رواية بين الامس واليوم -50
لكنه بتر عبارته وهو يهتف بنبرة حاول أن تكون طبيعية أيضا: تزوجت..
لم يستطع منع نفسه من الإحساس بالألم..بل بما يتجاوز الألم.. فذكراها لأسباب عميقة جدا لم تفارقه مطلقا طيلة السنوات الماضية
ومع ذلك ذلك هتف باصطناع بارع: الله يوفقها
حينه هتف له صالح: تعال اقعد جنبي وعلمني الحين بالتفصيل كل اللي صار عليك.. ووش اللي حدك على ذا كله
أظني خليتك ترتاح واجد..صار لي يومين أنا أتكلم وأنت تسمع... الحين حقي عليك أعرف كل شيء..
عبدالله جلس جواره تنهد ثم بدأ يحكي:
تذكر أكيد زواجي براكيل الله يقطع سيرتها... كنت توني مالي شهرين في أمريكا
وهي عرفت فعلا أشلون تصيدني.. كانت أكبر مني في السن.. هي كانت في الدكتوراه وأنا في الماجستير..
اقنعتني بطريقة الحيايا أنها مهتمة بالإسلام وتبي تسلم وما لقت اللي يمسك بيدها..
وفعلا تزوجتها.. كانت من شدة تمثيلها تلبس طويل وواسع وتغطي شعرها لما تكون معي
كنت كل ليلة أدرسها الإسلام.. واحاول اقنعها تعلن إسلامها.. لكنها كانت تقول تمهل علي.. أبي أسلم عن اقتناع كامل..
بعدها بالفعل حسيت إني ماني بمرتاح معها.. فيها شيء بدأ ينغز قلبي منها.. وفعلا قلب المسلم دليله..
اتفقت معها إنه مانبي عيال الحين.. لين نستقر في الدوحة..
عقبها بدأت ألاحظ عليها كلام مايعجبني عن الحوار بين الأديان والحضارات
وأن اليهود أكثر ناس انظلموا في التاريخ.. تعرضوا للظلم والمذابح ومالقوا حد يدافع عنهم.. والعالم كله مهوب قادرين يفهمونهم
كانت تحاول تجذبني لذا الأفكار بالتدريج.. مخطط طويل المدى.. لكن أنا كان يزداد نفوري منها شوي شوي.. وكل يوم كان النقاش يصير حاد بيننا على سبت ذا الموضوع
وأقول لها لو هي تبينا نستمر سوا لازم تشيل الكلام السخيف هذا من رأسها..
لحد اليوم اللي خلصت دراستي خلاص وأنا لحد الحين مهوب مستقر معها.. وندمان على تهوري في الزواج منها.. وبديت أفكر جديا في الانفصال عنها
رجعت البيت ما لقيتها.. بعدين لقيت على الطاولة أوراق لشغلها.. كنت أعرف إنها تشتغل أعمال تطوعية
لكني اكتشفت أن الاعمال التطوعية وين...
كانت في المجلس الصهيوني الإعلامي
المدام كانت من كبار المسؤولين هناك وتلعب علي..
شوي اتصالات سريعة اكتشفت إنها من أكبر أسرة يهودية لها نفوذ في أمريكا..
واسمها اليهودي طبعا راحيل..
صالح بصدمة كاسحة كان يهز رأسها رفضا: مرتك كانت يهودية..؟؟
عبدالله بألم: تخيل يا صالح ومهوب يهودية بس.. لكن صهيونية.. وتشتغل في دعم صورة الصهاينة..
حسيت صالح أني أقذر مخلوق على وجه الأرض.. حسيت أن قذارة جسمها لصقت فيني..
طلعت من البيت.. اتصلت بها وقلت لها أنتي طالق.. ووقعت أوراق الطلاق وتركتها عند المحامي ورجعت للدوحة
لكنها رفضت توقع.. وظلت تطاردني بالمكالمات.. وتقول إنها تحبني ومستحيل تخليني..
غيرت تلفوني مرتين ومع كذا كل مرة تجيبه..
المرة الثالثة تذكر.. طلعت رقم باسمك أنت... تخيل اتصلت في فهد وخذت الرقم منه.. قالت له إنها تبيني في شغل..
يعني قدرت تطلع رقم فهد.. ماكان فيه شيء يردها من اللي هي تبيه..
تذكر إلحاح إبي علي أني أتزوج وكنت رافض.. كنت خايف أتزوج ألاقيها ناطة عندي في الدوحة..
بس عقبها قلت إن شاء الله ربي ما يخيبني.. وافقت وتزوجت.. انقطعت اتصالاتها عني فترة.. وحمدت ربي
لكن عقب عرسي بشهرين اتصلت بي.. قالت لي إنها ولدت.. جابت ولد مني.. انصدمت لأنها ماقالت لي إنها أبدا أنها حامل
قالت لي لو ماجيت الحين: أنا بجي لك..
طبعا سافرت لها بسرعة.. تخيلها جاية الدوحة وتقول عبدالله آل ليث عنده ولد من يهودية..
تبي الصراحة يوم شفت خالد يجعله من عصافير الجنة... شكيت يكون ولدي.. مافيه أي شيء مني.. يشبهها بالكامل..
خليت وحدة من الممرضات تسحب لي عينة من دمه ووزعتها على ثلاث مستشفيات عشان فحص الحمض النووي
وفعلا أكدوا لي أنه ولدي...
وقتها صارت الصدمة عندي.. مثل منت عارف في الدين اليهودي مايصير يهودي إلا اللي أمه يهودية..
خفت على ولدي وقررت أهرب به منها.. واعتبرت إن هذا هو جهادي في الدنيا.. لكل إنسان في الدنيا جهاد..
أول شي قلت بأرجع به للدوحة... بس لأني عارف عنادها وخبثها.. كنت متأكد إنها بترفع قضية علي هناك... تخيل الفضيحة اللي بتلحقكم كلكم
يوم يقولون الناس ولد آل ليث مرته يهودية
قلت الحل الوحيد أني أختفي أنا وولدي.. لكن صارت المشكلة عندي أشلون اختفي.. حاولت أألف عشرات السيناريوات لحكاية موتي أنا وولدي
كان كل سيناريو فيه ثغرة إلا سيناريو الانتحار.. أدري إنه كان أمر صعب بس مالقيت غيره.. والوقت عندي ضيق
درست حالات الانتحار فوق جسر بروكلين بالذات.. كثير من الجثث مايلقونها
لأن بروكلين على إيست ريفر.. وذا النهر يصب في المحيط الأطلسي
وين الواحد بيلقى جثة سحبها المحيط وكلتها أسماك القرش
وفعلا خطفت الولد من المستشفى وخليت مع ثيابي رسالة لكم وجوزاي القطري
وخليت مع ثيابه رسالة لها: أني أفضل ولدي يموت معي ولا إنها تربيه على دينها..
والله العظيم فكرت وقتها أقول لها هي اني انتحرت.. وانتوا أبلغكم موتي بطريقة ثانية.. بس الطريقة هذي كان فيها ثغرة كبيرة بتكشفني
فما لقيت لي حل غير الانتحار... يظنوني الناس مت منتحر أهون علي من إن ولدي تربيه يهودية.. وإلا تفضحني بين ربعي وجماعتي
كانت الخطوة الثانية اللي حست فعلا أنها من رحمة ربي بي إن ماحد انتبه لها.. كانت جنسيتي الأمريكية
راكيل كانت قدمت لي على القرين كارد اللي يأهل للجنسية الأمريكية.. بس أنا ما اهتميت بالموضوع.. ولما كنت في الدوحة بعثوا لي إيميل إن إجراءات الجنسية انتهت
جيت واستلمتها.. ثم رتبت لي سكن في بورتلاند بعيد جدا عن مكان راكيل
وأضفت الولد لي
وبديت حياتي هناك... حياتي كلها كانت خالد ماعندي شيء غيره
كنت أقول أبي أربيه مثل ما ربانا أبي...
بس جات هي مثل حيه ما أدري أشلون دلت طريقي..
ما كفاها أني من سبتها عشت أتعذب بعيد عن ديرتي وهلي..
صالح أنت ما تخيل السنين اللي طافت أشلون عذاب بالنسبة لي..
ماشربت فنجال قهوة إلا وأتذكر أمي وأحس مرارة الفنجال وقفت في حلقي..
ما أشوف شايب يتعكز على عصاه إلا أقهر نفسي لأقوم أحب كتفه وإيديه
ما أشوف بزران صغار إلا ويطرون علي عيالك..وأموت أبي أضمهم أقول يمكن أشم ريحتك فيهم..
ما أشوف حد مسرع في سيارته إلا ويطري علي فهد.. وما أشوف شاب صغير إلا ويطري علي هزاع..
لا شفت حد يضحك.. طرت علي عالية ومقالبها.. كل شيء مهما كان تافه وبسيط يذكرني بكل واحد منكم..
وأنا أشرب حسرتي كل يوم ألف مرة
تدري يا صالح إني في كل عيد كنت أتصل في البيت.. أبي أسمع صوت أي حد منكم..
احترق من أقصاي لين أقصاي يوم أسمع صوت أمي ترد ولا أقدر أرد عليها
وعقب ذا كله تدل الحية طريقي.. ذا اللي سويته كله في النهاية ما جاب نتيجة
استغربت إنها ما بلغت الشرطة علي.. كل يوم كانت تنط عندي.. وقالت للولد أنها أمه.. ويوم درت أنه حافظ قرآن عصبت وهددتني تأخذه مني
كنت خايف تنفذ تهديدها.. والقانون معها وأنا بانسجن وهي بتأخذ خالد مني..
كل يوم كنت عايش في رعب من ذا السالفة
لين.. لين................
صمت عبدالله.. ماعاد قادرا على الاكمال..سدت العبرات حلقه.. شد صالح على كفه : بس يأخيك بس
خلاص يكفي يكفي...
قوم معي نروح للسفارة عندي كم شغلة هناك..
عبدالله شعر أنه مستنزف من الحديث تمدد على الأريكة وهمس لصالح روح أنت.. أنا تعبان.. أبي أنام شوي
تمدد عبدالله وعقله يطوف به إلى ذكريات أشعرته بكثير من الألم.. والشجن.. والندم...
*****************************************
قبل أربع سنوات وشهرين.. ليلة زفاف عبدالله وجوزاء
" لماذا أبدو أبلها و(غشيما) رغم أني لست واحدا منهما
فلست بالأبله ولا الغشيم
وليست هذه بالتأكيد هي تجربتي الأولى في الزواج
ولكن لم أتوقع مطلقا أنها قد تبدو طاهرة ونقية إلى هذه الدرجة الموجعة
أشعر بطهارتها تحيط بها كهالة..
أ مثل هذا الجسد الطاهر يقذر ببقايا نجاسة راكيل التي لم أكن حتى الرجل الأول في حياتها؟!
ألا أخاف الله في مثل هذه الروح النقية أن أطبعها بسواد روحي
يا الله ألهمني الصواب
ألهمني الصواب "
يحاول ألا ينظر إليها.. يشعر أن حتى مجرد النظر لها ليس حقا له..
ولكن نظراته رغما عنه كانت تتجه ناحيتها وتترصدها كبوصلة لا تستطيع تغيير اتجاهها عن الشمال
كان ينظر بشغف غريب لارتباكها.. توترها.. خجلها الرقيق.. ارتعاش فكها.. فركها لأناملها
لكن ما أن يشعر أنها تكاد ترفع بصرها حتى يوجه بصره إلى أي مكان عداها
وحين تعود للنظر ليديها المشبوكتين في حضنها يعود لترصدها
يشعر كما لو كان يعود مراهقا ..وهذه الطفلة تعبث به بطريقة غير معقولة ولا مفسرة
لم يظن ولا حتى للحظات أن هذه المشاعر الغريبة ستغزوه..
كان يظن أنه وافق والده وسيتزوج كما يتزوجون الآلاف.. بينهما الاحترام.. ينشئان أسرة.. ويربيان الأولاد..
لم يخطر له ولو لثانية أن هذه الأفكار الغريبة في مشاعرها.. في مثاليتها.. ستغزوه بهذا العنفوان... ومن مجرد النظرة الأولى..
بينه وبينها سبع سنوات.. يشعر بها كطفلة.. فليس بينها وبين صغيرته عالية سوى عام واحد..
يشعر أن بين جوانحها قلب طفلة طاهر لم يمس..
كره أن يؤذيها أو يجرحها.. أو ينجس طهارتها بأي صورة
شعر أنه مقارنة بها مخلوق مدنس.. قذر.. لا يستحق شرف ملامسة جسدها ولا حتى مشاعرها
قرر أن الطريقة الأسلم هي في التمترس خلف بروده.. ألا يتواصل معها بأي صورة
حتى تصفو الرؤية أمامه ويرى ماهو فاعل..
وهو غارق في أفكاره.. سمع همسها الرقيق: لو سمحت..
لم يستوعب حتى سمع ذات الهمس يتكرر بارتجاف مختنق: لو سمحت
انتفض دون أن تظهر انتفاضته للسطح.. (أ تتكلم هذه أم تغرد؟!!)
رد عليها بهدوء ظاهري عميق يختلف عما يمور داخله: نعم؟؟
ردت عليه باختناق عظيم آلمه لأبعد حد: أبي أروح للحمام لو سمحت..
تأثر بشدة إلى أنه أضطرها إلى إحراج نفسها بهذه الصورة.. هتف لها بأقصى نبرة احترام استطاعه عله يعوضها عن إحساس الحرج:
سامحيني.. المفروض سألتش من أول مادخلنا تبين شيء
تفضلي الحمام من هنا
تبين مساعدة؟؟
همست له باختناق شعر أنه يذيب قلبه بصورة غير معقولة: لا شكرا ما أبي مساعدة..
كان فعلا يحاول ألا ينظر لها.. لا يعلم متى أصبح بارعا بالتمثيل هكذا.. في الوقت الذي كان يبدو لا ينظر لناحيتها كان يقتنص غضها لبصرها بعيدا ليلتهمها هو بنظراته..
كأنه يكتشف عالم النساء لأول مرة.. فأي سحر تحتويه هذه الصغيرة؟؟ أي سحر غير متصور وعصي على كل تفكير؟!!
تابعها بنظراته وهي تتعثر في خطواتها لناحية الحمام...
حالما دخلت سمح لنفسه بإطلاق تنهيدة طويلة.. وهو يقفز ناحية شرفة الجناح ويخرج للهواء الطلق
رغم أن الجو كان حارا حينها ومثقلا بالرطوبة.. إلا أنه كان بالفعل بحاجة لهواء طبيعي..
شعر مهما كانت الحرارة لاهبة.. فهي لا تقارن بالحرارة التي شوت جسده ومشاعره في الداخل..
استند على حاجز الشرفة وهو ينظر للبحر..
" ما هذا الذي يحدث لك يا عبدالله؟؟
ماذا يسمون ما يحدث لك؟؟
تبدو كما لو كنت مراهقا يرى امرأة للمرة الأولى في حياته
أي سحر في هذه الجوزاء؟؟
سوى كونها الجوزاء نفسها؟؟
لها من أسمها كل النصيب... نجمة عالية في السماء
ارتفعت عن أدناس الأرض وقذارتها.. ولأنها شيء سماوي رفيع
فما شعرتُ به هو على مقدار سماويتها وارتفاعها
أ مثل هذه تقارن براكيل أو سواها؟؟
أ مثل هذه تكون الزوجة الثانية في حياة رجل بينما يجب أن تكون الأولى والوحيدة"
عبدالله بعد أن شعر أن عرقه تصبب غزيرا من كل أنواع الحرارات التي اغتالت جسده في هذه الليلة
قرر أن يستحم.. توجه للحمام الآخر.. استحم.. وقرر أن يصلي قيامه..رغم قلقه من تأخرها.. ولكنه كان محرجا من اقتحام خصوصيتها
لذا قرر تركها كيفما تشاء..
سمع صوت الباب يُفتح وهو مازال يصلي.. استمر في صلاته..
وحينما انتهى كانت تجلس على سجادتها.. شعر بحنان عميق يغمر قلبه ناحيتها
كانت تبدو مرهقة محرجة.. وعذبة لأقصى أقصى درجات العذوبة..
تنهد في داخله تنهيدة بحجم الكون ربما.. وهو يتجه ليجلس على الأريكة
حينها سمع همسها الرقيق: ماحنا بمصلين سوا ركعتين؟؟
آلمه قلبه بشدة أنها لم تنسَ.. أنها تحلم بالفعل بحياة طبيعية مع مخلوق ماعاد طبيعيا.. غام وجهه حزنا وهو يهتف لها بنبرة محايدة: قومي نصلي
حينما انتهيا من الصلاة.. دعا عبدالله بعمق أن يلهمه الله الصواب.. ألا يؤذيها أو يجرحها بأي صورها..
حينما نهضا عن سجادتيهما.. كان عبدالله يراقب حركاتها المتوترة الخجولة.. وهي تخلع جلال الصلاة وتطويه بدقة.. كأنها تفرغ ارتباكها فيه
تعدل شعرها بارتباك..ثم تعود لتجلس أمامه..
عبدالله زفر بداخله (أوف وش ذا التعذيب؟؟)
كان شكلها الحالم تعذيبا حقيقيا له ولرجولته.. بدت في عينيه أكثر من موجعة في رداءها الملكي الأبيض الذي كان يكشف بدقة راقية عن تفاصيل جسد بالغ المثالية..
هذه المرة لم ترفع عينيها مطلقا.. طوال جلوسها أمامه وهي تدعك كفيها بارتباك وعقلها يطوف بها لا يعلم إلى أين..
بينما كانت عيناه تترصدها بدقة.. بدءا من صندلها الحريري الأبيض في قدميها الناعمتين وصولا لعناق شعرها مع نحرها في صورة بدت له غاية في الإبهار
وهي تحرص بين الفينة والأخرى على شد جيب روبها لتتأكد من سترها لصدرها وحركتها الخجولة تصيبه بما يشبه الحمى..
بقيا على هذه الحال حتى صليا الفجر... حينها توجهت هي لتنام على السرير..
بينما بقي هو على أريكته عاجز عن النوم.. عاجز عن الفهم.. عاجز عن السيطرة على دقات قلبه التي أعلنت العصيان عليه
وكأنها تتنتقم منه على خطيئته في زواجه من راكيل..
*******************************************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهر
أنا متيم بها... هكذا ببساطة..
ومنذ اللحظة الأولى التي عانقت عيناي محياها الخجول
لا أعلم كيف حدث هذا ولا بأي صورة
في أحيان كثيرة أشعر أن هذه هي عقوبة من الله عز وجل أنني خالفت عقلي وفطرتي اللذين كانا ينهياني عن راكيل
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الإثم ماحاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس..)
كان يجب أن أعلم أن زواجي من راكيل هو أثم.. لأني خشيت أن يعرفه الناس
لو أنه كان صوابا لم أكن لأخشى أحدا
وأعلم الآن أن الله عز وجل غاضب علي لأنه لم يبتليني بحب جوزا فقط ولكن منعني أن أمد يدي إليها
وجعل منعي لنفسي ينبع من نفسي ليزداد عذابي أكثر..
أكاد أجن من رغبتي فقط في وضع عيني في عينيها .. أريد فقط أن أضمها لصدري
أشعر بأنفاسها في حناياي.. أتلمس خصلات شعرها.. حرير خديها..
ولكن كل هذا يبدو بعيد المنال...
يستحيل أن أرتكب هذه الجريمة في حقها.. كل يوم يمر يثبت لي مقدار طهارتها وبراءاتها التي لم أتوقع لها نظيرا على سطح الأرض
منذ زواجنا وهي تستميت في لفت انتباهي..
أريد أن أصرخ فيها.. لا تحاولي لفت انتباهي.. لأنكِ أشعلته اشتعالا
بت ألاحظ تغييرها لنوعية لباسها.. ولست جاهلا لأعرف سبب هذا التغيير
فهذه الطفلة العذبة تشك في رجولتي.. وحرصا على مشاعري لا تريد أن تضايقني بلباس قد يبدو كدعوة ما..
ألم أقل أن عذوبتها وبراءتها لا حدود لها؟!!
بعد هذا الشهر الذي كان عذابا متواصلا وأنا أمثل التجاهل والبرود بينما أنا أشتعل بكل معنى الكلمة
قررت أن هذه الطريقة في تجاهلي لها هي الأسلم حتى تمل وتعود إلى أهلها دون أن أدنس جسدها أو روحها
أن ننفصل بطريقة ودية تحفظ احترامها لنفسها واحترامي لها
فكرت أن أكون قاسيا حتى أضايقها تعجيلا بذهابها لأهلها
ولكني لم استطع لم أستطع..
لا أستطيع أن أقسو عليها بأي صورة..
من يستطيع أن يقسو على ملاك مثلها..؟؟
أصبحت الآن كل أمنيتي هي أن تذهب لأهلها قبل أن أفقد ما تبقى من عقلي
أعلم أن ذهابها سيكون صعبا علي.. ولكن مهما كان صعبا سيكون أهون كثيرا من وجودها أمامي (شوف وحر جوف)
مثل هذه الليلة تماما التي تمثل حالنا طيلة الليالي الماضية
.
.
وقفت أمام باب الغرفة لعدة دقائق وأنا أدعو الله أن يلهمني الصبر
وأحاول أن أتلبس وجه الجدية واللا مبالاة الذي أرسمه بمهارة كل ليلة
سلّمت
فردت.. ثم همست لي بسؤالها الليلي الذي لا أعرف ماذا تقصد به حقا.. فربما كان يجب أخر ما تهتم به هو هل تعشيت؟؟
وأجبتها إجابتي الليلية المعتادة: متعشي في المجلس
واهتمامها بي تجاوز مجرد سؤالي عن هل تعشيت أو تغديت.. كالشيء الوحيد الذي تستطيع أن تسألني عنه بغير حرج
فهي تهتم اهتماما بالغا بكل ما يخصني.. ملابسي.. متعلقاتي الشخصية.. وحتى أحذيتي..
تتفانى في كل ذلك لأبعد حد.. وأجدني عاجزا حتى عن قول كلمة شكرا لها
أو حتى أرجوك توقفي عن ذلك.. فأنا لا أستحق اهتمامكِ
الليلة كانت مبهرة تماما.. أنثى حقيقية تتدثر بالغموض الأسود المثير المسبب للهلوسات
فهل هناك من هي مثلها جمعت الطفولة والأنوثة من أقصى طرفيها؟!
أجبرت نفسي على غض البصر
وهل هناك مصيبة أعظم أن يغض الرجل عينيه عن حلاله؟!
صليت قيامي وأنهيت وردي.. وهي جالسة في مكانها.. صامتة.. شاردة.. ساحرة.. موجعة..
ابتلعت تنهداتي.. حتى تصبحين على خير لم أستطع قولها وأنا أندس في أريكتي التعيسة وأوليها ظهري وأنا أعلم أن النوم هو حلم صعب المنال...
*****************************************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهر ونصف
الليلة يحدث شيء غير طبيعي
فلأول مرة منذ زواجنا تقاطع جوزا تمثيلية النوم التي أمثلها كل يوم
كنت قد تمددت حين سمعت اسمي الذي يذيب عظامي حين أسمعه منغما بين شفتيها: عبدالله
جلست معتدلا وأنا أهتف لها باحترام أجدني مجبرا عليه تجاهها: نعم..
شعرت أنها طعنتني في عمق قلبي وهي تهمس باختناق: عبدالله فيه شيء مضايقك مني؟؟
حينها حاولت أن أبتسم رغم أني شعرت أن قلبي يُعصر : ومن قال لش أني متضايق منش..؟؟
هل حقا تحاول منع نفسها من البكاء أم يخيل لي ذلك : ما يحتاج حد يقول.. تصرفاتك تقول وزود..
عبدالله أنا والله ما أبي منك شيء.. أبي منك بس تحسسني إني إنسانة عايشة معك
ترا تجاهلك لي بذا الطريقة يعذبني
أنا ماني بحجر ما يحس.. وخلاص ماعاد فيني طاقة أستحمل أكثر من كذا
ما تبيني يا ابن الناس.. فالله عز وجل قال : إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان
مافيه شيء يحدنا على ذا الحياة..
كلماتها كانت كحراب مسنونة رشقت في أعماق روحي.. لم أتخيل أنها تحمل في داخلها كل هذا الألم
ولكن أ ليس هذا ما أردته .. أن أضايقها حتى تعود لأهلها.. لذا وجدتها فرصة أن أقترح عليها ذلك.. لأريحها وأرتاح:
شكلش أعصابش تعبانة.. تبين تروحين عند أهلش أسبوع وعقب أرجعش.. ماعندي مانع
آلمتني صدمتها البريئة: وهذا هو الحل عندك؟؟ زين ورحت أسبوع ورجعت.. نرجع لنفس موال حياتنا هذا
عبدالله احنا ما بيننا أي تواصل.. حتى الكلام ما تكلمني.. ليش أقعد عندك..
أنا لو رحت لهلي.. ما ابي أرجع هنا خلاص..
تنهدت وجعي.. (ليس لدي حلا سواه يا أميرتي) : يا بنت الحلال روحي أسبوع لهلش ريحي أعصابش.. وما يصير إلا خير..
بدا لي أن كل شيء انتهى... وحياتي القصيرة معها التي كانت كحلم عذب مرير أوشكت على النهاية
شعرت بألم لا حدود له وأنا أخذها إلى بيت أهلها وأقرر أنني لن أعود لأخذها مرة أخرى
سأنتظر شهر أو شهران قبل أن أطلقها..
كنت أرى وهي تدلف لبيت أهلها وكأنها تنتزع روحي معها وتذهب بها معها..
طوال ذلك اليوم كنت في غير وعيي.. أشعر كما لو كنت مخدرا.. يسير متخبطا
أشعر بصداع مؤلم.. وأشعر كما لو أن هوة لا قرار لها سكنت يسار قفصي الصدري..
حتى صالح وفهد كلاهما لاحظا شرودي وحالتي غير الطبيعية
يسألاني مابي.. فأجيبهما: لا شيء.. مرهق قليلا في العمل
ماذا أقول لهما.. هل أقول لهما أخوكما عاشق أبله.. حُكم عليه بالهوى ليتعذب عذابا مُستحقا؟!!
تلك الليلة كرهت أن أعود لغرفتي.. قضيت الليل ساهرا.. في المجلس.. ثم بعد ذلك خرجت مع فهد ودرنا قليلا في الشوارع..
ولكن حرارة الجو.. أجبرتنا على العودة.. صليت الفجر.. ثم وجدت نفسي مجبرا على العودة..
فجسدي وعقلي كلاهما كانا يئنان من الإرهاق..
حين دخلت الغرفة.. كنت أحاول أن أغض بصري عن كل شيء يثير ذكراها
وإذا بغض البصر نفسه يذكرني بها وبحالي معها
أغراضها مازالت منثورة في المكان.. كل شيء هنا بات يحمل رائحتها وبصمتها
كل شيء هنا يحز في عروقي لتنثر دمي اشتياقا لها
قلت لا بأس.. سأعاني لعدة أيام وبعد ذلك سأعتاد غيابها..
فإذا بي أتفاجأ بنفسي في الليلة التالية أقف في باحة بيت أهلها أنتظرها وأطلب منها أن تنزل لي
أي جنون أرتكبه في حق نفسي وحقها؟؟
أ بعد أن خطوت الخطوة الأولى في سبيل تحريرها مني.. أعاود تقييدها لأسري مرة أخرى؟؟
كانت المسألة ستتعقد وبدا أن والدها يرفض مغادرتها في هذا الوقت المتأخر
بينما أنا شعرت أنني سأموت فعليا إن لم أراها الليلة
آلمني حزنها الشفاف الذي شعرت به يتسرب من حناياها وهي تركب جواري صامتة لأعيدها إلى سجنها بقربي أنا الكاذب الصامت المحترق
عدنا إلى غرفتنا صامتين
اكتفيت فقط بوجودها معي في نفس المكان.. لا أريد المزيد أبدا
كوني معي فقط .. أرجوكِ
*********************************************
بعد زواج عبدالله وجوزاء بشهرين وقبل سفر عبدالله بثلاثة أيام
كعادته كل ليلة وقف أمام الباب يدعو الله أن يقوي عزمه
ولكنه حينما دخل فوجئ أنه لا حاجة لتقوية العزم
لأن مشتتات العزم المعتادة كانت نائمة
استغراب عبدالله قفز للذروة.. وحزن شفاف خالج روحه وأنفاسه
(خلاص مليتي ياجوزا..؟؟ خلاص رفعتي الراية البيضاء؟؟
خلاص شفتي مافيني رجا؟؟!!)
شعر بألم أقرب للاختناق الذي جعل أضلعه تطبق على رئتيه..
دخل للغرفة
كانت الأضواء مطفئة عدا ضوء خافت بقرب الأريكة..مكانه المعتاد.. وكأنه تريده أن يتعرف على مكانه وسط الظلام
تقدم للداخل.. نظر ناحيتها.. كانت تغطي جسدها كاملا.. عدا عن الظلمة التي تحيط بالسرير
توضأ.. صلى.. وقرأ ورده المعتاد.. حاول أن يتمدد على أريكته.. ولكنه لم يستطع.. كيف ينام وهو لم يراها حتى؟؟
قرر أن يجلس في المجلس حتى صلاة الفجر..
نزل.. ولكنه ما أن وصل إلى أسفل الدرج حتى عاد مرة أخرى
وكأن قوة قاهرة تجبره على العودة
قوة تفوق قوته على الاحتمال والصبر..
عاد لغرفته..
(أريد أن أراها فقط.. فقط أراها!!)
توجه إلى السرير ليندس جوارها بهدوء.. وهو يشعل الضوء الخافت بجوار السرير
كانت توليه ظهرها.. وشعرها ينسدل على وجهها..
مد يده.. ثم عاد ليكفها..
يشعر أن هذه اليد النجسة لا يحق لها ملامسة هذا المحيا الطاهر..
ومضت له عدة دقائق وهو على هذا الحال. يمد يده.. ليعاني ألما مبرحا وهو يقهر نفسه ليكفها..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك