رواية بين الامس واليوم -24
ورغم محبته العميقة لهن.. إلا أن علاقته بعالية مختلفة..
عالية يشعر أنها أخته وابنته وأمه وصديقته فعلا.. ست سنوات وهما ملتصقان معا في الغربة.. كلاهما ينتمي للآخر
كلاهما يعرف عن تفاصيل حياة الآخر أدق التفاصيل..
يكاد يقسم أنه حفظ درووس الهندسة الجينية من كثرة ما تناقشا في الموضوع
وهي تكاد تتلو كل موضوعات وقضايا قانون النزاعات الدولية.. تخصصه في البكالوريوس ثم الماجستير
كلاهما يعرف مايحبه الآخر وما يكرهه.. يكملان جمل بعضهما وهما يتحدثان..
وحتى في وقت فراغهما يخرجان معا..
يتناولان طعامهما في مطعم ما.. يتفرجان على المتاحف.. يتسوقان وكل منهما يأخذ رأي الآخر فيما سيشتريه
ليس لأي منهما في هذه الغربة صديق بمعنى الصديق سواهما.. فكل واحد منهما اكتفى بوجود الآخر عن أي صديق أو صحبة
كلاهما... أصبح للآخر وطنا في غربته!!
فكيف بعد ذلك كله
يعودان وهي غاضبة منه بهذه الصورة..؟!!
**************************
في الطائرة
كسّاب يجلس بجوار خالته... وزايد يجلس على مقعد لوحده والمقعد المجاور له فارغ..
في بعض الأحيان إن لم يكن كسّاب مستغرقا في القراءة فهو ينتقل ليجلس بجوار والده
ويتبادل معه بعض الأحاديث من باب الذوق.. وحتى لا يتملل والده من هذه الرحلة الطويلة
زايد يسأل كسّاب وهو يسترخي في مقعده: شأخبار المجمع اللي شركتك تسويه لشركتي؟؟
كسّاب بنبرة عملية تماما.. فالعمل عمل: ماشي على المخطط تمام.. وبنسلمه لكم في الموعد اللي بيننا في العقد وبنفس المواصفات..
حينها ابتسم زايد: كفو.. مهوب أول مرة نجرب شغلكم
حينها هتف كسّاب بمباشرة عملية صريحة: زين ودام شغلنا عاجبكم..
يا ليت يكون فيه تعاون أكبر.. وتعطينا مشروعكم الجديد.. مشروع المجمع الكبير اللي تبي تسويه على البحر..
زايد بذات نبرته العملية: لا يأبيك.. المشروع ذا بمواصفات عالمية وبتنفذه شركة عالمية..
كسّاب بهدوء عملي: وأنا مستعد أسويه لك بالمواصفات العالمية اللي تبيها وبسعر أقل..
وبيزنس إز بيزنس.. وأظني مهوب أول مرة تجربون شغلنا على قولتك
ثم أردف بسخرية واثقة: أنتو حتى ما جربتو شغلنا لين ثبتنا رجلنا في السوق.. وصار لنا سمعتنا.. قبل ما تتكرم بالتعامل معنا
زايد برفض قاطع: قلت لك خلاص المشروع هذا بتنفذه شركة عالمية
هز كسّاب كتفيه بثقة: مثل ما تبي.. الله يهنيك بالشركة العالمية اللي بتأخذ منك دبل السعر على الفاضي
زايد بحزم: يأبيك أنا ماني بولد أمس.. تجي تعلمني شغلي..
كانا في حوارهما الذي بدا أنه سيتجه للتحفز..حين دخل عليهما كابتن الطائرة.. بعد أن ترك مهمة القيادة لمساعده وللطيار الآلي
زايد حين رآه أشرق وجهه وهو يقف ويسلم عليه بحرارة: أشلونك يأبيك؟؟
وأشلون عمي جابر واشلون تميم؟؟
مهاب باحترام متزايد: طيبين طاب حالك... توني انتبه لقائمة اسماء الركاب وانتبهت لاسمك أنت وكسّاب..
ثم التفت لكسّاب وهو يسلم عليه بحرارة أيضا
قد يكون مهاب يحمل في داخله غضبا عميقا على هذه العائلة التي سمحت لابنتها أن تتصرف هذا التصرف..
وتتخصص هذا التخصص الذي لا يليق بأي فتاة.. فكيف بفتاة في مكانة أسرتها ووضعها الاجتماعي القبلي المتحفظ؟!!
ولكنه في داخله لا يستطيع أن يحمل ضغينة على زايد.. فهو يحمل لهذا الرجل احترام عميق غذاه جده جابر فيه..
فور انتهاءه من السلامات.. انتبه أيضا لنايف... ليسلم عليه هو أيضا.. ثم يعود لقمرة القيادة
حينما عاود زايد وكسّاب الجلوس.. همس زايد بعمق شفاف مختلف وكأنه يحادث نفسه:
تدري يا أبيك إن أمنية حياتي إني أناسب ذا الصبي..
بس خلاص.. لا عاد العمر ولا المكانة تساعد.. وشكل ذا الأمنية بتقعد حسرة في قلبي..
حينها عقد كسّاب حاجبيه وهو يهتف بجزع عفوي: بسم الله عليك من الحسرة..
ثم تنحنح وهو ينتبه لشفافية عبارته العفوية ثم أردف باستغراب: تبي حد من خواته؟؟
حينها ابتسم زايد: خواته؟؟ ليه وش شايفني عشان أخذ بنت من سن بنتي..
كسّاب بذات الاستغراب: أنت اللي تقول..
زايد هز كتفيه بثقة: خلك من اللي أنا أقول.. حكي شيبان ماعليك منه..
كسّاب عاد لمقعده بجوار خالته.. وتفكيره مشغول بما قاله والده.. لأول مرة يسمع والده يتكلم عن رغبة مدفونة بالزواج
مع أنه هو شخصيا وقبل غضبه من مزون قبل أربع سنوات كان يلح عليه أن يتزوج.. ولكنه كان يرفض...
وليست مجرد رغبة.. بل أن يقول أنها أمنية.. وحسرة بقيت في قلبه..
فمن تكون هذه اللي استطاعت أن تفعل هذا بقلب زايد؟!
أي امرأة هذه التي بقيت أمنية في قلب رجل لا يعرف المستحيل ولا يعرف التراجع أو التزحزح أو الضعف؟!
ودائما منطق الرجال عن المشاعر مختلف.. فالشاب يتقبل مشاعر والده بانفتاح
وقد يستمع حتى لغراميات والده قبل أن يتزوج والدته
المهم ألا يصل الضيم لأمه..
فكيف لو كانت الأم متوفية؟! حينها سيكون تقبله لمشاعر والده أكثر انفتاحا بكثير
"ولكن ليتك تعلم يا كسّاب أن الضيم غير المقصود قد وصل لأمك فعلا!!"
بعد صمت دقائق ..هتف كسّاب بهدوء: خالتي
عفراء كانت غارقة في أفكار حزنها الخاص المتجسد في روحها بكل الحدة..
وصغيرتها جميلة تحتل كل الذاكرة وتستشري في كل الشرايين بوجع..
وهي تشعر بفراغ مر يجتاحها.. وكأن مكان قلبها هوة هائلة خالية تكاد تسقط في سوداويتها وفراغها
انتفضت من أفكارها لترد عليه بحنان: لبيه
كسّاب بذات الهدوء: لبيتي في مكة.. خالتي تعرفين امهاب بن فيصل آل يحيا؟؟
عفراء بنبرة اعتيادية: أعرفه بالأسم.. هو اللي جا وسلم عليكم قبل شوي..؟
كسّاب لا يعرف بالتحديد ما الذي يهدف له من هذا الحوار..
ولكن هاهو يكتشف ويتسلى حتى موعد النزول: إيه هو..بس أنا أقصد تعرفين هله؟؟
عفراء بذات الطبيعية: إيه أعرفهم.. عرب أجواد وفيهم خير..
كسّاب هتف بنبرة ماعاد يُعرف ماخلفها: امهاب عنده خالة أو مرة كبيرة عمر شوي تقرب له..؟؟
حينها ابتسمت عفراء وهي تهمس باستغراب: صراحة أسئلتك غريبة.. بس لا ماعنده خالات.. أمه كانت وحيدة أبيها
إيه وتراهم كانوا قصارى جدك علي الله يبيح منه في بيتهم القديم..أظني إنك تدري..
لا يعلم حينها كيف قفزت الفكرة بباله وتجسدت بشكل كامل وواضح وحقيقي..
فهو ذكي.. ووالده أعطاه المفتاح.. وخالته أكملت الصورة
(جارة قديمة إذن!!) ابتسامة مرحة خبيثة ترتسم على شفتيه:أدري إنهم كانوا جيران بس نسيت..
إلا خالتي.. أمه حلوة؟؟
حينها وضعت عفراء يدها على فمها.. لأنها خافت أن يتعالى صوت ضحكاتها.. منذ وقت طويل لم تشعر بهذه الرغبة في الضحك:
لا تكون تبي تخطب أمه؟؟
حينها ضحك كسّاب: يمكن.. ليش لا.. خليني أدري حلوة وإلا لا...
ابتسمت عفراء: دايم أشوفها ببرقعها.. بس إيه باين عليها حلوة... وماشاء الله عادها شباب.. وهي أساسا مهيب كبيرة واجد
يا الله توكل على الله اخطب.. دام البنات ماعجبوك.. كود يعجبونك العجايز..
ثم أردفت بابتسامة: مع إنه عندها بنت تطيح الطير من السما..ليتك تنوي بس
كسّاب يبتسم: أنتو عندكم كل خفسه تطيح الطير من السما..
ابتسمت عفراء: مشكور قد ذا رأيك في ذوقي.. خلاص لا تسألني..
كسّاب بخبث: الحين أنا سألتش عن البنت؟؟.. أنتي اللي تبرعتي.. أنا سألت عن الأم وبس..
عفراء تدعي الزعل وتهمس بنبرة غاضبة لطيفة: خلاص لا تكلمني.. ماعندك ذوق..
كسّاب بمودة عميقة مرحة: فديت الزعلانين.. يا الله علميني عن أخت امهاب.. يمكن اقتنع ذا المرة..
عفراء مازالت مستمرة بغضبها المصطنع: خلاص روح ماني بقايلة لك شيء.. خلك في العجوز..قدرك
لتتنهد بعدها.. وابتسامتها تنطفئ تماما.. تماما
كم هو مؤلم إدعاء المرح ورسم الابتسامة أو حتى مجرد الشعور الوقتي بها
لتنهار سريعا تحت أطنان من وجع متراكم..لا ينزاح ولا ينتهي..
وجع بات هو ما يلون روحها ويرسم مساراتها ويشكل أفكارها
" ألا أستطيع أن أعقد معك يا هذا الحزن معاهدة ما؟؟
إن كنت غير قابل للانزياح أو التقلص.. فلتحتفظ بموقعك وحجمك
لماذا تصر على التوسع والتضاعف والازدياد في مساحات امتلئت حتى فاضت
أين أذهب ياحزن بكل هذا الحزن الفائض من جنباتي؟!!
ماعاد لكِ في روحي بقية من مكان خال..
يا لك من ضيف لئيم.. كلما أفسحت لكِ مكانا.. طالبتني بالمزيد والمزيد من الأمكنة
فمن أين اتيك بأمكنة بعد أن صادرت كل الأمكنة والساحات؟!! "
"أنتي تراش حولتيني.. في بطنش علم.. اقعدي واهرجي"
وضحى غصت بترددها: صح يمه أنتي تدورين عروس لتميم الحين؟؟
مزنة بهدوء: صح.. وأنتي عارفة.. فليش المقدمة..؟؟
وضحى بذات التردد: امممممممم... زين يمه.. ممكن أنا أرشح وحدة..
مزنة بذات هدوءها الحازم المعتاد: أكيد يمكن.. وخلصيني وضحى.. ليش ذا المقدمات كلها يأمش.. تعرفيني ما أحب ذا الطريقة
وضحى قالت في استعجال وكأنها تلقي قنبلة: زين وشرايش في سميرة؟؟
مزنة قطبت حاجبيها: أي سميرة؟؟
وضحى تبتلع ريقها: يمه.. سميرة.. فيه حد غيرها يعني؟؟
مزنة بذات تقطيبة الحاجبين: سميرة بنت راشد؟؟ يأمش ما ظنتي يوافقون.. مهوب قصور في ولدي.. بس سميرة عندها عيال عمها اثنين عزابية
مستحيل يخلون وحدة مثل سميرة تروح عليهم.. والا لو علي أنا ماني ملاقية حد أحسن منها.. أخلاق وأدب وزين..
وضحى بذات التردد: يمه ما تضر المحاولة.. أحس ماعندها مانع.. لو تبين كلمتها.. وجسيت نبضها..
مزنة تنهرها بحزم: البنات ما يتدخلون في ذا السوالف.. أنا بأكلم أم غانم بيني وبينها.. مع إني بعد ماظنتي إنهم يوافقون..
بجس نبضهم...عشان ما أحرج تميم..
والله لا يعيون ويدري هو.. إن قد يأخذها حجة.. ويقول شفتي هذا اللي تحكي وتسمع ماتبيني
****************************
"بشريني عنج اليوم؟؟ إن شاء الله أحسن؟؟؟"
جميلة همست بغيظ وضعف: وأنت وش عليك مني.. من البارحة مخليني.. وجاي الحين عقب صلاة الظهر تسأل عني.. كان قعدت زيادة بعد
هذي وصات أمي لك ما تخليني..؟!
خليفة لم يبدو عليه التأثر مطلقا لما قالته..وهو يقرب مقعده ليجلس قريبا منها ويهتف بتصميم:
البارحة أنتي اللي طردتيني.. لو أنتي ناسية يا بنت العم
واليوم رقعة سني طاحت .. ورحت أدور دكتور يرقع لي السن من يديد.. وتوني ياي من عند الدكتور
ثم أردف بابتسامة: شكلج اشتقتي لي.. يا الله اعترفي..
جميلة بغيظ: يا برودك يأخي.. وش أشتاق له..
خليفة بهدوء باسم: لي طبعا.. ترا مافيها شيء تعترفين.. لأني أنا بعد تولهت عليج..
جميلة أشاحت بوجهها: مشكلتك ما تعرف تكذب.. وأنا ما أحب الكذب
أنا ما اشتقت لك.. ولا أبيك تشتاق لي ..مشكور
بس أنا الحين مسؤوليتك.. ودامك متورط فيني.. غصب عنك تقابلني طول اليوم..
ولو أنت تعبت من مقابلي.. كلم أمي خلها تجيني.. والوجه من الوجه أبيض
حينها ابتسم خليفة وهو يسترخي على مقعده: ليه احنا كنا نلعب..
أجابلج 24 ساعة لو تبين.. مين عندي غيرج أجابله يعني؟!!
ثم رفع كتاب في يده: ممكن أقرأ وإلا بيضايقج أنشغل عنج بكتاب؟؟
جميلة هزت كتفيها بيأس وثورتها تخفت بلا مقدمات: عادي اقرأ.. ما تفرق عندي
بعد دقائق صمت استغرق فيها خليفة في القراءة.. همست جميلة كأنها تكلم نفسها:
تدري إن كسّاب مجنون قرايه.. مع إن شخصيته ما توحي بكذا أبد
عنده مكتبة وش كبر.. ودايم لو ماعنده شغل تلقاه يقرأ.. مستحيل يضيع وقته حتى في شوفت التلفزيون حتى
ضيق عميق تصاعد في روح خليفة وأحاط بها...
أ يجب أن تجد لها دائما سببا لتذكر أحد ابني خالتها؟!!
أ يجب أن تعقد مقارنة لا تنتهي بين كل ما يفعله وبين ما كانوا يفعلونه؟!
ألا تحترم قليلا هذا الحائط المسمى زوجها ؟!!
أ تهزأ به؟؟ أم تختبر صبره؟؟ أم تستهين برجولته؟!!
كلها مؤلمة.. مــؤلــمــة
فأي ألم هو هذا؟!!
*******************************
الطائرة تهبط والركاب ينزلون..
وكل يتجه لغايته ومكانه... قلوب شتى.. وغايات تنتظر من يصلها!!
.
.
عائلة زايد وجدوا منصور في انتظارهم.. سلام مفعم بالمودة بين منصور وشقيقه وابن شقيقه
بينما عفراء تأخرت وشعور حرج عميق يعود لها وهي ترى منصور وتتذكر مكالمتها الأخيرة له
(يارب ما يكون كسّاب يبينا نروح معه)
منصور كان يريد أن يقول لعفراء (الحمد لله على السلامة) ويسألها عن ابنتها.. من باب الذوق.. ولكنها كانت تقف بعيدا
لذا بعد انتهاء السلامات.. هتف بحزم: يالله سيارتي في المواقف..
كسّاب بهدوء حازم: توكل أنت وأخيك الله يحفظكم.. أنا ينتظرني واحد من سواقين الشركة بسيارتي..
عفراء حين رأتهما يغادران بينما كسّاب يعود لها ويهتف لها (يالله سيارتي في المواقف) تنفست الصعداء وهو تحمد الله الذي استجاب دعاءها
في سيارة منصور.. الحوار يُفتح بين الشقيقين..
زايد بمودة يسأل منصور: مزون شأخبارها؟؟
منصور بحزم: طيبة وتراها إن شاء الله ماعاد هي بطايرة عقب المرتين اللي طارتهم
فشغل لنا علاقاتك وشوف لها عمل مكتبي زين يناسبها ويناسبنا...
حينها هتف زايد بغضب: ليه أنت وش أنت قايل لها؟؟
زايد بحزم أشد: ما قلت لها شيء... لعبة وخلصت منها... خل البنت تعقل.. ولا تقوي رأسها... كفاية اللي صار
زايد صمت لأن هذا الموضوع لا يناقش على عجالة.. وهو لابد أن يرى ابنته قبلا
بينما منصور تنهد ثم هتف بهدوء حازم: وأنت بشرني من علي.. أشلونه؟؟
زايد بمودة عميقة: طيب ويسلم عليك..
ابتسم منصور: ارتاح قلبك...؟؟
ابتسم زايد: مرتاح إن شاء الله ...عقبال ما يريح كسّاب بالي بعد
ثم أردف برجاء أقرب للأمر: منصور يأخيك.. حاكه.. نشف ريقي.. أنا أدري إنه يسمع منك أكثر ما يسمع مني
منصور بابتسامة: عادك تبي تزوجه بنت مزنة..؟
زايد هتف بغضب مفاجئ: أظني اسمها أم امهاب وإلا بنت جابر هذا أولا..
وبعدين البنت بنت ناصر.. مهيب بنت مزنة..
منصور بابتسامة ونبرة شديدة المباشرة: زايد لا تلف وتدور علي... وخير يا طير إنها بنت ناصر.. أنت أصلا ما همك من السالفة إلا إنها بنت مزنة
عشان كذا تبي تلزقها في الصبي.. كود يرتاح قلبك لا شفت ريحة مزنة عندك في البيت
رغم أن زايد لم يشرح مطلقا لمنصور أسبابه.. ولكنه كان يعلم أنه يعلم.. وأنه يفهمه بدون شرح.. لذا لا داعي للف والدوران كما يقول
ولذا هتف زايد بذات نبرة شقيقه المباشرة: زين وبغيت بنتها لولدي... هل أنا أجرمت؟؟...
البنت مابه مثل زينها وشخصيتها.. ياحظه اللي بيضويها!!
منصور بحزم: بس كسّاب مهوب من حقه يعرف أسبابك..
زايد بحزم أشد: لا طبعا مهوب من حقه... سالفة وانتهت من سنين.. وشو له نقلب فيها..
يعني حتى ذا الخدمة الصغيرة مستكثر تقدمها لي.. وش طلبت أنا منك؟؟
ترى كل السالفة كلمتين تقولها لكسّاب
منصور بحزم: زايد لا تهاجمني عشان تطلعني غلطان.. أنت عارف إني سبق وكلمت كسّاب..
وأنت عارف إن كسّاب آخر واحد ممكن الواحد يقنعه بشيء هو ما يبي يقتنع فيه
زايد بلهجة أقرب للأمر: زين حاول.. عشان خاطر أخيك.. وإلا حتى أخيك الكبير ماله خاطر..
منصور تنهد: خاطرك على الرأس والعين.. أبشر ..بأحاول فيه..
ثم ابتسم وهو يردف: ولو تبي أعطيه كفين عشان يوافق ولا يهمك..المهم ما تزعل علينا يأبو كسّاب
حينها ابتسم زايد: لا كفين ما نبيها.. وش بيفكك أنت وولد أخيك لا تكافختوا..
ثم تنهد وهو يهتف بعمق: ما أكذب عليك يامنصور.. وأنت الوحيد اللي عارف السالفة..
بأموت بحسرتي لو على الأقل البنت ماحصلت لولدي.. مهوب كفاية أمها ماحصلت لي..
كل سنة تمر وأنا أحاول أقنع كسّاب يتزوج وهو ما يرضى..
البنت خطاطيبها واجد.. وخايف تروح منه.. ووالله إني ما أبي له إلا الزين..
حينها ابتسم منصور: زين يا ابن الحلال خلاص ارجع اخطب الرأس الكبيرة
حينها ضحك زايد: من جدك؟؟ ماحصلتي لي وهي صغيرة.. تحصل لي وعيالها رياجيل..
من الرجّال اللي فيه خير اللي يرضى إن أمه تعرس؟؟
حينها ضحك منصور: خاطري أشوف وجه امهاب لا درى إن أمه لها عشاق..
مهوب بعيد يصلبك على باب المطار..
حينها هتف زايد بغضب: ماعاش ولا كان اللي يصلبني.. وعيب عليك يا منصور ذا الهرجة.. احشم ام الرجّال..
ابتسم منصور: يا شينك لا عصبت وقلبت جد... نمزح يا ابن الحلال نمزح..
*************************************
كانت في غرفة أبنائها.. ترتب ملابسهم.. وترى إن كانوا في حاجة لملابس جديدة للسفر..
تنتفض بعنف ورنين هاتفها ينتزعها من خضم إنشغالها.. كم أصبحت تخشى رنات هذا الهاتف.. خشية للصوت القادم عبر أثيره!!
لا تعلم ما الذي يدور في رأسه الآن... فهو من بعد مكالمتها له بالأمس.. لم يعاود الإتصال بها..
تنهدت (يعني لازم إنه أي حد بيرن بيكون صالح!! خلني أشوف من)
ألتقطت الهاتف.. كان هو.. وهل هناك سواه..؟!
(الله يصلحش ياسميرة
حد يسمع نصيحة من خبلة..
الشرهة علي مهيب عليها.. وإلا هي فاسخة من يومها
الحين وش عاد بيفكني منه؟! )
ردت بتردد: هلا أبو خالد
وصلها صوته حازما قاطعا ودون تحية حتى: أنا تحت.. انزلي جيبي لي جوازاتكم عشان أسوي الفيزة
نجلاء بذات التردد: بأخلي خالد يجيبها لك..
وصلها صوته أكثر حزما: أنا قلت أنتي انزلي وجيبيها
ثم أردف بسخرية: عقب أسبوعين بنسافر سوا.. تعودي من الحين تشوفيني
وبعدين فيه موضوع مهم نبي نتكلم فيه
نجلاء أخذت جوزات السفر ونزلت له بخطوات مترددة... وجدت والدتها في الصالة..
كانت مها على قدميها.. وصالح الصغير يحبو قريبا منها هتفت لنجلاء بحنان: نجلا يأمش أبو خالد هنا صار له شويه
وأنا قلت له ينتزرش في مجلس الحريم... روحي له.. الله يهدي سرش يا بنتي..
أبو خالد رجال مافيش منو وشاريش يا بنتي.. ما ترفسيش النعمة
تنهدت نجلاء بعمق وهي تقبل رأس والدتها للتوجه بعد ذلك لمجلس الحريم بخطوات مترددة
وتهتف داخلها بوجع (توصيني عليه يمه؟!! ليتش بس تدرين وشو مسوي!!)
دخلت بخطواتها المترددة ذاتها (والله إني ماني بكفو... وش أبي بذا السالفة كلها؟!)
كانت على وشك إغلاق الباب لكنها تذكرت وهي تفتحه على مصراعيه وتتوجه حيث يجلس صالح
صالح وقف وتجاوزها ليغلق هو الباب ويهتف بحزم: ترا أمش في الصالة.. إذا المتوحش الهمجي بغى يسوي فيش شيء.. صيحي وبتسمعش..
نجلاء ابتلعت ريقها وجلست.. في وجوده يستعصي عليها التفكير المنطقي
تشعر كما لو كان هناك سحرا يتسربل به..
يبعثر صفوفها حين يحضر.. ليعيد ترتيب هذه الصفوف كما يشاء هو
تختلس النظرات له.. لِـمَ يبدو اليوم أكثر وسامة من المعتاد؟!!
أكثر قربا!!
أكثر بعدا!!
أكثر ألما!!
موجعا أكثر!! وفاتنا أكثر!! وأكثر سحرا من كل يوم!!
كان صالح أول من تكلم وهو يهتف بسخرية حازمة: فيني شيء متغير.. لا يكون طالع في رأسي نخلة وأنتي قاعدة تمقلين فيها
نجلاء ابتلعت ريقها الجاف (هذا من أولها جاي شال سيفه كذا الله يعين من تاليها)
كان مازال واقفا لم يجلس.. لذا وقفت وهي تناوله الجوزات وتهتف بحزم مصطنع: تفضل الجوازات.. واسمحي لي أروح وراي أشغال..
قالتها وهي بالفعل تهم بالمغادرة.. ولكنه تناول الجوازات.. وأمسك بمعصمها وشدها قريبا منه
وهو يهتف من قرب بنبرة دافئة: وين بتروحين؟؟ أنا قايل لش أبيش في موضوع
نجلاء انتزعت معصمها منه وهتفت بحزم: نعم.. آمر
صالح بشبح ابتسامة: خوفتيني..
نجلاء بذات الحزم المصطنع الذي تخشى بشدة أن ينهار: مافيه داعي تمسخر علي... قلت لك آمر..
صالح جلس وهو يهتف بهدوء حازم متلاعب: بما أنه بنسافر قريب..
هل تشوفين إنها حلوة في حقي أو حتى حقش.. قعدتش في بيت هلش
خلاص ارجعي لبيتش...
حينها هتفت نجلاء حزم حقيقي غير مصطنع: آسفة.. بنسافر من هنا... وعقب بارجع هنا..
رفع صالح حاجبا: وعقب وش بنقول لأهلنا؟؟
نجلاء بسخرية: قول تزاعلنا في السفر... عادي.. تحصل في أحسن العائلات
حينها وقف صالح وهو يهتف بسخرية مشابهة: ليش لا.. مثل ما تبين أم خلودي
ولو تبين أحجز لش فندق غير الفندق اللي بانزل فيه ترا عادي .. المهم تكونين مرتاحة
قال كلمة "مرتاحة" وهو يمرر ظاهر سبابته على خدها.. نجلاء أبعدت وجهها عن مدى يده
وهتفت بذات السخرية: اقتراح حلو.. وأكيد باكون مرتاحة
صالح هز كتفيه بثقة ساخرة وهو يتناول الجوزات ويستعد للخروج: تدرين نجلا.. الحوار معش بصراحة ممتع.. ويونس..
بس لازم أروح.. عالية ونايف على وصول..
******************************
يقف.. يجلس.. يمشي.. يعود
وعيناه لا تفارقان الساعة : "كنهم تأخروا؟!"
أم صالح بابتسامة دافئة: وين تأخروا؟؟ الطيارة توها نازلة مالها إلا ساعة.. وفهد في المطار من زمان.. أكيد على وصول ذا الحين
كم هو مشتاق!!
وكم هو قلق!!
مصلوب بين مشاعر تشويه على صفيح ساخن!!
صغيرته المدللة.. أكملت عامها السادس بعيدا عنه
كم يخشى عليها من تلك البلاد البعيدة.. أن تلتهمها كما التهمت شقيقها قبلها
أن تعود الحسرة في قلبه حسرتين
قبل ست سنوات... طالبة شديدة التفوق.. بمعدل مرتفع جدا
ساندها عبدالله في حقها أن تدرس تخصصها الذي تريد.. بشخصيته القوية استطاع اقناع والده..
كان يعرف تماما كيف يقنعه.. كان يستطيع التسلل بينه وبين جلده
وكم كان قريبا من قلبه وعقله.. كان يراه أقرب للكمال المتجاوز لحدود البشر
فلماذا خذله هكذا؟!! لماذا ؟!!
كان خالد من المستحيل أن يوافق أن تتركه صغيرته وتبتعد عن ناظريه..
ولكن عبدالله استطاع اقناعه ببراعة
ومنذ وفاة عبدالله وقلقه عليها يتزايد... يخشى أن يفجع يوما بخبر عنها.. كما فُجع بخبر عبدالله
ويا لها من فجيعة.. يا لها من فجيعة!!!
وكأن تلك البلاد لن تهديه إلا اللعنات!!
كان يطل عبر النافذة وأفكاره تبحر به إلى البعيد القريب... لتتسع إبتسامته وهو يرى سيارة فهد تتوقف في الباحة
ثم يرى خيالها الضئيل تنزل ثم كأنها تركض لتتجه للداخل
فتح الباب قبل أن تدخل.. كانت تنزع نقابها.. وتدخل
لتجده يقف أمامها.. كانت نظرة واحدة لهيبته.. للسنوات التي باتت ترتسم على تجاعيده بوضوح.. وكأنه يكتسب سنوات خلال أشهر
نظرة للحنان المتدفق من عينيه.. للشوق الذي ماعاد قادرا على كبح جماحه
للهفة التي أضنت ثناياه وجعا وبعدا
لترتمي في حضنه وهي تشهق شهقات متقطعة!!
خالد فجع.. فُجع تماما... وهو يشدها ليدفنها بين ضلوعه
فعالية يستحيل أن تبكي... لطالما كانت قوية.. صلبة.. مثله!!
هي لا تعلم ما الذي أبكاها.. هل هو منظر الضعف البادي على محيا والدها.. ولحيته التي باتت بنصاعة الثلج؟؟
هل هو إحساسها بالغبن من نايف الذي يمد يده عليها للمرة الأولى؟؟
هل هو اشتياقها لدفء أحضانه وعبق رائحته؟!!
لا تعلم...
ما تعلمه أنها تريد أن تبكي في حضنه.. وان يحتضنها هو أكثر وأكثر!!
صالح وصل خلفهم تماما
وهاهو يهتف بحنان: شكلش ما تبين تسلمين على حد غير أبيش..
الأخ الكبير ماله سلام!!
نايف كان متأثرا بشدة وهو يرى عالية تبكي بهذه الصورة.. تمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه إن كان هو سبب بكائها أو حزنها
لم ينتبه لأي شيء حوله سوى المخلوقة الصغيرة التي اختبئت في ثنايا الرجل العظيم ولا تريد إفلاته ولا يريد إفلاتها
تمنى أن يشدها ناحيته يهمس في عمق أذنها:
"أنا نايف ياعالية..
نايف.. الخال والأخ والصديق
سمير الليالي.. ورفيق الأيام.. وكاتم الأسرار
أ تغضبين من نايف؟؟
أناشدك ألا اكون أنا سبب بكائكِ أو حزنكِ
لا تكوني هشة هكذا كالفتيات.. لم أعتد منكِ على هذا
اعتدت أنكِ رجل لا أقلق وأنا أعلم أنه يسندني وخلفي.. لا يتخاذل ولا يضعف ولا يتهاون..
فهل يبكي الرجّال؟؟
هل يبكون؟؟ "
******************************
" يمه الحقيني.. الحقيني
يمه.. يمه.."
صرخاتها الجزعة تتعالى.. لتقفز مزنة التي كانت ترتب ملابس تميم في غرفته القريبة من غرفة كاسرة .. فلم يسبق أن سمعت كاسرة تصرخ هكذا
ركضت ناحية غرفتها وجزعها يتصاعد ويتصاعد رغم أن الصراخ توقف
فتحت الباب بحدة لتجد كاسرة تجلس على سريرها.. وهي تضم يديها لصدرها وعرق غزير يتصبب على جبينها
مزنة جلست جوارها وهي تحتضنها وتقرأ عليها آيات من القرآن..
بينما كاسرة كانت صامتة وترتعش في حضن والدتها التي كانت تهمس لها بحنان:
أنتي كنتي راقدة يأمش؟؟.. النوم ذا الحزة مهوب زين.. ماعاد باقي شيء على صلاة المغرب..
كاسرة بصوت مبحوح وهي تفلت والدتها وتجمع شعرها المتناثر وترجعه خلفها: كنت مصدعة وخذت حبتين بنادول وماحسيت بنفسي يوم نمت.. وإلا أنتي تعرفيني ما أحب أنام ذا الحزة..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك