بارت من

رواية بين الامس واليوم -33

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -33

سميرة صمتت بخجل والصدمة تلجم لسانها.. لم تتوقع أن الأمور قد تتيسر بهذه الطريقة.. لابد أنها دعواتها الطويلة لله عز وجل!!
راشد استحثها لترد بينما دموع أم غانم باتت عاجزة عن إخفائها..
همست سميرة باختناق: أبيه إذا أنت وأمي راضيين..
أبو غانم يشعر بوجع عميق لا حدود له أخفاه خلف حزم صوته: أنتي اللي بتعيشين معه.. المهم تكونين أنتي راضية ومقتنعة..
سميرة هزت رأسها وقفزت لتهرب.. بينما أبوغانم هتف خلفها: لا تقولين لنجلا وعالية شيء لين تخلص الملكة..
ولأن سميرة بلغ توترها الذروة.. قررت أن تستحم حتى تحين صلاة المغرب.. عالية طرقت عليها الباب عشرات المرات: حشا سحتي في البانيو.. هذا ياختي وأنتي تولعين من البياض تسبحين ذا الكثر
وش خليتي للي مثلي...
انتهى عقد القران.. ونجلاء وعالية غائبتان عن الحدث لأنهما مشغولتان بالحديث حينا أو اللعب مع خالد وعبدالعزيز حينا آخر..
بعدها عادت سميرة بأقدام تنقلها بتثاقل.. ومشاعر ملتبسة غامضة.. تشعر أن ذهنها تعطل عن التفكير
هل حقا أصبحت زوجة لتميم؟؟
هل حقا حدث هذا؟؟
هي وتميم؟!!
تحاول أن تتذكر متى بدأ إحساسها الغريب بتميم فلا تتذكر..
هل وهي مازالت في المرحلة الإبتدائية؟!!
وهي تراه واقفا أمام الباب مباشرة يكاد يغوص في أفواج الناس المتدافعة خارج المدرسة..
صامت ساكن.. لا تتغير ملامح وجهه
وكأنه في عالم آخر بعيد عن ضوضاءهم..وجسده الهزيل صامد أمام الدفعات..
حتى يرى وضحى.. حينها يشرق محياه البريء بشيء يشبه ابتسامة..
وهو يطبق على أنامل شقيقته.. ويشدها خارجين من الزحام..
"كم وقفت بجوار وضحى.. وأنا أتمنى أن يمنحني شيئا يشبه الإبتسامة ذاتها
هذه المعجزة المجهولة التي كانت ترتسم على وجهه
كنت أستغرب أن مثله يستطيع الإبتسام
لو عجزت يوما عن الكلام.. سأسيل كل دموع الأرض
فكيف وهو يمضي حياته غارقا في الصمت؟!
.
الأيام مضت.. ونحن كبرنا.. وهو لم يلتفت لي يوما..
لا أعتقد حتى انتبه لوجودي بين هذه الأفواج
هل كنت إلى هذه الدرجة غير مرئية..؟!
بعدها ماعدت أراه.. حتى تخصصنا أنا ووضحى ذات التخصص
أراه معها يوصلها أو يأخذها
مازال كما كان.. إلا أنه ازداد وسامة.. وطولا.. وصمتا..
وابتسامته.. آه يا ابتسامته... زادت سحرا وغموضا..
لن أخدع نفسي وأقول أني أحبه أو حتى أحببته
ولكني تمنيته كشيء مستحيل
تمنيت ابتسامته ..سحره.. عمقه.. هدوءه.. وصمته
ثم أنه لن يشاحنني يوما.. لن يقول (اسكتي ايتها البلهاء طويلة اللسان) مهما تكلمت..
لن يقول (رأسي يؤلمني يا ثرثارة)
والأهم الأهم ..لن يستنقص يوما أمي التي أراها الأم الأعظم في العالم
والتي لو تجرأ زوجي يوما على المساس بها سأمزقه إربا بلساني وأسناني
قد أكون شجعت نجلاء على العودة لزوجها.. لكن نجلاء شخصيتها مختلفة عني
ونجلاء يربطها به أطفال
ولو كان زوجي.. لربما أثرت فضيحة ...لن أكون عاقلة حينها كنجلاء
لذلك نحيث أبناء عمي عن تفكيري تماما.. أردت أن أبتعد عن مجرد فكرة الارتباط بواحد منهم بعد ما فعله صالح بنجلاء
تميم ظل دائما منزويا في ذاكرتي الخيالية التي صنعت منه مخلوقا أشبه بالخيال
لأني كنت أعلم أنه يريد واحدة بحالته
لكن ما أن أخبرتني وضحى أن أمه تبحث له عن عروس سليمة..
حتى قفز لبؤرة الذاكرة والشعور
وحتى سارعت للاعتراف برغبتي للحصول عليه
فهو الزوج المثالي تماما بالنسبة لي
ولن أضيعه من يدي مطلقا"
الأفكار تلتهم سميرة وهي تدخل لغرفة ابناء نجلاء
كانت عالية تتقاذف بالمخدات مع ابني شقيقها.. وصراخهم يتصاعد
سميرة جلست بصمت... هزت نجلاء كتفها: هييييه وش فيش؟؟
سميرة بصوت مبحوح: أنا تملكت..
حينها انفجرت الاثنتان في الضحك.. وعالية تهتف مع ضحكاتها: حلوة ملعوبة يا بنت...
سميرة بهدوء مختنق: والله العظيم تملكت تميم بن ناصر آل سيف الحين..
نجلاء انقلب وجهها: أنتي من جدش؟؟
سميرة تبتلع ريقها: والله العظيم من جدي..
حينها قفزت نجلاء تصرخ بغضب: ومتى صار ذا الشيء؟؟
سميرة بتردد: خطبني قبل يومين.. وتملكنا قبل شوي..
عالية وقفت وهي تلبس لباس الجدية الذي ما أن تتسربل به حتى تتحول لمخلوقة آخرى مختلفة..
رفعت هاتفها واتصلت بحزم: هزاع... دقيقة وتكون عندي أنا في بيت عمي راشد
بتلاقيني انتظرك في الحوش...
بدأت ترتدي شيلتها وعباءتها وهي تهتف بحزم شديد: أرخص من ذا الحركة ما شفت في حياتي..
نعنبو دارش بنت عمش وصديقة عمرش تدسين علي موضوع مثل ذا.. يعني خايفة أقول لأخواني يقرعون مثلا..
يأختي من عافنا عفناه لو كان غالي... وعقبها تملكين وأنا عندش في نفس البيت وماحتى تقولين لي...
الله يهنيش بالأطرم.. غطيه على قلبش لا حد يخطفه
عالية أنهت كلماتها القاسية التي شعرت بها سميرة كما لو كانت تخترق عمق روحها بقسوة.. وخرجت فورا... بينما نجلاء بقيت مذهولة..
لتهمس بعدها بكلمات مبتورة: زين عالية وخفتي تقول لعيال عمي يقرعون
أنا أختش.. أختش.. طول اليوم وجهي في وجهش
وصار لي يومين أقول لش أنتي متغيرة.. تقولين لي مافيه شيء..
أحايلش.. وش فيش ياقلبي؟؟ تكذبين علي وتقولين ولا شيء.. ضغط دراسة بس
هذي آخرتها.. تدسين علي موضوع مثل ذا... تحرميني من أنني أفكر معش حتى
وأمي وأبي أشلون يدسون علي موضوع مثل ذا.. ما كني ببنتهم الكبيرة
صرت غريبة عنكم كلكم..
صرت عدوتكم..
سميرة بدأت دموعها تنهمر بغزارة وهي تنتحب بصمت في داخل روحها.. وفرحتها تُنتهك تماما.. من التجريح للعتب لأقسى ألوان الإيذاء النفسي
لماذا كل هذا؟؟ لماذا؟؟
ماذا يهمهم من تراتبية الحدث... المهم هو الحدث.. لماذا رفضوا مشاركتها فرحتها؟!!
لماذا استكثروا عليها هذه الفرحة؟؟
لماذا الإصرار على تشويهها وإفساد وجهها الزاهي بهذه القسوة؟؟
نجلاء كانت تذهب وتعود كالمجنونة.. وأنفاسها تتسارع بصوت مسموع مؤلم...لأنها كانت تحاول منع نفسها من البكاء
كانت تشعر بغبن شديد.. تشعر كما لو كانت تقف على قمة جبل ليُلقى بها من فوقه وتجد نفسها تنحدر للسفح بلا مقدمات
وعظامها تسحق بكل قسوة وحشية
" شقيقتي الوحيدة يعقد قرانها وأنا معها في البيت دون أن أعلم بأي شيء
أي قسوة هذه؟
أي نكران؟؟
أي تجاهل؟؟
ثم كيف ترمي بنفسها هذه الرمية الشنيعة دون أن تستشيرني حتى
وكيف أمي وأبي يبعدونني بهذه الطريقة
أ هان عليهم أن يفعلوا بي ذلك ؟!!
ماذا فعلت لأستحق منهم كل هذه القسوة الموجعة؟!!"
فجأة التقطت هي أيضا هاتفها لتتصل برقم معين ثم تهمس بحزم شديد:
أبو خالد تعال أخذني بعد نص ساعة لو سمحت.. بأكون لميت أغراضي وأغراض عيالي
أنا الليلة مستحيل أبات في ذا البيت


#أنفاس_قطر#
.
.
.

بين الأمس واليوم/ الجزء الحادي والعشرون



بدايات ليل الدوحة..
الليلة الجو حار.. مع رطوبة خانقة.. اختبأ منها الناس في أحضان التكييف..
ولكن من كانت الحرارة في جوفه.. وماهو أكثر لزوجة وأشد وطأة من الرطوبة يكتم على أنفاسه
فإلى أي أحضان يلجأ؟؟؟


*******************************


صالح يقف في باحة بيت عمه.. ينتظر.. وفي قلبه طبول حرب مسعورة ترتفع دقاتها بوجيب متراقص لا هوادة فيه
"ما الذي حدث؟؟ ما الذي جعلها تعود بهذه الطريقة؟؟"
في الداخل نجلاء تقبل رأس والدها ووالدتها.. ورغم عتبها العميق عليهما لكنها لا تستطيع التصريح ولا حتى مضايقتهما
أبو غانم يهتف بحزم: أنتي مقتنعة بالرجعة لصالح؟؟ ترا السالفة مهيب لعبة..
نجلاء بهدوء تحاول إخفاء غصاتها الموجوعة خلفه: أكيد مقتنعة.. أنا وأبو خالد صفينا اللي بيننا..
وصالح عشرة عمر وأبو عيالي.. ما أرخصه ولا يرخصني
أم غانم كانت تحتضن حفيديها ودموعها التي أبت اليوم أن تتوقف مازالت تسيل بغزارة..
عاجزة عن احتمال كل ضغوطات اليوم ومواقفه..
سميرة كانت تنظر لهم من الأعلى عبر حاجز الدرج
وهي تجلس على عتبات الدرج في زاوية مخفية وهي تكتم شهقاتها التي تكاد تمزق صدرها لرغبتها في الانفلات..
عاجزة عن التنفس.. تخشى أن يفضحها تنفسها فيرتفع عويلها المكتوم..
تكاد تموت من شدة الوجع..
تريد فقط أن تقبل خد نجلاء..أن تبعثر شعر خالد وعبدالعزيز وتقرص أنوفهم...
لِـمَ يبدو كل شيء كثيفا ومعقدا هكذا؟؟
لماذا لا تستطيع الركض للأسفل وتنفيذ كل ما تريد...
تُشبع روحها من رائحة نجلاء وطفليها..
تخبرها كم تحبها!! وكم ستشتاق لها!! وكم هي سعيدة أنها ستعود لتأديب صالح!!
تريد أن تقول لها (أدبي صالح حتى يبكي).. تريد أن تسخر منها وبها ومعها.. تريد لمسة من أناملها ونظرة من عينيها الحانيتين..
تريد أن تمسح على خصلات العسل.. وتقول لها: كيف يكون فطوري بدون عسل؟؟
تريد أن تثرثر كثيرا.. وتصرخ بجنون..
وتنثر ضوضاءها في مكانها!!
ولكنها بقيت تنظر لهما بجوع روحها الحاد.. حتى رأت نجلاء تخرج تشد طفليها
لتركض حينها لتنظر لهم عبر نافذة الصالة العلوية..
تشهق بوجع وعيناها تغيمان وهي ترى نجلاء تفتح الباب الخلفي لتركب أطفالها
ثم تركب بجوار صالح الذي وهبها نظرة عاشق أثقله الاشتياق!!
.
.
نجلاء ركبت بجواره وهي لا تشعر بشيء مطلقا
فوجعها من أسرتها اليوم غطى على كل وجع.. مشبعة بألم شفاف انغرز في روحها
كانت صامتة.. بينما الرجل بجوارها يشتعل..
لم يتحادثا مطلقا.. لم يسألها حتى لماذا عدتِ .. ولن يسألها...
يكفيه أنها عادت لأحضانه أخيرا ..فلن يكون أبدا كما المثل الشعبي (قالوا له هاك خير.. قال ماعندي ماعون)
فهو بأكمله (ماعون) ووعاء لها..
نجلاء وصلت لبيت عمها.. استقبلتها أم صالح بحفاوة غامرة.. حاولت أن تجامل أم صالح بدماثة
ثم اعتذرت أنها تريد ترتيب أغراضها
صالح طوال حوارها القصير مع والدته وهو جالس مشغول بمراقبة تعبيرات وجهها الذي أضناه الاشتياق لكل تفصيل صغير في ثناياه
ولم يفته ملاحظة تفصيل جديد.. (حزن جديد يرتسم على محياها)
بدت له حزينة جدا.. وكم آلمه أن تكون حزينة هكذا وهو لا يعرف السبب.. آلمه حتى العمق أنه لا يستطيع أخذها في حضنه..أو مسح حزن عينيها
فربما لم يكن لها من أسباب الحزن سببا عداه!!
حين وقفت.. وصعدت.. تمنى أن يصعد خلفها.. يفتش في روحها..يستكشف خباياها..
يريد أن يطمئن أنه مازال هناك..بأي صورة كانت.. المهم أنه هناك.. مازال ينقش اسمه في حناياها
ولكنه شعر بدون أن تتحدث أنها تحتاج للاختلاء بنفسها..
لم يكن يريد تركها وحيدة..
" أ تريد لها ملجأ سواي؟!! أ تريد صدرا ترمي عليه همومها عدا صدري؟!!
أ تخبئ حزنها حتى عني أنا ونحن من اعتدنا على اقتسام كل شيء حتى التجريح والحزن؟!!
أ تريد أن تهرب بحزنها عن مداي لتعانيه وحدها؟؟
أي قسوة هذه؟!!
أن تحزن لوحدها دون أن تسمح لي ان أحمل الحزن معها؟!!
وأنا أعلم أنها ألتجأت إلي ختاما.. كنت أنا من خطرت ببالها عندما ضايقها شيء لا أعلم ماهو
ثم بعد ذلك كله أشعر أن كل ما تريده هو أن تختلي بنفسها
بينما أريد أن أكون بينها وبين نفسها
بينها وبين أنفاسها
بينها وبين عظامها "
ولكنه أجبر روحه على الإنسحاب.. قرر أن يأخذ ولديه ويذهب بهما ليعشيهما خارجا..بما أنهما في إجازة الآن..
أراد أن يلتهي بهما.. وأن يتيح لأمهما فرصة التنفس بعيدا عن الإنشغال بأي شيء..
وبالفعل وصلت نجلاء لغرفتها لتغلق بابها عليها.. وتنهمر في دموع مثقلة بالجرح والقهر..
(فجرح ذوي القربى أشد مضاضة... على النفس من جرح الحسام المهند) كما قال الشاعر..
صالح بعث لها رسالة يخبرها أنه أخذ الولدين.. ثم أغلق هاتفه.. لم يكن به رغبة للتحادث مع أحد..
لذا لم يتلق اتصال عمه الذي أراد إخباره بملكة سميرة.. وكذلك اتصالات والده الغاضبة بعدها..


***********************************


"ياي ياخالتي.. ما تخيلتها حلوة بذا الطريقة
مافيه حتى كلام يوصفها.. تجنن تجنن تجنن"
عفراء تبتسم بحنان لحماس مزون المتدفق وهما تركبان السيارة خارجتين من زيارة لعروس كساب بعد أن أحضرا لها شبكتها ومهرها
وتهمس لها بمودة: عجبتش يعني؟؟
مزون بذات الحماس: عجبتني وبس.. أنا انسطلت ودخت وسحت بمعنى الكلمة..
صدق إذا هذي ما تفكك عقد ولد أختش يكون خلاص مافيه رجا..
ثم أردفت بحذر: بس ما لاحظتي خالتي نهائي ما ابتسمت..
رغم أن عفراء لاحظت ذلك ولكنها قالت بهدوء: تلاقينها مستحية شوي..
مزون بذات الحذر: بصراحة ما أعتقد إنه سحا.. لأنه ماشاء الله من الجلسة الأولى تعرفين إن شخصيتها قوية وردها حاضر
صراحة هي كانت قمة في الذوق واللباقة ما أظلمها.. بس بعد ما أدري.. حبيت أشوف ابتسامتها
عفراء تهز كتفيها: يمكن عندها شيء شاغلها في شغلها وإلا حياتها... يعني بالش لا يروح بعيد...
مزون تبتسم: بس أشلون هذي أخت امهاب وإلا حتى أمها واختها كلهم ذوق..
سبحان الله من البصل يطلع عسل
عفراء بحنان: أول مرة أسمعش تقولين اسم امهاب وانتي مبتسمة..
مزون هزت كتفيها وهي تسحب نفسا عميقا ثم تزفره: تدرين خالتي.. امهاب بيظل من أسوأ ذكرياتي وعمر ذا الشيء ماراح يتغير
لكن عشانه صار نسيب كساب.. لازم أتعود على اسمه وأحاول أظهر تقبله مهما كان صعب علي..
ما أقدر ما أسوي كذا.. ما أبي شيء يحز بخاطر مرت كسّاب
.
.
وغير بعيد.. في داخل البيت..
صوت مزنة الغاضب: يعني كان صعب عليش تبتسمين للناس لو ابتسامة صغيرة من باب المجاملة
الناس ماباقي شيء ماجابوه لش.. ومتكلفين ومكلفين على نفسهم.. جامليهم.. بيني نفسش مبسوطة فيهم..
كاسرة بهدوء: قعدة وقعدت معهم.. وترحيب ورحبت.. وسوالف سولفت.. ماعاد باقي إلا الابتسامة تبين أغصب نفسي عليها..
مزنة تتنهد وهي تتماسك لتهمس بهدوء: يامش هذولا هم المرتين الوحيدتين اللي يقربون لرجّالش..
احترام له وتقدير وعشان إن شاء الله تكسبينه.. لازم تكسبينهم
كاسرة ببرود: الحين ذا الرجال اللي قبل كم يوم ما أعرفه حتى.. صار لازم أجامل حتى اللي يقربون له عشان سيادته يرضى
عنه ما رضى.. بالطقاق اللي يطقه... أنا أعامل الناس مثل ما أحب أنهم يعاملوني.. مهوب عشان أرضي أي أحد..
مزنة بنفاذ صبر: كل شيء لازم تحولينه لساحة حرب... الله يعين كسّاب عليش.. هذا وأنتي موافقة عليه برضاش
خليني أروح أشوف عشا الرياجيل أحسن...
تنهدت كاسرة بعمق..
لم يكن صعبا عليها مطلقا اصطناع ابتسامة مجاملة تظهر سيطرتها التامة حتى على ردات فعلها
" ولكني كرهت أن ابتسم أمامهما...
فربما ينقلون لذلك التافه الأرعن أنني كنت مبتسمة..
فيجن سعادة لأنه سيظن أني سعيدة به
بينما أنا أرثي لحالي الذي أوقعني بين براثن ذلك الطفل المتفاخر بعقله الخالي من أي تفكير أو تحكم...
يا الله أي حياة تنتظرني معه؟!!
هل هو شر ما كتبته لي أو خير؟!!
أرجوك يا آلهي ألهمني الصواب.. القلق يأكلني.. أشعر كما لو أن حياتي تقف على شفير الهاوية
فهل يكون مصيري أن تلقيني فيها يارب؟!! "

*******************************

المجلس محتشد.. عشاء ملكة تميم..

زايد استغرب موافقة كسّاب أن يأتي معه للعشاء.. حتى وإن كانوا أصبحوا أنسبائه..
لم يكن يعلم أن هناك موال في رأس كسّاب جاء لتنفيذه
وهاهو ينفذه بالفعل.. وهو يميل على أذن مهاب يحادثه بصوت منخفض.. فيقف مهاب وهو يهز برأسه..
زايد بتساؤل يهمس لكساب الجالس جواره: وش قلت لامهاب؟؟
كساب بهدوء يخفي خلفه ابتسامة خبيثة: قلت له أبي أسلم على عمتي..
مالحقت أسلم عليها عقب الملكة.. وعيب في حقي لحد الحين ماسلمت عليها...
فقلت له يفضي لي درب ويعلمها..
لا يعلم زايد أي شعور ملتبس شعر به...
" أ حقا سيراها ابنه؟؟.. بل قد يطبع قبلاته على رأسها كما هو مفترض.."
شعور كثيف شديد التعقيد بدأ يخترم روحه... كان بوده لو أستطاع أن يمنع كسّاب من رؤيتها
لا يعلم لِـمَ يشعر أن رؤيته كساب بعد أن يراها قاسية على روحه..
أن يعلم أن ابنه استطاع أن يرى من لم يرها منذ أكثر من 30 عاما مضت..
وما زالت في ذاكرته هي ذاتها الصبية المشتعلة حسنا في بخقنها المطرز بالزري..
"هي ذاتها ذلك الحسن الذي لا مثيل في ذاكرتي :
خداها المحمران على الدوام..
عيناها الذكيتان المشبعتان سحرا وسوادا وشقاوة..
شفتاها النديتان التي تميلان بكسل مهيب حين تنفث سحر كلماتها أو حتى مجرد غضبها الشقي الدائم
إلى أي مدى تغيرت؟؟
ماذا أخذت منها السنوات؟؟ وماذا أضافت لها؟؟
أ يعقل أن نظرة التمرد المتدفقة بالحياة تلك التي كانت تضيء عيناها قد انطفئت؟؟
أ يعقل أن ذلك اللسان السليط المتفجر بمقذوفات العبارات قد أُلجم؟!!
أ يعقل إن تلك الحيوية التي تسري في عروقها حد التشظي قد تضاءلت وذبلت؟!!
ماذا بقي منكِ يامزنة؟؟ ماذا بقي؟؟ "
مهاب عاد لكساب وهو يشير له بعينيه.. ليخرج معه لمقلط الرجال ثم إلى داخل باحة البيت..
وعينا زايد تتبعانهما ومشاعر كثيفة معقدة تطوف بجوانحه..
في الداخل.. قبل دقيقتين ..
وضحى تقتحم غرفة كاسرة وهي تطل مع نافذتها وتهتف بحماس:
تعالي تعالي.. ما تبين تشوفين رجّالش؟!!
امهاب توه كان عند أمي.. يقول إنه بيجي يسلم عليها..
كاسرة كانت تمسح زينة وجهها التي بقيت من أثر تزينها لمقابلة خالة كسّاب وأخته
همست بدون اهتمام: ما أبي أشوفه.. خله يسلم ويتسهل...
وضحى باستغراب: معقولة ما تبين تشوفينه؟؟ تعرفين شكله على الأقل
كاسرة بنبرة عدم الاهتمام ذاتها: شفته اليوم الصبح.. وشكله ماشي حاله.. مقبول..
وضحى باستغراب شديد: وين شفتيه؟؟ ومتى؟؟
كاسرة بهدوء بارد: هو جاني بنفسه في مكتبي..
وضحى بصدمة كاسحة: معقولة؟؟؟ من جدش؟؟.. بصراحة حركته جريئة واجد..
ثم أردفت بحماس وهي تعاود التمركز عند النافذة المطلة على الباحة: شوقتيني أشوفه أبو الجرائة ذا...
بصراحة خطير وما عنده وقت أبونا ذا
وضحى تركز نظرها على الرجل الذي يعبر الباحة بجوار مهاب متجهين لمجلس الحريم الذي بابه يفتح على الباحة..
وظلت عيناها معلقتان به حتى غاب عن مدى بصرها
لتلتفت لكاسرة وهي تضيق عينيها وتهمس بنبرة ذات مغزى:
أنتي متأكدة أن اللي شفتيه اليوم الصبح هو رجالش نفسه؟؟
كاسرة وقفت وهي تستخرج روبها من الخزانة حتى تستحم وتهتف بدون أدنى اهتمام: قلت لش شفته هو نفسه.. خلاص سكري السالفة
ابتسمت وضحى: بس هذا ما ينقال عليه أبد ماشي حاله..
أنا من يوم شفتش تقولين على منصور آل كساب ماشي حاله
وأنا عارفة إنش عندش خلل في النظر..
حينها هتفت كاسرة بحزم: وضحى عيب.. احترمي أني أختش الكبيرة..
وضحى مازالت تبتسم: أنتي ماعندش تايم آوت..ما تعبتي من الجد..
خليني أعبر عن رأيي في رجّال أختي.. صحيح عمه أحلى بواجد على مستوى الوسامة..
بس هذا يأختي موت موت مووووووووت.. جذاب زيادة عن اللزوم..
أشلون استحملتي تشوفينه من قريب؟!!
حينها وجدت كاسرة نفسها مجبرة على الابتسام: صدق ما تستحين.. تغزلين في رجّالي وأنا أسمع..
وبعدين تعالي.. من هو ذا اللي ما استحمل شوفته؟؟؟..
الغوريلا اللي تحت... اللهم لك الحمد والشكر... إذا وصل لمواطي أرجيلي هذاك الوقت فكرت أصلا أشوفه من أساسه
وضحى تبتعد عن النافذة باستعجال: هذا هو طلع... بأروح أشوف رأي أمي فيه...
أنتي أصلا لا يعجبش العجب ولا الصيام في رجب .. على قولت المثل


قبل دقائق

في مجلس الحريم.. مزنة ترتدي عباءتها وبرقعها استعدادا للسلام على كسّاب..
طرقات حادة على الباب ثم دخل مهاب وهو يهتف بحزم:
كسّاب جا..
ثم أزاح له طريقا.. كساب دخل بهدوء وعيناه تبحثان عن المرأة التي قادته للزواج من ابنتها..
أي امرأة هذه التي أحكمت سيطرتها على قلب زايد حتى الآن؟؟
أي سحر تتسربل به هذه المرأة جعلها عصية على التجاهل والنسيان؟؟
تقدم وهو ينظر لها..
تمنى بكل العمق لو استطاع النظر لها بدون برقع.. والعجيب أنه لم يتمنَ نفس الأمنية مع ابنتها التي رأها اليوم صباحا
فرغم أنه لم يرَ وجه كاسرة ولكنه لم يشعر مطلقا بأي رغبة في رؤيته كما يشعر برغبة عميقة لرؤية وجه مزنة..
عيناها الظاهرتان من فتحي برقعها بدتا له مرسال حسن فاتن لم يندثر بعد...
والذي آلمه حتى النخاع فيهما كم الحنان المهول المتبدي منهما..
مطلقا لم تكن نظرة أنثى..كانت نظرة أم صافية...
شعر بالحنين يجتاحه لأمه بعنف موجع..
انحنى ليقبل رأس مزنة.. بينما تمنى لو أخذها في أحضانه.. ووسمية تحضر في ذاكرته بكل الوجع..
كم هو مشتاق لأحضان أمه..!! مشتاق!! مشتاق!!
هتف باحترام: مساش الله بالخير يمه..
سامحيني ماجيتش ليلة الملكة.. انشغلت بالعشا عقبها...وعقبه السالفة اللي صارت لي..
مزنة باحترام ودود: الحمدلله على سلامتك يأمك.. مجار من الشر..
كساب ابتسم: الله يجيرش من الشر.. وتراني الحين عدت ولدش.. مثل امهاب وتميم..
مزنة ردت له الابتسامة بابتسامة: أكيد يأمك مابه شك... وترانا عطيناك شختنا.. الله الله فيها يأمك..
لم يرد عليها كساب.. فهو لن يعد بشيء قد لا يستطيع الوفاء به..
لذا هتف بحزم: تمسين على خير يمه.. وإذا قاصركم شيء تراني حاضر
مزنة بمودة: أنا أشهد إن خالتك وأختك ماقصروا.. جعلكم من زود في زود يأمك..

يتبع ,,,

👇👇👇
تعليقات