بارت من

رواية بين الامس واليوم -40

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -40

كسّاب لا ينكر أنه مبهور بما قالته رغم غضبه منها ومن أسلوبها في قوله وهي تتهمه بهذه الطريقة المستفزة..
فرغم اختلاف المصطلحات والتعبيرات فالحقيقة واحدة
وفي نهاية الأمر هذا هو ما يريده فعلا..
لا يريدها أن تقيد حريته أو أن تظن أنها تستطيع تغيير شيء في حياته.. لأنه يرى نفسه عصيا على التغيير
ومافي رأسه وتغلغل في طباعه يستحيل أن يتغير أو يتبدل..
كساب بتهكم وثقة: أبهرتيني بصراحة.. زين إنش عارفة.. أنا واحد مستحيل أتغير أو أسمح لأحد يغيرني..
اللي أبيه هو اللي يصير.. وانتي عليش السمع والطاعة وبس..
كاسرة ترد عليه بتهكم مشابه لكنه مغلف بثقة صارمة: لا يا زوجي المبجل.. ماحزرت.. كون إني عارفة وش اللي أنت تبيه.. مهوب معناه أني بأنفذه..
أنت صرت رجّال متزوج.. غصبا عنك بتلتزم فيني.. وبتلتزم بواجباتك ومسؤولياتك.. وبتكيف حياتك كرجل متزوج..
لأنه العزوبية أيامها انتهت خلاص...
آسفة ماراح أكون وسيلتك لحمل لقلب متزوج وأنت عايش عزابي..
كساب بسخرية عارمة: يعني من الحين تهدديني بالنكد الزوجي؟؟
كاسرة تتأخر للخلف وهي تسند رأسها لزجاج النافذة وتهمس بهدوء واثق:
والله اعتبرها مثل ما تبي.. ما يهمني..
كسّاب بغموض: أمممممم مايهمش.. زين..
غرقت السيارة في صمت عميق لعدة دقائق.. ليهتف كساب بعدها بقسوة:
كاسرة اعرفي أشلون تتكلمين على قدش
لأنه هذي شكلها بتصير مشكلة كبيرة بيننا..
مشكلتش ما تعرفين حدودش.. شوفي وين حن الحين.. في شارع بيتي..
لو بغيت دخلتش الحين فيه.. والله ما تقدرين تفتحين ثمش بكلمة.. وعلى فكرة بيتي انا مافيه حد..
لكن أنا مستحيل أسويها لأني ماني برخيص أسوي مثل ذا التصرف..
أنا أرفع روحي عن الدنايس.. لكن أنا ما أحب حد يتحداني..
لأنه لو أنتي تبين تنكدين علي.. أقدر أوريش اللي أكبر من النكد بواجد..
كاسرة كانت تنظر برعب حقيقي لسور بيت زايد الضخم الذي تعرفه جيدا لأنه غير بعيد من بيتهم..
ولكنها استعادت توازنها بسرعة.. فهي لم تعتد إحساس الخوف.. ولن تسمح له أن يشعرها به..
ولكنها قررت أن لا تستفزه أكثر من ذلك.. لأنه بدا لها فعلا مستثارا من الغضب وهي بعقلانيتها لا تريد أن تزيد الأمر سوءا
لذا همست بهدوء واثق: كساب لو سمحت.. بيتي صار قريب.. بتوديني وإلا كلمت هلي..
كساب يحاول السيطرة على ثورته: جبتش ذا المسافة كلها بأعجز أوصلش كم شارع يعني..
وبعدين وش ذا الذكاء اللي عندش.. أشلون تتصلين وأنتي تلفونش ما تدرين وينه
قالها وهو يكمل طريقه باتجاه بيتها.. حتى دخل باحة بيتها.. كاسرة تنهدت بعمق وهي تحمد الله على انتهاء هذا الكابوس
لم تعلم أن تنهيدتها كانت مسموعة حتى شعرت باليد التي امتدت بين المقعدين وأمسكت بعصمها ومنعتها من فتح الباب
ويصلها همسه العميق الغامض: لذا الدرجة ماكنتي طايقة وجودش معي؟؟
كاسرة بثقة طبيعية: والله تفكيرك بصراحة ما يرقى لتفكيري.. فانت فسرها مثل ما تبي على قد تفكيرك الضيق المحدود..
حينها شد معصمها ناحيته أكثر وهو يهتف بذات الغموض: إذا على اللي تفكيري الضيق المحدود يبيه.. فهو هذا
قالها وهو يقبل نعومة معصمها وباطن كفها ببطء.. وأنفاسه الدافئة تلفح يدها بتقصد
كاسرة حاولت شد يدها بكل قوتها وقلبها يكاد يقفز من بين جنبيها..
وهي تشعر كما لو كانت قبلاته تحرق يدها فعلا صرخت من بين أسنانها: عمري ما شفت وقاحة كذا..
الحين لو شافك حد من أخواني.. أشلون موقفي أنا.. لأنه أنت ما تهمني..
على الأقل احشم مرتك قدام أهلها..
لم يرد عليها حتى شعر أنه أتلف أعصابها فعلا بقبلاته
تمنى أن يجعلها تبكي وترجوه أن يفلتها حتى يحطم تكبرها.. وتمنى في ذات الوقت بقوة أكبر ألا تبكي..
تمنى أن يجعلها تبكي لأنه رآها كند أصابه بالقهر.. وتمنى ألا تبكي لأنها تبقى في الختام مجرد امرأة لا ترضى رجولته بدموعها
ولكنها في كلا الحالين لم تبكِ..
ولكنه شعر من ارتعاش يدها بل جسدها كاملا أنها نضجت تماما من الرعب والحرج والجزع والتوتر.. لذا هتف بثقة وهو مازال يمسك بيدها:
عشان تعرفين دايما أشلون تتكلمين على قدش
وما تفكرين يوم تحطين رأسش برأسي..
أحيانا لساني وكلامي يكفوني عن كل شيء.. ووقتها بتمنين إنش مازعلتيني..
لأنش ما بعد جربتيني يوم أزعل.. ولا الكلام اللي أقوله أشلون ممكن يوجع..
وكل مرة بيكون الرد على قد سواتش.. يعني أكيد عقب عرسنا.. ماراح يكون أني أحرجش بمسكة يدش..
كاسرة انتزعت يدها منه وهتفت بهدوء تخفي خلفه غضبا عاتيا: من قال أحرجتني.. عادي.. ماخذت إلا حلالك..
وشيء ما يغضب ربي ماعليه منقود..
ثم هتفت بحزم وهي تستعد للنزول: وعلى فكرة حط في بالك أني ماحد يقهرني ولا يذلني..
ولا يخطر في بالك ولو لثانية أني بأصبر عليك لو أنت تجاوزت حدودك معي
اعرف أشلون تحترمني.. لأنه زواج بدون احترام مستحيل يستمر
وعلى فكرة بعد.. ترا أرخص تصرف يسويه رجّال إنه يخضع مرته لرغباته بالقوة الجسدية اللي هو يدري زين إنها ما تقدر تجاريه فيها
كاسرة شدت عباتها عليها ونزلت.. وهي تغلق باب السيارة خلفها بكل هدوء..
بينما كانت تتمنى لو أغلقتها بكل قوتها وعلى رقبة كساب لو استطاعت
في الوقت الذي كانت عروق كساب اشتعلت بغضب عارم وهو يراها تدلف البيت بخطوات واثقة..
بقي للحظات واقفا في مكانه.. حتى وصلت كاسرة لغرفتها.. نظرت عبر النافذة لا تعلم لماذا
لتجده مازال واقفا.. أشاحت عن النافذة بنفور شديد.. وهي تخلع ملابسها المبتلة..
عشرات الأفكار كانت تدور في المخيلتين في ذات الوقت
تلوح في الأفق صورة قاتمة لحياة زوجية ستكون سلسلة متصلة من المشاكل
كلاهما أصبح يعرف عناد الآخر وقوة بأسه..
كلاهما بدا للآخر مخلوقا غير قابل للتعاشر..
ويبدو بالفعل أنهما يتجهان لنهاية متوقعة قبل أن تبدأ حياتهما الزوجية
" هل يفكران كلاهما بالطلاق قبل أن يتزوجا فعليا!!!"


**************************


" ما أشوفش كلتي شيء؟؟ "

عفراء بابتسامة: أعذرني بس بصراحة ما اقدر أكل من طبخ هنودك.. ما أدري عن نظافتهم..
وبعد أذنك بكرة بأجيب شغالتي وبنطبخ في المطبخ الداخلي.. أبي أطبخ لك أنا
منصور بفخامة: جعلني ما أخلا من الطبخ وراعيته.. ولا تشاورين في بيتش.. لولا إني عزايمي كثيرة وإلا كان سفرت الطباخين..
وما أبي أتعبش تطبخين لذا الأمة .. كفاية أذوق أنا اللي بتسوينه بيدش..
الحين أنا من أمس كلمت مقاول بيفصل بين البيت والمطبخ الخارجي بطوفة عشان يصير اتصاله بالمجلس الخارجي وبس
وأنتي تأخذين راحتش في بيتش
عفراء بحرج: كني سويت لك ربكة في بيتك؟؟
منصور بشفافية: ياحلوها الربكة اللي منك.. صار لي زمان وحياتي صاخة جامدة.. ذبحني الروتين..
ثم أردف وهو يتذكر شيئا: ترا كساب وعلي كلهم كلموني يبون يجيون
يعني مسوين فيها ذربين ويستأذنون.. علي عادي تلبق عليه الذرابة بس كساب لا..
قلت لهم تعالوا أي وقت.. قالوا بيجون عقب العشا
عفراء تقف وهي تهمس برقة: ومزون بعد بتأتي بعد المغرب..


******************************


" ياي يا سوسو لو تشوفين الأكشن اللي صار اليوم
زين لحقت على شنطتش وتلفونش سليمين وجبتهم..
بس جد أحلى شيء الإجازة اللي خذناها لين يلاقون لنا مبنى جديد وإلا يرممون مبنانا
بس ماشاء الله أنتي اللي إجازتش صارت طويلة من قلب
3 أسابيع قبل الزواج وأسبوعين عقبها وعقبها إجازتش السنوية ماشاء الله"
كاسرة تتنهد وتهتف بعمق: ماظنتي أني بأخذ ذا الإجازة كلها
فاطمة بمرح: إلا تأخذينها ونص.. يستاهل أبو زايد من يتفرغ له.. عقب اللي سواه اليوم
تخيلي.. تخيلي.. ياربي.. رياجيل الأطفاء ما قدروا يدخلون المبنى وهو دخل عشانش
الله أكبر على عيون البنات طلعت من مكانها وهو نازل شايلش
كل البنات يسألوني (هذا رجّال كاسرة؟؟)
والله ماعلي منهم.. كبرت في وجيهم .. ومسكت في حلوقهم لين كلهم قالوا ماشاء الله ولا وحول ولا وقوة إلا بالله
كاسرة بسخرية: من جدش؟؟ على شنو ياحسرة؟؟ على البودي جارد اللي الله أرسله لي؟؟
فاطمة باستغراب: اشفيش يا بنت الحلال.. أنتي اللي من جدش..
كاسرة تنهدت بعمق أكبر ثم هتفت بحزم: ترا يوم قلت لش يمكن ما أخذ الإجازة كلها
ترا كنت أقصد أني أفكر أنهي سالفة العرس كله قبل يصير..
بس اللي هامني في الموضوع كله جدي.. ما أبيه يأخذ على خاطره وأنا وافقت علشانه..
لكن الحياة مع ذا الشخص مستحيلة فعلا
فاطمة شهقت بعنف: قسما بالله أنش استخفيتي.. يوم الله هداش وأخيرا وافقتي على واحد ..تبين تطلقين
أنتي عارفة وش الجريمة اللي تبين تسوينها في روحش
ذا السنين كلها تردين الخطاطيب.. وعقبه يوم الله هداش وتملكتي تبين تطلقين
يمديش على السمعة الحلوة اللي بتطلع عليش..
كاسرة بحزم: ما يهمني كلام الناس.. أنا الحين يهمني جدي أشلون أمرر السالفة بدون ما يدري بشيء
فاطمة كسّاب واحد ما ينتعاشر.. والله العظيم ما ينتعاشر..
فاطمة بغضب: وش العيب اللي فيه؟؟؟ ماشفت منه إلا مواقف تدل إنه رجّال فيه خير..
إلا رجّال مافيه اثنين في حميته وشجاعته..
كاسرة بتهكم: وانا أبي لي واحد يشتغل لي بودي جارد..؟؟
أنا أبي زوج..
ثم أردفت بنبرة صوت أهدأ: اسمعيني فاطمة.. يمكن كسّاب كرجّال بشكل عام مافيه عيب
ويمكن كزوج لوحدة غيري تحمد ربه عليه... لكن أنا شخصيتي ما تمشي مع شخصيته
لما وافقت عليه عشان جدي.. قلت سنه صغير مهوب مشكلة.. أستحمل وأكبر عقلي..
لكن لما شفته وتعاملت معه..تأكدت إنه مافيه أي فرصة للتفاهم بيننا
تقابلنا بس مرتين وقامت بيننا حرب.. وجرَّحنا في بعضنا فوق ما تتخيلين
أشلون عقب حياتنا بتكون...؟؟؟
أنا والله أفكر في المستقبل.. بكرة بيكون بيننا عيال.. وطبايعه صعبه ودمه حامي وعلى أقل سبب ممكن يثور ويهدد ويتوعد
وتعامله قاسي ومتحفز..
بصراحة ماني بمستعدة اقضي الباقي من حياتي في عذاب عشان واحد ما يستاهل


*********************************


" أشفيك سرحان؟؟"

كساب يتنهد بحزم: فيه شوي قررات تنطبخ في الرأس
منصور بحزم مشابه: ممكن نعرف وش هالقرارات اللي شاغلتك؟؟
كسّاب بنبرة أقرب للسخرية: أفكر أطلق..
منصور بجزع: أنت تزوجت عشان تطلق.. وش ذا الخبال.. بنات الناس لعبة عندك
كساب بحزم: محشومين بنات الناس.. بس إذا كانوا بنات الناس على قولتك ما ينفعون يكونون ربات بيوت
وش حادني على الغثا؟؟
منصور بنبرة متهكمة: جبان يعني؟؟ تبي تهرب من الحياة الزوجية قبل تجربها
حينها وقف كساب وهو يصر على أسنانه: ما أسمح لك ياعمي تقول عني جبان
منصور يشير له بيده أن يجلس ويهتف بحزم شديد: ألف مرة قايل لك صوتك ما يرتفع علي
وإيه جبان وألف جبان.. تبي تهرب من المواجهه قبل تصير حتى
يا أخي على قولتك (كل السالفة مرة).. وش فيها المرة مخوفتك يعني
حينها رد عليه كساب ببرود حازم: عمي مهوب أنا اللي أخاف من ألف رجّال عشان أخاف من مرة
لكن ياعمي المرة ذي بتصير أم عيالي.. لو ما فكرت في نفسي بأفكر في عيالي عقب..
قاطع حوارهم صوت عفراء الحنون وهي تضع صحنا يحتوي عدة كاسات من العصائر المتنوعة
ومزون خلفها تضع صحنا آخر: اشفيك يابو زايد شكلك مزعل كساب؟؟
منصور ينظر لكساب ويهتف بنبرة مقصودة: أنا وولد أخي لا تحاورنا.. حوارنا حاد شويتين
الله مهوب هادينا لين روسنا تكسّر..
حينها وقف كسّاب وهو يهتف بحزم: لازم أروح.. وراي شغل
والحقيقة أنه لم يرد أن يتطور الحوار بين بينه وبين عمه وأمام خالته ومزون.. فكلاهما متحفز حاد العبارات لأبعد حد حينما يغضب أو ينفعل أو يحتد..
عفراء برجاء: وين بتروح يأمك.. توك جاي.. وحتى علي مابعد وصل
كسّاب يمد يده بكيس فخم كان جواره ويهتف بمودة: على جاته شغلة ضرورية وما ظنتي إنه بيجي والوقت تأخر كذا..
ثم أردف وهو يقبل رأسها: وهذي هديتش وسامحيني عالقصور
عفراء تناولتها بخجل وهي تهتف له بحنان: زين يأمك تغدوا عندي كلكم بكرة..
كسّاب بهدوء مقصود: لا جعلني فداش.. اخذي راحتش أنتي وحضرت العقيد..
لأن العقيد شكله مهوب طايقنا..
قال العبارة الأخيرة بنبرة مقصودة وهو ينظر لعمه.. عفراء تنظر لمنصور ثم تنظر لكسّاب وهو تهمس برقة: تدري بغلاك عند حضرت العقيد
وإن قال شيء ضايقك فأكيد عشان مصلحتك...
حينها اقترب منصور وهو يضع أطراف أصابعه على كتفها ويهتف بابتسامة: الله لا يخليني من اللي ترقع لي..
عفراء حركت كتفها بحرج لكي يزيل يده عن كتفها ولكنه لم يستجب لحركتها المترجية
بينما كسّاب كان يستعد للخروج ويبتسم: لولا ترقيعة بنت محمد وإلا كان علوم
مزون حينها همست باختناق: كسّاب ممكن تأخذني معك..؟؟
كسّاب نظر لها بحدة.. ولكنه بعد ذلك هتف بحزم: أنتظرش برا
فهو شعر بحرجها أن تبقى مع العريسين الجديدين بعد أن تأخر الوقت.. وقرر أن يأخذها معها من باب الذوق معهما وليس معها..
مزون ارتدت عباءتها وهي تقبل عمها وخالتها وتخرج على عجل.. بينما عفراء انشغلت بجمع الأطباق والكاسات..
منصور شدها لتجلس جواره وهو يهتف بحزم: خليهم.. إذا صرت موجود لا تنشغلين عني بشيء..
عفراء بحرج: إن شاء الله
مع إن ما اسمي هذا انشغال أساسا.. أشلون لو انشغلت فعلا..
منصور مد كفه ليمسك بكفها وهو يمر أصابعه على كل أصبع من أصابعها ويهتف بمودة مختلطة بحزمه الطبيعي:
أنا أكثر وقتي أصلا مشغول.. فشوي الوقت اللي بأكون فيه عندش أتمنى تكونين متفرغة لي أنا وبس..
عفراء التفتت له وابتسمت: بصراحة ديكتاتوري..
منصور مد سبابته ليمسح على طرف خدها وهو يهمس بخفوت: زين عرفتي من أولها أني ديكتاتوري
لأن الديكتاتوري مايستحمل حد يخالفه..
عفراء أمسكت يده التي تمسح وجهها وأنزلتها بجوارها برقة وهي تهمس بذات الرقة أيضا: زين ياحضرت الديكتاتوري
يا ليت ما تحرجني مرة ثانية قدام عيال أختي .. أحرجتني يوم حطيت يدك على كتفي..
حينها شدها منصور ليقبلها بولع دافئ وهو يهمس في أذنها: زين لو مسوي كذا قدام عيال أختش وش كان سويتي؟؟
ترا كل السالفة كفي على طرف كتفش بحركة عفوية.. ماقصدت شي
عفراء تتخلص من حضنه بحرج .. مازالت تحتاج مزيدا من الوقت للتعود على جرأته التي تجده يغمرها فيها دون مقدمات أو تمهيد
مازالت في طور التعود على محض وجود رجل في حياتها... فكيف بهذا الرجل الذي لم يمنحها وقتا للتعود حتى
وهو يفرض نفسه على كل شيء ويريد امتلاك كل شيء فيها:
ماعليه أبو زايد.. تكفى حتى يدي ما تمسكها قدام أحد..


*****************************


في خارج بيت منصور
مزون تركب بجوار كساب بتردد.. هيبة الموقف ألجمت كل أحاسيسها..
أربع سنوات مرت لم تجلس مطلقا في هذا المكان
بعد أن كان مكانها المفضل في كل مكان تخرج إليه...
تعلم أن كل المدة التي ستجلسها جواره لن تتعدى دقائق فبيتهما قريب جدا
تمنت أن يحدث شيئا يجعل هذه الدقائق تمتد وتمتد
لم يوجه لها الحديث مطلقا ونظراته ثابتة على الطريق أمامه.. بينما كانت تسترق النظرات له..
تحاول أن تعرف ما الذي تغير..
من أين جاء بكل هذه القسوة؟!! كيف تغير هكذا؟؟
تأخذ لها نفسا عميقا.. حتى رائحة عطره تغيرت..
سيارته وحتى غرفته دائما مثقلة برائحة عطره الفاخر الثقيل الذي تبدو رائحة دهن العود هي الغالبة فيه..
بعد أن كان يفضل رائحة المسك..
كانت تود أن تسرق من هذا الزمن لحظات تعيد لها شقيقها الأثير ولو لحظات.. ولكن اللحظات انقضت سريعا.. كلمحة بصر
لتتفاجأ بهما يصلان سريعا ويقفان في باحة بيتهما..شعرت بقلبها يهوي بعد لحظات سعادة يائسة مبتورة
لم يكلمها وهو يستعد للنزول.. همست بصوت مختنق: كسّاب ممكن تعطيني ميدالية مفاتيحك؟؟
كساب حينها التفت لها بحدة: نعم؟؟
مزون باختناق: دقيقة وحدة وأرجعها لك..
كساب كان سيرفض قطعا.. ولكنه شعر بالفضول (لماذا تريد مفاتيحه؟) لذا أخرجها من جيبه وأعطاها له ببرود
والسبب الآخر الذي ينكره على نفسه.. أنه لم يستطع ردها وهي تطلب هذا الأمر التافه بهذه النبرة الموجوعة..
فهو كان يقاوم في داخله رغبة أعمق.. وركوبها جواره يعيد له ذكريات قديمة.. أثيرة.. تبدو مشوشة غائمة خلف ضغط الجرح والتجريح
مزون أخرجت من حقيبتها ميدالية أخرى.. نزعت ميداليته بحركة سريعة رشيقة ووضعت مفاتيحه في الميدالية الجديدة
همست بضعف وهي تعيد المفاتيح له وتستعد للنزول: هذي هدية ملكتك.. شيء بسيط
كنت بأعطيك إياها في علبتها مغلفة .. بس كنت عارفة إنك ماراح تفتحها
حلفتك بالله ما تشيل مفاتيحك منها.. تراها قطعة حديد لا تأكل ولا تشرب
ويارب أنك تقدر تحتوي صاحبة الحرف مثل ماحرفك احتوى حرفها
تراها تيتمت صغيرة ومهما بدت للناس قوية.. تبيك تكون أقوى وأحن
مزون أنهت عبارتها ونزلت.. بينما كساب تنهد بعمق وهو ينظر للميدالية البالغة الأناقة والفخامة والرقي ..
بلاتين وجلد أسود.. على أحد وجيهها اسم ماركة عالمية شهيرة جدا وعلى الوجه الآخر حُفر على البلاتين حرفين كلاهما K الإنجليزي
أحدهما كبير ويحتوي في داخله حرف K أصغر بطريقة فنية رائعة..
ابتسم كساب بسخرية مريرة موجوعة تنزف مرارة سرمدية لا حدود لانغراسها في روحه: احتويها وأنا ما أحتويتش؟!!
إنا مخلوق صعب التعامل معي.. وقلبي أسود.. إذا أنا ماقدرت أحتوي الغالية اللي كانت قاعدة جنبي
إذا انا ماقدرت أسامحها وهي أغلى من أنفاسي
وأشلون وحدة ما أعرفها.. جايتني تظن إنها تقدر تفرض علي اللي هي تبيه
أسهل ماعلي إني أكسر رأسها.. أخليها ما تسوى.. أعرفها حجمها وحدودها
أخليها تعرف إنها مالها في حياتي قيمة .. أروضها وأمشيها على الصراط المستقيم
لكن أنا ما أبي أقهر لي مره ثانية.. كفاية حسرتي بقهر مزون.. وقهري بحسرتها
رفع يده ينظر للميدالية وهمس بحنان عميق مثقل بالوجع : بأخليها عشانش يامزون..
وإلا صاحبة الحرف ماتستاهل إلا اللي يدعس خدها
خلاص باعتبرها أحرف اسم شركتي..
.
.
.
آه يا مزون لو تعلمين كم أعاني بعذابي المخفي في أعماق لم يصلها أحد..
كم أعاني من ألم النكران والجرح ولبس ثياب التجاهل!!
إذا كان جرحي في قلبك لا يتوقف عن النزيف
فقلبي مطعون منك على الدوام
إن كانت الطعنة قد انتهت عندك وبقي فقط ألمها ماثلا ينزف
فأنا أشعر أن سكينك ماغادرت قلبي يوما
ووهي تتحرك بشفرتها في كل الاتجاهات.. تقطع شرايين قلبي بلا رحمة
هل تتصورين هذا الألم؟؟ هل تتخيلينه؟؟
أ لم يكن هذا ما فعلته مابي وأنتي تبعثرين كرامتي وكل محبتي لك دون أي اهتمام أو رحمة؟!!
لذا أنا عاجز عن الغفران.. عن المسامحة.
كيف أغفر أو أسامح من سكينها مازالت تغرسها بقلبي
مهما حاولنا كلانا انتزاعها..
فالسكين رشقت في مكانها... وأبت أن تغادر
كيف تغادر وأنتِ من تأكدتِ الآف المرات أنكِ غرزتها حتى أعمق الأعماق؟؟
كيف تغادر وأنتِ من تأكدتِ أنكِ ثبتها في مكان لن تصل له يد رحمة أو غفران؟؟
.
.
.

قبل أربع سنوات..



تنزل الدرج متألقة.. سعيدة.. محلقة.. مغرقة في شفافية عميقة.. محاطة بالاحتواء والحنان
وكل ذلك انعكس على روحها وحتى إحساسها بشكلها
ومع نزولها للدرج كان يدخل هو من الخارج يحمل بيده كيسا بالغ الفخامة.. التقت النظرتان والابتسامتان..
تلاقيا في منتصف الصالة ..قبلت رأسه بمودة خالصة: وينك مختفي اليوم؟؟ اشتقت لك..
يجلس وهو يشدها جواره ويهتف لها بابتسامة حانية: رحت أجيب هديتش..
همست له بخجل: قلت لك مالها داعي.. ما أدري ليه سويت ذا الهدية قضية الشرق الأوسط
يحتضن كتفيها ويقبل رأسها وهو يهتف بمودة مصفاة: ابي وعلي وحتى عمي وخالتي وجميلة كلهم جابوا لش هداياهم إلا أنا
قدني متفشل من روحي.. بس شاسوي كنت أبي لش شي غير..
هذي هدية الثانوية العامة وأنتي بعد غير شكل بيضتي وجهي من قلب
ما تخيلين وناستي الله يونسش بالعافية.. أنا يوم خلصت ثانوية ولا حتى الجامعة عقبها ما فرحت حتى واحد على ميه من فرحتي بنجاحش..
فقلت لازم الهدية على قد النسبة اللي جبتيها وعلى قد فرحتي أنا فيها..
صار لي أسبوع ماخليت محل في الدوحة مافليته فل..
مزون بتأثر عميق: الله لا يخليني منك.. ليه تكلف على نفسك كذا..
كساب بمودة: وش كلافته؟؟ عيب ذا الكلام... المهم خلني أكمل لش الفيلم الطويل
اليوم ثالث مرة أجي نفس المحل.. فالبياع مستغرب مني.. يقول لي أنت وش تدور؟؟ صار لك كم مرة تجي.. لو تحب ساعدناك
قلت له أبي هدية ماجا مثلها في الدوحة.. لأحلى وأشيخ بنت في الدوحة
فطلع لي هديتش هذي .. كان على قولتها مخبيها لزباين خاصين..
ثم أردف وهو يبتسم: بس جد سويتي لي خلل في الميزانية... على الراتب اللي إبيش يعطيني عقب هديتش بتشوفيني أطر على بيبان المساجد
مزون تبتسم: يا النصاب أدري عندك فلوس غير عن ورثك من أمي..
وبعدين أنت يأما تقول لابي يزيد راتبك أو تسوي لك أنت بيزنس خاص فيك..
كساب بجدية: ما أقدر أطلب من إبي كذا ولا أخليه بروحه في الشركة.. لأني فاهم ليه هو يسوي كذا
إبي يبي يحكني.. يبيني أبدأ من أول السلم وأعرف الشغل صغيرة وكبيرة
يعني من أول ما اشتغلت معه عقب التخرج قبل 4 سنين لين الحين صار عندي فرق شاسع في الخبرة..
مزون بحنان: بس جد أنا شايفة إبي يزودها عليك.. وخصوصا إني عارفة طبعك حاد شويتين..
كساب يبتسم: أنتي اللي قلبش رهيف... لو إبي ما سوى كذا أشلون باتعلم.. والطبع الحاد إلا لازم يظهر بس أكيد مهوب مع إبي..
كفاية علي ما يبي يشتغل معنا.. مخه مافيه الا السياسة..
ثم أردف باهتمام: إلا خلينا في المهم... الحين أنتي وش قررتي تدرسين؟؟
صمتت مزون باختناق.. كساب يستحثها للحديث: ها يا قلبي.... لا تكونين ما بعد قررتي؟؟
مزون جفت الكلمات في حنجرتها: إلا قررت... إبي ما قال لك..؟؟
كساب باستغراب: ومن متى كان فيه وسيط بيني وبينش؟؟ وليه إبي يقول لي؟؟
أبي أسمع منش
مزون نهضت من جواره وجلست في كرسي مقابل له وهتفت بأحرف مقطعة: أبي أدرس طيران..
حينها انفجر كساب ضاحكا: حلوة ذي يا بنت.. طيران مرة وحدة... إلا ما تبين تدخلين الجيش مع عمي منصور بالمرة؟؟
مزون باختناق أكبر: كساب أنا من جدي.. أبي أدرس طيران
حينها تغير وجه كساب للجدية: مزون يا قلبي السوالف ذي مافيها مزح..
مزون ابتلعت ريقها: وأنا ما أمزح
حينها تنهد كساب بعمق ثم وقف وجلس جوارها احتضن كفها في كفه ثم هتف لها بعمق أخوي شاسع:
يا حبيبتي أنتي .. اسمعيني... أدري إنه أحيانا ممكن يطري على الواحد أفكار مستحيلة أو صعب تحقيقها..
أنا وأنا بزر تمنيت أكون رائد فضاء ...ويمكن أنتي تمنيتي تكونين كابتن طيار
بس الواحد يوم يكبر يشوف شنو ظروفه وإمكانياته تسمح له..
التحدي حلو.. والمجال الصعب مطلوب.. والاستثنائية أكيد مطلب لوحدة متفوقة مثلش
واللي تبينه على رأسي وعيني.. بس مهوب طيران عاد... تبين طب؟؟.. هندسة..؟؟
حاضر... وأنا اللي بسافر معش لين تخلصين دراستش... تدرين إني ما أقدر أخليش تغيبين من عيني
أنا باروح معش بدل السنة عشر سنين...تدللي
مزون غير مقتنعة بما قاله لذا همست بذات اختناقها: وتعطل حياتك كلها عشاني؟؟
أنت وش حادك تتغرب؟؟.. بأدرس هنا.. وإبي ما عنده مانع
كساب يعاود التنهد ويهتف بثقة: ماعليش مني ماراح تعطليني من شيء.. بأحضر معش ماجستير ودكتوراة ويمكن أسوي بيزنس هناك
بأصرف روحي... المهم أنتي..
أما إبي فمستحيل مايكون عنده مانع.. أكيد إنه يظنش تمزحين..
مزون حنجرتها جافة لأبعد حد: إبي يدري إني ما أمزح... وأنا مصممة على ذا التخصص
حينها هتف كسّاب باستغراب: نعم؟؟ مصممة؟؟ وإبي يدري..؟؟
ثم أردف بنبرة عدم تصديق: مستحيل أصدق ذا الخرابيط أصلا...
بنت زايد آل كساب كابتن طيار مع الرياجيل كتف بكتف..!!
مزون حينها هتفت بثقة: والله أنا تربيت عدل وهذا شيء أنت واثق منه...
وفيه شغلات واجد فيها اختلاط حتى الطب والهندسة اللي أنت تعرضهم علي
كساب بحزم: لا لا تألفين على كيفش... مافيه شغلة مثل الطيران.... أقل شيء فيها أنش بتسافرين بدون محرم...
وإلا كابتن طيار بتأخذ محرمها في كل رحلة...؟؟
وبعدين في الطب ممكن تصيرين طبيبة نساء... أطفال.. وما تسوين شيء يغضب ربش
والهندسة مع أنها فكرة صعبة... بس بعد ممكن الواحد يخليها تتناسب مع ظروفه..
الحين وش كثر سيدات الأعمال النسوان.. بنسوي لش شركة نسائية
يعني في كل حال احنا نقدر نتحكم بالوضع
لكن الطيران لا.... مجتمع مفتوح ومختلط لأبعد حد...
شوفي أنا هذرت ذا كله... وأنا متأكد إنش مستحيل تكونين تكلمين من جدش
مزون تنهدت بعمق ثم هتفت بتصميم: وأنا أتكلم من جدي.. من حقي اختار المجال اللي أبيه
حينها وقف كساب هتف بحزم: وأنا مستحيل أوافق على ذا الخبال..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات