رواية بين الامس واليوم -19
كان يقف مستندا للحائط عاقدا ذراعيه أمام صدره وبجواره حقيبة صغيرة
ذات الابتسامة ارتسمت على الشفتين.. ذاتها..
ابتسامة شفافة حنونة.. بها عتب واشتياق
" أ هذا أنت يا أبي؟؟
أ حقا أنت هنا أمامي؟!!
لماذا جئت؟؟ بل أهلا بك..
كم تسعدني رؤيتكِ.. بل يكاد جنبيّ أن يتمزقا لفرط انتشار السعادة في جوانحي
اشتقت لكِ يا أبي
تماما مثل ما أنا مجروح منك..
ولكن شوقي أكبر من الجرح
لأنك عندي أكبر من كل شيء
أكبر من كل شيء!! "
علي سارع ليقبل رأسه وكتفه ثم ألتقط كفه ليقبلها ولكن زايد سحبها قبل أن يفعل وعلى يهتف بحماس دافئ:
هلا والله إني صادق.. نورت جنيف بكبرها
قالها وهو يحمل حقيبة والده للداخل ويكمل بشفافية: كنت متوقع يأنت ياكساب أشوفكم خلال ذا اليومين..
ثم أردف بعتب: ليش ما قلت لي استقبلك في المطار؟؟
زايد وهو يدخل ويغلق الباب خلفه ويهتف بمودة عميقة: ما أبي أتعبك.. وبعدين جنيف أنا حافظها.. كل السالفة تكسي من المطار
علي بمودة عميقة وهو يعاود تقبيل رأس والده: والله إنها أحلى مفاجأة.. كنك داري وش اللي في خاطري
رحت من الدوحة وأنا ما شبعت من شوفتك..
زايد لم يرد أن يعاتبه لهروبه من الدوحة بهذه الطريقة.. فما مضى مضى
المهم أنه أمامه.. بخير ووجهه مشرق بابتسامته الغالية
ففي روحه من العتب والإحساس بالذنب الكثير الكثير
وإن كان إحساس العتب بدأ بالإضمحلال فإن الإحساس بالذنب آخذ بالتزايد..
لأنه يعلم أن إبتسامة علي هذه تخفي الكثير من الألم الطازج والجروح الطرية المفتوحة
"ولكن الأيام ياولدي كفيلة أن تشفي الجروح والألام"
"وهل شفت الأيام جروحك يازايد؟ "
"هو ليس مثلي.. ليس مثلي
ولا أعتقد أن هناك من هو مثلي
دعني الآن أشبع ناظري من محياه الحبيب
وما عدا ذلك لا يهم.. لا يهم !!"
********************************
صباح الدوحة
كعادتها أمام قهوتها.. لوحة دائمة.. وطقوس مثقلة بالشجن والذكريات
ماذا بقي لها غير الجلوس أمام قهوتها والانتظار الذي طال كثيرا.. كثيرا
"صبحش الله بالخير يام صالح"
انتفضت أم صالح وهي تهمس باحترام ودود : الله يصبحك بالنور والسرور..
جلس مجاورا لها بألقه الغامض الصامد.. حين تراه للمرة الأولى تعلم فورا أن هذا الشيخ الجليل يخفي أكثر مما يظهر بكثير
هتف بمودة: تقهويني يا شيبتش؟؟
ابتسمت بمودة وهي تسكب له فنجانا: أقهوي مندوبك
تناول منها الفنجان وهو يهتف بهدوء لا يخلو من رنة غضب: الشيخة متى بتأتي؟؟
حينها همست بحنين: خلاص قد هي على وصول.. ثم أردفت بعتب: وأشفيك تقول الشيخة شكله مهوب عاجبك...
أبو صالح بضيق: إيه مهوب عاجبني.. قد لها أسبوع مخلصة.. ليه ماجات لذا الحين
أم صالح بهدوء: نايف توه مخلص امتحاناته أمس.. أشلون تأتي
أبو صالح بضيق: يعني أخيش السبة.. لو أني داري كان أرسلت لها فهد وإلا هزاع يجيبونها..
أم صالح تبتسم: ذا كله شحنة لبنتك... وبعدين وش فرقت أسبوع تنتظر خالها لين يخلص بدل ما تعنّي واحد من أخوانها..
أبو صالح بذات الضيق: مابه عنوة.. وش وراهم.. فهد يقدر يأخذ إجازة يومين
وهزيع تو امتحاناته مابدت.. هذا لو فلح..
كان ذا الحين قد لها أسبوع عندنا وإلا عطال أخيش لها..
أم صالح بعتب: الحين أخي اللي حاطها في عيونه هو اللي معطلها..
شكلك ماعاد فيك صبر من الشحنة.. خلاص هانت ماعاد عليها إلا فصل واحد
أبو صالح بشفافية: إيه والله مشتحن لها.. بنيتنا اللي ماعندنا غيرها..
لولا إن عبدالله الله يرحمه كل مخي عشان أخليها تروح مع خالها
وإلا والله ما أخليها تشبر برا الدوحة
أم صالح بحنين موجوع: جعلها برايد عليه ما كان أحبه لأخته.. ماكان يخلي في خاطرها شيء
جعل مثواه الجنة الباردة..
حينها همس أبو صالح بخفوت غامض: ادعي له.. محتاج الدعوات..
حينها هتفت أم صالح ببعض غضب: وش قصدك في ذا الحكي....
كلن محتاج للدعوات.. وولدي إن شاء الله من هل الخير... واصل ومصلي..
مهوب كفاية وجيعتي منك.. يوم ما خليته يدفن عندي في الدوحة..
أبو صالح بذات الغموض: الديار كلها بلاد ربي.. وشو له العنوة حد يروح يجيبه..
أم صالح بحزن عميق: وش عنوته؟؟ صالح كان بيموت يبي يجيبه بس أنت اللي حلفت..
لا وزود على كذا حتى حسن ما رضيت نسميه عبدالله... ولزمت ما يسمى إلا حسن.. حتى اسمه استكثرت يقعد عقبه..
أبو صالح يضع فنجانه ويقف وهو يهمس بنبرة حزن موجوعة:
وإن سمينا حسن عبدالله.. بيرد عبدالله
عبدالله راح خلاص يأم صالح.. مهوب راده نسمي ولده عليه..
"ياحلوك يا عمي بلبس العسكرية.. كيوت"
يبتسم منصور الذي كان يرتشف قهوته الصباحية وهو ينظر لمزون التي تنزل بعباءتها مستعدة للذهاب:
أما كيوت ياعمش ذي مابعد مرت علي.. مهيب من مصطلحات العسكرية
دوري لنا مصطلح مثل شرس.. ذيب.. شيء كذا
انحنت عليه لتقبل خده.. وهمست باحترام: زين ذيب.. شرس ما أبيها
جلست جواره وهي تسكب لنفسها كوبا من الكرك بينما منصور يسألها: وين بتروحين؟؟
مزون صمتت بتوتر.. فهي تعرف إن عمها من أكبر المعارضين لدراستها ثم لعملها
وإن كان يتعامل الآن مع المسألة بهدوء فهي تعلم أنه كاد يرتكب جريمة في والدها قبل 4 سنوات حين وافق لها أن تدرس
منصور بنبرة أعلى: أقول مزون وين تبين تروحين.. أنا اللي بأوديش
مزون ابتلعت ريقها: المطار.. عندي أول رحلة اليوم.. رحلة قصيرة.. أبوظبي وراجعين على طول.. والطاقم كله حريم حتى الكابتن...
زفر منصور وأصابع يديه تتصلب.. ثم همس بحزم: قومي أوديش.. وأنا اللي بأرجعش.. بس يا ليت إنه لعبة الطيارات ذي ما تطول..
اللي في رأسش وسويتيه.. بنشغلش أحسن شغلة في المكان اللي تبينه.. بس ذا الشغلة يأبيش ما تنفع لش..
حينها مالت مزون على ذراعه تحتضنها ثم تقبل عضده وهي تهمس بوجع شفاف:
شفت ياعمي.. مع أني أدري إنك مستوجع من خبالي مثل كسّاب وأكثر
بس شوف أنت أشلون تتعامل مع الموضوع.. وهو أشلون يتعامل
تكفى ياعمي.. قل له بأسوي اللي هو يبي.. بس يرضى علي..
تكفى طالبتك..
******************************
"كساب يأمك تعال أبيك تدخل معي عند جميلة"
كساب بهدوء: ما يصير يا خالتي.. تبين تسلمين على بنتش براحتش
عفراء بألم: ما أبي أسلم عليها براحتي.. لأني لو دخلت عليها بروحي وقلت لها إني بأسافر.. بتسوي مناحة
لكن إذا كنت أنت موجود بتستحي مهيب قايلة شيء..
حينها ابتسم كسّاب: تستحي؟؟ توها لسانها البارحة علي شبرين..
عفراء تتمزق من الألم: ماعليه يأمك تعال وبس..
كساب لم يكن يريد الدخول لأنه مازال يشعر بالضيق من موقفه بالأمس.. ولكنه لا يستطيع رفض طلبا لخالته..
عفراء تدخل على جميلة وتخبرها أن كساب سيدخل
جميلة بضيق: وش يبي؟؟ أبي أقعد معش بروحنا... خليه يأخذ خليفة ويفارقون اثنينتهم..
وقتها خليفة كان يقف مع كسّاب في الخارج
عفراء لم ترد على تذمرها وهي تضع على وجهها الجلال.. وتدعو كسّاب للدخول
كساب هتف بهدوء: كيف أصبحتي جميلة؟؟ إن شاء الله أحسن؟؟
جميلة بنبرة محايدة: الحمدلله على كل حال
حينها همست عفراء بثبات قدر ما تستطيع وهي تقف بعيدا قليلا عن جميلة:
خليفة يأمك حنا بنمشي الحين
الله الله في جميلة.. حطها في عيونك يأمك
أربعة عيون توسعت بصدمة
خليفة وجميلة
وحزن يائس يغمر قلبيهما فجأة
هل يعودان سويا معا لوحدهما وبهذه السرعة؟؟
وإن كان خليفة تماسك بسرعة وهو يرد بثقة لا يعلم حقيقتها من اصطناعها:
لا تحاتينها يا خالة
في عيوني الثنتين.. روحي وأنتي مطمنة
فإن جميلة جفت الكلمات على لسانها
كانت تريد أن تصرخ وتصرخ وتستجديها أن تبقى
فهي عرفت كيف يكون الإحساس من غيرها
وكادت تجن من غيرها لمدة ساعات فقط
فكيف أياما وأسابيع وربما شهور من غيرها قبل أن يأخذ الله أمانته كما تعتقد
كانت دموعها تسيل أنهارا تحت غطاء وجهها وداخلها ينتحب بجزع
ولكنها صمتت.. ابتلعت شهقاتها وغصت بها.. حتى لا تشمت كسّاب فيها
سيتشمت فيها.. تعلم أنه سيفعل حتى لو لم يتكلم
سيقول : " مهوب اخترتي ولد عمش على علي وحتى على امش
يالله اشبعي فيه
خليه يكفيش عن العالم"
جميلة لم تقل كلمة.. بينما عفراء اقتربت بسرعة لتطبع قبلة على رأسها وتنسحب بسرعة
قبل أن تنجح جميلة في التشبث بها
عفراء أنزلت طرف شيلتها على فتحات النقاب حتى لا يلحظ أحد دموعها
وخوفا أن يحلف عليها كساب مجددا إن رأى حزنها
خليفة كان سيخرج معهما لكن عفراء رجته بصوت خافت يسيل وجعا:
خلك معها...وتراها بتجننك.. أدري
اصبر عليها .. وإذا حسيت يا ولدي في يوم إنك ماعاد فيك صبر... أمنتك الله ما تحمل نفسك فوق طاقتك
كلمني على طول... هذا أنا أمنتك
عفراء خرجت وهي تستند لذراع كساب خشية أن تنهار بينما القلق عليها بدأ يتصاعد في قلب كساب
حينها عاد خليفة للداخل وأغلق الباب وهو يشعر بتوتره يتعاظم خوفا من ردة فعل جميلة
لكن جميلة لم تتحرك ولم يصدر منها أي صوت... بعد لحظات صمت اقترب خليفة وأزال الغطاء عن وجهها
ليجدها تنظر أمامها بذهول.. وسيول من الدموع تغرق وجهها..
خليفة اقترب منها ووضع يده على كتفه وهمس بحنان: جميلة لا تحاتين بترد تزورج قريب
حينها لطمت جميلة يده وانفجرت بهستيرية: يمه.. يمه.. يــــــــــمـــــــــه
يــــــــــــــــمـــــــــــــه
تكفين لا تخليني...
لا تخليني..
جميلة نزعت الأسلاك من يدها بحدة وهي تحاول النزول.. ليمسك بها خليفة بقوة بينما كانت هي تضربه بأناملها الجافة وتصرخ:
أكرهك.. أكرهك
أنا أكرهك.. أنت السبب.. أنت السبب
أبي أمي.. أبي أمي..
تلطخ قميص خليفة من دمها المتناثر من معصمها .. ولكنه أعاد تثبيتها على السرير وهو يضغط جرس استدعاء الممرضات.. ويضغط على معصمها ليوقف سيلان الدم مكان انتزاعها لأبرة الجلوكوز..
وفي ذات اللحظات كانت عفراء الباكية بصمت تركب سيارة الأجرة وكساب يهمس لها بقلق حنون:
خالتي تبين نقعد شوي قعدنا؟؟ والله العظيم عادي وما عندي مشكلة
عفراء بصوت مبحوح تخفي البكاء فيه: لا يأمك.. توكلنا على الله..
خلنا نروح نشوف علي.. ونرجع الدوحة
********************************
وضحى اليوم في البيت تدرس امتحاناتها التي أصبحت بعد ايام
مازالت تشعر بالذنب من موقفها مع والدتها بالأمس
آلمها إشاحة والدتها بصرها عنها البارحة
تعرف أن هذه طريقتها في العقاب.. تحرمها من نظرة عينيها الحانية الغالية
ولشد ما كانت تؤلم هذه الطريقة قلبها الرقيق
فأمنيتها دائما نظرة رضا من العينين الحانيتين!!
هاهي تنزل وهي تجمع شجاعتها خوفا أن تكون والدتها مازالت تريد معاقبتها أكثر
وجدتها عند جدها في غرفته تتقهوى معه..
قبلت رأسيهما ثم جلست بجوار جدها على سريره وهي تنظر لوجه والدتها لتقرأ انفعالاتها اليوم
وجدتها تتحادث مع والدها وتبتسم وهما يستذكران معا أشعارا وحكايات وأقواما رحلوا
لذا تشجعت وهي تقوم لتجلس بجوار والدتها وتهمس لها من قرب:
يمه أنا آسفة على اللي صار أمس.. والله حتى النوم ماجاني وأنا دارية إنش زعلانة علي..
مزنة تطبطب على يدها وتهمس بحنان: خلاص يأمش رضيت من بارحتي
ثم أردفت بحزم حنون: بس كنتي تبين لش قرصة عشان ما تعيدينها
وضحى تبتسم وهي تقبل كتف والدتها: حرمت يأم امهاب.. حرمت..
الجد يهتف بصوت عال: أنتو وش أنتو تقولون؟؟
مزنة باحترام مغرق في المودة: مابه شيء جعلني فداك
جابر يتمدد على سريره ويهمس بهدوء: بانسدح شوي.. وقوموني للصلاة
مزنة نهضت لتتاكد من وضع والدها وتغطيه.. ثم تنادي وضحى للخارج..
حين أصبحتا في جلسة الصالة..
همست مزنة بحزم: اسمعي يا وضحى خلينا نخلص من ذا السالفة.. تبين عبدالرحمن وإلا لا..
وضحى بحذر: لا ما أبيه..
مزنة بذات الحزم: حتى لو عرفتي إنه أنتي أول حد خطبه قبل كاسرة حتى.. بس أنا اللي ما رضيت
وقتها توش سنة أولى جامعة.. وصغيرة.. وما حبيت أستعجل عليش
فعبدالرحمن عقب.. قال أنا ما ابي إلا نسبكم فخطب كاسرة
وضحى بسخرية موجوعة: وعقبه خطبها عشرين مرة.. ما أدري وأشلون تفكير ذا الإنسان.. إحساس الكرامة عنده معدوم
ما أبيه يمه.. والله العظيم ما أبيه...
مزنة بهدوء حازم: كيفش ماحد بجابرش على شيء.. بس عبدالرحمن رجّال ما مثله يا وضحى.. مابعد شفت مثل طيبت قلبه وطيب أخلاقه
غير عن إن وضعه المادي والوظيفي زين.. وولد عمتش لحم ودم
وضحى بحزم: يمه ما أبيه...
مزنة بحزم أكبر: زين بس لا تقولين الحين رأيش لأي أحد.. لو أي حد سألش قولي أفكر ما بعد قررت
وضحى باستغراب: وليش يمه؟؟
مزنة بهدوء: لأن امهاب خطب جوزا من عبدالرحمن.. ويمكن أنتي لا رفضتي عبدالرحمن تلاقي جوزا نفسها مجبورة ترفض امهاب
وخصوصا مع أفكار رجّال عمتش المعقد ..إيه والله إن قد يعيي
حرام جوزا ماراح تلاقي حد يجيها أحسن من امهاب.. فلا تخربين فرصتها عليها.. خلها لين تتخذ قرارها
وضحى كانت تستمع لوالدتها وعيناها تتسعان ذهولا.. لتهمس بذهول:
يمه تقولين امهاب خطب جوزا.. متأكدة أنتي؟؟
مزنة بهدوء: إيه قال لي البارحة في الليل عقب مارجع من عشاه مع عبدالرحمن
وضحى بذات الذهول: جوزا جوزا؟؟ يمه يمكن قصدش شعاع.. وش يحد امهاب يأخذ جوزا؟؟ وأنتي ما قلتي له شيء؟؟
مزنة بحزم: بنت عمتش مافيها قصور وهو مقتنع فيها فليش أعارضه..
وضحى باستغراب متغاظم: أما أنتي يمه غريبة.. جوزا مافيها قصور ماقلنا شي
بس شعاع أحسن منها لو امهاب يبي نسبهم
عدا إنه من حقه بنية يكون هو أول واحد في حياتها وش حاده على أرملة عندها ولد
وبعدين يوم أنتي تقولين امهاب مقتنع فيها وقاعدة تدافعين عنها وعنه
ليش نفس التفكير هذا ماقلتيه عند تميم
مزنة بذات نبرتها الحازمة: لا يا وضحى هذاك موضوع وهذا موضوع
وضحى باحترام: لا يمه المبدأ واحد.. الحين امهاب مقتنع يجوزا على قولتش مع إن فيه أحسن منها واجد.. ومع كذا أنتي مقتنعة معه
وتميم يبي بنت نفس حالته مع أنه يقدر يأخذ أحسن منها مثل ما تبين.. فليش ما اقتنعتني مع تميم؟!
تنهدت مزنة: مشكلتكم ماحد فاهم وجهة نظري إلا كاسرة هي الوحيدة اللي فاهمتني في موضوع تميم..
حتى في موضوع جوزا أنا متأكدة إنها بتفهمني لأنها تفكر بعقلها قبل عواطفها
وقرارات مثل ذي العقل لازم يكون حاضر حتى لو كان القلب رافض
الحين أنتي وامهاب تقولون عادي خلي تميم يأخذ بنت نفس حالته يكون الصمم عندها مهوب وراثي عشان إن شاء الله عيالهم ما يصير لهم شيئ
زين أنا وافقت وتزوج البنت.. وخليتهم يسكنون عندي على أساس عيني على الصغار.. زين هل أنا دايمة لهم؟؟
بكرة يبون يودون عيالهم المستشفى.. أو صار لهم مشكلة في المدرسة.. هل بيقعدون يتكلمون مع العالم بالورقة والقلم
( انتظروا شوي أجلوا حل المشكلة.. خلونا نكتب لكم..
والله مافهمت ذا الكلمة.. خطك مهوب واضح.. عيدها مرة ثانية)
كانت مزنة تنهمر بألم حقيقي: يعني أنتم ظنكم إنه هاين علي أرد في خاطر تميم شيء شايفته يبغيه بذا الطريقة
والله العظيم إني أستوجع فوق الوجع وأنا أشوفه يترجاني وأنا أرده..لكن إذا هو تفكيره عاطفي.. (وأبي لي بنية ما تحسسني إنها أحسن مني).....
أخليه على كيفه ما أعارض... تميم أصلا عاده صغير في السن.. وأنا أبي له الأصلح...
كفاية هو ما يسمع ولا يتكلم في مجتمع ماعنده صبر ولا حتى ذوق إنهم ينتظرون عليه شوي
أبي مرته تكون عوين له... مهوب هم اثنينتهم محتاجين من يعاونهم ويشرح عنهم وبدالهم...
وتميم ماشاء الله وضعه ممتاز يقدر يأخذ أحسن بنت صحيحة..
فليه الأصرار على بنت نفس حالته.. أيش ايدريه أساسا إنها بتكون هي الراحة له
وليش يظن إن البنت السليمة بتتكبر عليه.. كم بنات أجواد حاطين رياجيلهم على رووسهم وهم فيهم عيوب الدنيا..
وتميم مافيه عيب فكيف ما تحطه على رأسها؟؟
لكن امهاب موضوع ثاني.. أكيد كنت أبي لولدي بنت هو أول بختها...
لكن هل معنى إن جوزا تزوجت وعندها ولد هذا عيب الواحد ما يقدر يعيش معه؟؟
جوزا مسكينة مالحقت تهنا بحياتها.. عبارت إنها ما عرست أصلا
وكفاية إنه يربي حسن.. ياحظ اللي يضم له يتيم.. فياترى أحرم امهاب من ذا الأجر ومن اللي يبيه عشان خرابيط مالها معنى...
********************************
مزون أصبحت في المطار
متوترة.. بل غاية في التوتر..
أناملها متصلبة.. وريقها جاف.. وعرقها يتصبب على وجهها تحت نقابها
توجهت لاستراحة الطيارين.. والتوجس يغتالها
كان بها حوالي خمسة من الشباب وهي المرأة الوحيدة معهم
شعرت كما لو أنها عارية والعيون تلتهمها
كانت العيون تتجه ناحيتها باستغراب.. بل بمعنى أدق باستهجان
"من أين أتت هذه المخلوقة؟؟ وماذا تفعل هنا؟؟"
توترها يتزايد وهي تريد أن تجلس على الحاسوب
ولكن الشباب الخمسة كانوا متوزعين بطريقة أنها في أي مكان ستجلس ستكون مجاورة لأحدهم
الكباتن شعروا أنها تريد أن تجلس.. لذا انزاحو جميعهم لناحية واحدة.. وتركوا الناحية الأخرى لها
جلست وهي عاجزة عن ابتلاع ريقها.. هي بالفعل درست سنوات دراستها كلها مع شباب.. ولكن كان الإحساس مختلف
فهم كانوا في قاعة دراسة.. ومعهم أستاذ وهي كان معها زميلات حتى وإن كن في تخصصات أخرى.. ولكنهن يشتركن في المقررات
تشعر بضيق غير طبيعي وهي تسترق نظرها للباب علها ترى الكابتن إيمي أو كابتن سهى المساعد الأول..
بعد دقائق ثقيلة طويلة وخانقة.. حضرت سهى.. تعرفتا على بعضيهما فورا..
تبادلتا الحديث لفترة.. وسهى تهمس بهدوء: غريبة كابتن إيمي ماإجت..
إحنا على العموم مفترض نطلع للطايرة بعد ساعة
مزون وسهى عادتا للانشغال بالحاسوب.. وهما تسجلان المعلومات الضرورية
بعد مضي الساعة توجهتا للسيارات المخصصة لتنقلهما للطائرة
لكن مزون تذكرت أنها نسيت حقيبتها في الاستراحة
فعادت لأخذها
وحين عادت لموقف السيارات كانت سهى قد غادرت
انتظرت مزون السيارة التالية وطلبت منه نقلها للطائرة المتجهة لأبوظبي
وصلت مزون لسلم الطائرة.. سلمت بطاقتها للأمن في الأسفل الذي كان يقول لها: لم يسمح للمسافرين بالركوب بعد..
أعاد لها البطاقة وهو يعتذر رغم تعجبه الشديد من هذا الكابتن الغريب
صعدت مزون بتوتر.. وهي تتمنى أن تكون كابتن إيمي وصلت
لماذا كل هذه التعقيدات في رحلتها الأولى
الا يكفيها كل هذا التوتر؟!!
وصلت لقمرة القيادة وطرقت الباب لتدخل
وتــفــجــع وهي ترى الكتفين العريضين لظهر عريض يستحيل أن يكون ظهر إيمي
شهقت والكلمات تجف على لسانها بينما سهى تبتسم لها وتشرح بمهنية:
الكابتن إيمي اعتذرت عن الرحلة
والكابتن استلم مكانها.. إجا دايركت لهون ماكان عندو وئت يشوفنا بالاستراحة
وما تخافي من شيء هو حافظ خط الدوحة- أبوظبي
واحنا بنزوده ببائي المعلومات
حزن عميق غمر قلب مزون لفساد مخططاتها.. ولكن على الأقل هاهي معها فتاة أخرى وليست لوحدها معه
كانت تدلف خطوة للداخل
في الوقت الذي كان الكابتن يدير وجهه ناحيتها بحزم وغموض
#أنفاس_قطر#
.
.
.
بين الأمس واليوم/ الجزء الثالث عشر
مزون وصلت لقمرة القيادة وطرقت الباب لتدخل
وتــفــجــع وهي ترى الكتفين العريضين لظهر عريض يستحيل أن يكون ظهر إيمي
شهقت والكلمات تجف على لسانها بينما سهى تبتسم لها وتشرح بمهنية:
الكابتن إيمي اعتذرت عن الرحلة
والكابتن استلم مكانها.. إجا دايركت لهون ماكان عندو وئت يشوفنا بالاستراحة
وما تخافي من شيء هو حافظ خط الدوحة- أبوظبي
واحنا بنزوده ببائي المعلومات
حزن عميق غمر قلب مزون لفساد مخططاتها.. ولكن على الأقل هاهي معها فتاة أخرى وليست لوحدها معه
كانت تدلف خطوة للداخل
في الوقت الذي كان الكابتن يدير وجهه ناحيتها بحزم وغموض
مزون تأخرت بحرج وهي تتطلع لوجهه الوسيم الذي بدأ لها مألوفا
رغم أنه ليس من المعتاد رؤية هاتين العينين بلونهما الأشبه ببحر عميق من عسل صاف
سهى أكملت حديثها بابتسامة ودودة: اسمحي لي عرفك بكاتبن غانم
من أشطر كباتن القطرية... رجل المهمات الصعبة مزبوط.. مستعد يطير ئبل اللحزة الأخيرة
مزون تنهدت بعمق وهي تدفع بصوتها النبرة المهنية المطلوبة وتجلس عن يساره حيث يفترض أن تجلس وهي تحاول أن تبعد جسدها قدر المستطاع:
تشرفنا كابتن..فيه توقع لمطبات جوية في المنطقة بين تقاطع 345 شرق على 765 غرب
وتقاطع 564 شرق على 323 غرب فترة قد تصل من عشر دقائق لربع ساعة..بس الرؤية إن شاء الله صافية
انهمرت بالمعلومات المطلوبة بدقة عالية وسرعة ودون أدنى تلعثم .. ويداها تعملان بسرعة ودقة على الاجهزة أمامها
مازالت لم تستمع لصوته.. فقط كانت يداه تعملان بذات سرعة يديها
ليهمس بعد دقائق وعيناه مثبتان أمامه ودون أن ينظر ناحيتها وبصوت رجولي عميق:
صباحش خير يا كابتن.. (صمت لثانيتين) بنت زايد آل كساب؟؟.. والا أنا غلطان؟؟
ابتلعت مزون ريقها ولكن ريقها جف وتبخر على أول حنجرتها لشدة جفافها دون أن يرطب جفاف امتداد باقي حنجرتها المتيبسة
فهذه اللهجة الحادة بتركيزها على مخارج الحروف
يستحيل أن تكون لهجة أحد لا ينتمي إلى قبيلتها ..
همست في داخلها : (ومن قبيلتي بعد.. وش ذا البلوة؟؟ ذا الرحلة باينة سودا من أولها
ذا البدوي أبو عيون عسلية من وين الله جابه؟؟)
ردت مزون بذات المهنية ودون أن تنظر ناحينه: كابتن مزون زايد.. مساعد ثاني
ونعم بنت زايد بن علي آل كساب...
خيل لها أن طرف عينها إلتقط شبح ابتسامة على طرف شفتيه وهو يهمس بهدوء:
وأنا غانم بن راشد آل ليث..
حينها شعرت مزون كما لو كان سُكب على رأسها ماء مغليا أذاب خلايا دماغها..
وهي تسأله بذات النبرة المهنية المحترفة التي تبدو غير مهتمة وفي ذات الوقت غاية في اللباقة: آل ليث جماعتنا وإلا غيرهم؟؟
لا تعلم لما بدت لها نبرته متلاعبة باسمة وهو يجيب بهدوء ودون أن ينظر ناحيتها: جماعتكم نفسهم
حينها كانت مزون على وشك أن تقفز من الطائرة...أو أن تلطم وجهها
(خلصوا طيارين الخطوط القطرية
مالقوا على أول رحلة لي إلا واحد عيال جماعتنا)
مزون لم ترد عليه وهي تتشاغل بما بين يديها بطريقة تبدو للناظر واثقة ومسيطرة
بينما هي في داخلها تهدئ روعها وروع حرجها المتزايد
(احمدي ربش زين ما طلع امهاب الله يقطع أيامه
الرحلة ذي وكسة من أولها
كان ناقصها ولد آل ليث عشان تكمل)
*****************************
خليفة يجلس جوار جميلة المخدرة والغارقة في نوم عميق..
مازال قميصه الملطخ بالدم عليه...لم يكن يريد تركها
فهي أصيبت بحالة هستيرية بعد مغادرة والدتها
وكأنه تلبس جسدها المتهاوي مئات العفاريت
وجهت لكماتها الهزيلة لصدره وهي تعتقد أنها تؤلمه بينما هو لم يشعر حتى بوقع يديها
وكل ما كان يشغله الدم المنبثق من معصمها والذي أغرق صدره تماما وتناثر في أرجاء الغرفة وعلى سريرها وملابسها
وهو مذهول من كمية الدم المتناثرة...
"كيف توافرت كل هذه الكمية داخل جسدها المتخشب؟"
الممرضات حضرن وكذلك داليا ليتعاونن على تخديرها بينما صرخاتها تتعالى:
أبي أمي .. أبي أمي
حتى بدأت صرخاتها تخفت شيئا فشيئا من تأثير المخدر لتتحول لهمس موجع أشبه بالأنين المكسور المتحشرج..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك