بارت من

رواية بين الامس واليوم -51

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -51

توجه إلى السرير ليندس جوارها بهدوء.. وهو يشعل الضوء الخافت بجوار السرير
كانت توليه ظهرها.. وشعرها ينسدل على وجهها..
مد يده.. ثم عاد ليكفها..
يشعر أن هذه اليد النجسة لا يحق لها ملامسة هذا المحيا الطاهر..
ومضت له عدة دقائق وهو على هذا الحال. يمد يده.. ليعاني ألما مبرحا وهو يقهر نفسه ليكفها..
حينها تمدد جوارها وهو يستند على كفه..
تنفس عطرها الرقيق العذب من قريب.. كان كلما شدَّ له نفسا كلما شعر بألم فعلي يتصاعد بين طيات قلبه
نغزات قوية كانت تخترق قلبه معلنة احتلالا من نوع جديد.. ماعاد له طاقة على دفعه..
يشعر بما يشبه الدوار..وقربها يسكره بطوفان مشاعر لا يعلم أ رحمة هي أم عذاب..
قرب أنفه من عنقها وهو يرتجف كالمحموم.. ثم عاد للتأخر حين رأى انها تحركت بخفة..
عاد ليمد يده ليزيل شعرها عن وجهها وعنقها لكي يراها بوضوح
حينها شعر بارتجافها وهي تفتح عينيها برعب ثم تلتفت ناحيته وتهمس باختناق:
فيه شيء عبدالله؟؟
"بماذا أجيبها؟؟ ماذا أقول لها؟؟
هل أقول لها أنكِ أصبتني بالجنون؟؟
هل أقول لها أنني معكِ ومن أجلكِ تعلمت الحب كيف يكون؟؟
هل أقول لها أنني لم أؤمن بوجود أسطورة الحب حتى رأيتكِ؟؟
هل أقول لها أن ما يحدث بيننا ليس عادلا ولا منصفا؟؟
ولكن متى كان الحب يعرف العدل أو الإنصاف؟؟
هو هكذا ينتزع الإنسان بلا هوادة بلا رحمة بلا تفسير
.
وفي الختام لم أقل لها شيئا
أكتفيت بالنظر لعينيها اللتين أرهقني الاشتياق للثم رموشهما
اكتفيت أن أشدها لصدري المحترق ألما
اكتفيت أن أشعر بارتعاش جسدها الغض بين ضلوعي
وأنا أذوب لها حنانا هامسا : لا تخافين.. ماني بجابرش على شيء
.
ولكن أ حقا لم أجبرها
قد يبدو ظاهرا أني لم أجبرها.. وكل شيء تم برضاها
ولكنها لم تكن سوى قلب طاهر لا يعرف التلون استجاب لنداء عواطفي
أنا ضغطت عليها بدون أن تشعر
كان يجب أن أمنع نفسي.. فمثلي لا يستحق مثلها
لذا حينما ذهبت السكرة وحلت الفكرة وجدتني أصرخ بها غاضبا من نفسي ومن حقارتي: قومي اسبحي الحين..
كم آلمني رؤية جزعها الطفولي وهي تضم أطراف رداءها وتهمس بحرج عميق: أكيد بأسبح الحين بدون ما تقول
ولكني كنت لا أرى من الغضب.. شعرت أنها يجب أن تسرع بتنظيف جسدها من قذارتي..
يجب أن تسرع قبل أن ينطبع سواد روحي على بياض روحها
لذا استمريت بالصراخ الغاضب: مهوب بس تسبحين.. تفركي عدل.. قطعي جلدش تفريك.. طلعي جلد جديد لو تقدرين..
حينها شعرت أنها نحرتني حين رأيتها كقطة مبللة أخذت تتشمم جسدها وشعرها وهي تهمس باختناق تكاد تموت فيه حرجا: عبدالله والله ريحتي مافيها شيء
توني تسبحت قبل أنام وتعطرت وتبخرت.. والله ريحتي مافيها شيء.. مافيها شيء.. عشان تنقرف مني بذا الطريقة
حرام عليك تقول لي كذا...
صمتت مفجوعا.. بينما قفزت هي تبكي للحمام.. كيف خطرت ببالها هذه الفكرة المريعة..
سأظل حتى أموت اقول أنها كتلة مجردة من البراءة
وإلا من يخطر بباله فكرة مريعة كهذه..
أ تنسب كل شيء لنفسها.. حتى قذارة الآخرين؟!!
أ يكون أول ما يخطر ببالها أن تعيب نفسها بينما هي مبرأة من العيوب والعيب كله عيب سواها "


عبدالله انتظرها مطولا حتى تخرج.. ربما قضت ساعات في الحمام
وحين خرجت صدمه منظرها.. احمرار وجهها وعينيها
شعر فعلا أنه يتمزق من الألم من أجلها..
حاول أن يكلمها رغم أن كل الكلمات تموت على شفتيه
ولكنها لم تمنحه الفرصة حتى للكلمات الميتة
تناولت سجادتها وخرجت لغرفة عالية
وتركته خلفها مثقلا بالجراح..
قرر تركها تهدأ قليلا.. ولكن يستحيل أن يتركها مجروحة أو متألمة هكذا
بعد صلاة الفجر.. توجه لغرفة عالية
ولكنها رفضت أن تفتح له
قرر أن يتركها ترتاح مزيدا من الوقت على أن يكلمها في الصباح
ولكنها طوال ذلك اليوم ظلت تتحاشاه
رغم أنه لم يغادر البيت محاولا اقتناصها
كل ساعة تمر وهو يعلم أنها مجروحة منه.. كانت تزيد في ألمه..
لم يكن مطلقا هشا هكذا.. بل كان دائما أقرب لصلابة الشخصية الشديدة المغلفة بالدبلوماسية
لكن هذه الصبية قلبت كيانه تماما.. جعلت قلبه يذوب كذوب الماء من أجلها
اتصل لها عدة مرات ولكن هاتفها كان مغلقا
ولأنها بريئة وتفكير الأبرياء دائما يسير في طريق مستقيم
فهو عرف تماما ماذا ستفعل.. علم أنها ستنتظر نوم الجميع لتذهب لغرفة عالية
لذا قرر أن ينتظرها هناك..
ليباغتها هناك يقلب أوراقها ويجبرها أن يذهبا لغرفتهما ليتناقشا..
حين وصلا لغرفتهما.. همست له جوزاء بألم مزق حناياه الذائبة لأجلها : عبدالله تكفى أنا ما أبي أسمع منك شيء
أي شيء بتقوله بيزود علي.. ماراح يحل شيء بيننا
عبدالله حينها شدها وأجلسها ثم جلس جواره.. تناول يدها ليحتضنها بين كفيه.. ولكنها شدتها منه بعنف
يعلم أن الحق معها.. وهو يعلم أن الوضع معقد بينهما.. والتفسيرات قد تجرح أكثر مما تداوي
شبك يديه وهو يهمس لها بهدوء عميق: وانا ماني بقايل لش شيء.. بس أبي أطلب منش تصبرين علي شوي.. بس شوي
أدري إني غريب وتصرفاتي غريبة.. وادري إني جرحتش واجد.. بس صدقيني كل شيء غصبا عني
حينها شهقت جوزاء بألم: جرحتني؟؟ تسمي اللي سويته فيني جرح بس؟؟
أنت ذبحتني يا عبدالله
عبدالله تكفى.. اعتقني الله يرحم والديك.. والله ما فيني أصبر أكثر من كذا
شعر أنه مخنوق.. مخنوق.. أتقول أنه ذبحها.. بينما هو مستعد لنحر روحه.. ولا تسيل من أطراف أصابعها قطرة دم
أ تقول أنه ذبحها.. بينما هو من ذبح نفسه ببعدها ثم قربها ألف مرة
يريدها.. يريدها .. يعلم ذلك.. والآن هو متيقن من ذلك تماما
جنون عودتها لمنزل أهلها ماعاد واردا إطلاقا
كل ما يريده الآن قليل من الصبر منها.. قليل من الصبر حتى يتجاوز أثار علاقته براكيل التي أثرت فيه بعمق
فهو مازال يشعر أن علاقته براكيل لوثت روحه وجسده..
يحتاج وقتا حتى يتجاوز هذا الإحساس..
تمنى لو استطاع مصارحتها بكل هذا
ولكنه يخشى ما أن يصارحها حتى تجد ذلك سببا وجيها للهرب منه..
مد ذراعه واحتضن كتفيها.. حاولت أن تنهض ولكنه منعها.. يريدها قربه.. وأقرب من ذلك لو أستطاع.. همس في أذنها بشجن عميق:
جوزا والله العظيم أني أبيش..
يعلم أنها لا تصدقه.. بدا ذلك واضحا في نبرة صوتها: واللي يبي حد يسوي فيه كذا.. عبدالله إذا أنت خايف من كلام الناس إنك تطلقني واحنا مالنا شهرين متزوجين
خلني أرجع لأهلي.. وعقب شهرين ثلاثة طلقني..
عبدالله شدها ليسند رأسها لصدره ويحتضنها بكل قوته.. تمنى لو أستطاع أن يدخلها بين ضلوعه..
أن يهرب بها من هذا العالم الذي ظلمه وظلمها..
كان يشعر برغبتها للتفلت من أحضانه ولكنه لم يسمح لها وهو يلصق أذنها بدقات قلبه
وكأنه يقول لها اسمعي هذا الخافق الذي يناديكِ وأصابه الجنون ولعا بك!!
ولم يكن يريد مطلقا إفلاتها حتى شعر ببلل ما بدأ يغرق صدره
انتفض بجزع وهو يشعر كما لو أن هذا البلل نار أحرقت جسده.. أفلتها لينظر لوجهها .. حاولت أن تشيح بوجهها..
ولكنه منعها وهو يمسك وجهها الأثير بين كفيه ويهمس بألم عميق وتأثر أعمق: تبكين..؟؟
جوزاء همست بتهكم باك من بين دموعها: لا وش أبكي هذي.. وأنت سويت شيء يخليني أبكي؟؟
تدري عبدالله قد ما جرحتني الشهرين اللي فاتو بتجاهلك لي
كان ودي تكمل تجاهلك لي.. ولا تعبرني.. دام أخرتها كذا.. وجيعتك يوم تذكرتني ألف مرة وجيعتك يومك متجاهلني..
عبدالله همس لها بعمق مجروح مثقل بالصدق والأسى: سامحيني.. ما أقدر أفسر لش شيء.. بس والله أني حاولت أمنع نفسي.. بس خلاص ماعاد فيني صبر..
جوزاء حينها بدأت تشهق بصوت عال: مافيك صبر عن جسد أنت قرفان منه.. تأخذ منه حاجتك ثم ترميه في الزبالة..
عبدالله أنتفض جزعا... (ليتكِ تعلمين.. أرجوكِ لا تبكي.. لا تمزقيني ببكائكِ) هتف لها بألم حقيقي.. أسمى صور الألم وأقساه: جوزا تكفين لا تعذبيني بكلامش ذا.. ليتش بس تدرين.... والله أني شايفش فوق ما أستاهل بواجد..
فاجأها انتفاضتها الغاضبة غير المتوقعة وهي تقف وتصرخ ببكاء غاضب: حرام عليك تمسخر علي بذا الطريقة... خلاص ما أبي أسمع شيء

قلت لك أي محاولة للتفسير بتضر وماراح تفيد

تركته لتركض للحمام.. بينما بقي هو خلفها يتنهد بعمق ووجيعة على هذا الحال غير الإنساني في ألمه بينهما
قرر أن يتوجه لمولاه يدعوه بالتفريج من عنده.. أن يشرح صدره.. وأن يصلح بينهما..
خرجت من الحمام وهو مازال يصلي.. لتصلي وتنتهي وقبله
ثم تندس في السرير حتى لا تسمع منه كلمة
حينما انتهى.. نظر لها بغضب.. يبدو أنه يجب أن يتصرف معها بطريقة أخرى.. لابد أن يجبرها على تقبل وجوده..
حتى وإن كان أخطأ.. فهو اعتذر.. ومن حقه أن تمنحه فرصة أخرى..
هل فرصة أخرى أمر صعب عليها؟؟
توجه إلى طرف السرير الآخر وتمدد عليه فهو قرر ألا يتركها تبتعد عنه بعد اليوم.. ليتفاجأ بها تقفز لتجلس بشكل حاد وهي تصرخ بألم:
لا تنام جنبي.. سريرك اللي كان شالك الشهرين اللي فاتوا مهوب عاجز منك..
عبدالله تمدد وهو يهتف بهدوء: خلاص أنا كل ليلة بأنام هنا.. تعودي على كذا
حينها همست وهي تستعد للوقوف: خلاص اشبع بالسرير بروحك..
ولكنه أمسكها بحركة سريعة قبل أن تقف فعلا وشدها إلى أحضانه.. ليدفنها فيها بكل شوقه الذي لا ينطفئ لها
حينها هزه بعنف همسها المتألم: تكفى ياعبدالله لا تقهرني
تدرني أني ما أقدر أمنعك.. فلا تقهرني..
(أتشك أنني قد أقهرها.. أقهر نفسي ولا أقهرها
أريد قربكِ فقط يا صغيرتي
أشعر بلين جسدك بين ذراعي..
رائحة أنفاسكِ في صدري
سكينتك تهدئ روحي الملتاعة
هل ما أطلبه كثير؟؟
لا تكوني قاسية هكذا)
أسند رأسها لعضده وهو يشدها ليدفنها بكل قوته بين أضلاعه ويهمس لها من قرب بعمق دافئ: والله ما أبي منش شيء.. بس نامي في حضني..
حينها شعر بطمأنينة عميقة تحل على روحه.. ورغم أنه كان يشعر بضيقها ورغبتها للتفلت ولكنه كان يستحيل أن يتخلى عن هذا الإحساس السماوي براحة نفسية لم يشعر بمثيل لها
لذا همس لها بصوت ناعس فعلا: جوزا اهدي.. أبي أنام.. اهدي.. ولا تحاولين تبعدين عني.. لأني ماني بفاكش حتى لو نمت..
وبالفعل نام ورائحتها العذبة تدفئ حواسه وتريح أعصابه بصورة غير معقولة..
ليصحو بعد ذلك على يدها الرقيقة تهز كتفه وهي تهمس : عبدالله تكفى فكني شوي انخنقت..
أفلتها دون أن يفتح عينيه.. تأخرت بعيدا عنه.. ولكن أمسك بكفها
ثم طبع في باطنها قبلة عميقة جدا وكأنه يبث في قبلته شكره وامتنانه لها
ثم وضع كفها تحت خده وهمس دون أن يفتح عينيه: ما أعتقد اني خانقش بذا الطريقة..
وعاد لينام.. نومة مازال يتذكرها حتى الآن كالحلم.. مازال حتى الآن يحلم برائحتها تلك الليلة تخدر حواسه ومشاعره بصورة بالغة الشفافية
لم يصحو إلا على صوت تغريدها العذب المرهق وهي تهزه برفق : عبدالله .. عبدالله.. خلاص قوم صل الفجر..
فتح عينيه.. شعر أنه يحلم الحلم الأجمل في كل الكون وهو يصحو على محياها القريب منه.. يصحو على نغمات صوتها العذب
تناول كفها من تحت خده وقبلها هو يهمس بنعاس: تدرين إني غبي اللي فوتت على نفسي ذا الأيام كلها أني أصحى على نغمات صوتش
لا يعلم لماذا أشعرها هذا الكلام بالألم: بس عبدالله تكفى.. حرام عليك.. ليش تسوي فيني كذا؟؟
حينها جلس وهو يهمس بعمق غريب صادق: الحين اللي يقول لمرته كلام حلو يضايقها؟!!
جوزا اعتدلت أيضا جالسة وهي ترد عليه بألم: إذا كان ما يقصده.. لكن يقصد شيء عكسه.. يكون الجرح مرتين..
عبدالله مثقل بالأمل .. يريدها بكل مافيه.. ماعاد في القلب احتمال على بعدها أو بقائها بعيدا عنه
همس لها بكل عمق الكون وأمله: زين عطيني فرصة.. خليني أثبت لش إني صادق
للمرة الألف ربما يشعر بالألم من ردة فعلها وهي ترد بخوف مترسب: ما تشجع أبد على أن الواحد يعطيك فرصة..
يحاول أن يقنعها.. أن يحشد كل قدراته في الإقناع.. فهو بين حدي الحياة والموت: زين أنتي ماراح تخسرين شيء لو عطتيني فرصة
أدري أني تصرفت بشكل غير مفهوم ولا معقول.. بس والله العظيم عندي أسبابي
الأسباب هذي بعدها موجودة.. لكن اللي تغير أنا..
ثم أردف بنبرة ولع مفرطة علها توصل ولو جزءا بسيطا من ولعه المتزايد فيها :
جوزا أنا مفتون فيش من قلب.. ومن ليلة عرسنا
سبحان الله شيء مثل السحر
حاولت أقاوم واجد لأسباب تخصني.. بس ما قدرت.. والله ما قدرت..
شهرين وأنا أتعذب لين انهارت مقاومتي.. والحين مهوب هاين عليش تعطيني فرصة وحدة؟!
جوزاء هزت رأسها بخجل.. لتتفجر السعادة أسرابا أسرابا في روح عبدالله المرهقة
عبدالله قفز جوارها وهو يضمها لصدره بقوة ثم يغمر وجهها بقبلاته ويهمس لها بعمق صادق: والله ما أخليش تندميش إن شاء ربي
هكذا كان يظن.. تمنى ألا يجعلها تندم.. تمنى أن يكون هو السكن لروحها.. كما بات يتيقن أنها هي السكن لروحه
دعا الله في صلاة الفجر أن يعينه على ذلك.. ألا يخيبه أو يخيبها
ولكن لله دائما حكمة فيما يفعل أو يريد
عاد من صلاة الفجر.. كأنه يطير من الشوق لها.. قلبه كان يحلق.. ومشاعره مثقلة بالدفء لها ومن أجلها
شعر أنه يتنفس أنفاسا جديدة عامرة براحة نفسية مختلفة.. لا يريد أن يضغط عليها بشيء.. يريدها جواره فقط
يشعر أن الشهرين الماضين كانت فوق احتمال كل بشر.. كان يعاقب نفسه ويعاقبها على ذنب لم يرتكباه..
صعد الدرج ربما ثلاث درجات معا حتى يصلها..
حين وقعت عيناه في عينيها.. ابتسم لا شعوريا.. لأنها ما أن رأته حتى أنزلت وجهها واشتعل خديها احمرارا
كانت تجلس على طرف السرير حين دخل.. جلس جوارها وهو يريد أن يشيع نظرا لها فلا يشبع
كان يشعر أن كفيه يرتعشان.. لمس طرف خدها بأنامله المرتعشة
كانت أنامله ترتعش لفرط انفعاله الذي يحاول السيطرة عليه فلا يستطيع
شدها بحنو ليدفنها بين أضلاعه.. عل هذا الوجيب المتزايد في قلبه يرتاح حين يراها ملتصقة به..
كان يحلق بها ومعها.. ساعات مسروقة من عمر زمن ضن عليهما بالسعادة
ثم لا يعلم أي جنون أصابه.. وراكيل تقفز أمامه بكل بشاعتها وقذارتها وهو يشعر أن قذاراتها تلتصق بجسد جوزاء الطاهر
وهو كان الوسيط الذي نقل هذه القذارة .. كان يتمزق وهو يهمس لها ووجهه مدفون بين كفيه:
جوزا نظفي جسمش.. تكفين.. تكفين
حطم كل ما بينهما بكلمة.. ماعاد هناك مجال للتراجع وهو يسمعها تصر بين أسنانها بحقد أرعبه وهي تقف: حسبي الله ونعم الوكيل فيك..
حسبي الله ونعم الوكيل
أكرهك.. أنا أكرهك.. ولين آخر يوم في عمري بأكرهك..
تركته جالسا على السرير.. مازال يخفي وجهه بين كفيه.. قفز برعب حين سمع صوت نحيبها العالي يصدر من الحمام
كان على وشك تحطيم باب الحمام عليها.. ولكنه توقف في اللحظة الأخيرة بأسى
( حس ياخي حس على دمك
حتى حقها في البكا من فعايلك تبي تحرمها منه
وش عاد باقي لها إلا البكا
وأنت وش باقي لك إلا الحسرة على بكاها)
شعر أنه مشوش تماما.. عاجز عن التصرف.. لم يعرف أبدا كيف هي الخطوة التالية.. وكيف تكون حتى
لا يتخيل حياته خالية منها... ولكنه أيضا لا يتخيل نفسه يطلب منه فرصة مرة أخرى..
أ يطلب منها الفرصة ليخذلها؟؟ ليجرحها؟؟
هو مطلقا لا يستحقها حتى يستحق الفرصة الثانية..
هذا هو الكلام الذي كان يهذي به لنفسه
ولكنه بدا له أمرا عصيا على التنفيذ
" إذن ماذا أفعل..
سأحاول مرة ومرتين وألف..
لن أسمح لها أن تتركني أو أن تنبذبني..
أ بعد أن وجدتها تحصل كل هذه التعقيدات ؟؟
لماذا يارب .. لماذا؟؟؟ "
وماكان ينقصه فعلا هو اتصال راكيل به في هذا الوقت تماما..
زفر بضيق وهو يكتم الاتصال..
ليصله رسالة " لو لم تجبني ستجدني غدا في بلدك ومع ابنك"
اتسعت عينا عبدالله صدمة.. وهو يعاود الاتصال بها بجزع (أي جنون تهذي به هذه المخبولة)
مفجوع تماما... آخر ما كان ينقصه مع كل مشاكله.. هو طفل من راكيل..
ولكن لابد أن يذهب للتأكد بنفسه
فمثل هذا الأمر لا يُترك معلقا...
حينما أنهى اتصاله فوجئ بجوزاء تقف خلفه.. شعر أنه وصل منتهاه من الوجع وهو يرى نظرة الكراهية في عينيها
العينان التي تمنى بكل الألم والأمل أن يرى الحب فيهما..
ولكن كم بات هذا الحلم مستحيلا..
نظر لها بولعه الذي اُغتيل في مهده.. نظر لها بحب عميق لم يستطع أن يغرقها فيه كما تمنى..
أكتفى من نظرة كراهيتها حتى شرق بها..
أشاح بوجعه.. وهو ينحني تحت السرير ليستخرج حقيبته...ويضع ملابسه على عجالة فيها
حتى الوجع الشفاف وهو ينظر لمحياها ماعاد هناك وقت له
ماعاد للتمزق معنى وهو يسمع نبرته الميتة: لا تروح مكان.. أنا اللي بأرجع لهلي.. مستحيل أقعد هنا
رد عليها بنبرة ميتة مشابهة.. فكلاهما ميت.. ميت: أنا مسافر..
بنبرة أقرب للتهكم وهي تقترب منه حتى أصبحت قريبة منه: وين وعساها رحلة طويلة؟؟
لم يرد عليها.. نظر إليها فقط بعمق شفاف عل نظرة عينيه توصل لها ماجُبن عن قوله.. عل نظرة عينيه تتسلل لروحها التي عجز عن الوصول لها
أغلق حقيبته.. واستعد للمغادرة.. بينما جوزاء تصرخ خلفه: يارب تروح ما ترجع..
يارب تروح ما ترجع..
أغلق الباب خلفه.. وآخر ماسمعه وعلق بذاكرته هو نحيبها ودعواتها عليه..
وكأن دعواتها تُستجاب.. هاهو لم يعد.. لم يعد
حينما وصل لأمريكا صُدم بما حدث...
حينها وجد نفسه مضطرا أن يطلقها.. فهو لا يستطيع تركها تحاد عليه بينما هو حي..
مازال حتى اليوم يذكر ذلك اليوم في السفارة بحذافيره
بقيت يده متخشبة على القلم.. عاجز عن التوقيع
حتى شعر بحرج موقفه.. والشهود ينتظرون توقيعه ليوقعوا..
حينها أستأذنهم لدقيقة
أراد أن يسمع صوتها لمرة واحدة قبل أن تصبح محرمة عليه
كان يعرف أن الوقت متاخر في الدوحة ولكنها فرصته الأخيرة
حين سمع همسها الناعم المرهق.. شعر أنه اختنق.. عجز أن يرد عليها
فقط كانت أنفاسه تتصاعد بألم ماهو مقدم عليه
وحين سمعها تهمس باسمه .. تناديه (عبدالله)
تفجرت مشاعره وهو يرد عليها لا شعوريا (لـــبــــيـــه)
تبادلا الصمت والأنفاس الثائرة.. كل ما بقي له هو ثوان يستمتع فيه بصوت أنفاسها قبل أن ينسحب من حياتها
لم يعرف ماذا يقول لها.. أنهى الاتصال بسرعة.. وهو يشعر أن هذا الاتصال بدلا من أن يبرد بعض ناره
أشعل كل نيرانه حتى الترمد
عاد ليوقع على الطلاق وهو يشعر كما لو كان يوقع على ورقة إعدامه
كأنه يوقع على ورقة يقول فيها انتزعوا قلبي من مكانه واتركوه ينزف حتى تجف عروقه
طوال السنوات الماضية لم تغب جوزاء مطلقا عن باله.. كان يقول لنفسه في أحلامه
" لو كُتب الله لي يوما أن أعود في حلم مستحيل
سأقول لها لقد تطهرت يا ملاكي.. يا طفلتي البريئة
لقد مر على روحي من الآلام ما طهرها
ها أنا أعود روح أنهكها الوجع
أنهكها الاشتياق للثم روحك
أقسم أني تطهرت..
فهل أستحقكِ الآن؟؟ "
طوال السنوات الماضية كانت جوزاء حمامة بيضاء تحلق في أحلامه.. حلم عذب يقصر لياليه الطويلة
كل ذكرى لها انغرزت في روحه
طُبعت كوشم ماكن
كان يشعر بشعور غامض أنها مثله .. لم تتزوج.. لا يعلم أي شعور غبي هذا ولكنه كان مؤمنا به إيمان اليقين
يستحيل أن تكون لرجل آخر بعده..
لذا كان آلمه عميقا حين علم من صالح أنها تزوجت... رغما عنه شعر أنها خانته
" أ هكذا يفعل الطاهرون ياجوزائي؟!!
أ هكذا تفعلين بي
ألا يكفي كل الألم الذي أشعر به لفقد ابني
حتى أفقدكِ أنتِ
أفقد حقي في مجرد التفكير بكِ
فأنتِ أصبحتِ لسواي
ماعاد يحق لي مجرد التفكير في حلال غيري"
شعر أن كلمة "حلال غيري" تخنقه.. كان يحرر جيب عنقه وهو غارق في أفكاره التي انتزعه منها صوت صالح القلق:
عبدالله وشك فيك؟؟
عبدالله فتح عينيه بإرهاق وهمس بمودة: مافيني شيء جعلني فداك
صالح يجلس جواره وهو يضع يده على فخذه ويهتف بحزم: تجهز إن شاء الله بعد بكرة راجعين للدوحة
عبدالله هتف بحزم مشابه: لا جعلني فدا خشمك.. عطني يومين ثلاثة لين أرجع بورتلاند وأخذ لولدي تصريح يندفن في الدوحة وناخذه معنا
صالح تنهد بعمق ثم هتف بأشد حزم استطاعه: أنت اللي مالك لوا.. خالد الصغير اندفن من ثلاث أيام
والأرض كلها أرض ربك.. وكرامة الميت دفنه..
حينها صرخ عبدالله بصوت مرعب وهو يقفز واقفا: وأشلون تسوون كذا من وراي.. أشلون تجرأون تسوون كذا.. أنا إبيه.. وأنا اللي أقرر
أنا مستحيل أطلع من هنا بدون ولدي.. أشلون أقعد في ديرة هو مهوب مدفون فيها تقر عيني بشوفت قبره..
حينها هتف له صالح بغضب حازم: يعني وش تبي تسوي؟؟ تنبش قبره؟؟
وبعدين هذا أنت فجعت أبيك فيه.. حتى جثة تقر عينه فيها مالقاها لك
مثل مافكرت في ولدك.. ليش ما فكرت في إبيك؟!!
عبدالله مستمر في غضبه: لا لا تقارن.. إبي أنتو كلكم عنده تردون قلبه
لكن أنا ماعندي غير ذا الولد
وخلاص ما أظن عمري بأقدر أبدأ حياة جديدة ولا أتزوج.. ولا أجيب عيال
ماعندي غيره.. افهمني..
حينها نظر له صالح نظرة مباشرة وهو يهتف له بنبرة مقصودة:
ومن قال ماعندك غيره؟؟ ربك يأخذ ويعوض.. ولكلن غلاه
وأنت عندك ولد يأخذ معاليق القلب يابو حسن..
#أنفاس_قطر#
.
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فاصل إعلآني ^_^ / ..
جميع الحقوق محفوظة لدى : || شبكة ومنتديـآت ***** الثقــآفيـة || ..
تجميع : ♫ معزوفة حنين ♫..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بين الأمس واليوم/ الجزء الحادي والثلاثون

صالح يجلس جوار عبدالله وهو يضع يده على فخذه ويهتف بحزم: تجهز إن شاء الله بعد بكرة راجعين للدوحة
عبدالله هتف بحزم مشابه: لا جعلني فدا خشمك.. عطني يومين ثلاثة لين أرجع بورتلاند وأخذ لولدي تصريح يندفن في الدوحة وناخذه معنا
صالح تنهد بعمق ثم هتف بأشد حزم استطاعه: أنت اللي مالك لوا.. خالد الصغير اندفن من ثلاث أيام
والأرض كلها أرض ربك.. وكرامة الميت دفنه..
حينها صرخ عبدالله بصوت مرعب وهو يقفز واقفا: وأشلون تسوون كذا من وراي.. أشلون تجرأون تسوون كذا.. أنا إبيه.. وأنا اللي أقرر
أنا مستحيل أطلع من هنا بدون ولدي.. أشلون أقعد في ديرة هو مهوب مدفون فيها تقر عيني بشوفت قبره..
حينها هتف له صالح بغضب حازم: يعني وش تبي تسوي؟؟ تنبش قبره؟؟
وبعدين هذا أنت فجعت أبيك فيه.. حتى جثة تقر عينه فيها مالقاها لك
مثل مافكرت في ولدك.. ليش ما فكرت في إبيك؟!!
عبدالله مستمر في غضبه: لا لا تقارن.. إبي أنتو كلكم عنده تردون قلبه
لكن أنا ماعندي غير ذا الولد
وخلاص ما أظن عمري بأقدر أبدأ حياة جديدة ولا أتزوج.. ولا أجيب عيال
ماعندي غيره.. افهمني..
حينها نظر له صالح نظرة مباشرة وهو يهتف له بنبرة مقصودة:
ومن قال ماعندك غيره؟؟ ربك يأخذ ويعوض.. ولكلن غلاه
وأنت عندك ولد يأخذ معاليق القلب يابو حسن..
عبدالله لم يستوعب ما قاله صالح.. هتف بعدم فهم واختناق أقرب للصدمة: نعم؟؟ من أبو حسن هذا؟؟
صالح بشبح ابتسامة موجوعة: أنت أبو حسن.. الله يجعل خالد من عصافير الجنة.. ويكون شفيع لك يوم القضا والحساب
عبدالله ابتلع ريقه بصعوبة.. صورة ما بدأت تتكون في ذهنه.. لكنه عاجز عن إكمالها..
فقلبه المجهد المثقل بمختلف الآلام.. لن يحتمل أملا كهذا
صمت.. لم يجرؤ على السؤال حتى.. (أ يعقل ابن؟؟ ومن جوزاء بالذات؟)

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات