بارت من

رواية بين الامس واليوم -4

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -4

مد يده لتساعده على الجلوس وهو يهمس بما يشبه اليقين: اللي بتذوقينه يأبيش
انتفضت بجزع حقيقي وهي تمد يدها لتعدل من جلوسه وتحتضن كتفيه ثم تقبل عضده وتهمس:
تكفى ما تقول كذا.. ما تدري يمكن يكون عمرك أطول من عمري
حينها كان هو من انتفض بجزع بعمق شيخوخته: جعل ربي ما يفجعني في حدن منكم.. مثلي يا أبيش يقول يالله حسن الخاتمة
قد الموت أحسن لي من الحياة..
ماعاد باقن من صفتي حد.. (أي أن أبناء جيلي كلهم ماتوا)
حينها ابتسمت بشفافية: لأنه أنت نادر يبه.. والنادر ما يقارن نفسه بصفته ولا غيرهم
همس بهدوء عميق: ماعلى الموت نادر..
يضايقها هذا الموضوع كثيرا.. تكره مجرد التفكير فيه.. ولكنه بات موضوعه المفضل.. مشغول بالموت وانتظاره بل وتمنيه..
مشتاق للقاء ربه وإنهاء رحلة هذه الحياة التي طالت كثيرا..
ولكنها تريده جوارها.. ولا تعرف للحياة معنى بدونه.. هو الأحب إلى قلبها
تحبه أكثر حتى من والدتها وأشقائها.. بل حبها له لا حدود له.. تفضله على كل شيء في العالم
ومستعدة للتضحية بكل شيء وأي شيء من أجله وحده
همست بشبح ابتسامة: أفا ياجابر تبي تروح ما زوجتني..لازم تزوجني أول..
همس بضعف باسم: والله يأبيش مابقى من هل ذا المقطر حد ماخطبش.. صبيهم وشيبتهم.. صاحيهم وخبلهم .. (المقطر: كلمة تستخدم لحي متجاور من الخيام)
ابتسمت بعذوبة لتكشف الشفتان المتوردتان المثيرتان عن صف أسنان استثنائي في صفائه وصفوفه: شأسوي يبه لحد الحين ماجاء الرجّال اللي في بالي
ابتسم الجد جابر ثم قال بجدية: أنتي يأبيش ما تأخذين رجّال.. تأخذين خروف
قطبت حاجبيها بغضب عاتب: هذا قدري عندك يبه؟!!.. تزوجني خروف؟!!
عاود الابتسام: يأبيش أنتي أصلا رجّال.. واللي مثلش مايقدر يعيش معها إلا خروف تعقد حبلها في رقبته وتقوده..
هذه المرة قطبت حاجبيها بحزن.. لو كان من قال لها هذا الكلام أحد سواه لم تكن لتقبل حتى حرفا واحدا.. وكانت أشعلتها حربا شعواء:
كذا يبه.. هذا وأنت الغالي عندي!!!
لم يعلق على كلامها.. بل واصل كلامه بنبرة منطقية: تدرين يأبيش.. أنتي كنش أمش..
من غير حقران في أبيش ولا في أب امهاب الله يرحمهم اثنينتهم.. لكن أمش كانت أرجل منهم.. والثنين كانت مزنة شايخة عليهم
والواحد منهم مايقدر يخطي لها كلمة.. ولولا أنهم كذا أو ماكانوا صبروا عليها.. وأنتي مثلها .. اللي بتأخذينه إذا ماشختي عليه.. منتو بعايشين سوا
قطبت جبينها: مابي واحد أشيخ عليه.. أبي لي رجّال صدق.. رجّال يهز المجالس
وأمي لو كان لقت رجّال مثله ماكان عيّت منه..الله يرحم أبي وعمي أبو امهاب
تناول غترته من جواره بيد مرتعشة ليضعها على رأسه ويلفها حول وجهه ويهمس بهدوء:
أمش جاها الرجال اللي يهز المجالس بدل المرة مرتين وعيت منه.. وأنتي كنش إياها
والرجّال اللي جايش ذا الحين مافيه قصور..
همست بغضب: يبه لا تقارنني كل شوي بأمي.. والرجّال اللي جايني ما أبيه.. مايملأ عيني..
مد يده يبحث عن عصاه ليتوكأ عليها وهمس بذات الهدوء العميق: وش اللي يملأ عينش يا بنت مزنة؟؟
همست وهي تمد يدها لتسنده وتقوده لصالة البيت ليتناول قهوته مع والدتها.. همست بما يشبه الحلم: أبي رجّال صدق.. رجّال بمعنى الكلمة
ولو مالقيته الأحسن أقعد في بيت هلي
*******************************

جامعة قطر

بوابة كلية العلوم بنات
الساعة الرابعة عصرا
شابتان متسربلتان بالسواد تقفان قريبا من الباب من الداخل
صبا المشاعر.. وحزن في القلب.. كلاهما تطوي حزنا ما في قلبها الغض!!
حزن لم تكن هي سببه.. ولكنها نشأت فيه!!
تحاول أن تنحيه في نقطة عميقة من أعمق خفاياها..تنساه أو تتناساه!!
ولكنه لا يلبث أن يطل برأسه القميء!!
تهمس أحداهما للأخرى: وضوّح من اللي بيجي يأخذش.. لو السواق بأروح معش
تهمس وضحى بهدوء عذب: مالش لوا اشعيّع.. بيجيني تميم..
تبتسم شُعاع بخبث مرح: أحسن بأروح معش.. ماتقولين إن تميم يدور عروس.. هذا أنا موجودة.. خسارة يروح عليّ ذا المزيون
نظرت وضحى لشعاع بشكل مباشر وهمست بنبرة عتب مقصودة: وأنتي جد بتوافقين على تميم؟؟
حينها ابتلعت شعاع ريقها بحرج: تميم من غير قصور فيه.. بس أنتي عارفة إني أمزح..
هزت وضحى كتفيها بألم: رجاءً شعاع.. تميم مهوب موضوع تمزحين فيه
شعاع بحرج حقيقي: خلاص وضحى.. أنتي عارفة إنه تميم ولد خالي.. ومثل إخي وأنا ما أقصد شيء
وضحى وهي تنظر لشيء غير مرئي: أو حتى تقصدين.. ما أقدر ألومش..
شعاع تحاول تغيير دفة الحديث والتغطية على حرجها: أشرايكم تسيرون علينا الليلة..
وضحى بشبح ابتسامة باهتة: ماله داعي.. أنتي عارفة إنه أختي وأختش ما يتواطنون.. والقعدة تصير مملة وأختش تحاول تستفز أختي
شعاع بعتب: وأنتي ليش تحطينها برأس جوزا.. كأن أختش هي اللي ملاك ماتسوي شيء
وضحى بذات الابتسامة الباهتة: صحيح أختي عيوبها واجد.. وأنا ما أدافع عنها
لكن إذا جينا للحق.. تراها تكبر عقلها واجد على خبال أختش
ترا أختي ما تنغلب في الكلام وسهل عليها تخلي جوزا ماتسوى بيزة.. بس هي تحشم عمتي
شعاع بابتسامة: زين خلينا منهم.. جد وضحى وبدون زعل وبصراحة وبيني وبينش.. أنتي وأختش علاقتكم ببعض طبيعية.. مثل الخوات العاديات؟؟
هزت وضحى كتفيها وهمست بطبيعية: لا..
شعاع باستغراب: لا.. بكل بساطة..؟!!
وضحى تبتسم: ليه أنتي شايفة (كاسرة) أخت عادية.. عشان تكون علاقتي فيها عادية؟؟
شعاع تبتسم: بصراحة كاسرة توصف بأي وصف إلا أنها عادية .. بداية من اسمها لشكلها لشخصيتها
تدرين وأنا صغيرة كنت متوقعة إن كاسرة لما تكبر بتغير اسمها.. استغربت اعتزازها فيه
وضحى بهمس: كاسرة اسمها لابسها تمام.. كاسرة وهي كاسرة.. أمي لما سمتها ذا الاسم كانت قاصدته تبيها تكون كاسرة في زينها وشخصيتها
وياسبحان الله.. صارت اسم على مسمى
شعاع بتساؤل: زين وليش علاقتش فيها غير عادية؟؟
وضحى تتنهد وهي تنظر للبعيد: احساس صعب إنك تكون موجود جنب شخص نوره يخليك غير مرئي.. يخليك مخلوق حقير جنبه..
مهما حاولت تبرز نفسك.. محاولاتك كلها تضيع
شعاع تنتفض بجزع: وضحى أنتي مافيش قصور عشان تقللين من قدر نفسش
وضحى تبتسم الابتسامة الباهتة اياها: زين أنا ماعلي قصور.. وكاسرة شتقولين عليها؟؟
شعاع بصراحة باسمة: كاسرة خليها برا المقارنات عشان ما نتحطم كلنا.. قارني نفسش فيني مثلا وانبسطي
وضحى بشبح ابتسامة لا لون لها : بس المقارنات غصبن عني وعنش تحضر
من وحن صغار والنسوان يقولون قدامي لأمي: أنتي اللي عندش من الزين كله عطيتيه كاسرة وزود.. ووضيحى ماخليتو لها شيء
وحتى بعيد عن الشكل لو عزيت نفسي أنه أساسا مستحيل أي وحدة مهما كانت حلوة إنها تقارن نفسها في كاسرة
كاسرة شخصيتها القوية ألغت وجودي .. أحيان كثيرة أحسهم ينسون أني في البيت في الوقت اللي هي لو غابت خمس دقايق يقلبون البيت عليها
كم هو مر هذا الإحساس الذي تجرعته وضحى منذ طفولتها!!
إحساسها أنها مخلوق زائد العدد في أسرتها.. مخلوق مجرد من الأهمية والمميزات
شبح إنسان يعيش على أطراف حياتهم
ورغم هذا لكنها لم تكن تكره كاسرة مطلقا.. بل كانت مولعة بها في ذاتها
ولكن مرارة الإحساس جاءت لأنها أصبحت تشعر مع مرور السنوات أنها مخلوق هلامي بلا شخصية
وفي الوقت الذي كانت كاسرة تزداد جمالا وتسلطا كانت هي تزداد بهوتا وضعفا
وكأن كاسرة تمتص منها كل شيء.. تقتات منها لتبرز هي..
لذا كانت علاقتهما مرتبكة غريبة ملتبسة.. بالتأكيد الحب موجود بينهما لأن هذه هي الفطرة السوية .. ولكن للحب ألوان عجيبة مجهولة وعصية على الفهم والتفسير
فكاسرة لا تفتأ تستهين بها وهي تتقبل الاستهانة بصمت.. لأنها تشعر أنها ليست
ندا لكاسرة ولا بأي شكل من الأشكال
تشعر أنها جوارها غير مرئية..
"فمن سيرى حصاة معتمة بجوار شمس شديدة الإشراق؟!!!"
رغم أنها هذا غير صحيح.. غير صحيح!!
فوضحى لها شخصية مثيرة لها اعتباريتها الكبيرة داخل أسرتها
ولكن هي لا تشعر بذلك.. ووجود كاسرة جوارها يشعرها بالضآلة!!
**************************
مزنة تتحادث في الهاتف وحرجها يتصاعد من الطرف الثاني
بينما كاسرة تجلس بجوار جدها تسكب له القهوة وإبتسامة مرحة ترتسم بإثارة على شفتيها وهي ترى حرج والدتها من الطرف الآخر.. ومحاولتها لإيجاد أعذار ليست مطلقا الحقيقة
أنهت مزنة اتصالها لتلتفت إلى كاسرة بغضب: عاجبش كذا؟؟ خليتني في نص هدومي من المرة.. فشلتيني فيها وهي تقول ولدي وش عيبه تردونه
وأنا أتحجج لين عجزت.. كله من خبالش
حينها انفجرت كاسرة في ضحكات عذبة: شكلش يمه كان تحفة.. بس احمدي ربش إنها اتصلت قبل تجي.. عشان ما تنحرجين منها فيس تو فيس
مزنة بغيظ: أحر ماعندي أبرد ماعندها... والله إن الرجّال ماعليه كلام.. ضيعتيه من يدش كذا..
كاسرة مازالت تضحك: المركب اللي تودي..
حينها همس الجد بإبتسامة ولّدّها رنين ضحكات كاسرة التي تصب في روحه لتنبئه أن هذا العالم بخير ما دامت تعمره ضحكاتها الغالية:
خليها يامزنة.. بنتي ذي مهرة.. والمهرة ما تغصب
مزنة بغضب: ماحد مقوي رأسها إلا أنت.. كل ماجاها رجّال فيه خير عيت منه بدون سبب
جابر بهدوء عميق: مثل ما قويت رأسش قدامها.. وافقتش يوم عيتي من زايد
حينها ضحكت مزنة: يبه ما سجيت.. ياه يبه ذاك زمان مضى
جابر بذات هدوءه العميق: والله يأبيش كل ما أشوفه إلى ذا الحين.. يطري علي أشلون أسود وجهه يوم رديته.. ما يستاهل أبو كسّاب من يرده..
أنا أشهد إنه قرم.. وإنه واصل.. ما يسج منا ياشيبانه
حينها قاطعت كاسرة الحديث بإعجاب: بس يمه من جدش ومع احترامي لش.. فيه وحدة في كامل قواها العقلية.. تعيي من زايد آل كساب.. هذا مدرسة اقتصادية ذا الحين
عــبــقـــري!!
ابتسمت مزنة بروح خالية.. فما مضى مضى بالنسبة لها: يأمش زايد الله يهداه كان شديد بزيادة..
يوم كانوا جيراننا كان مجنني.. لا تطلعين.. لا تدخلين
وحتى الضرب ضربني.. وأنا إبي اللي هو إبي عمره ما مد يده علي
ثم أردفت بضحكة: لو أنا خذت زايد كان ذبحني .. أو أنا ذبحته
همست كاسرة باستفسار: تعرفين مرته الحين؟؟
مزنة بتأثر: وسمية بنت محمد.. الله يرحمها ماتت شباب.. وخلت عيالها بزارين
ثم أردفت بإعجاب: بس أنا أشهد إن خالتهم عفرا ماقصرت معهم.. حاضتهم كنهم عيالها.. (حاضى=أهتم بـ)
ثم أكملت بتاثر: الله يشافي لها بنيتها.. عين ما ذكرت الله.. شفت بنتها مرة وحدة قبل سنتين في عرس.. وقلت لها: ماتزوجينا ذا المزيونة..
هي ضحكت يا حليلها وقالت: امهاب ما ينرد.. بس بنتي عادها صغيرة..
ثم أردفت كاسرة بخبث: زين وليش ما خطبتي له بنت زايد بنفسها..
ضحكت مزنة: تبين امهاب ينجلط.. من يوم دخلت بنت زايد كلية الطيران.. وهو مولع ومحترق من زايد وبنته..
بس بصراحة إن زايد استخف على ذا الخبال.. يفضح روحه كذا..
كاسرة بإعجاب عميق: إلا رجّال بمعنى الكلمة.. اللي هو مقتنع فيه يسويه وما عليه من حد..
خلها تدخل كلية الطيران.. وتحرق أعصاب ولدش إللي يحسب إن مافيه طيارين غيره...
*****************************
إنه مساء الدوحة...نقرات ناعمة خافتة على الباب.. ثم تنهدت وضحى بألم وهي تتذكر وتضغط زرا بجوار الباب..
حينها فتح الباب لها شاب طويل قوي البنية وعلى وجهه الوسيم ترتسم ابتسامة دافئة حنونة وأشار لها أن تدخل بعلامة ترحيبية
فهذا الزر عند بابه يشيع ضوءا في غرفته ليعلمه أن هناك من يطرق بابه
أشارت له وهي تبتسم: ليش ماتعشيت؟؟
ابتسم وهو يشير لجسده القوي: لازمني حمية شوي.. زايد وزني
حينها ضحكت وهي تشير وتهمس بصوت مسموع: إذا أنت زايد وزنك ..وش نقول على امهاب؟؟
حينها قاطعهما صوت قوي ومرح يدلف مع الباب المفتوح: سامع اسمي الله لا يبيح منكم
حينها دخل ليغمر المكان بإشعاع حضوره المختلف
كان أطول من تميم وأعرض ورغم أنه لم يكن وسيما بالمعنى المتعارف عليه
ولكن له حضورا استثنائيا يوحي بالرهبة والحنان في ذات الوقت ..
هاهو أصبح في الثلاثين: مسؤولياته تشغله عن كل شيء.. مسافر دائما
ولكن أسرته ترتحل معه وفي ذاكرته منذ أن تحمل مسؤوليتها بعد وفاة زوج أمه قبل أكثر من خمسة عشر عاما
وكانت حينها وضحى في عمر السابعة وتميم في التاسعة وكاسرة في الحادية عشرة
ابتسمت وضحى: ماقلنا شيء غلط نقول تبي لك شوي ريجيم..
همست بالجملة وهي تشير بها في ذات الوقت
هكذا اعتادت أن تتكلم في وجود تميم حتى لو لم تكن توجه الحديث له
كانت تهتم كثيرا لإشراكه معهم.. لذا كانت من أصرت منذ بلغت الرابعة عشرة على تعلم لغة الإشارة على أصولها
قد يكون جميع أهل البيت لديهم القدرة على التفاهم الجيد مع تميم.. لكن هي لديها قدرة على التحادث معه مطولا بلغته الخاصة
فهي كانت من لاحظت أن تميما بدأ بالتباعد في عوالمه الخاصة لأنه لا يجد من يتحدث معه بعيدا عن المدرسة
حينها أحبت أن تصنع شيئا لا تستطيع كاسرة التغلب عليها فيه وفي ذات الوقت تحتفظ بقرب تميم منها
لذا تعلمت لغة الإشارة على يد معلمة خاصة وتعبت كثيرا وهي تتعلمها لتتفاهم مع تميم
رغم أن تميما رفض بداية أن تتعلم هذه اللغة من أجله..
ولكنه فيما بعد قدّر كثيرا جميلها هذه وهو يجد من يستطيع أن يتحاور معه بطلاقة..
وبدأت وضحى تفكر جديا حين تنهي دراستها أن تعمل في مجال تعليم الصم والبكم..
"وضحى وتميم عالمان زاخران مثقلان بالعمق والغموض.. "
تميم العالم المجهول المغلق على أفكاره.. أنهى الثانوية في مدرسة التربية السمعية بمجموع كبير ولكنه لم يستطع دخول الجامعة
لأنه لا توجد هنا جامعة لمن هم في مثل حالته..
شكّل هذا الأمر له احباطا كبيرا وحزنا أكبر..
أن تعلم أنك قد تكون أفضل من مئات ممن دخلوا الجامعات
ولكن لأنهم يمتلكون حاسة لا تمتلكها تكون فرصهم في الحياة والدراسة أفضل
ولكن هذا الاحباط لم يوقفه..فبعد عدة أشهر بدأ تميم يعلم نفسه ذاتيا على تفكيك أجهزة الحاسوب مستعينا ببرامج للتعليم الذاتي على الانترنت
هذا العالم جذبه وسحره.. مع هذه الحواسيب والبرمجيات لم يكن يحتاج للحديث أو لمن يسمعه
تكفيه هذه العلاقة التي صنعها بأنامله الذهبية.. علاقة حساسة ثرية ومفعمة بالتفاهم والود
وكأن هذه الأجهزة تستجيب لرقة أنامله.. لتفكك ماهو عصي منها وتصلح ما استعصى على الإصلاح
وقبل عامين أنشأ محله الخاص.. وأصبحت له سمعته الرائعة في السوق
ولأن هذا العصر هو عصر الحواسيب بالفعل.. فعمله كان مزدهرا حقا
ومدخوله الشهري يتجاوز راتب وزيرين معا
ولكن...
هذه الروح الوثابة المسجونة بين أضلاع صدره كانت تتوق للانعتاق
يشعر أن علاقته بالحواسيب باتت أقوى من علاقته بالبشر
فهذه الآلات صامتة وحساسة.. مثله تماما
ولكنه يتوق لروح إنسانية تحاوره وتتمازج معه.. تعايش معه همومه وأفكاره وآماله وطموحاته
لـــــذا
قرر أن يتزوج رغم صِغر سنه!!
ليصتدم بمشكلة أخرى:
"والـــدته!!"
فهو يريد أن يتزوج من فتاة تكون بنفس حالته
يريد شريكة يتفاهم معها بلغته التي يستطيع التعبير بها
يريدها أن تكون لغتها أيضا حتى يكون تعبيرهما على ذات المستوى من العمق والإحساس
لم يرد للمرأة التي تشاركه الحياة أن تشعره بالنقص وأنها تتفوق عليه
وأنها حين تحادثه بالإشارة فهي تتنازل من عليائها لكي تصل لمستوى فكره
كانت هذه الفكرة تؤذيه وتؤذي كرامته واعتزازه بذكائه وقدراته
ولكن مزنة كانت ترفض فكرة بشكل قاطع أن يتزوج من بكماء صماء مثله!!
فهي تفكر بالمرحلة الأبعد:
"أحفادها!!"
الأطفال حين ينشأون يتعلمون من أبويهم
وتميم وزوجته المفترضة قد تحكم ظروفهما مستقبلا أن يعيشا في بيت مستقل
فلو بكى الطفل من الذي سيسمعه
ثم حين ينشأ.. كيف سيتعلم اللغة ؟؟ من أبوين أبكمين؟!!
عدا أنها تخشى أن يكون للوراثة دورا فيؤدي ذلك إلى أطفال يعانون ذات الإعاقة
وكانت تعلم يقينا أن ابنها مع إعاقته سيجد من هي صحيحة الحواس لتوافق عليه
فهو شاب بكامل فتوته وصحته ووسامته ومقتدر جدا.. وتعلم أن نقطة الاقتدار وحدها تشكل إغراء يحسن فرصه في الزواج
فلماذا يتزوج من بكماء صماء؟!!!
***********************

بيت آخر في الدوحة

بيت فاضل بن عبدالرحمن زوج أم عبدالرحمن عمة أبناء مزنة
الطابق العلوي
غرفة شُعاع
وجه ودود حنون يطل مع الباب: بنات تبون شيء قدام أرقد؟؟
الصوتان معا: لا يمه فديتش..
ثم أردفت شعاع باحترام: حن أصلا يمه بعد شوي بنصلي قيامنا وبنام بعد
ثم أردفت الأخرى بمرح: شفتي يمه الطردة المحترمة.. تبي تعلمني إني طولت السهرة عندها وأقوم أفارق أحسن
ابتسمت أم عبدالرحمن: روحي لولدش يأمش لا يتوعا ويتروع وهو بروحه
رفعت جوزاء جهازا في يدها أشبه بشاشة صغيرة وهمست برقة: الجهاز شغال عنده يمه
حينها ضحكت شعاع: شيبه عمره ثلاث سنين وعادش حاطه جهاز البزارين عنده..
يا بنت الحلال غرفتش جنب غرفتي.. خلي الباب مفتوح وبنسمع صوته
جوزاء باستنكار: يا سلام عليش عقب ما يقوم ويتروع بروحه.. لا أنا أحب أكون عنده أول ما يقوم
شعاع بحنان: فديت روحه.. الدلوع حبيب خالته
جوزاء همست بحنان مصفى: الله يخليه لي.. ماطلعت من الدنيا إلا بذا الولد
شعاع باستفسار مُلح: جوزا أنتي توش صغيرة.. حرام عمرش 25 سنة بس..
بتقعدين على ذا الولد بس؟؟.. منتي بمتزوجه؟؟.. المرحوم له أكثر من ثلاث سنين من يوم توفى
جوزاء باستنكار: لا إن شاء الله.. تبين عمام ولدي وجده يلاقون سبب يأخذونه مني..
شعاع بمنطقية مستنكرة: لا تصيرين غبية.. أنتي عارفة إنه الولد في حضانتش.. وحتى لو تزوجتي.. وأعمامه وجده رفضوا حضانتش له.. الحضانة بتكون لأمي مهوب لهم..
ثم غمزت بعينها: وإلا تزوجي عم ولدش اللي خطبش أكثر من مرة.. وحلي المسألة كلها
جوزاء بغضب: تدرين.. أنتي الليلة مستخفة!!
تبين أتزوج رجال متزوج وعنده عيال؟؟!!
شعاع هزت كتفيها: بس أنا سامعة إنه مرته لها شهور زعلانة عند أهلها
لو بترجع كانت رجعت من زمان
جوزاء بنفاذ صبر: تكفين شعاع لا تدخلينا في ذا المواويل
أنا أعرف صالح يحب مرته.. مهوب بس يحبها إلا يموت فيها
وش صاير بينهم ما أدري.. بس أكيد بترجع...وأنا خلاص ما أبي أتزوج عقب عبدالله الله يرحمه..
ثم أردفت بوجع عميق كأنها تنتزع ذكرى أليمة من بئر وجع لا تنضب: كفاية اللي صار لي.. والله كفاية!!
وانا خلاص مابي من ذا الدنيا شيء إلا أني أتفرغ لولدي
ثم أردفت لتغيير الموضوع: وينه الدكتور عبدالرحمن.. وش فيه تأخر الليلة؟؟
ماعنده محاضرات بكرة؟؟
شعاع تبتسم: حلوة قلبت الموضوع ذي.. دكتور دحومي عند كابتن امهاب..
جوزاء بسخرية: أخيش هذا ما يمل.. يبي يكون قريب من ريحة حبيبة القلب يعني؟!!
شعاع باستنكار: جوزا عيب عليش ذا الكلام.. أنتي عارفة إنه عبدالرحمن وامهاب ربع من يومهم بزارين
وبعدي كاسرة عن الموضوع.. ترا شكلش يصير سخيف وأنتي يبين عليش غيرانة منها
جوزاء باستنكار مشابه: أنا غيرانة منها؟!!
شعاع بتأكيد مستفز: إيه غيرانة.. وإلا شتسمين الحركات البايخة اللي تسوينها كل ما تشوفينها
جوزاء بغضب: أنا لا غيرانة يا شعاع هانم ولا شيء.. السبب الوحيد إن بنت خالش هذي تستفز الواحد وتطلعه من طوره بغرورها وبرودها
شعاع تتنتهد: زين هي مغرورة وباردة.. أنتي كبري عقلش عليها
الحين الناس صايرين يقولون إنها هي اللي مكبرة رأسها عليش
جوزاء باستنكار أشد: أنا؟؟ أنا؟؟
شعاع بثقة حنونة: إيه أنتي.. أنا أدري إنه أطيب من قلبش مافيه.. بس لو تمسكين ذا اللسان شوي
تكفين خلي كاسرة في حالها.. ومافيه داعي تخلين حزازيات بيننا وبين بيت خالي
جوزاء وقفت وهي تقول بغضب هادر تنقلب فيه من النقيض للنقيض:
إيه.. إيه!!!
أنتي تبين الشيخ امهاب أخ عيال خالش وأخيش يبي الشيخة كاسرة.. وزيتنا في طحينا
وأنا اللي صرت العزول اللي مخرب عليكم الجو ومسوي حزازيات
شعاع وضعت يديها على رأسها استنكارا.. في الوقت الذي خرجت فيه جوزاء تنتفض غضبا وصفقت الباب خلفها بصوت مسموع
*********************


تأخر الوقت لم يتبق جالسا سواهما في مجلس مُهاب..
رفيقا الطفولة والصبا والشباب.. وحتى الغربة لم تستطع مطلقا قطع تواصلهما
حينما سافر عبدالرحمن للدراسة في بريطانيا.. حوّل مُهاب ما أستطاع من جدول رحلاته إلى مطارات لندن بين مطار هيثرو ومطار غاتويك
لذا كان يراه بشكل شبه أسبوعي..فالصلة الروحية بينهما استعصت على كل شيء
حتى حينما أراد عبدالرحمن كاسرة.. كان مُهاب هو أحد الأسباب الجوهرية للخطبة..
عبدالرحمن يعلم أن كاسرة رغم جمالها الموجع هي غير قابلة للاحتواء
ويعلم أنها حين تتزوج ستعاني ليعاني معها مُهاب وربما كل أسرتها
أراد أن يجنبهم جميعا هذا المصير..ولكن كاسرة أمعنت في رفضته ولعدة مرات
لا ينكر أن ذكرى جمالها الفتي المراهق قبل أن تتغطى عنه مازال يسكن ويسكر ذاكرته
ليبعث رعشة عميقة في أوصاله
ولكنها سلطة الجمال فقط!! فلم يكن عبدالرحمن من يشغله مظهر المرأة عن جوهرها
ولكن كاسرة كانت كاسرة بالفعل!!
همس بهدوء حذر: ها امهاب وافقت كاسرة على الخطيب الجديد؟؟
مُهاب يقلب شفتيه: لا.. مثله مثل اللي قبله
عبدالرحمن بذات الهدوء: وبما إنه خلاص الخطيب ورفضته كاسرة.. فهل لو رجعت وتقدمت بعد مرة... بترفضني؟؟
مُهاب بامتعاض: عبدالرحمن وش لك بذا السالفة كلها؟؟ ترا كاسرة هي الخسرانة.. المره اللي ما ترضى فيك، حظها مهوب حولها
عبدالرحمن بهدوء عذب: أبي قربك ياسنايدي
مُهاب بهدوء مدروس: تبي قربي؟؟ أظني عندي أخت غير كاسرة وأحسن منها
#أنفاس_قطر#
.
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الأمس واليوم/ الجزء الثالث



بعد عدة أيام
جامعة قطر
إحدى قاعات المحاضرات
تدخل وضحى القاعة .. تجلس .. تخلع نقابها وتطويه جوارها لأن محاضرتها هذه عند دكتورة
تجلس بجوارها فتاة منقبة يظهر بياضها الشديد المشرق من خلال فتحات النقاب
ومن خلال أناملها الكريستالية الشفافة التي كانت تحركها برقة مرحة
وهي تهمس بمرح طبيعي ينبع من طبيعتها: وضحى صدق الدكتور عبدالرحمن ولد عمتش؟؟
وضحى بعدم اهتمام وهي تفتح دفتر محاضراتها لتسجل التاريخ: والله يقولون كذا
الفتاة الآخرى بذات المرح: ياثقل الطينة.. ترا التكشير يجيب التجاعيد يالخبلة
وضحى تترك القلم وتلتفت لها لتبتسم باصطناع ضحكة سخيفة: هذا أنا ابتسمت.. قومي فارقي لمحاضرتش يالأذوة.. وش جابش وراي؟؟
أنا أكيد أمي دعت علي عشان كذا تصاحبنا
الفتاة بذات الابتسامة الشاسعة وهي تتجاهل عبارة وضحى: ليش ماقلتي لي إن دكتور عبدالرحمن ولد عمتش؟؟
وضحى بهدوء نافذ مرح: سميروه يالدبة أنتي تعرفين عمتي وعيالها زين مازين.. وتدرين عندي ولد عمة اسمه عبدالرحمن.. وش تبين أقول لش بعد؟؟
هذا وأنتم أصلا كنتم مناسبينهم.. وولد عمش عبدالله الله يرحمه كان رجّال جوزا بنت عمتي
سميرة بابتسامتها المرحة: بس مادريت إنه عبدالرحمن أخ اشعيع هو نفسه الدكتور عبدالرحمن..
وضحى بنفاذ صبر: هذا أنتي دريتي.. قومي فارقي الدكتورة بتجي الحين
سميرة بحالمية مصطنعة: وه فديت قلبه بس.. يهوس يخبل طيّر برج من عقلي وأنا عقلي أصلا كل اللي فيه نص برج
ثم أردفت بمرح: ما تبون عروس له؟؟ تكفين.. إكسبي أجر في وخيتش العانس
وضحى بشبح ابتسامة خبيثة: والله هو يبي كاسرة.. تحبين تنافسينها؟؟
سميرة بضحكة مدوية: كاسرة مرة وحدة.. مهوب هين ذا الدكتور.. لا يأختي.. وين أنافس كاسرة.. زين الواحد يعرف حدوده
ثم أردفت باهتمام وهي تتذكر شيئا: ترا جميلة تعبت زيادة ودخلت المستشفى قبل كم يوم.. أشرايش نروح نزورها؟؟
وضحى بحزن: والله مسكينة جميلة.. وش ذا المرض اللي مص عافيتها.. ياحرام ذاك العود الملفوف والوجه اللي ماينشبع من شوفته..
سميرة بذات الحزن: عين ماذكرت الله.. هاه تروحين معي؟؟.. فيه كم بنت متفقين نروح سوا هنا من الجامعة
وضحى باهتمام: أستأذن أمي أول وأكيد بأروح معكم..
ثم أردفت بخفوت وهي تفتح الدفتر: يالله قومي الدكتورة جات


*************************


إحدى هيئات الدولة
مقر عمل كاسرة التي تُعد أصغر رئيس قسم في الهيئة
وتولت هذا المنصب بطريقة استثنائية تجاوزت فيها عدة ترقيات.. فرئيس القسم ووكيله كلاهما أصيبا في رحلة عمل مشتركة
ليترشح للمنصب عدة موظفين كانت كاسرة أفضلهم.. لتفوز هي بالمنصب..
في أحد مكاتب القسم الذي يتوزع بطريقة خاصة منفصلة ليعطي خصوصية للموظفين من الجنسين..
وخصوصا بعد تولي كاسرة لرئاسة القسم التي اهتمت بهذه الناحية كثيرا
زميلان منكبان على إنهاء بعض المعاملات.. يرفع أحدهما رأسه ويهمس بضيق:
ضيقت علينا ذا الكاسرة الله يضيق عليها.. الواحد مايشم حتى شوي هوا
الآخر بدون أن يرفع رأسه: والله رئيسة القسم ما طلبت منك أكثر من الشغل اللي تاخذ راتبك عليه
إشتغل وأنت ساكت..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات