بارت من

رواية بين الامس واليوم -39

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -39

ابتسم منصور وهمس بغزل رائق: أحلى ابتسامة في أحلى صبح مر علي بحياتي كلها..
عفراء تقوم من جواره وهي تهمس بعذوبة: يكونون يعلمونكم النصب في العسكرية..
شدها ليعيدها جواره وهو يعتدل جالسا: علمونا أشياء واجد.. بس النصب مهوب من ضمنها..
ثم أردف وهو يحتضن كفها: تبين نسافر مكان؟؟
عفراء ردت بحرج رقيق: لا طال عمرك.. الحين ماباقي شيء على نهاية الفصل
أبي أخلص مع طالباتي..
ثم عقب لو ماعندك مانع.. أبي اسافر لبنتي إذا دكتورتها قالت إن حالتها تسمح
تصلبت يد منصور التي تحتضن كفها..وهو يستعيد شرطها الوحيد للموافقة عليه..
البارحة تحدثا كثيرا وحدثته عن ابنتها مطولا.. بدت له ابنتها مدللة وعنيدة وبها كم كبير من الأنانية
رغم أن عفراء كانت تتكلم عنها بحنان شاسع وهي تحاول إظهارها الابنة الأفضل في الكون
ولكن لم يفت ذكاءه التقاط الإشارات بين السطور
لا يعلم لِـمَ تصاعد قلق مر في روحه.. أ يعقل أن ابنتها قد تطلب مثل هذا الطلب؟؟
والمأساة أنه وافق طلبها ووعدها به..
ولكنه لأول مرة يشعر بالراحة مع مخلوق ما كما يشعر به معها
بها كم حنان مهول.. وقدرة هائلة على الاحتواء
ورغم أنه لم يعتد عليها بعد.. ولكن بدت له فكرة خسارتها.. غير مقبولة أبدا
طوال حديثهما الطويل البارحة كان رأسه يتوسد فخذيها.. بدت له محرجة من جرأته وتحاول التفلت..
ولكنه لم يسمح لها بالافلات أو الابتعاد وهو يحاصرها بلمساته وبأسئلته
كان يستحثها أن تتحدث بأسئلته التي لا تتوقف عن كل شيء في حياتها.. ابنتها أبناء شقيقتها.. عملها..
كان يشعر كما لو كان يعاني العطش طوال عمره.. ثم وجد نبعا متدفقا من الماء الأصفى والأعذب في الكون
طريقتها في الكلام تصب في عمق الروح بحنانها واحتواءها..
شعر أنه مستعد أن يعيش حياته كلها رأسه في حجرها.. مكتفيا بالاستماع لأحاديثها وتنفس عبق أنفاسها من قرب
عفراء همست له باستغرابخجول : منصور أشفيك؟؟
منصور شدها ليدفنها بين أضلاعه ثم همس في أذنها بعمق فيه نبرة حزن لا يعلم لها سببا: أول مرة أدري إن اسمي حلو كذا


***********************************


"صباح الخير ياحلوة"

مزون تنظر لعلي وتبتسم: الله يحلي أيامك
علي يجلس وهو يضع غترته بحرص على الأريكة حتى لا تتجعد ثم يهتف بتساؤل: وين أبي وكساب؟؟
مزون أجابت وهي تسكب له فنجانا من القهوة: إبي طلع من بدري.. وكساب توه طلع من شوي..
ثم أردفت بألم: ماشرب إلا فنجان قهوة هو اللي صبه لنفسه
وزين إنه سلّم على الكرسي اللي كانت قاعدة هنا..
علي يربت على كتفها ويهتف بحنان: مسيره يرضي.. تعرفين يباس رأسه..
مزون بألم: تعبت ياعلي من ذا الوضع.. الطيران وخليته.. وسجلت في شيء جديد.. أبي أعرف وش عاد اللي مزعله مني
والله العظيم تعبت أدور رضاه وهو يتمنن به علي..
شكلي بأموت وهو ما رضى..
علي يحتضن كتفيها ويهتف بذات حنانه الخالص: بسم الله عليش.. صدقيني بيرضى.. ولو ما رضى هو الخسران
حد يلقى له أخت مثلش ويزعلها.. والله ماعنده سالفة..
مزون تسند رأسها لكتفه وهي تحتضن خصره وتهمس برجاء عميق:
تكفى علي وأنت بعد كفاية هربان منا... هذا أنا خليت اللي كان مزعلك مني أنتي بعد
تكفى علي أنا محتاجتك جنبي.. كفاية علي اللي كساب يسويه فيني
علي يشدد احتضانه لكتفيها ويهمس بعمق: يصير خير ياخيش.. يصير خير... ادعي بس الله يسهل


*********************************


" أنا باروح أتوضأ ماعاد باقي على صلاة الظهر إلا شوي
جهزي محضر اجتماع بكرة لين أجي"
فاطمة تستوقف كاسرة وهي تقلب اوراق في يدها: لا تروحين الحمام.. الحمام بابه خربان
قبل شوي تسكر علي.. ماحد فتحه إلا البوي الفراش مستخدم سكين..
كاسرة تقف لترتدي نقابها وتهتف بثقة: عادي لو تقفل علي.. ناديه يفتح لي..
وكلمي حد من تحت يجي يصلحه..
فاطمة تهز رأسها وهي مشغولة بالورق أمامها.. مرت عدة دقائق قبل أن تبدأ بشم رائحة دخان.. استغربت ولكنها لم تهتم
ثم دقيقتين أخريين قبل أن تسمع جرس الأنذار وسماح تقتحم عليها الباب وهي تصرخ بجزع: المبنى يحترق.. يا الله بسرعة..
فاطمة قفزت وكل ما يشغل بالها كاسرة.. ارتدت هي أبضا نقابها على عجل وهي تركض لباب الحمام الخاص الموجود بجانب مكتبهم
كانت ترى الجميع ينزلون ركضا والطابق يكاد يخلو
صرخت برعب وهي تطرق الباب بهستيرية: كاسرة.. كاسرة.. كـــاســـــرة
كاسرة همست بهدوء مستغرب: وش ذا الإزعاج اللي برا.. وش فيش روعتيني.. توني خلصت وضي الحين
خلني لين ألبس عباتي
فاطمة بدأت تبكي وهي تحاول فتح الباب وتصرخ: كاسرة المبنى يحترق.. بأروح أدور حد يفتح الباب
حينها صرخت بها كاسرة بحزم: لا تدورين حد.. انزلي بسرعة.. أكيد المطافي على وصول..
فاطمة ركضت تدور بين المكاتب ولم تجد بالفعل أحد..
توجهت للمطبخ وأحضرت لها سكينا وبدأت تحاول معالجة قفل الباب وهي تصرخ وتكح: كاسرة أنا هنا
الحين بافتح الباب..
كاسرة تصرخ بها بانفعال: أقول لش روحي.. أنا صرت أشم الدخان قريب.. أنا مسكر علي في حمام مهوب جايني شيء إن شاء ربي
بس انتي في الممر.. والله إن قد تروحين.. حلفت.. يالله روحي
فاطمة تعالى نشيجها وهي تحاول فتح الباب وتكح من رائحة الدخان بعد أن انتقل الحريق من الطابق الثالث للثاني حيث مكتبهم
كاسرة تصرخ بها بانفعال أشد: فاطمة والله العظيم لو مارحتي الحين إنه عمري في حياتي كلها لساني ما يخاطب لسانش
يا الخبلة عندش ولدين.. تبين ترجعين لهم ميتة وإلا محترقة..
كاسرة سكبت على نفسها الكثير من الماء وجلست في الزاوية على الارض
وهي تحاول الاعتصام بالجَلد ومنع الرعب من التسلل لقلبها الذي تعالت دقاته بشكل هستيري خوفا وجزعا..
وهي تهتف في داخلها بلوعة حقيقية :
" أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
يا ربي لو كان ذا آخر يوم عمري
موتني مختنقة.. لا تموتني محترقة
لا تفجع أمي فيني بذا الفجيعة!!"
بينما فاطمة بدأت تنشج بهستيرية وهي ترمي بالسكين وتنزل راكضة للاسفل لتجد أن الحرق انتقل للسلم وتلسع يدها من النار وهي تركض للخارج
حين رأت رجال الأطفاء بدأت تصرخ فيهم بهستيرية: فيه وحدة متسكر عليها في الطابق الثاني
الإطفائي يصرخ بحزم: الطابق الثاني الحين انتقل له الحريق.. احنا الحين بنطفي الحريق.. وخبير اقتحام الحرايق الحين على وصول
فاطمة لم تشعر بنفسها إلا وهي تهزه بعنف وتصرخ: يعني تبونها تتفحم لين يأتي خبيركم ذا
الرجل يزيحها جانبا: مايصير إلا خير.. هذا هو على وصول


****************************


قبل ذلك بدقائق

كساب في سيارته متوجها لشركته.. رأى الدخان المتصاعد من المبنى الذي عرفه فورا.. مكان عمل زوجته
وفي وقت الدوام الرسمي أيضا..
أوقف سيارته بعيدا لأنه رأى ازدحام الشارع بالسيارات المتوقفة.. وركض متجها للمبنى دون تفكير..
إحساس فطري بالشهامة والمسؤولية
حاولوا منعه من الاقتراب لكنهم لم يفلحوا وهو يتعرف على السيدة التي كانت تبكي بهستيرية..
يتوجه لها بحزم ويسألها بنبرة أقرب للأمر العالي النبرة: شاللي صار؟؟ وفيه حد باقي فوق؟؟؟
فاطمة حينما تعرفت على صاحب الصوت تعالى صراخها: كاسرة فوق تقفل عليها الحمام.. وهم يقولون ينتظرون خبير يطلعها
والحريق وصل للطابق اللي هي فيه... بتموت.. بتموت
حينها صرخ فيها كسّاب بحدة: وين الحمام؟؟
فاطمة وهي تشهق: جنب مكتبنا على طول..
كساب توجه للمبنى وهو يركض.. حاول رجال الإطفاء منعه ولكنهم لم يستطيعوا أبدا إيقافه.. أوتثبيته في مكانه
لم يكن لكون كاسرة زوجته أي اهتمام عنده.. ربما لو قالوا له أن هناك قطة في الأعلى لصعد لإنقاذها
هناك روح تحتاج للإنقاذ ولن يتوانى هو عن تقديم المساعدة
وخصوصا ان الموضوع كان هينا بل غاية في السهولة بالنسبة له وهو يدرس احداثيات المبنى ومعطيات المهمة في عقله بسرعة فائقة..
مبنى من ثلاثة طوابق.. بدأ الحريق في الطابق الثالث وانتقل للثاني ولجزء من الاول.. وهناك ضحية محتجزة في حمام في الطابق الثاني
( مهمة غاية في البساطة..)
صعد متحركا بدقة وهو يدرس هندسة المبنى مع حركته البارعة..
فهناك أماكن تتأثر بالحريق أكثر من غيرها.. لذا كانت حركته مدروسة..لا تردد فيها
وهو يتجاوز الأماكن التي يعلم أنها قد تنهار..
لسعت النار أطراف ثوبه وغترته ولكنه لم يصب مطلقا
وهو يقفز ببراعة مذهلة من مكان لآخر ليصل في دقيقة واحدة لباب الحمام
ويخلع قفله بركلة واحدة..


#أنفاس_قطر#
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبع في [ 2 ] ..
من الجزء السادس والعشرين الى الجزء الخمسين ..
تجميع / ♫ معزوفة حنين ♫..
روآية : بيـــن الأمس واليـــــــــــوم ..
للكــآتبة / # أنفاس_قطر #
[ 2 ] ..
من الجزء السادس والعشرين الى الجزء الخمسين ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الامس واليوم/ الجزء السادس والعشرون

كان الممر ممتلئا بالدخان إلى درجة العجز عن الرؤية..
ولكن الحريق -الذي بدأ ينطفئ بسرعة مع ازدياد ضخ مياه المطافىء- لم يصل لكل أجزاءه بعد..
ولكن الدخان مع انطفاء النار كان يزداد بصورة متضاعفة..
خلع كسّاب قفل باب الحمام.. وحين رأى أن الدخان مازال قليلا في الحمام.. عاود إغلاقه عليه بسرعة..
لأنه رأى المخلوقة الموجودة في الحمام يبدو أنها مغمى عليها ورأسها ينحني على ركبتيها
ومعنى ذلك أنها ستحتاج للأسعاف الأولي قبلا.. ودخول الدخان للحمام.. قد يقضي عليها
توجه أولا لنافذة الحمام وخلعها تماما من مكانها.. حتى يسمح للهواء بالدخول.. ثم مد وجهه عبرها وأخذ نفسا عميقا من الهواء النظيف
ورأى عبر النافذة أنهم يكادون يسيطرون على الحريق وبسرعة هائلة
كان يتحرك بتلقائية مدروسة دون أن يخطر له شيء سوى انجاز المهمة كما خطط لها
كانت كاسرة قد أغمي عليها فعلا من رائحة الدخان.. ومن تناقص الأكسجين في الحمام..
كانت تجلس في الزواية ومازالت على نفس وضعية الجلوس
كانت عباءتها مازالت معلقة على باب الحمام.. ولا ترتدي سوى تنورة وتيشرتا قطنيا واسعا..
وشعرها كان ملفوفا بشيلتها..
بعد أن تناولت شيلتها ولفتها على رأسها بإحكام حين علمت بالحريق
ولكن خوفها من احتراق الباب جعلها تتأخر للزواية
وفي ظنها أن الباب حين سيفتح عليها إن كانت مازالت حية
فهي ستلتقط عباءتها ونقابها عن الباب بسرعة
كان لديها إيمان كبير بالله أما أنه سينقذها أو سيميتها دون أن تتألم
كان لديها ثقة برحمة الله على كل حال إن كان الحياة أو الموت
لذا حاولت طمر إحساس الخوف المتزايد في قلبها وتهدئة روعها أن النجدة قادمة لا محالة.
إما نجدة فعلية من رجال المطافئ أو رحمة الله تنتشلها للعالم الآخر دون تعذيب..
" ياآلهي سامحني إن كنت أذكرك في مكان لا يليق بجلال قدرك
ولكنك معنا في كل مكان.. وهذه قد تكون لحظاتي الأخيرة في الدنيا
فأشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله
أشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله
أشهد ألا إلا الله وأن محمدا رسول الله
.
يارب إن كان ما قد كتبته لي في علم الغيب عندك هو الحياة أو الموت
فلا تكشف ستري يارب
لا تكشف ستري يارب على كل حال"
بقيت معتصمة بمكانها تكثر الدعوات والتشهدات في قلبها .. ولم تشعر بنفسها حين أغمي عليها وبقيت على نفس الجلسة.
كسّاب توجه ناحيتها وهو يشدها ثم يمددها على أرضية الحمام.. كانت ملابسها غارقة تماما بالماء..
شعر أن رأسها ليس مستويا.. لذا انتزع شيلتها ليجد أن شعرها كان كصرة مبلولة مجموعة أسفل رأسها..
كان يتصرف بآلية مهنية .. أزال مشابك شعرها بسرعة.. وعاود تثبيت رأسها باحتراف.. ثم بدأ بإجراء تنفس اصطناعي لها
للوهلة الأولى بدا الأمر له محرجا.. لكنه تذكر أن هذه الممدة أمامه هي في نهاية المطاف زوجته.. لذا باشر إجراء التنفس دون تفكير
بدت له رائحة الأنفاس التي كان يخرجها من صدرها وهو يضغط بكفيه على رئتيها عطرة وعذبة بصورة بدت له غير طبيعية.. خيالية.. أشبه بشيء كالحلم..
ولكنه نحى كل التفكير جانبا وهو يركز على عمله لدرجة أنه لم يدقق في ملامحها حتى..
بعد نفسين وخلال النفس الثالث.. استعادت كاسرة وعيها..وفتحت عينيها.. لتفجع بكل رعب بالموقف..
كل ماخطر ببالها حينها أنها لابد تتعرض للاغتصاب
ومع انتهاء كساب من دفع النفس الثالث في رئتيها حتى سمع كحتها وشعر في ذات الوقت بلكمات متتابعة توجه ناحية صدره..
كاسرة حين رأت الرجل أبعد شفتيه عنها سحبت نفسها للزواية وهي تحاول شد جيب تيشرتها القطني لأعلى بجزع كاسح.. ثم صرخت بتهديد حاد:
يا ويلك تقرب مني..
كساب وقف على قدميه وهو يعيد وضع غترته على رأسه ويهتف بسخرية: هذي كلمة شكرا اللي تقولينها لرجّالش اللي رمى نفسه في النار عشانش..
حينها استوعبت كاسرة من هو الرجل أمامها.. بعد أن كان رعبها والوضع المريع الذي هي فيه لم يجعلها تدقق النظر فيه
جفت الكلمات على شفتيها وهي ترى نفسها أمامه بدون غطاء وشعرها المبتل متناثر على كتفيها ..
عدا عن ملابسها المبتلة التي التصقت بجسدها تماما
ولكنها ورغما عنها في ختام الأمر حمدت ربها أن يكون هو وليس أحدا سواه..
حمدت الله الذي استجاب دعوتها وهي تشعر بتأثر عميق أنه لم يكشف سترها كما رجته..
وشعرت بتأثر آخر عميق مجهول وهي ترى ملابسه التي لسعتها النيران في أماكن متعددة
" أ حقا ألقى بنفسه في النار من أجلي؟!"
كاسرة بعد ذلك وقفت يغتالها طوفان مشاعر مختلفة أبرزها كان شعور حرج مر ومع ذلك هتفت بكل ثقة: خلاص مشكور
اطلع خلني ألبس عباتي واطلع...أظني طفوا الحريق.. صح؟؟
كساب لم يجبها.. لم يجبها!!
فهو أيضا كان للتو ينتبه للمخلوقة أمامه..
ولكن هل يصح أن يسميها مخلوقة؟؟ مجرد مخلوقة؟؟!!
فهو شعر أن هذه الأنثى المستحيلة أمامه يستحيل أن تكون تنتمي لجنس البشر
يستحيل أن تكون خُلقت لتمشي على سطح الأرض كباقي الخلق
هذا التشكيل الرباني الذي يتجاوز كل حدود المثالية العصية على التخيل يستحيل أنه تشكيل لمخلوقة بشرية..
لو كان بالغ في استهلاك كل مخيلته ليصنع مجرد خيال امرأة حسناء لا وجود لها على سطح الأرض
فبالتأكيد إن الكائن العصيّ على كل التسميات الذي يقف أمامه تجاوز كل الخيالات التي لا وجود لها بل التي يستحيل حتى مجرد تخيل وجودها!!
فكيف وهو يراها أمامه.. متجسدة في صورة مخلوق بشري..
ويصدف أن هذا المخلوق هو زوجته هو!!
زوجــتــه هــــو!!
شعر أن ما يراه قد يكون نوعا من خداع البصر.. فمازال يظن ان ما يراه أمامه ليس إلا خيالا لا يمكن وجوده على أرض الواقع
لذا تقدم خطوة للأمام وهو يمعن النظر إليها.. كالمبهوت.. المأخوذ.. المسلوب الفكر
بوصلة نظره تتبع هذه التفاصيل المستحيلة المرتسمة أمامه
كاسرة تأخرت خطوة للخلف وهي تهمس بثقة واستعجال تخفي خلفها حرجها وتوترها: كساب الله يهداك وخر .. ما أدري طفوا الحريق أو لا..
كساب حينها هتف بثقة طاغية: أنا متأكد أنهم طفوه الحين.. ظنش باخليش هنا وأنا عارف إن المبنى عاده يحترق
لا يريدها أن تغادر .. يريدها أمامه كما هي الآن..
مازال يريد أن يتأكد ممايراه .. وخصوصا أن كل تفاصيلها وملامحها واضحة أمامه لدرجة صفاء الصورة المذهل..
التضاريس الأنثوية الباذخة.. البشرة المرمرية التي لا تصدق لشدة النقاء والشفافية
العنق الشامخ الناصع في نحر أكثر سطوعا.. الشعر المعتم كليل سرمدي انحدر شلاله حتى خصرها
وخصلاتها المبلولة تلتصق بأطراف وجهها في صورة مبهرة يعجز أعظم الرسامين عن رسمها..
ود أن يقترب أكثر ليتلمس تفاصيل وجهها..التي انسابت نظرات عينيه تتبعها تفصيلا تفصيلا
التفاصيل المثالية أكثر مما يجب...الباهرة أكثر مما يجب.. الشاهدة على عظم خلق الخالق في تجلي مذهل
" أ يعقل أن هاتين العينين المعجزتين لا تنتميان إلى حورية من حوريات الجنة؟!!
وهذا الأنف المذهل المنحدر كأسطورة قد نُحت لمخلوقة أرضية؟!!
وهاتان الشفتان المهلكتان الخياليتان المرسومتان كحد الحديد والنار.. الانتهاء والبداية قد خُلقتا لينتجان كلمات ككلمات كل البشر؟!
وهذا الجبين المنير كشمس أشرقت للتو على استحياء حتى لا تحرق البشر بشدة سطوتها هو لمخلوقة تمشي بين البشر؟؟
أ يعقل أن كل هذا الحسن الذي لو وزع على كل نساء الأرض لكفاهم وزاد
هو لي وحدي..؟
لي أنا فقط ؟!! "
اقترب كسّاب أكثر.. ماعاد يعرف ما الذي يسيره..
كاسرة تأخرت أكثر ..ونظرات كساب المتفحصة تبعث توترا وخجلا طبيعين فطريين في نفسها
تأخرت أكثر لتجد نفسها تلتصق بالحائط حينها همست بحزم:
يا ويلك تقرب مني أكثر من كذا.. وخر خلني ألبس عباتي..
عاجبك الموقف السخيف اللي حن فيه؟؟
ياويلك تقرب بعد..
حينها انتبه كساب من الغيبوبة الساحرة الخيالية التي انتشى بها للحظات
عاد إلى أرض الواقع وهو يرفع حاجبا وينزل الآخر ويهتف بلهجة متهكمة:
تهدديني.. وتقولين ياويلك.. ليه أنتي شايفتني وحش باهجم عليش
ثم أردف بنبرة مقصودة: يا حليلش!! ماحد قد علمش أشلون تكلمين على قدش..
زين وقربت.. وسويت أكثر من أنني أقرب.. أيش بتسوين؟؟
تصرخين؟؟ عادي.. أنتي مرتي وحلالي..
تبين تلمين جمهور يتفرجون؟؟ عادي ماعندي مانع..
حينها ابتسم بسخرية: وانا ترا ما أبي إلا بوسة وحدة..
اللي قبل شوي.. كنتي مغمى عليش.. ماحسيت فيهم..
أبي وحدة برضاش الحين.. وإلا غصبا عنش ما تفرق
وعقب يالله أوصلش البيت
حينها صرت كاسرة على أسنانها وهي تتحفز: إذا فيك خير.. سوها..وقرب مني
والروحة للبيت والله ثم والله لو أنزل مكسرة.. مستحيل أروح معك
حينها اقترب كساب أكثر منها.. لم يحاول مطلقا تقبيلها ولكنه أمسك كفيها الاثنتين بيد واحدة .. حاولت أن تقاوم لكنها لم تقدر مطلقا
وهو يمد يده الثانية بسرعة هائلة ويضغط على عرق ما خلف أذنها بحرفنة عالية
لتسقط فورا مغمى عليها بين يديه..
حينها أسندها لكتفه بيد واحدة وتناول عباءتها المعلقة ولفها بها .. ثم حملها وهو يخفي وجهها في صدره
نزل بها السلالم بسرعة.. وهو يتحاشى المناطق التي مازالت تتجمر..
فاطمة التي كانت مازالت تنتحب.. حين رأته ينزل بها توجهت ناحيته وهي تصرخ بقلق: وش فيها؟؟
كساب بثقة وهو يغادر: مافيها شيء.. بأوديها بيتهم الحين..
الأطفائي استوقفه: وين بتروح يا أخ؟؟
كساب نظر له بقسوة: رايح أودي مرتي اللي كنتو بتخلونها تموت للبيت
وإلا عندك مانع بعد؟؟
الإطفائي تأخر بحرج وهو يسأل إن كانت زوجته فعلا..وفاطمة تأكد له أنها فعلا زوجته وتوقع على ذلك..
بينما كساب توجه بها لسيارته والكل ينظر له مستغربا دون أن يهتم مطلقا بنظرات الاستغراب..
كل ماكان يهمه أن لا يظهر أي شيء منها.. حين وصل سيارته مددها على المقعد الخلفي..
ثم حرك سيارته.. بعد دقيقة واحدة وصله الصوت الساحر الغاضب: أنت أشلون جبتني هنا؟؟ وأشلون أغمي علي؟؟
كساب لم يرد عليها.. عاودت السؤال بنبرة أكثر حزما: أنت أشلون تجيبني وأنا حالفة ما أروح معك؟؟
كساب رد ببرود دون أن ينظر ناحيتها: ادفعي اطعام عشرة مساكين.. ماعندش عطيتش..
كاسرة بغضب: أنت وش جنسك.. أنا مستحيل أقدر أعيش مع واحد مثلك
كسّاب بذات البرود: عادي أبركها من ساعة.. لا تكونين عشان أنا شفتش تظنين بأموت وأشق ثيابي على زينش
لا يا شاطرة ترا الزين ماقام ولا قعد عندي.. المرة بدالها عشر.. والباب يفوت جمل..
كاسرة هتفت بثقة طاغية: والله ياطويل العمر.. فيه مرة ماتسوى حتى ربع مرة.. ومرة تسوى مية مرة..
وإذا أنت من أولها عندك إنك تقدر تبدلني بعشر.. فأنت ماعرفت قيمتي.. وماظنتي بأصبر لين تعرفها..
كساب بسخرية: بصراحة غرورش ماله حل..
وعلى العموم عشان تشوفين من البزر ذا المرة..اللي الانفصال أسهل كلمة على لسانها
كاسرة تنهدت بغيظ عميق لم يظهر للسطح.. وهي تعلم أنه يلمح لمقابلتهم الأخيرة حين اتهمته أنه طفل.. والطلاق كلمة سهلة عنده..
بينما كسّاب أكمل بنبرة تهكمية بارعة مغلفة بثقة طاغية:
اسمعيني ياحرمنا المصون
إذا أنتي بتظنين إنه عشان أنا شفتش.. وشفت إنه مثل مازينش مافيه
فهذا شيء أنا أعترف فيه إنه فعلا مثل زينش ماشفت ولا ظنتي بأشوف
أنا تاجر شاطر وأعرف أقيم البضاعة عدل..
كاسرة تستمع له وهي تشعر أنها تريد أن تتقيأ من أسلوبه البغيض الكريه في الكلام..
" إن كان هذا هو الغزل الذي يعرفه
فيبدو أن حياتي معه ستكون مأساة حقيقية "
ولكنها لم تعلم ان كسّاب لم يهدف مطلقا للغزل ولكنه يهدف لشيء آخر بدأ يتضح وهو يكمل حديثه:
لكن حطي في بالش إن الزين ممكن يحرك في الرجّال الإعجاب المادي.. مجرد إعجاب رجّال بمرة..
لكن عشان يكون فيه حياة زوجية بمعناها الحقيقي.. فيه شيء يتعدى الجمال بواجد.. والجمال أبد ماله أهمية
وحتى لو كان مهوب موجود الحياة بتمشي وتستمر..
الحياة الزوجية تبي مرة تعرف أشلون تدير بيتها ..مهوب وحدة كل تفكيرها إنها شايفة نفسها فوق العالم... و..
كاسرة قاطعته وهي تلتقط فورا مقصده مما يقول: على فكرة.. إذا أنت ذكي نص حبه.. تراني ذكية عشرين حبة
وذا الفلسفة الفاضية احتفظ فيها لنفسك.. مهوب أنت اللي بتعلمني أشلون أتصرف في حياتي الزوجية
وما أبي حضرتك تعلمني شيء أنا عارفته.. لأنه فاقد الشي لا يعطيه
قاعد تفلسف.. وتبي توريني إنك أبو العريف وحكيم زمانه.. وأنت مخك فاضي
وما تعرف من الحياة الزوجية إلا اسمها
كساب لم يهتم مطلقا لهجومها وهو يهتف ببرود مستفز: وأنتي وش عرفش إني ما أعرف.. تحكمين قبل ماتعاشريني؟؟
كاسرة تشيح بوجهها وهي تعدل وضع طرف العباءة على وجهها: ماشاء الله الكتاب باين من عنوانه..
حينها هتف كسّاب بحزم: زين إنش عارفة إن الكتاب باين من عنوانه..
وهل يا ترى عندش تصور أنا أشلون بأكون في حياتنا الزوجية؟؟
كاسرة بسخرية: بزر.. ماعنده استعداد يتحمل المسؤولية..
ويبيني أخليه برقبته يهيت.. لا أسأله وين رايح ولا من وين جاي..
كأنه في فندق يجي يرتاح فيه شوي ويروح
كسّاب لا ينكر أنه مبهور بما قالته رغم غضبه منها ومن أسلوبها في قوله وهي تتهمه بهذه الطريقة المستفزة..
فرغم اختلاف المصطلحات والتعبيرات فالحقيقة واحدة
وفي نهاية الأمر هذا هو ما يريده فعلا..
لا يريدها أن تقيد حريته أو أن تظن أنها تستطيع تغيير شيء في حياته.. لأنه يرى نفسه عصيا على التغيير
ومافي رأسه وتغلغل في طباعه يستحيل أن يتغير أو يتبدل..
كساب بتهكم وثقة: أبهرتيني بصراحة.. زين إنش عارفة.. أنا واحد مستحيل أتغير أو أسمح لأحد يغيرني..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات