؟؟
حينها صمت.. صمته ضايقها أكثر..
كانت تريد القيام.. وللمرة الثانية يمنعها..
هذه المرة مد كفه ليدخلها في جانب شعرها المنسدل..
أنامله تغوص بين خصلاتها.. وباطن كفه على خدها..
ويشدها ناحيته ليلصق خده بخدها الآخر وهو يهمس في أذنها بنبرته التي تجمد الدماء في شرايينها حين يهمس اسمها بهذه الطريقة:
مزنة لو شفتي مني أي شيء يضايقش استحمليني شوي..
أنا مثل واحد كان طول عمره يشرب مع فتحه تنقط الماي نقطة نقطة..
وعقبه عطوه أكبر وأعذب نهر في الكون.. أشلون بتكون ردة فعله؟؟
" هل يوجد أعذب وأرقى من هذا الرجل؟؟"
كان هذا هو ما يدور في رأس مزنة وهي تمد ذراعيها لتطوق هي عنقه ولتهمس هي في أذنه بصوتها الذي يذيب أوصاله بنبرة دافئة عميقة:
الله يقدرني وأسعدك بس.. ما أبي شيء أكثر..
*******************************
" حبيبي تكفى ما تكون تضايقت من اللي صار من عبدالرحمن الليلة.."
عبدالله يتنهد ومازال رأسه مسندا لفخذها وأناملها تعبر خصلاته الكثيفة:
ما أقدر أقول أني ما تضايقت.. بس في النهاية حسيت إن ضيقي ماله معنى..
عبدالرحمن طلب حقه.. ويمكن لو كنت مكانه كان سوبت نفسه..
رجال محكور ما يطلع إلا بصعوبة والكل لاهي عنه..
من حقه تكون مرته جنبه في ذا الظروف..
واللي ضايقني عقب إنه ليش إحنا ماعرضنا عليه ذا الشيء..
ليه حديناه يحرج نفسه ويحرجننا..
جوزاء مالت لتقبل جبينه وهي تهمس بحنان: صدقني عبدالرحمن بيحطها في عيونه.. عبدالرحمن أحن مخلوق على الأرض..
بس أنت تكفى ما تتضايق..
عبدالله اعتدل جالسا ثم مد يده ليمسح على بطنها ويهمس بحنان: والله العظيم ماني بمتضايق
بس أنتي اللي طالبش لا عاد تنحنين على بطنش بذا الطريقة..
حينها همست جوزا بشيء يشغل بالها منذ فترة وبالتحديد منذ صحوة عبدالرحمن من غيبوبته:
عبدالله..
عبدالله بولع: ياعيون عبدالله اللي يروح وطي لا دعيتيه..
جوزاء حينها مالت لتحتضن ذراعه وهي تهمس بخجل رقيق:
عبدالله عادك على كلامك أنني ممكن أروح أكمل دراستي..؟؟
عبدالله بمودة غامرة ورجولة عميقة: وما أرجع في كلامي.. بس خل لين تولدين بالسلامة.. ونروح..
ولا يهمش الوظيفة مضمونة من الحين لو بغيتي..
شددت احتضانها لذراعها وهي تقبل عضده وتهمس بتأثر: ما أبي وظيفة..
أبي أتفرغ لك ولعيالي.. بس أبي أكمل دراستي..
***********************************
" كاسرة بسم الله عليش..
كاسرة قومي.. قومي.. "
كاسرة شهقت وهي تنهض بشكل حاد تمسح وجهها وهي تهمس بنفس مقطوع:
أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم..
كساب كان لم ينم بعد.. وهو يجلس جوارها مسندا ظهره للسرير يقرأ في كتاب..
وهي كانت قد نامت قبل أكثر من ساعة.. وحتى رؤية وجهها وهي نائمة حرمته منها وهي تنام وهي توليه ظهرها ..
لذا تناول كتابا يتشاغل به حتى ينام بعد أن صلى قيامه وقرأ ورده..
ثم لفت انتباهه حشرجة غريبة كانت تصدر منها.. تزايدت الحشرجة وهي تهمس بكلام غير مفهوم..
يبدو أنها تحلم بكابوس ما لأنها بدت متضايقة جدا.. وملامح وجهها تتقطب حين أدارها بخفة ناحيته..
منذ زواجهما لم يسمعها مطلقا تتكلم وهي نائمة.. أو حتى حدث معها ما حدث الليلة..
لذا أيقظها وهو يدخل ذراعه تحت كتفيها ويرفعها برفق..
همست بصوتها المقطوع: أعوذ بالله.. أعوذ بالله.. صار لي زمان ما حلمت ذا الأحلام..
همس لها بقلق: وش فيش؟؟
همست بذات الصوت المقطوع: أحلام مهيب زينة.. كنت أحلم فيها من يوم توفى إبي الله يرحمه..
بس صار لي شهور ما حلمت فيها..
منذ وفاة والدها وهي تحلم بكوابيس مرعبة من وقت لآخر.. ولكنها كانت ترفض أن تحكيها لأحد..
وهي صغيرة كانت لا تحكيها من خوفها منها.. لكنها حين كبرت كانت لا تحكيها اتباعا للسنة التي توصي بعدم رواية الكوابيس..
ولكنها من بعد زواجها وهي توقفت عن رؤية هذه الكوابيس.. لا تعلم لِـمَ عادت لها الليلة..
همس لها كساب بحزم حان: تعوذي من الشيطان واتفلي عن يسارش.. مافيه إلا الزين إن شاء الله.. نامي..
كاسرة تعوذت من الشيطان ونفثت عن يسارها ثم همست بإرهاق وهي تنهض:
باقوم أتوضأ وأصلي ركعتين قبل أرجع أنام..
كان كساب يراقبها وهي تتحرك في أرجاء الغرفة بإرهاق.. حتى أنهت الصلاة وعادت لتتمدد جواره..
هذه المرة لم توليه ظهرها.. بل أولته وجهها وهي تغمض عينيها..
تمنى بكل جوع روحه الملهوفة القلقة عليها.. أن يضمها لصدره.. وألا يتركها تنام إلا على ذراعه وقريبا من قلبه..
وهو ينظر بشجن عميق لملامح وجهها المسترخية بإرهاق شفاف..
ولكنه كتم رغباته في روحه.. فليس على استعداد أن يعرض عرضا يعلم أنها سترفضه..
وهي أولته وجهها.. وكأنه ترسل له رسالة من غير شعور منها.. أنها تحتاج بالفعل أن تنام في حضنه الليلة..
رغم كل التعقيدات غير المعقولة بينهما.. ولكنها لا تستطيع أن تنكر أنها عاجزة حتى عن مجرد محاولة كرهه..
أو حتى الأقل إيقاف طوفان مشاعرها المتزايد ناحيته..
فلماذا لا تستطيع أن تمنحه الحجم الذي يستحقه؟ ولماذا يستولي على قلبها حتى آخر نقطة وخلية وشريان بينما هي منفية خارج أسواره ومشاعره؟؟
يا الله.. تشعر أنها ستموت لتدفن وجهها بين عنقه وكتفه وتتنفس عبق رائحته من قرب..
ولكن قلبها مليء بالتعقيدات والضبابية ناحيته..
عاجزة عن مسامحته.. فعلا عاجزة.. وكيف تسامحه وهو لم يفكر أن يعتذر حتى..؟؟
وكأن كل ما فعله بها حق من حقوقه غير القابلة للنقاش..
بقيا كلاهما ساهرين.. وكل منهما معتصم في مكانه.. ومتمرس خلف حصون كبرياءه البغيض..
حتى آذان الفجر..
***********************************
اليوم التالي
.
.
.
" عالية حبيبتي.. قومي
باقي على آذان الظهر ساعة"
كان يهز كتفها برفق شديد الحنو.. وهو يجلس مسندا ظهره للسرير..
انتفضت بجزع وهي تعتدل جالسة وتشد جيب بيجامتها على عنقها.. ثم تنظر ناحيته بخجل شديد..
كان مبتسما لها بكل حنان الأرض.. وجهه مشرق دافئ ومغمور بحنان غريب..
لا تعلم ما الذي حدث لها..
لم تتمالك نفسها أن تعاود الانفجار في البكاء.. رغم أنها بالكاد سكتت عن البكاء هذا الصباح بعد محايلة طويلة منه وهو يحاول إسكاتها عن بكاءها كطفلة باكية مصرة على الصراخ..
عبدالرحمن حينها همس بألم: عالية الله يهداش.. حرقتي قلبي.. أنتي مهوب قلتي لي إنش سامحتيني خلاص.. وتونا تراضينا..
ليش تبكين الحين؟؟ وإلا ندمتي على أنش سامحتيني..
عالية بين شهقاتها: والله العظيم مافي خاطري شيء عليك.. بس أنا ماني بقادرة أسامح روحي..
ما أتخيل أشلون قدرت أكتبها أو حتى أتصورها..
حينها ابتسم عبدالرحمن: زين ما كذبتي.. أنا مهوب مكسح صدق؟؟
حينها تزايد نحيبها: طالبتك عبدالرحمن ما تذبحني كذا وأنت تعيدها..
عبدالرحمن شد كفها ليحتضنه بحنو.. وهو يهمس بحنان عميق باسم: كنتي تقولين إنش ما يبكيش شيء..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك