بارت من

رواية بين الامس واليوم -49

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -49

انتفض بجزع وهو يفلتها لينظر لوجهها .. حاولت أن تشيح بوجهها..
ولكنه منعها وهو يمسك وجهها بين كفيه ويهمس بألم عميق: تبكين..؟؟
جوزاء همست بتهكم باك من بين دموعها: لا وش أبكي هذي.. وأنت سويت شيء يخليني أبكي؟؟
تدري عبدالله قد ما جرحتني الشهرين اللي فاتو بتجاهلك لي
كان ودي تكمل تجاهلك لي.. ولا تعبرني.. دام أخرتها كذا.. وجيعتك يوم تذكرتني ألف مرة وجيعتك يومك متجاهلني..
عبدالله همس لها بعمق: سامحيني.. ما أقدر أفسر لش شيء.. بس والله أني حاولت أمنع نفسي.. بس خلاص ماعاد فيني صبر..
جوزاء حينها بدأت تشهق بصوت عال: مافيك صبر عن جسد أنت قرفان منه.. تأخذ منه حاجتك ثم ترميه في الزبالة..
عبدالله بألم: جوزا تكفين لا تعذبيني بكلامش ذا.. ليتش بس تدرين.... والله أني شايفش فوق ما أستاهل بواجد..
حينها انتفضت بغضب وهي تقف وتصرخ ببكاء غاضب: حرام عليك تمسخر علي بذا الطريقة... خلاص ما أبي أسمع شيء
قلت لك أي محاولة للتفسير بتضر وماراح تفيد
توجهت للحمام لتتوضأ وتفرغ مزيدا من دموعها.. حينما أنهت صلاتها
دعت الله مطولا أن يفرجها عليها. . كل يوم تقول ماعاد بها طاقة لاحتمال المزيد
فيأتي المزيد والمزيد والمزيد
كان هو أيضا يصلي.. انتهت قبله.. ثم توجهت للسرير لتندس فيه.. بعد لحظات شعرت بحركته على الطرف الآخر من السرير
جلست بشكل حاد وهي تصرخ بألم: لا تنام جنبي.. سريرك اللي كان شالك الشهرين اللي فاتوا مهوب عاجز منك..
عبدالله تمدد وهو يهتف بهدوء: خلاص أنا كل ليلة بأنام هنا.. تعودي على كذا
حينها همست وهي تستعد للوقوف: خلاص اشبع بالسرير بروحك..
ولكنه أمسكها بحركة سريعة قبل أن تقف فعلا وشدها إلى أحضانه.. حينها همست جوزاء بضعف متألم: تكفى ياعبدالله لا تقهرني
تدرني أني ما أقدر أمنعك.. فلا تقهرني..
عبدالله أسند رأسها لعضده وهمس لها من قرب بعمق دافئ: والله ما أبي منش شيء.. بس نامي في حضني..
كان رأسها مختبئ في صدره.. وهو يشد عليها بكل قوته.. وكأنه يخشى أن تهرب
كانت جوزاء تتنفس رائحة عطره الفاخر الذي يبدو كما لو كان تغلغل في جسده
وفي الوقت نفسه أيضا كانت تشعر بألم عظيم أن تكون رائحتها هي غير مستحبة بعد الذي قاله لها البارحة.. رغم أنها بالغت في الاستحمام والتعطر والبخور
ولكنها بالفعل بدا لها أن رائحتها غير مستحبة.. بعد أن تسربت هذه الفكرة لعقلها الباطن..
كانت تحاول أن تبتعد عنه قبل أن يبعدها هو قرفا منها ومن رائحتها.. ولكنه لم يفلتها أبدا
بعد ذلك همس لها بهدوء ناعس: جوزا اهدي.. أبي أنام.. اهدي.. ولا تحاولين تبعدين عني.. لأني ماني بفاكش حتى لو نمت..
بدا الأمر لها أشبه بتعذيب نفسي.. لأنها شعرت أنها بدأت تعرق من الحرج والحرارة.. خشيت أن رائحتها تزداد سوءا
والمشكلة أنه يبدو نام فعلا وصوت تنفسه ينتظم..
بعد أن يئست جوزاء أنه قد يفلتها بدأت تذهب في دوامات تفكير بما أن النوم بدا حلما بعيد المنال
" يا ترى ليش يعاملني كذا؟؟
حاسة إنه هذا هو المرحلة الثانية من التعذيب
أكيد هذا واحد متعقد من النسوان
أو يمكن العقدة فيني أنا ؟؟
أولها يتجاهلني لين ظنيت إنه ناسي وجودي
وعقبها يخنقني بذا الطريقة بقربه وأنا عارفة إنه مهوب طايق ريحتي
يا الله يا كريم فرّجها من عندك
ماعاد فيني صبر.. قربت انهار من ذا الحال
ليتني قعدت عند هلي ولا وافقت على ذا العرس
الحين ماعاد باقي لي إلا مادتين.. فصل واحد من دراستي
يا ترى أشلون بأكمل ذا الفصل وأنا نفسيتي زفت كذا
ليتني على الأقل أجلت الموافقة على موعد العرس لين أخلص دراستي
لا حول ولا قوة إلا بالله... قدر الله وماشاء فعل"
بقيت الأفكار كأمواج تتلاطم جوزا بين تيارات غضبها وهي تشعر أن عظامها بدأت تؤلمها من وضعية النوم غير المريحة الخانقة التي حكم بها عليها هذا المجنون
تستغرب كيف استطاع هو أن ينام على هذا الحال
هزته برفق وهي تهمس بصوت مبحوح : عبدالله تكفى فكني شوي انخنقت..
أفلتها دون أن يفتح عينيه.. تأخرت بعيدا عنه.. ولكنها فوجئت به يمسك بكفها
ثم يطبع في باطنها قبلة عميقة جدا
ثم يضعها تحت خده ويهمس دون أن يفتح عينيه: ما أعتقد اني خانقش بذا الطريقة..
جوزاء شعرت بدقات قلبها تتصاعد بعنف.. بدت له حركته العفوية هذه مؤلمة إلى أقصى حدود التعذيب والعذوبة..
حينها سمح لها وضعها أن تراقب تفاصيل وجهه الوسيم المسترخي وهو يتوسد كفها
تعبت من محاولة إيجاد التفسيرات والتبريرات
تعبت من جفاءه ثم تعبت أكثر من قربه
أي رجل محير هو هذا الرجل؟؟
أو ربما هو ببساطة رجل معقد؟؟
أو ربما كانت هي المعقدة الفاشلة في فهم عوالم الرجال؟؟
أي هذه الأسباب هو السبب..
بقيت ساهرة لم تنم حتى أذان الفجر.. حينها همست بإرهاق عميق وهي تهز كتفه بيدها الحرة : عبدالله .. عبدالله.. خلاص قوم صل الفجر..
فتح عينيه.. وكان أول ما فعله أن عاود تناول كفها من تحت خده وقبلها هو يهمس بنعاس:
تدرين إني غبي اللي فوتت على نفسي ذا الأيام كلها أني أصحى على نغمات صوتش
جوزاء همست بألم عميق: بس عبدالله تكفى.. حرام عليك.. ليش تسوي فيني كذا؟؟
عبدالله يجلس وهو يهمس بعمق: الحين اللي يقول لمرته كلام حلو يضايقها؟!!
جوزا اعتدلت أيضا جالسة وهي ترد عليه بألم: إذا كان ما يقصده.. لكن يقصد شيء عكسه.. يكون الجرح مرتين..
عبدالله بعمق: زين عطيني فرصة.. خليني أثبت لش إني صادق
جوزاء بخوف مترسب: ما تشجع أبد على أن الواحد يعطيك فرصة..
عبدالله بنبرة إقناع: زين أنتي ماراح تخسرين شيء لو عطتيني فرصة
أدري أني تصرفت بشكل غير مفهوم ولا معقول.. بس والله العظيم عندي أسبابي
الأسباب هذي بعدها موجودة.. لكن اللي تغير أنا..
ثم أردف بنبرة ولع غريبة : جوزا أنا مفتون فيش من قلب.. ومن ليلة عرسنا
سبحان الله شيء مثل السحر
حاولت أقاوم واجد لأسباب تخصني.. بس ما قدرت.. والله ما قدرت..
شهرين وأنا أتعذب لين انهارت مقاومتي.. والحين مهوب هاين عليش تعطيني فرصة وحدة؟!
صمتت جوزاء.. بداخلها تتمنى أن تصدقه.. هذا القلب البريء الذي لا يعرف الزيف أو التدليس بوده أن يصدقه
فهذا الرجل هو شريك حياتها الذي ربطها الله به لحكمة
رغما عنها وجدت نفسها تهز رأسها بخجل.. وليتها ما فعلت!! ليتها مافعلت!!
فهي لم تكن سوى حمقاء كبيرة لتصدقه..
"أ بعد كل ما فعله بكِ تصدقينه أيتها الحمقاء؟؟
أتنتظرين أن يقطع لحمك لقطع صغيرة بعد أن طعنك في عمق قلبك وإنسانيتك وكينونتك؟؟"
" أصمت.. أصمت.. لا أريد أن أسمعك
أنا أريد أن أمنحه فرصة..
فكما جرح قلبي.. لن يداوي جرح قلبي سواه
أنظر إليه كم يبدو صادقا"
" هذا لأنك طفلة بلهاء لا تفهمين
حينما يرميك كقمامة المرة القادمة لا تأتي إلى طالبة المعونة"
" وإذا لم أستعن بك يا عقلي بمن سأستعين؟؟"
"بقلبك الأبلة الذي فضلته علي
والذي سيقودك هو للهاوية
حينها لا أريد أن أرى لكِ دمعة واحدة
لأن كل ما سيحدث لكِ هو قرارك أنتِ
أمامك ألف دليل مادي على أن هذا الرجل لم يفعل سوى طعنك المرة تلو الأخرى
ولكنك تتركين كل هذه الأدلة وتركضين خلف وعده الكاذب"
جوزاء هزت رأسها بإصرار وهي ترفض تصديق هواجسها
عبدالله قفز جوارها وهو يضمها لصدره بقوة ثم يغمر وجهها بقبلاته ويهمس لها بعمق: والله ما أخليش تندميش إن شاء ربي
صلت الفجر وهي تشعر بانشراح عميق.. دعت الله ألا يخيبها.. فقلبها الطري بالكاد قرر أن يشعر بالسعادة
كثير كل هذا الحزن على قلب غض كقلبها
فهل هذا الوعد بالسعادة كثير عليها؟!
حينما عاد عبدالله من صلاة الفجر .. كانت تشعر بارتباك كبير وخجل عميق شفاف .. كانت تجلس على طرف السرير..
جلس جوارها ليطيل النظر إليها بنظراته الآسرة المجهولة .. ثم يشدها إليه..
خليط من سعادة مبتورة وخجل رقيق.. لأول مرة تشعر بإحساس عروس فعلا
إحساس لم يستمر حتى لساعات
لينتزع منها بأبشع طريقة.. أبشع حتى من طريقة الليلة قبل الماضية
إن كان تلك الليلة صرخ بها.. فهو الآن يهمس لها ووجهها مدفون بين كفيه:
جوزا نظفي جسمش.. تكفين.. تكفين
حينها شهقت جوزا.. عاجزة عن التنفس فعلا.. قد يكون طعنها في عمق قلبها كثيرا..
ولكنه هذه المرة تأكد من تمزيقه تماما.. ماعاد هناك شيء ليطعنه..
ماعاد هناك قلب يستطيع استقبال طعنته القادمة.. مجرد أشلاء قلب متناثر
همست بحقد وهي تقف: حسبي الله ونعم الوكيل فيك..
حسبي الله ونعم الوكيل
أكرهك.. أنا أكرهك.. ولين آخر يوم في عمري بأكرهك..
دخلت للحمام وانهارت تماما في داخل المسبح
لم يهمها إن كان يسمع صوت نحيبها العالي
ماعاد يهمها أي شيء.. تتمنى فقط لو تستطيع أن تشعره ببعض الألم الذي تشعر به
فقط بعضه.. هذا البعض تعلم أنه كفيل ببعث ألم لا حدود له في روحه
ولكن بدا لها مخلوق مجرد من الإحساس.. شيطان ربما!!
أي قلب يحتويه هذا الرجل؟!!
يستحيل أن يكون لديه قلب حتى!!
هل كان سيضره أن يطلق سراحها قبل أن يتسبب بكل هذا الأذى النفسي لها؟!!
هل كان سيضره ان يطلق سراحها وهي لديها بقية من قلب وروح؟؟
لماذا حرص على أن يدمر كل شيء فيها؟؟
أي ذنب أذنبته استحقت من أجله كل هذا التعذيب؟؟
هل كونها غير جميلة أو رائحتها لا تعجبه سبب يستحق أن يدمرها بهذه الصورة؟!!
بكت مطولا في الحمام والماء ينسكب على جسدها الذي بالغت في فركه وتنظيفه
وكأنها تريد أن تزيل بقايا لمساته المريضة التي أشعرتها بالقرف من نفسها تماما كما يشعر هو بالقرف منها
خرجت من الحمام وقد قررت تماما أن ألا تبقى ولو يوما واحدا مع هذا المريض المخبول..
يستحيل أن تبقى في هذا المكان الذي بات يذكرها بالكثير من الآلام والمرارة
حين خرجت سمعته يتكلم في الهاتف
كان يتحدث بالانجليزية وفي صوته غضب هادر مرعب
لم تلتقط مما يقول سوى قوله : أنا قادم على الفور
حينما أنهى اتصاله كانت تقف تنظر إليه بكراهية شديدة
بينما كان هو ينظر لها بنظرة عجزت عن تفسيرها
استمرا يتبادلان النظرات لثوان.. انحنى بعدها تحت السرير ليستخرج حقيبته
ويضع ملابسه على عجالة فيها
همست له بنبرة ميتة: لا تروح مكان.. أنا اللي بأرجع لهلي.. مستحيل أقعد هنا
همس بنبرة ميتة مشابهة: أنا مسافر..
بنبرة أقرب للتهكم وهي تقترب منه حتى أصبحت قريبة منه: وين وعساها رحلة طويلة؟؟
لم يرد عليها.. نظر إليها فقط.. لسبب لا تعرفه بعثت نظرته في أوصالها رعشة عميقة لم تعرف لها تفسيرا...
أغلق حقيبته.. واستعد للمغادرة.. بينما جوزاء تصرخ خلفه: يارب تروح ما ترجع..
يارب تروح ما ترجع..
أغلق الباب خلفه.. وآخر ماسمعه هو نحيبها ودعواتها عليه..


بعدها جوزاء بالفعل عادت لبيت أهلها.. علمت من أهله أنه سافر في رحلة عمل لأمريكا ستستغرق أسبوعا واحدا ..
قررت أن تنتظر حتى يعود لتطلب الطلاق منه.. يستحيل أن تكمل حياتها معه.. ولا حتى مع سواه.. فهي تشك إن كانت ستتجاوز ما فعله بها..
حينما مر الأسبوع وهو لم يعد ولم يتصل.. بدأ قلق رقيق يتسرب إلى روحها
هل من المعقول أن الله استجاب دعائها عليه؟؟
هي بالفعل لا تريده... ولكن لا تريده أن يموت.. له أهل يحبونه وهي أحبتهم.. لا تريد مطلقا أن يُفجعوا فيه
بعد أسبوع آخر نضجت فيه من القلق..
فاجأها اتصاله الليلي بها.. كانت نائمة حين أيقضها رنين الهاتف
وحين رأت الرقم الطويل شعرت بريقها يجف ودقات قلبها تتصاعد..
شعور ملتبس خليط من الكراهية والقلق والرغبة في الانعتاق..
ردت بصوت مبحوح متوتر: ألو..
ولكن لا إجابة.. عاودت الهمس: ألو..
وأيضا لا إجابة... حينها همست بتساؤل مرهق: عبدالله؟؟
شعرت بصدمة كاسحة في عمق قلبها حين أجابها بلهفة موجوعة : لـبـيـه..
أصابها الخرس..لم تعرف ماذا تقول.. أفكارها تبعثرت تماما.. من كلمة واحدة فقط!!
كلمة كانت أشبه بطعنة لا حدود لعذوبتها الخالصة حتى وإن كان لا يعنيها!!
استمر الصمت بين الطرفين لدقيقة وكل منهما يستمع لصوت أنفاس الآخر المرتفعة بوضوح.. في إيحاء شفاف بعمق انفعال كل منهما
بعد ذلك همس عبدالله بنبرة مموهة: أشلون أمي؟؟
أجابت جوزاء بصوت مختنق: أمك في بيتها وطيبة وبخير.. أنا في بيت هلي..
صمت لدقيقة أخرى ثم همس بصوت مرهق تماما: خلاص سلمي لي عليها..
جوزاء تشعر باستغراب عميق لهذا الاتصال الغريب: الله يسلمك.. يوصل..
ثم انتهى الاتصال.. وسط استغراب متعمق من جوزاء
ومازالت حتى الآن كلما تذكرت طريقته وهو يقول لها (لــبـــيـــه)
رغما عنها تشعر بذات الألم العذب الشفاف في عمق قلبها


**************************************

بعد سفر عبدالله بشهر

رغم تأخر موعد دورتها الشهرية لأكثر من أسبوعين إلا أنها كانت تحاول إلغاء فكرة الحمل المرعبة من بالها
تدعو الله بعمق ألا يعاقبها بحمل ناتج عن كل هذه الكراهية والتعقيد..
تريد أن تتخلص من عبدالله فكيف ترتبط بولد منه سيبقى يذكرها دائما بما فعله والده بها؟!!
كانت صلت العصر للتو حين جاءتها أمها لتخبرها أن عمها يريدها في الأسفل
شهقت جوزاء: عمي أبو صالح؟؟
أم عبدالرحمن بطبيعية: إيه يأمش.. تحت في مجلس الحريم وابيش معه..
جوزاء التفت بجلال واسع ونزلت.. فور أن دخلت شعرت أن هناك شيء غير طبيعي حدث
فأبو صالح ووالدها كلاهما وجهه مسود .. اقتربت وقبلت أنف عمها وسلمت عليه السلامات المعتادة
وبعد ذلك هتف لها: يأبيش أبغيش تروحين معي لبيتش..
جوزاء حينها همست باختناق: بس عبدالله مابعد رجع..
أجابها أبو صالح بحزم: البيت بيتش مهوب بيت عبدالله.. امشي معي يأبيش أنا ملزم..
بدا لها أن والدها غير راض.. وأن ذهابها مع أبي صالح لا يرضيه.. ولكن مادام لم يتكلم وجدت نفسها مجبرة على التنفيذ
لم تستطع رد عمها وهو من أتى لها بنفسه.. احترامها له منعها..
ارتدت عباءاتها وحملت معها بعض أغراضها على عجالة.. وركبت معه.. كانت تشعر بحرج عميق أن تركب جواره ويكون هو من يسوق السيارة
ولكنها بلعت حرجها طوال الطريق حتى وصلا لبيته..
حينها همس لها عمها بحنان موجوع: انزلي يأبيش..
همست جوزاء باختناق: عمي تكفى أنا ما أبي عبدالله.. تكفى طلقني منه..
عدني مثل عالية بنتك.. أنا وعبدالله العشرة بيننا مستحيلة..
بدا كما لو أنه يغالب عبرات سدت حلقه ومع ذلك أجابها بحزم: ربي خلصش منه يأبيش
عبدالله يطلبش البيحة.. وأنا أبيش تحادين هنا في بيتش..
حينها شهقت جوزاء بعنف.. شعرت كما لو كان مبنى هائلا انهار فوق رأسها
شعرت كما لو كانت هي من قتلته.. وأن عمها يعلم ذلك
وإلا لماذا يقول أن ربها خلصها منه.. إلا إن كان يعلم أنها دعت عليه
وخصوصا أنها أخبرته الآن أنها لا تريد ابنه
أي مسلسل للعذاب لا ينتهي هذا.. أما لعذابها من نهاية!!
مرت أيام العزاء عذاب لا يوصف على جوزاء
كان يكفيها أن ترى حال أم صالح حتى تنهمر دموعها سيلا لا يتوقف..
شعرت أنها هي من حرمتها منه
أنها وجه النحس عليه كما يطعنها خالاته باتهاماتهن المبطنة..
كانت حالة أم صالح مزرية تماما.. لا تجهد حتى على الوقوف.. وكانت هي ونجلا من يتبادلن المبيت والبقاء ملاصقتين لها
وخصوصا أن الجميع اتفقوا على عدم إخبار عالية بشيء..
بعد ذلك جوزاء باتت ترفض أن تبقى نجلا مع أم صالح لأن نجلاء مشغولة بطفلين وليست حملا للمزيد
لذا تولت جوزاء مسؤولية أم صالح بالكامل..
ولم تخبر أحدا بحملها الذي تأكدت منه...
ولكن حتى رعايتها المتفانية لأم صالح رغم كل جروح قلبها النازف لم تسلم من تعليقات خالات عبدالله
ورغم كل ذلك فإن أكثر ماكان يؤلمها هو نظرات أبي صالح حينما يدخل عليها ويجدها بجوار أم صالح ..
أ كانت نظرات عتب أم لوم أم اتهام ؟!!
حينما تحسنت صحة أم صالح.. رجت جوزاء عمها طويلا أن يسمح لها بالعودة لبيت أهلها.. ولكنه رفض
أ كان يريد أن يتأكد من تعذيبها وتقييدها في هذا البيت الذي يذكرها بأبشع ذكرياتها؟!!
لم تعلم مطلقا أن هذا الشيخ كان يظن أنه ببقائها أمام عينيه يريد أن يعوضها عما فعله ابنه بها
أراد أن يتأكد أنه لن يلحقها ضيم أو ضيق حتى تنتهي من عدتها التي طالت طويلا مع الحمل..
خبر حملها بعث في قلب أم صالح سعادة عميقة.. وغمغمة غامضة من أبي صالح..
جوزاء ظنت أنه لا يريدها أن تنجب ابنا من ابنه بينما هي وجه النحس عليه..
شعور جارح جديد اُضيف إلى عشرات المشاعر التي امتلئت بها روحها صديدا مرا
تمنت جوزاء بعمق ألا تنجب ولدا.. لم تكن تريد ولدا حتى لا يُسمى باسم عبدالله كما هي العادة
مرت أشهر الحمل ثقيلة طويلة متطاولة مثقلة بالمرارة.. كل شيء في بيت أبي صالح كان يجرحها ويؤلمها ويثير أسوأ ذكرياتها..
كانت تخشى بشدة ألا تحب مولودها لأنه ابن عبدالله.. ولكن هذا الظن انهار تماما حين حملته للمرة الأولى بعد الولادة مباشرة
حينما نظرت ليديه الصغيرتين لبشرته المزرقة المتغضنة..بكت بشفافية حزينة.. شعرت أنها خُلقت لتكون أما لهذا المخلوق الضئيل
بكت لأنها ظنت مجرد ظن أنها قد تكرهه.. كيف تكره هذه الروح العذبة.. كيف تكره عصارة روحها ونبض أيامها وكل مستقبلها؟!!
سعدت كثيرا حين سماه عمها باسم حسن.. رغم أنها بعد أنجبته لم تكن لترفض أن يسمى بأي اسم حتى لو كان عبدالله.. يكفيها أن يبقى في حضنها
أما كان من أكثر ما جرحها بالفعل خلال الفترة الماضية أنها اضطرت أن تعتذر عن دراستها..
وكما هو القانون في جامعة قطر يحق لها الاعتذار عن ثلاثة فصول دراسية
وخلال حدادها الطويل اعتذرت إجباريا عن فصلين...
ومن أجل ابنها الذي انجبته للتو اعتذرت عن الفصل الثالث..بعدها لم تستطع العودة..
صديقاتها تخرجن.. وهي أصبحت مثقلة بالمرارة عدا عن اهتمامها الشديد بولدها وكونها لا تريد تركه ولا لدقيقة واحدة
لتضيع كل فرصها في إكمال دراستها..
احتسبت كل ذلك عند ربها.. وهي تعود لبيت أهلها..
ولكن الفتاة البريئة الشفافة التي خرجت من البيت قبل حوالي عام
غير الأنثى المعقدة المليئة بالأفكار الملتبسة وانعدام الثقة التي تعود اليوم..
أصبحت حادة.. ولسانها حاد ومتحفز.. حتى خالات عبدالله نورة وسلطانة حينما كن يأتين لزيارتها أيام نفاسها
كانت تعرف دائما كيف تجرحهن أو تحرجهن في انتقام متأخر ما عاد له نكهة..
ولكنها أصبحت ممن يؤمنون (أن الانتقام وجبة يُفضل تناولها باردة)..
بعدها توقفن عن زيارتها واكتفين برؤية حسن الصغير حينما يأتي في زيارات لجدته..
مضى منذ ذلك الحين ثلاث سنوات وثلاثة أشهر هي عمر حسن..
حسن الذي بات هو رقم واحد في كل شيء في حياتها


**************************************

هناك على الجبهة الآخرى.. جبهة عبدالله

فيصل غادر صالحا لينجز بعض الإجراءات..
وصالح بقي جالسا ينتظر استيقاظ عبدالله الذي اقترب موعده..
حينما بدأت الأجهزة الحيوية تعطي إشارات عن انتهاء مفعول المخدر وعودته لوعيه
أعطى الطبيب إشارة لصالح.. ثم تأخر للزاوية وجلس وجهاز استدعاء الأمن في يده..
عبدالله فتح عينيه ببطء..
ثم كانت ردته التالية المفاجئة غير المتوقعة مع تأثيرات المخدر أنه قفز واقفا وهو يصرخ بالانجليزية: أين القذرة؟؟ أين هي؟؟
ثم توجه ركضا للباب لولا اليد القوية التي شدته بقوة وثبتته على الحائط..
كان عبدالله على وشك توجيه لكماته لمن ثبته لولا الصوت الذي لم يتوقع سماعه ولا حتى في أعذب أحلامه
صوت صالح يصرخ به في حزم: اذكر الله يارجال.. اذكر الله
قول لا إله إلا الله..
كانت يدا صالح الاثنتين تثبتان كتفي عبدالله للحائط وحينها وقعت العين في ألم العين
الشوق بارتدادات الشوق ..
الوجيعة بنداءات الوجيعة..
عاصفة من الخدر اجتاجت عظام عبدالله الذي كان ثائرا لأبعد حد.. شهق رغما عنه وهو يرى صالح هنا
لم يخطر في باله ولو لثانية واحدة أنه قد يرى أحدا من أهله بعد مرور هذه السنين
حينها ارتمى في حضن صالح وانتحب.. انتحب . وانتحب رغم أنه منذ الفاجعة التي مر بها لم تهطل من عينه دمعة واحدة
انهار جالسا وهو يشد صالح معه.. الطبيب كان يشير لصالح بعلامة النصر
لأن تعبير المريض في عرفه عن ألمه هو أول الطريق لتقبل الحقيقة
ولكن صالح لم ينتبه مطلقا لإشارات الطبيب فعقله وقلبه مع هذا المنتحب بين ذراعيه الذي بدأ يئن كأنين المذبوح: ذبحته قدامي يا صالح..
قدامي يا صالح.. شفت الروح تُسحب منه شوي شوي...
قدامي مر شريط حياته في لحظة.. أول سن طلع له وأول خطوة خطاها وأول كلمة قالها..
كل شيء خذته مني في لحظة... ما كفاها أني عشت حياتي السنين اللي فاتت أتعذب بعيد عن هلي من سبتها
كرست حياتي كلها لذا الولد.. وعقبه أشوفه يذبح قدامي ولا أقدر أسوي شيء..
وطول الليل هو قدامي.. عينه فيني.. أبي أسكر عينه بس.. ماقدرت ماقدرت..
ربطوني الكلاب مثل كلب ما منه فايدة..
وبالفعل انتبه صالح حينها لأثار الحبال الغائرة في جسد عبدالله ..التي تكشفت من عدة نواحي من روب المستشفى
ولأنه كان يحاول باستماتة تخليص نفسه أخذت الحبال تحز في جسده أكثر مع كل محاولة..
ومع ذلك استمر في المحاولة حتى بدأ جسده ينزف من كل ناحية من شدة إحكام ربط الحبال ومن قوة محاولته تمزيقها أو إرخائها دون فائدة..
صالح همس لعبدالله والعبرات تخنقه: اذكر الله.. قل إنا لله راجعون.. اللي تسويه في روحك مهوب راده..
حينها انتفض عبدالله بغضب: أدري مافيه شيء بيرده... بس أبي أخذ روح اللي خذت روحه..
صالح شده وأعاده للسرير وهو يهتف له بمنطقية: الكلبة مسجونة.. وأنت عارف إنك منت بقادر توصل لها..
خلنا نرجع لديرتنا ونطلع من ذا الديرة سالمين... كفاية اللي صار لك..
حينها انتفض عبدالله كما لو كان ينهض من غيبوبة..كأنه يكلم نفسه: أرجع الدوحة.. الدوحة.. أرجع لهلي؟؟
ثم أردف بألم ممزق من قلبه المثقل بالحزن والفجيعة: أنا ما أدري من اللي منك استلم رسالتي.. وعارف أن اللي استلمها منكم ماراح يقول للباقيين عن أني مت منتحر
لكن لو كان ابي.. أنت عارف إنه مستحيل يسامحني.. مستحيل
صالح تنهد: وهو ابي.. وابي قال لنا كلنا أنك مت في حادث سيارة..
بس الحين ماحد يدري إنك حي إلا أنا... امش معي للدوحة
بأخلي فهد يفرش مجلسي وغرفتين في البيت على السريع
وباقعد أنا وأنت هناك.. لين نمهد لابي الموضوع..


*******************************


بعد يومين


صالح أنجز إجراءات العودة.. واتصل فعلا بفهد وطلب منه أن يحاول بأقصى سرعة انهاء تشطيبات البيت على الأقل مجلس الرجال الخارجي وغرفتين من البيت
حتى لو واصل الليل بالنهار لانجاز المهمة
ثم يقوم بفرشه دون اهتمام بالمبلغ.. المهم أن يكون المكان جاهزا قبل وصوله..
وها هو الآن مع عبدالله في شقتهما المستأجرة.. بعد أن استقر وضع عبدالله.. وكان لوجود صالح معه تأثير أشبه بتأثير السحر على اطمئنان روحه..
لم يصدق أن رائحة أهله معه وتحتويه بعد جوع كل هذه السنوات وغربتها وبرودتها القاسية..
عبدالله كان ينظر عبر النافذة الكبيرة التي تطل على ميدان واشنطن سكوير.. يخطر بباله سؤال يحاول قمع نفسه عنه فلا يستطيع
فصالح طوال اليومين الماضيين أخبره أخبار أسرته بالتفصيل الممل حتى عقد قران عبدالرحمن من عالية..
ولكنه لم يخبره بوجود ابن له.. أراد أن يتمهل قليلا في اخباره
ولكن منذ معرفته أن عبدالرحمن شقيقها تزوج شقيقته والسؤال يلح عليه بإصرار.. إنها النفس البشرية العصية على التفسير!!
تنحنح عبدالله وهتف لصالح الذي أنهى لتوه اتصالا مع فهد يتأكد من سير ترتيب البيت بنبرة اجتهد لتخرج طبيعية:
صالح.. مرتي اللي كنت متزوجها.. وش صار عليها؟؟
صالح بطبيعية: أم حـ....
لكنه بتر عبارته وهو يهتف بنبرة حاول أن تكون طبيعية أيضا: تزوجت..
لم يستطع منع نفسه من الإحساس بالألم..بل بما يتجاوز الألم.. فذكراها لأسباب عميقة جدا لم تفارقه مطلقا طيلة السنوات الماضية
ومع ذلك ذلك هتف باصطناع بارع: الله يوفقها
حينه هتف له صالح: تعال اقعد جنبي وعلمني الحين بالتفصيل كل اللي صار عليك.. ووش اللي حدك على ذا كله
أظني خليتك ترتاح واجد..صار لي يومين أنا أتكلم وأنت تسمع... الحين حقي عليك أعرف كل شيء..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات