رواية بين الامس واليوم -13
ثم ما يوصلون إلا يلاقيني ناطة عندهم.. وش يقول ذا الحين؟؟ إني مابغيت خوته؟!!
مزون بابتسامة: وهذي الصراحة.. أنتي ما بغيتي خوته
عفراء بغيظ: عيب مزون!!
يتعالى صوت بوق سيارة قريب.. تقفزان معا بتوتر..
وتهمس مزون بتوتر أكبر : يالله خالتي شكله كسّاب يستعجلش
عفراء بحنان: ماتبين شيء يأمش
تحاول مزون أن تمنع الدموع من التقافز لعينيها وهي تهمس بثبات قدر ما استطاعت:
لا فديتش.. روحي وتطمني على جميلة..
وأنا الحين بأخلي خدامتش تكمل ترتيب البيت وعقب بأسكره..
واخليها تروح تنام هي والسواقة مع خدامات بيتنا
عفراء تتنهد وهي تحتضن مزون ثم تنزل نقابها على وجهها وتسحب خلفها حقيبتها الصغيرة..
فهي مصرة أن تكون زيارتها قصيرة وتعود مع كسّاب
ما أن غادرت وأغلقت الباب.. حتى انهار تماسك مزون الهش
لتتهاوى جالسة بيأس وهي تنخرط في بكاء خافت عميق الشهقات..
"أما تعبتِ يا مزون من كثرة البكاء..؟!
تبدين كما لو كنتِ عقدت معاهدة دائمة مع الدموع..
يكاد طعم الدمع المالح لا يفارق حنجرتي
فقدت الإحساس بطعم كل شيء.. فقط طعم مرٌّ كالعلم يتضخم ويتضخم
حتى بتت أبصق هذه المرارة داخل أوردتي وشراييني
كان يجب أن أكون أقوى من ذلك.. مررت بأقسى الظروف.. وتخصصت أصعب التخصصات
تخصص لا يجرؤ عليه إلا الرجال.. وتفوقت عليهم فيه
كان لابد أن أكون أقوى
ولكن بقيت أنثى بدمعة حائرة لا تجف
كسّاب لماذا كسرت ظهري هكذا؟؟
كيف أستطيع الوقوف وأنا أعلم أنك لست خلفي لتسندي
لماذا علمتني أن أعتمد عليك بينما كانت مساندتكِ لي مشروطة أن أنفذ أنا شروطك؟؟
لماذا عجزت عن تفهمي .. عن مسامحتي.. عن احتوائي؟!!
أ لم تقل لي دائما أنني ابنتك؟؟
فكيف يقسو قلبكِ هكذا على ابنتك؟؟ كيف؟؟"
تحاول الوقوف وهي تتنهد وتمسح دموعها وتنظر حولها بحنين عميق وتهمس بشفافية:
" الله يرجعش يا خالتي على خير
والله المكان والدنيا من غيرش ما تسوى"
بعد دقائق.. في سيارة كسّاب المنطلقة التي يتبعها سيارة أخرى فيها اثنين من سائقي شركته حتى يعيد أحدهما سيارة كسّاب للبيت
عفراء تشعر براحة عميقة وحال مختلفة عن حالها خلال اليومين الآخيرين..
حتى وإن كان كسّاب أجبرها على السفر.. فكم هي شاكرة له أنه أجبرها!!
كم هي ممتنة لإصراره عليه!!
فرفضها الهش سرعان ما تهاوى أمام إصراره
لأنها كانت تتمنى في داخلها أن يجبرها.. وفعل!!
كان هذا التفكير يدور ببالها وهي تلتفت لكسّاب بحنان متعاظم..
لتهمس بعدها بامتعاض: كسّاب يأمك.. ليه مالبست لك لبس غير ذا؟؟
كسّاب يلقي نظرة خاطفة على لباسه الانيق والبسيط في آن
(تيشرت أبيض نصف كم) بخطوط سوداء عشوائية وبنطلون جينز أسود
ويهمس بهدوء وهو يعاود النظر للطريق: وش فيه لبسي خالتي ؟؟
عفراء بذات الامتعاض وهي تلمس عضلات عضده الشديد الصلابة:
يأمك كان لبست لك قميص كمه طويل وواسع..
أخاف عليك من العيون ما تشوف أشلون التيشرت لاصق بصدرك وزنودك..
حينها ضحك كسّاب: خالتي عيب.. والله العظيم عيب.. تراني رجال ماني ببنية..
عفراء بحنان: وشيخ الرياجيل ماقلنا شيء.. بس العين حق..
وأنت بعد يأمك مربي لي ذا العضلات بزود.. اللي ماعنده عيون بتطلع عيونه
ثم أردفت وهي تتذكر شيئا: وإيه وتذكرت سالفة ثانية حارتني..
لا وهذاك اليوم في عزبة أبيك شايفتك رايح للرياجيل شايل سرندلين كبار كنك شايل قواطي بيبسي..
ياولدي الناس مامن عيونهم خير
ابتسم كساب وهو يقول (بعيارة): الحين أنتي اللي أم عيون.. عاد السرندلات قواطي بيبسي؟!..
ول عليش ياخالتي (سرندل=أنبوبة غاز)
عفراء قرأت بعض آيات القرآن و نفثت عليه ثم همست باستفسار مبهم:
خاطري أعرف السنة اللي أنت قعدتها في أمريكا وش سويت فيها؟!
كسّاب بثبات وثقة: درست الماجستير.. وش سويت بعد..
عفراء بنبرة ذات مغزى: ودراسة الماجستير تخلي الواحد عضلات كذا..
شكلك كنت تشل حديد 24 ساعة في اليوم طول ذا السنة.. ولا ظنتي بعد تكفي
كساب يبتسم ويهمس بنبرة مقصودة: خالتي اخلصي علي.. وش تبين تقولين؟؟
عفراء بجدية: حلفتك بالله ثم حلفتك بالله ثم حلفتك بالله.. أنت كنت تاكل بروتينات وإلا ضارب إبر هناك..؟؟
يأمك أنت عارف ذا الأشياء أشلون خطرة وتضر الصحة وتجيب الأمراض الخبيثة.
حينها انفجر كسّاب ضاحكا: وهذا الموضوع اللي دايم تحومين عليه؟؟
تحلفيني عشانه وثلاث مرات؟؟
ثم أردف ببساطة: ها والله العظيم ثم والله العظيم ثم والله العظيم
إنه عمره ماطب حلقي أي حبوب ولا كلت بروتينات ولا ضربت إبر..
ارتحتي يالغالية؟؟؟
حينها عاودت عفراء لمس عضده وهي تتساءل باستغراب: زين من وين جات ذي.. ؟؟
كسّاب يبتسم: رياضة ياخالتي.. مابعد سمعتي بالرياضة؟؟
عفراء بعدم ارتياح له زمن يرافقها: سمعت بالرياضة.. بس ماسمعت عن رياضة تسوي في الواحد كذا
طرقات خافتة على الباب
همست وضحى المستغرقة في استذكارها: ادخل
ولكن الطرقات تكررت.. حينها ابتسمت وضحى بصفاء حقيقي
وهي تقف لتفتح الباب بنفسها ثم تشير بعلامة ترحيب متحمسة وتهمس في ذات الوقت:
هلا والله إني صادقة..
يدخل إلى غرفتها بخطوات هادئة ويشير بإشارات هادئة:
أمي تقول ما تعشيتي .. ليه؟؟
أشارت بابتسامة وهي تهمس ذات العبارة كما اعتادت :
عندي دراسة كثير والله..
إذا خلصت نزلت كلت لي شيء
تميم بهدوء عذب: يعني مهوب شيء ثاني؟؟
ابتسمت وضحى: الشيء الثاني كان أمس.. وأنا خلاص اليوم لاهية في دروسي
أشار تميم وفي عينيه نظرة مقصودة:
وموضوع أمس بيقعد أمس.. وماراح ينحل اليوم يعني؟!!
وضحى مع تميم مخلوق آخر.. محررة من التردد والخوف والتوتر..
علاقتها مع تميم شيء فريد وكأن كل منهما يأخذ من عبق روح الآخر
فروح هذا الشاب الشفافة الصافية تنعكس عليها لتبعث في أوصالها إحساسا حانيا بالإحتواء والمساندة والصفاء
أشارت وهي تستعد للجلوس: أبي لي يومين.. قبل أبلغ امهاب رفضي..
عشان ما يأكل كبدي ويقول لي استعجلتي في التفكير
يجلس تميم جوارها: وأنتي كذا تشوفين إنش ما استعجلتي..
عبدالرحمن ما ينرفض.. حرام تروحينه من يدش
حينها انتفضت وضحى بغضب: حتى أنت يا تميم.. حتى أنت..
شايف إنه من المفروض إني أحب يدي ألف مرة إن واحد مثل عبدالرحمن قرر يفكر فيني
لأني ما أناسب مستواه العالي.. لازم أستغل الفرصة..عشان أدبسه فيني قبل ترجع له الذاكرة
لأنه أكيد واحد مثله ماخطب وحدة مثلي إلا لأن فيه خلل في عقله لازم نستغله قبل يتصلح الخلل... ولأنه......
تميم قاطعها وهو يمسك بيديها ليوقف سيل إشاراتها العصبية وكلماتها المتدافعة بغضب
وهو يشير لها ببساطة: سواء كنتي أحلى وحدة في العالم وإلا أشين وحدة في العالم
في كلا الحالتين عبدالرحمن ما ينرفض..
أما إذا رجعنا لش.. أنا أبي أعرف أنتي من وين جايبة ذا النظرة السلبية عن نفسش..
هذا أنتي قدامي وشايفش حلوة ومافيه أحلى منش
وضحى بأسى: هذا عشانك تحبني.. شايفني في عيونك حلوة
تميم يشير بحنان ومودة: وعبدالرحمن بعد بيحبش وبيشوفش في عيونه حلوة مع أنش حلوة بدون عيون حد
وترا عمر الجمال ماكان هو سبب لنجاح الزواج
الحين كاسرة هل فيه وحدة أحلى منها..
مع كذا ما أتوقع إن الرجّال اللي بيتزوجها بيكون مبسوط معها.. لأن عشرتها صعبة
لكن أنتي ياحظه اللي بتكونين زوجته
ابتسمت وضحى: الله لا يحرمني منك.. دايم رافع معنوياتي..
ثم أردفت بجدية: بس يا تميم والله أنا مأني بمقتنعة بذا السالفة كلها
حينها أشار تميم بجدية: إيه كذا معقول.. منتي بمقتنعة.. حقش..
وعلى العموم وضحى.. ماحد بجابرش على شيء
بغيتي توافقين أو ترفضين هذا شيء راجع لش.. وتأكدي إني واقف معش وفي صفش مهما كان قرارش..
*****************************
"أوف جننوني عيالش.. مابغوا يرقدون..
وش معطية عيالش أنتي؟؟ من وين جايبين ذا الطاقة كلها..
نطينا على السرير.. وتطاردنا ولعبنا..
أنا انهديت وهم يقولون مثل خالي هريدي: كمان"
صرخت سميرة بهذه العبارة وهي تلقي بنفسها على سرير نجلاء التي كانت واقفة تجفف شعرها المبلول..
ضحكت نجلاء: ما دريت إنه عندنا خال اسمه هريدي..
سميرة تضحك: كنت بصراحة أحلم يكون عندي خال اسمه هريدي
وواحد ثاني اسمه محمدين.. وحسنين بعد.. وابو المعاطي.. وعوضين
نجلاء تضحك بهستيرية: من جدش؟؟.. عصابة مطاريد الجبل مهوب خوال ذولا..
حينها اعتدلت سميرة جالسة وهي مازالت تضحك:
وش سوي بأبيش.. اللي يوم حب له مصرية..
خلا كل المصريات اللي أخوانهم أكوام أكوام.. وراح يتزوج وحدة (مئطوعة من سجرة)..
نجلاء بمودة عميقة: فديتها أمي.. ليه هو كان بيلاقي أحلى منها..
سميرة تضحك: إيه وأبيش عاد ما يطيح الا واقف..
وين لقى له مصرية شقراء وبيضاء كذا كنها روسية؟؟ وش ذا الحظ اللي يفلق الصخر عنده؟!!
نجلاء باستنكار باسم: ماعاد باقي الا أمش وأبيش تبطحينهم بعينش.. عقب ما بطحتي هل شارعنا كلهم
سميرة (بعيارة): إيه وش عندش؟؟ مبسوطة في أمش.. ماحد خذ الشقار إلا أنتي..
وأبيش عاد يموت على الشقار.. خليتوني أروح أصبغ شعري عشان ما أصير شاذة في البيت
سميرة تضحك: أمي قسمتها بالعدل بيننا.. أنتي أبيض وحدة فينا.. وأنا خذت الشعر الأشقر.. وغنوم العيون العسلية
حينها وضعت سميرة يدها على قلبها وهي تصرخ باصطناع: أه يا قلبي.. يا قلبي لا تذكريني...
ماحد حارني إلا غنوم.. صحيح (يدي الحلئ للي بلا ودان)
غنوم الخايس يأخذ العيون العسلية.. وأنا عيوني سود تروع في بياضي
لا وبعد مهوب عاجبه لون عيونه... يا حرتي حرتاه
لا وأنتي بعد عادش متمننة علي بالبياض.. هذا أنتي قدش بتنفقعين من البياض اللي بحمار
نجلاء تضحك: ماتعرفين تذكرين ربش أنتي..
سميرة تنزل حاجبا وترفع آخر: عارفته قدام أشوف وجهش يالطماطة..
كانت نجلاء على وشك الرد عليها لولا صوت رنين الرسالة التي وصلت هاتفها
حينها صرخت سميرة وهي تقفز لتلتقطه: والله ما يفتحه إلا أنا..
تراجعت سميرة بحزن وهي تترك جهاز الهاتف لها وتقول بغصة:
إذا قريتيه امسحيه ومافيه داعي تقولين لي وش فيه..
سميرة بمرح: كذبش كذباه.. قال ما تبي تدري وش فيه... عليّ يانجول؟!!
بس تدرين نجول.. صويلح هذا المفروض يعطونه جائزة أكثر رجال العالم مثابرة..
9 شهور كاملة مامل.. يوميا نفس الوقت مسج..
وأنتي بعد يعطونش جائزة أكثر نساء العالم تحجرا.. إذا قلبش مابعد ذاب من ذا المسجات.. و أنا قلبي ذاب منذو مبطي..
ثم تنهدت وهي تفتح الرسالة: يارب ابعث لي من عندك واحد كلامه حلو مثل صويلح
ما أن قرأت الرسالة حتى أغمي عليها أحد إغماءتها التمثيلية التي لا تنتهي:
آه آه ياقلبي.. لا عاد رجالش ذبحني الليلة.. والله ذبحني..
إن ما جهزتي شنطتش ورجعتي لصويلح عقب ذا المسج.. يكون ما عندش قلب
وعليه العوض ومنه العوض في قلب أختي اللي انتقل إلى رحمة الله
حينها لم تستطع نجلاء مقاومة الفضول..
تناولت الهاتف الملقى بجوار سميرة التي مازالت مغمى عليها في تمثيليتها ..
لترفعه إلى مستوى نظرها بتردد
#أنفاس_قطر#
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البارت التاسع
.
قراءة ممتعة مقدما
.
.
لا حول ولا قوة إلا بالله
.
.
بين الأمس واليوم/ الجزء التاسع
في غرفته يدور..
حينا يجلس.. وحينا يقف..
لم يجد الليلة شيئا يستطيع دفن نفسه فيه.. حتى يحين موعد إرساله لرسالته اليومية لها..
الرسالة التي بقيت خيطا يعلم أنه يربط قلبه بقلبها حتى وإن لم تتكرم أن ترد عليه لو لمرة..
يقف ليفتح خزانة الملابس.. مازالت ممتلئة بملابسها..
يكاد أن يذكر لكل رداء منها حكاية من وله مصفى
وهي يشعر حينما رآها فيه وكأنه رأى حورية تسربلت بالحسن من أجله وحده
لا ينسى مطلقا شيئا خاصا ارتدته له..
لتصبح ذاكرته مزدحمة بعشرات الصور التي لم يغفل تفصيلا واحدا من تفصيلاتها..
وكيف يغفل وهذه التفاصيل انحفرت في ذاكرته حتى أقصاها؟!!
لماذا تركت كل هذه الأشياء الخاصة بها وراءها؟؟
لماذا؟؟
"هل أردتِ تعذيبي أكثر؟؟
هل أردتِ أن تتأكدي أنني سأظل مقيدا إليك.. وذكرياتك تخنقني وتغرقني وتستنزفني حتى الثمالة
هل أردتِ أن تتأكدي أن عبقك الساحر الذي تخلف عنك وبقي هنا سيبقى حبلا ملفوفا حول عنقي لا انفكاك منه؟!
أي أنانية لا قلب لها أنتِ؟؟
إن كنتِ عزمتي على الرحيل.. فلماذا لم تجمعي كل أغراضكِ الموبؤة المسكونة براحتكِ الدافئة المسكرة
إن كنت أنتِ رحلتِ.. فلماذا تتركين لي البقايا؟؟ لماذا؟؟ لماذا؟؟
إن لم تكوني أنتِ لي، فلا أريد هذه القمامة.. لا أريدها !!"
حين وصل تفكيره لهذه المرحلة..
انتزع أشيائها من الخزانة وبدأ يقذف بها بغضب مجنون وروح ثائرة أثقلتها الوحدة والوجع واليأس..
ولكنه سرعان ما توقف وهو يعيد جمعها بلهفة أكثر جنونا...
ليعيد ترتيبها كما كانت تماما
في ذات المكان الذي وضعتها فيه أناملها الساحرة التي يقتله الاشتياق للثم شفافيتها.. لضمها بين أنامله السمراء
" والله باستخف يانجلاء.. قربت استخف..
حرام عليش اللي تسوينه فيني
حتى تهديدي بالزواج ماجاب نتيجة معش
لذا الدرجة رخص صالح عندش؟!!
صالح اللي ما أرخصش يوم!!
أدري لساني يبي له قص أحيان
بس والله أحبش يا بنت الحلال..
خلاص ارحميني.. باستخف والله باستخف
ارحموا عزيز قوم ذل!!"
تنهد بعمق وهو يجلس على الأريكة..
إحساس اختناق يطبق على رئيتيه..
يخلع فانيلته ويلقيها بعيدا..
يشعر أنه عاجز عن التنفس.. مخنوق.. يبحث عن ذرة أكسجين فلا يجدها..
يتمنى لو يستطيع تمزيق جسده حتى.. ليخرج روحه من أسر هذا الاختناق
وهو غارق بهذا الإحساس الشديد المرارة واليأس والثقل.. تناول هاتفه .. ليرسل رسالته اليومية لها:
" تدري ليه أكره غيابك ؟!
لأني في الغيبة .. أموت
ضيقتي .. بعدك تجيني
و (البُكى) من غير صوت !"
*******************************
نجلاء قرأت الرسالة وهي تغمض عينا وتفتح أخرى..
وخائن صغير يتمرد عليها لينبض بجنون في يسار قفصها الصدري..
تُسكت تمرده الذي فضح برودها وهي تعض شفتها السفلى بألم
ثم تعيد الهاتف لمكانه وهي تصرخ في داخلها:
"كذاب.. كذاب.. كذاب"
سميرة نهضت من إغماءتها وهي تنظر لنجلاء في دهشة: أشوفش رجعتي التلفون
نجلاء تهمس بهدوء ظاهري وهي تتجه للتسريحة لتمشط شعرها: ليه وش تبيني أسوي؟؟
سميرة بنبرة غضب: ردي عليه.. خافي ربش في المسكين..
ثم أردفت بمرح غاضب: يأختي رياجيلنا يأهل الخليج عندهم تقشف مشاعر
احمدي ربش.. عندش واحد عنده فايض مشاعر ولا هوب عاجبش..
نجلاء تمسك بطرف التسريحة حتى إبيضت مفاصلها وهي تهمس بغيظ موجوع: قصدش عنده فايض كذب
سميرة تبتسم: زمان قالوا "أعذب الشعر أكذبه" وأختش سميرة تقول: " أعذب الحب أكذبه"
تلتفت لها نجلاء وهي تبتسم رغم إحساس الألم المتزايد في روحها:
يعني أنتي تبين واحد يقول لش أحبش وهو يكذب عليش
سميرة تبتسم وهي ترقص حاجبيها: يازينه زيناه الرجال الكذوب..
وش فيها الغزيلات؟؟ الغزيلات أصلا ملح الرجّال (الغزيلات=الكذبات الصغيرة)
أما الرجّال اللي كل شيء صدق عنده.. فهو خيشة كبيرة
تبتسم نجلاء: يالله لا تحرمني من أني أشوف سميرة عند رجّال مايعرف ريحة الصدق ويقطّع بطنها بكذيباته..
" والله لا يحرمني منش يأم خالد بيضتي وجهي"
الاثنتان تقفزان وهما تنظران للباب المفتوح الذي يقف غانم عنده
سميرة تلوي شفتيها وتمدها وهي تصرخ: من متى وأنت هنا..؟؟
غانم يضحك وهو يتقدم لداخل الغرفة: " من أعذب الحب أكذبه" يا فيلسوفة زمانش..
حينها تقفز سميرة لتجلس عند قدميه وهي تتمسح به باستجداء تمثيلي:
داخلة على الله ثمن عليك ياطويل العمر ما تكوفني.. توبة من دي النوبة.. حرمت أتفلسف..
غانم يبعدها وهو يهمس بمرح: باعديها عشان أم خالد بس..
وإلا أنتي لو ما تكوفنين كل يوم يكون فيه شيء ناقص في روتين حياتش
غانم يقترب من نجلاء ويقبل رأسها ويهمس بمودة ممزوجة بالاحترام:
بيضتي وجهي يأم خالد.. الشباب يقولون وش ذا المطعم العجيب اللي أنت مسوي عشاك عنده..
قلت لهم: شغل البيت.. ماشاء الله تبارك الله كلوا لين قدهم بينفقعون من حلات العشا
ثم أردف وهو يضحك: لا وفهيدان الكلب يشاورني يقول ردوا علينا مرت أخي.. هاد حيلها في عزايمك ثمن تمدّح على قفاها..
أقول له وأنت وشدراك إنها مرت أخيك.. العشا مسويته سميرة.. (قالها وهو يضرب مؤخرة رأس سميرة بخفة)
تدرين وش قال فهيدان: قال يحرم علي مجالس الرجال وشرب الفنجال
كن ذا من زيان أختك العِثبر (العثبر= التي لا تحسن صنع شيء)
هذا زيان أم خالد ما يخفاني..
حينها انفجرت سميرة ضاحكة بغيظ: وولد عمك ذا بيموت وهو لسانه يلوط آذانه..
حينها عاود غانم ضربها على مؤخرة رأسها: مثلش.. ظني يقبرونش ولسانش يلالي..
ابتسمت نجلاء بمودة: جعل فيه العافية لك ولفهد.. بياض وجهك يابو راشد بياض لوجهي..
ثم قاطعتها سميرة بمرح: بس لا عاد تعودها.. تراك مسختها..
شكلك كنت تدعي إن نجول ترجع علينا عشان تكرفها في عزايمك..
ثم أردفت وهي تمصمص شفتيها: ياعيني على بختك يأختي.. ئليل البخت يلئى العظم في الكرشة..
هنا كارفينش وهناك كارفينش..
ثم أردفت وهي تطبطب بحركة تمثيلية على كتف نجلاء: مسيرك هتموتي وهترتاحي يا بنتي عند رب كريم..
غانم يضربها على مؤخرة رأسها للمرة الثالثة: مأ اشين فالش.. جعل يومش قبل يومها..
سميرة تتراجع وهي تضع يدها على فمها وتقلب ملامح وجهها في مشهد تراجيدي خالص ودموعها تبدأ بالتساقط:
اعترفوا.. اعترف أنت وياها
ينقلب وجه غانم ونجلاء من تغير ملامح وجهها بينما أكملت بصوت باكٍ مفعم بالتراجيديا التمثيلية:
أكيد أنا مانيب بنتكم.. أنا بنت بطل الفيلم.. وأنتو عيال الحرامي العود اللي خطفني عشان ينتقم من بابا..
بس بابا لازم بيرجع وينتقم منكم على اللي سويتوه فيني وأنتو تعذبوني طول الفيلم.. قصدي طول ذا السنين اللي فاتت..
ثم أردفت وهي تسقط على الأرض وترفع يديها للسماء وتكمل تمثليتها:
يارب أنت وحدك اللي شايف.. ابعت لي بابا.. أنا تعبت خلاص
غانم يضحك وهو ينفذ عن ذراعيه: هدوني عليها ياناس.. وتقول ليش تكوفني..
سميرة تقفز وتختفي خلف ظهر نجلاء وهي تضحك: تراني في وجه أم خالد.. إلا لو أم خالد مالها حشمة عندك.. هذا شيء ثاني..
*********************************
طرقات حازمة على الباب..كانت حينها قد بدأت بخلع ملابسها..
أعادت حشر كتفيها المرمريين المصقولين في قميصها الحريري ليستر الحرير حريرا أكثر نعومة منه
أغلقت أزرارها على عجل وهي تهمس باحترام: دقيقة يمه
تعرف كل طارق من دقته.. ولم يخب حدسها يوما
والدتها طرقاتها حازمة قصيرة
وضحى طرقاتها ناعمة وكأنها تخشى أن تؤلم الباب
مهاب طرقاته لها صدى ضخم لأنه يطرق الباب بقبضته
تميم نقراته هادئة وطويلة وبين كل طرقة والآخرى زمن ما..
فتحت الباب لوالدتها على اتساعه وهي تهمس باحترام: هلا يمه.. فيه شيء؟؟
مزنة بعتب رقيق: يعني لازم إني ما أجي لغرفتش إلا لسبب..
كاسرة تبتسم: لا والله يمه مهوب القصد.. بس توني كنت معش من خمس دقايق..
مزنة بحزم حنون: بكرة أبيش تودين وضحى وسميرة يشترون لهم طابعة زينة عشان مشروع تخرجهم.. يقولون تعبوا من الطباعين..
كاسرة بعتب: ووضحى تبي لها وسيط.. ما تقدر تجي تطلب مني على طول؟!!
مزنة بهدوء عاتب: يعني كل شيء لازم تفهمينه مقلوب.. وضحى أصلا طلبت مني أنا أوديها هي وسميرة..
بس أنا تدرين ما أحب المجمعات وإزعاجها وهم يبون فيرجن في فيلاجيو
فانا حبيت إنش تكفيني... عندش مشكلة في ذا الشيء..خلاص قولي لي وأوديهم..
كاسرة بعتب مشابه: وأنتي بعد يمه لازم تلاقين شيء تغلطيني فيه ..
ثم أردفت بهدوء عذب: خلاص فديت عينش.. عشانش أودي مندوبهم لو جاني
بكرة عقب المغرب أوديهم.. وقولي لوضحى تقول لسميرة عقب صلاة المغرب على طول تجهز مهوب تنقعنا عند بابهم مثل كل مرة..
******************************
يدخل إلى شقته وهو يسحب نفسه سحبا.. مستنزف من الإرهاق.. مستنزف من الوجيعة..
مستنزف من كل شيء في الحياة التي تبدو باهتة خالية من الألوان بعيدا حتى ألوان ذكراها التي أصبحت محرمة عليه
حتى الذكرى!!
حتى الذكرى لا حق له فيها!!
يلقي بنفسه على الأريكة بعد رحلته الطويلة... فهو لم يجد رحلة مباشرة لجنيف.. وكانت أقرب رحلة لبرلين..
لذا حين وصل برلين أخذ قطار منها لجنيف.. ليتعطل القطار في الطريق.. ويعاني في رحلة التوقف التعيسة فوق إحساسه المر بكل شيء
ما كاد يريح كتفيه.. حتى تعالى رنين هاتف شقته.. لم يكن له أبدا رغبة في الرد.. لكن الرنين استمر واستمر
التقط الهاتف وبصوت مثقل بالإرهاق أجاب: ألو
الطرف الآخر بغضب مستحكم: كذا تسوي فيني عليان..
علي تنهد مطولا وهو يمسح وجهه ويستعيذ بالله من الشيطان: السموحة طال عمرك.. سامحني جعلني الأول
زايد بذات الغضب: أشلون تسافر بدون حتى ما تسلم علي..
ومن البارحة لين اليوم وينك.. حرقت جوالك اتصالات مسكر.. وتلفون شقتك ماترد عليه
علي بإرهاق وهو ينتزع الهاتف اللاسلكي من قاعدته ويبدأ بنزع ملابسه عن جسده المنهكة ليستحم:
جوالي فضا شحنه.. ورحلتي كانت طويلة شوي
وأنا كلمت مزون على البيت وطمنتها عني.. ماقالت لك
زايد بغضب متزايد: والله ياعيال زايد.. الظاهر ماعاد حد عطاني خبر شيء.. كلن يسوي اللي في رأسه وأنا مالي حشمة ولا تقدير
على الأقل خافوا ربكم.. وإلا حتى ربي ماله مخوفة..
علي يجلس على سريره وهو يحتضن الهاتف بين أذنه وكتفه ويخلع حذائه ويهمس بجزع:
تكفى يبه لا تقول كذا
ثم أردف بوجع شفاف في مصارحة مؤلمة: يبه أنا مستوجع.. مستوجع
خلني جعلني فدا خشمك أروق شوي ومالك إلا اللي يرضيك
قفز قلب زايد إلى حنجرته وأحرف كلمات "مستوجع" تتلبس جسده كتيار كهربائي صاعق ينسف خلاياه وجعا صاعقا..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك