بارت من

رواية بين الامس واليوم -52

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -52

صالح بشبح ابتسامة موجوعة: أنت أبو حسن.. الله يجعل خالد من عصافير الجنة.. ويكون شفيع لك يوم القضا والحساب
عبدالله ابتلع ريقه بصعوبة.. صورة ما بدأت تتكون في ذهنه.. لكنه عاجز عن إكمالها..
فقلبه المجهد المثقل بمختلف الآلام.. لن يحتمل أملا كهذا
صمت.. لم يجرؤ على السؤال حتى.. (أ يعقل ابن؟؟ ومن جوزاء بالذات؟)
ولكن صالح لم يسكت وهو يقتحمه وينسف قلبه المنهك بحماسته المتدفقة:
حسن فديت قلبه تو كمل 3 سنين من 3 شهور.. يا لبي قلبه.. قطعة منك
ثم غمز بعينه وهو يردف: الظاهر أم حسن كانت تحبك أكثر ما تحبها.. عشان كذا الولد كله لك
عبدالله انتفض قلبه بعنف.. بدا كما لو أن صالحا يرتكب فيه جريمة ما وهو يعذبه بهذه الصورة..
فهو مازال عاجزا عن التصديق.. فكيف بكل هذا الانثيال العاطفي المتحمس من قبل صالح:
والله لو مهما أقول لك عنه ما أوفي.. حبيب قلب الكل.. عيالي المساكين مايسوون عنده.. لو مر يومين ثلاثة ماجانا في البيت
شفت أبو صالح وعياله الثلاثة مرتزين في مجلس أبو عبدالرحمن كل واحد منهم يحك رأسه..
صالح بحماسة أخرج هاتفه المحمول: خلني أوريك صورته.. معي صورة له توها مالها كم يوم..
عبدالله انتفض بجزع وهو يقف: صورته؟؟
ثم أردف بألم عميق.. عميق: صالح أنا صدق عندي ولد؟؟ وإلا تلعب علي؟؟
صالح رفع حاجبا: ألعب عليك؟؟ وليه هذا موضوع ألعب فيه؟؟
أنت سافرت وأم حسن حامل.. والمسكينة حادت عليك ثمان شهور
حينها انتفض عبدالله بغضب كاسح: تخلونها تحاد 8 شهور وأنا مطلقها... ليش؟؟ ليش؟؟
صالح بهدوء: ابي من زعله منك ماشاف ورقة الطلاق..
عبدالله مستمر في غضبه: وهذا التبرير بكل بساطة؟؟ 8 شهور ما تطلع من البيت بدون سبب.. ودراستها زين متى لحقت تكملها؟؟
صالح بذات الهدوء: ما كملت دراستها..
عبدالله جلس من ثقل وطأة الصدمة عليه: أشلون؟؟ كان باقي لها مادتين بس..
صالح هز كتفيه: هذا اللي الله كتبه.. وبعد أم حسن من النوع اللي يحاتي واجد.. وما حبت تخلي حسن وهو صغير..
عبدالله يفتح عينيه ويغلقهما ويهمس بأمل موجوع: يعني صدق أنا عندي ولد من جوزا؟؟ صدق يا صالح؟؟ تكفى لا تكون تلعب علي والله ما استحمل
صالح كان يهز له رأسه بينما عبدالله أردف بغضب تفجر فجأة وهو يتذكر شيئا:
وإذا أنا صدق عندي ولد..أنتو أشلون تخلون ولدي يربيه رجّال غريب ماكن له أهل
صالح يشير له أن يهدأ: أول شيء أم حسن توها تملكت من كم أسبوع بس.. ومابعد عرست.. وابيك اللي مارضى حد يتعرض لها
قال كفاية اللي اخيكم سواه فيها.. والله ماحد منكم يقهرها على ولدها
وقتها ما فهمت ابي ليه سوى كذا.. بس الحين فهمت وما ألومه
أنت تقول أنك ظلمت البنية بنفسك
وأم حسن ذا السنين كلها وهي ترفض تتزوج.. والحين جاها واحد ما ينرد من وجهة نظر ابيك.. وحلف علينا ماحد يتدخل
عبدالله حينها شعر أنه يحترق حتى أقصاه من ناحية.. قشعريرة غضب وغيرة عارمين اقتحماه بلا هوادة رغم محاولته دفعها..
ومن ناحية أخرى شعر براحة غير مفسرة.. أنها مازالت لم تصبح لرجل آخر بعد
ولكنه هتف بغضب مر من بين صرير أسنانه: ومن حضرته اللي ما ينرد؟؟
صالح ببساطة: امهاب آل يحيا...


***************************************


كانت على وشك النزول للأسفل.. رأت طيف فهد الذي عرفته ببدلته العسكرية.. لذا عادت لناحية قسمها.. حتى يتوجه لقسمه هو هزاع في الناحية الأخرى من الطابق
وبقيت قريبا من الباب المفتوح
اقتحمها الصوت الواضح القريب في منتصف الصالة.. صوت فهد الذي هتف بإرهاق:
جيت والله جابك.. تكفى ياخيك..
صوت هزاع المرح: وفيها تكفى بعد... كم تدفع؟؟
فهد بذات الصوت المرهق: اللي تبي.. والله أني حاضر
هزاع يضحك: غريبة الأخ طافي مرة وحدة.. يا الله احتراما للأخوة ولأخي الشيبة آمرني..
فهد حينها أمر بحزم: بس إياني وإياك حد يدري باللي أنا اقوله لك
هزاع (بعيارة) : خلصني.. يعني باروح أنشر اللي بتقوله في وكالات الأنباء
فهد بأمر: روح الحين لبيت صالح.. بتلاقي عمال يشطبون غرفتين داخل.. تقريبا هم خلصوا.. بس باقي شغلات بسيطة
أبيك تقعد فوق روسهم لين يخلصون.. لأنه بعد شوي بتجي شركة التنظيف
لأني بكرة لازم أفرش الغرفتين ذولا والمجلس..
صالح جاي بعد بكرة.. ولو ماخلصت متحلف فيني يعلقني على باب بيته..
هزاع يحك رأسه: متحلف فيك يعلقك؟؟ هذي تخليني أفكر أفرك لها وأخليك تورط.. عشان أجي عقب وأضحك..
فهد بنفاذ صبر: هزاع بلا عباطة.. والله أني ميت من التعب توني جاي من الزام هلكان.. على الأقل بأنام ساعتين وأنا بجيك عقب
حينها هتف هزاع (بعيارة) : إلا وش عنده اخيك الكبير مكتم على الموضوع..
لا يكون رايح أمريكا يبي يجيب مرته الجديدة ويسكنها في البيت.. وحاشرنا على سبت ذا الموضوع..
حينها ابتسم فهد: الظاهر شكله كذا..لا وأزيدك من الشعر بيت.. مارضى يقول عن وقت رحلته بالضبط.. يقول مايبي حد يستقبله.. بيجي على تاكسي
الأخ الظاهر غيران حد يشوف المدام الجديدة..
هزاع يضحك: لا لا أنا معترض.. البيت الجديد حق بنت عمي أم خالد..
تبيه يجيب الجديدة على رأسها ويعطيها بيتها بعد.. شين وقوات عين
فهد يتوجه لناحية قسمهما: اعترض على كيفك.. خلني أنام بس..
هزاع يستوقفه وهو يهمس بنبرة مقصودة مرحة: يا حضرت الملازم ترا نتيجتي قربت تطلع.. جهز نفسك للوعد عند الحلاق..
فهد كان قد وصل إلى باب القسم دون أن يلتفت أشار بيده: احلق حواجبي مع شنبي كنك جبت نتيجة بس..
هزاع نزل.. وفهد أغلق باب غرفته عليه.. وهناك مستمع ثالث انهار جالسا على الأرض
تعلم أنهما يمزحان.. ولكن خلف المزح حقيقة جلية واضحة
صالح طلب تشطيب البيت وفرشه دون علم أحد..
فإلى ماذا يهدف من ذلك..
أمنياتها البريئة حاولت أن تقنعها أنه ربما كان يريد مفاجئتها بذلك كصلح بينهما
ولكن عقلها رفض هذا التبرير الغبي..
تشطيب غرفتين فقط وبشكل عاجل وسري
كل هذا يشير إلى توقع واحد مرعب..
هزت رأسها رعبا جزعا.. وقلبها يهوي بين قدميها :
لا لالالالالالالالالالا.. لالالالالالالا.. صالح ما يسويها فيني


********************************


" منصور حبيبي.. صار لك كم يوم وأنت بالك مهوب رايق
وش فيك ياقلبي؟؟"
حينها التفت منصور لعفراء التي جلست لجواره للتو وهمس بشفافية عميقة بها رنة وجع عميقة مخفية:
ويا ترى أنا حبيبش وقلبش.. وإلا كلمة فض مجالس؟؟
عفراء أنزلت عينيها بخجل: يعني لازم تدقق على كل كلمة..
منصور بذات النبرة الشفافة الموجوعة المختبئة خلف ثقة صوته المعتادة:
أدقق؟؟ لا صارت الكلمة حلم أتمناه.. أشلون ما أدقق
عفراء تتنهد ( ليتني ماقلت له شيء.. إلا لازم يحرجني بتدقيقه)
همست وهي تتهرب من الرد: يعني مسكت في أطراف الكلام وخليت لبه.. وش مشغل بال أبو زايد؟؟
منصور تنهد وهو مصر على مافي رأسه.. تحسس طرف خدها وهو يهمس بخفوت:
هو عندش أطراف كلام لكنه عندي لبه وأساسه..
عفرا أبي أكون قلبش وحبيبش صدق مهوب كلام بس
عفراء صمتت وخجلها يلتهمها.. بينما منصور عاود التنهد وهو يهتف بحزم:
وعلى العموم اللي شاغل بالي شوي تخطيطات
عفراء حاولت أن تبتسم تجاوزا لحرجها: تخطيطات عسكرية أو حياتية؟؟
ابتسم منصور وهو يطوق كتفيها بذراعه: شوي من هذا وذاك..
تعرفين حن العساكر قانوننا الأزلي.. ضحي بالمهم عشان الأهم
وهذا اللي أنا قاعد أسويه ذا الأيام..
عفراء بتساؤل رقيق: وياترى وش مقياس المهم والأهم عندك؟؟
منصور استدار ليواجهها.. وهتف لها بشجن: خلني أشوف عيونش وأقول لش
عفراء حاولت رفع عينيها فلم تستطع.. ابتسم منصور وهمس لها بنبرة دافئة شعرت بها تذيب خلاياها:
المهم أنه الليلة كان فيه احتفال بترقية زميل عزيز
بس أنا لأني طلعت اليوم قبل صلاة الفجر.. وماشفتش الا لمحة ما أشبعت شوقي
فصار الأهم عندي أني أشوف عيونش .. لانه زامي بكرة مثل زامي اليوم (الزام/الدوام)
ومعنى كذا أني لو رحت العشا ما راح أرجع إلا متأخر ولا أقدر أشبع من قعدتش..
فاعتذرت عن الاحتفال والعشا.. وجاي مبلط عندش من بدري
وهذي طبعا تعتبر من المعجزات.. ومع ذا كله حضرتش شاحة علينا حتى بنظرة عيونش
عفراء شعرت بارتعاشة شفافة تجتاح جسدها ..فهي أصبحت تعرف اهتمام منصور المبالغ فيه بمجاملة زملائه في مناسباتهم..
وهو بالفعل نادرا ما يعود في وقت مبكر فهو يبقى في مجلسه حتى منتصف الليل أو ماقبل ذلك بقليل..
لذا استغربت عودته المبكرة اليوم.. وربطتها بتغييرات لاحظتها عليه الأيام الماضية
ولكن أن يصدمها بكل هذا الحنان غير المتوقع.. فهذا كان عاصفا بمشاعرها بالفعل
لذا رفعت عينيها له.. ثم تجرأت أكثر لتمد جسدها قليلا وهي تميل عليه لتقبل هي عينيه وتهمس له بعذوبة من قرب: الله لا يخليني من عيونك
منصور وضع يده على قلبه: وينش يمه؟؟ تعالي شوفي ولدش راح في خبر كانا
عفراء عاودت الجلوس والنظر ليديها بخجل.. منصور نظر لها بابتسامة: تونا وش حليلنا وما أسرع قلبنا
عفراء ابتسمت بخجل دون أن تنظر إليه.. ثم همست له بسعادة وهي تتذكر شيئا:
نسيت أقول لك... اليوم كلمتني جميلة... دكتورها رخص لها..
ياربي يا منصور.. يأنا انبسطت.. كنت بأموت من الشوق لصوتها
يا قلبي صوتها متحسن واجد.. وطمنتني إنها تحسنت.. بس تقول إنها مشتاقة لي..
قلت لها حتى أنا مشتاقة لش واجد وبجي لش قريب..
منصور كان ينظر لعفراء كيف أشرق وجهها مع ذكر ابنتها وهي تنثال بسعادة لم يراها مسبقا فيها.. كانت روحها تغرد..
شعر بسعادة في عمق روحه لسعادتها: الله يخليها لش.. ويخليش لي.. لا تحاتين ياقلبي قريب إن شاء بأوديش
موضوع جميلة هو بالفعل يشغل بال منصور.. ومهما حاول ترجئة الحديث عن هذا الموضوع يجده يقفز لبؤرة التفكير عنده

لذا مد يده لعفراء الجالسة جواره وأمسك بكفها بين كفيه ثم هتف بحزم:

تدرين عفرا أنا فعلا فيه شي شاغل بالي.. ومن يوم تزوجنا مهوب جديد
يمكن أحيانا يكون فيه مخططات الواحد يحب يحتفظ فيها لنفسه لسبب معين
لكن لما يكون في الرأس سؤال أنا ما أقدر أصبر ولا أراوغ
أحب أسأل بشكل مباشر وأتلقى جواب مباشر بدل ما أقعد أفكر وأقول يمكن كذا أو يمكن كذا
عفراء بتساؤل: أبو زايد ليش ذا المقدمة.. عندك سؤال اسأل وأجاوبك من عيوني..
منصور شد له نفسا ثم أكمل بذات الحزم: قبل ما نتزوج.. يمكن كل واحد منا شرط على الثاني شروط
بس شروط وانت على البر غير يوم تدخل البحر..
يعني يا عفرا أنتي شرطتي رضا بنتش عن زواجنا.. لكن فرضا إنها ما رضت.. وقالت يا الله يمه تطلقي
تسوينها.. تطلبين الطلاق مني؟؟ يهون عليش تقولين منصور طلقني عشان بنتي اللي عند رجّالها مهيب راضية؟؟
عفراء بدأت تشد أصابع منصور ارتباكا وتوترا دون أن تشعر وهمست بتوتر:
ما تشوف يا منصور إن هذا كلام سابق لأوانه وماله أي سبب الحين
منصور بحزم: أنا بصراحة كاره شعور القلق والمحاتاة اللي أنا فيه.. عفرا أنا ما أتخيل حياتي من دونش خلاص..
تخيلي يقولون لش ممكن نحرمش من الهواء أو الماء.. هل بتعتبرين الكلام عن الموضوع أو محاتاته كلام سابق لأوانه؟؟
عفراء احتضنت كف منصور برقة وحاولت دفع أكبر من المهادنة والرقة في صوتها.. فنبرة منصور بعثت قلقا وتوجسا عميقين في روحها:
حبيبي منصور فيه أمور ما تعالج بذا الطريقة
يعني أنت كل شيء عندك يا أبيض يا أسود.. ترى فيه ألوان ثانية..
خلك مرن شوي.. ومافيه داعي تفكر في ذا الموضوع بدون سبب..
اقعد يا قلبي ريح أعصابك وخلني أسوي لك أحلى عشا
حينها انتزع منصور يده منها بحدة وهو يقف ويهتف بنبرة مثقلة بحزم مصفى:
وياترى لوني أنا وش هو عندش يا عفرا..؟؟ لون ماله لازمة..؟؟
تدرين ..خلي عشاش لش.. وفوقهم حبيبي وقلبي.. اللي أكيد هم بعد من لون ماله لازمة.. مثل اللي تنقال له..
منصور توجه للدولاب يأخذ له ثوبا وغترة.. بينما تبعته عفراء بجزع..
يقف أمام الخزانة لا يرى من الغضب الذي يحاول كتمانه فلا يفلح.. وهو ينتزع الثوب بحدة حتى كاد يمزقه
فكلما تمكنت عفراء من روحه.. كلما أصبح شرطها جارحا أكثر لمشاعره وكرامته.. ثم بعد ذلك تريده أن يرى كل الألوان!!
(أي ألوان تريد أن أراها
وأنا أشتعل هكذا
أي ألوان أراها وأنا أعلم أنه في الوقت الذي باتت هي أنفاسي دون أشعر
في الوقت الذي تسللت لتقيم تحت جلدي
هي على استعداد أن ترمي بي بدون اهتمام
ثم بعد ذلك تقول لي كن مرنا.. انظر لكل الألوان
لقد بت أكره كل الألوان التي هدفها إبعادك عني
نعم أريد فقط الأبيض والأبيض
لا أريد الأسود حتى
أريد فقط بياضك أنتِ)
أخذه من أفكاره الغاضبة عفراء تمسك ذراعه وتهمس برجاء عميق:
تكفى حبيبي لا تطلع وأنت معصب كذا.. خلاص سامحني أنا آسفة..
منصور التفت لها بحدة وعيناه تطلقان شررا ملتهبا: لا تقولين حبيبي.. فاهمة.. شيء ما تقصدينه لا تقولينه.. لا تقولينه..
تحبيني وأنتي حاطتني ستاند باي.. لو بنتش الدلوعة قالت يمه ما أبيه.. مستعدة ترميني بدون تفكير..
عفراء بدأت تختنق بعبراتها: تكفى منصور والله مهوب كذا.. والله مهوب كذا.. زين اقعد خل نتفاهم..
منصور لم يرد عليها وهو يرتدي ثوبه..ثم يتجه للمرآة وهو يلبس ساعته وأزرته ويعدل غترته.. بينما عفراء بقيت واقفة بجوار الخزانة
قررت ألا ترجوه أكثر من ذلك لأنه بدا ثائرا فعلا وخشيت أن يحتد أكثر في الغضب..
كما أنها خشيت أن ترجوه أكثر فتنهمر عبراتها التي تسد حلقها
لم ترد أن تبدو بمظهر طفلة باكية أمامه
لا تعلم كيف انقلب بهذه الصورة.. منذ دقائق فقط كان رائقا جدا كبحر رقراق هادئ
فإذا البحر ينقلب إلى أمواج عاتية غاضبة..
كان وصل للباب حين استوقفه همسها المختنق: على الأقل قل لي وين بتروح.. لا تخليني أحاتيك تكفى..
منصور هتف ببرود وهو عند الباب ودون أن يلتفت لها: غريبة تحاتين ذي!!.. تحاتيني اليوم وأنتي بتبيعيني بكرة؟!!
رايح لعشا ترقية زميلي أبرك لي من ذا القعدة التي تقصر العمر..


**************************************


" وش رأيك تخاويني؟؟"

كان أبو عبدالرحمن يهمس بهذه الكلمات وهو يشير حسبما يستطيع لتميم
وخصوصا أن الاثنين بينهما تفاهم عميق جمعهما عليه اشتراكهما في هواية القنص بالصقور..
تميم ينزل فنجانه ويشير له بمودة : وين؟؟
أبو عبدالرحمن يحرك شفتيه بهدوء حتى يفهمه تميم: باكستان.. أبي اشتري لي طيور من ذا الحين قبل موسم القنص
تميم يشير برأسه بالموافقة ويشير له : متى؟؟ لازم أكون هنا قبل عرس أختي
أبو عبدالرحمن يبتسم: ذا اليومين.. بنروح ونرجع قبل العرس..
يبتسم له تميم ويشير برأسه: متى ما بغيت أنا جاهز..
أبو عبدالرحمن يبتسم بمودة كبيرة: جعل بنت آل ليث ما تجيب لك إلا عيال.. تجيب لك عشرة.. قل آمين..


في زاوية أخرى من المجلس نفسه.. مجلس فاضل بن عبدالرحمن
"امهاب قوم فارق لبيتكم.. بدل ملابسك"
مهاب يلتفت لعبدالرحمن بنصف عين: قاعد فوق رأسك أنت.. قاعد في مجلس عمي حبيبي..
عبدالرحمن يضحك: الله يهني سعيد بسعيدة.. بس ثوبك وسخه حسن بالشكولاته.. لا يجينا رياجيل وأنت كذا
يقولون وش ذا الكابتن المعفن؟؟
امهاب بمرح: عاجبني ثوبي.. وكيفي أنا وولدي.. حلاله خله يوسخ ثوبي
المسكين ارتاع يوم لقى ايديه وسخه.. مالقى له منشفة غير ثوبي
عبدالرحمن يضحك: بلاك ماتدري وش بليتك أنت وإياه.. مرتك وامه..
لو شافت ثوبك وسخ ..وإيديه وسخة ..مهوب بعيد تحطكم اثنينتكم في الغسالة
مجنونة نظافة..
مهاب عقد حاجبيه: من جدك أنت؟؟
عبدالرحمن يبتسم: إيه.. من جدي.. ما تشوف حسون 24 ساعة يلمع كنه مراية..
مهاب أدخل يده في ماء فناجين القهوة أمامه .. ثم رش عبدالرحمن بأطراف أصابعه لتصل بعض نقاط الماء لوجه عبدالرحمن: اذكر الله .. بتطس الولد عين بعد..
عبدالرحمن يمسح وجهه ويضحك: زين إن ابي وتميم لاهين وما شافونا.. وإلا كان وريتك شغلك ياقليل الحيا
امهاب يضحك: جزاك وأقل من جزاك.. قاعد تنظل مرتي وولدي على نظافتهم..
ثم أردف ببعض الجدية: إلا لا تكون أم حسن تعصب على حسن إذا لقته موسخ نفسه وإلا ثيابه..؟؟
عبدالرحمن بنبرة دهشة: تعصب عليه..؟؟ جوزا على نظافتها يمكن لا يجيها حسون طالع من بلاعة ما تعصب عليه..
عمري ماشفت أم تحب ولدها وحنونة عليه مثل جوزا..
غمز مهاب بعينه: عقبال ما ينولني من الحب جانب..
غمز له عبدالرحمن: اصبر على رزقك..
ثم أردف بجدية: شوف يا امهاب أنا وأنت واحد... ما أكذب عليك.. جوزا فيها عيوب واجد..
وأشين عيب فيها إذا عصبت وخر من طريقها لأنها تضيع مفتاح لسانها..
وهذي طبعا نصيحة لك.. إذا شفتها عصبت لا تكلمها
بس جد جد فيها صفتين يدور عليها كل رجال في بيته..
تقدر تأمنها على بيتك وأنت مالي يدك ..
والشيء الثاني اللي أنا من الحين أحاتيه إذا راحت.. إنها تسنعك عدل
يعني على أني الولد الوحيد وأمي موجودة وعندي أخت ثانية.. لكن كل شيء يخصني جوزا مسؤولة عنه
ثيابي وأغراضي كلها مرتبة مثل المسطرة.. وشوفت عينك حتى أنا ملمعتني ومسنعتني.. وبتجي أنت وتأخذها باردة مبردة
مهاب يضحك: الله أكبر عليك.. أشفيك اليوم مشغل الأربع عيون كلها
حتى مرتي بتناشبني عليها... كفاية عليك بنت آل ليث
عبدالرحمن بمرح: ياحي طاري بنت آل ليث.. طاري ولا به شوف..
مهاب يستعد للوقوف: زين خلك تحلم ببنت آل ليث وأنا بأروح للبيت
أتسبح وأبدل.. كساب كلمني يقول يبي يجيني


*************************************


كان يسترق النظر إليها ويبتسم رغما عنه وهو يخفي وجهه خلف جريدته
كان وجهها مشرقا وعيناها تلمعان بفرحة طفولية بعثت في روحه سعادة غير مفسرة
كانت تنظر لوجهها في المرآة الصغيرة التي طلبتها للتو من الممرضات..
وطلبت شيئا آخر.. ملمع شفاه زهري.. طلبته منهن بدلال.. وجدن أنفسهن يستجبن له بابتسامة
فهذه المخلوقة المدللة.. تعرف كيف تتدلل براعة.. دلال لا تستطيع أن تكرهه منها.. من يكره مثل هذا الدلال الرقيق؟؟
هكذا كان يفكر خليفة.. وهو يراها تنظر للمرآة وتدلل شفتيها باللون الزهري الذي زاد إشراق وجهها إشراقا..
ثم اصطادته ببراعة وهي تهمس بدلال رقيق: خليفة أدري أنك تطالعني من ورا جريدتك وتمسخر في قلبك..
بس عاد خلك جنتل وقول أني حلوة من ورا قلبك
خليفة أنزل جريدته جانبا وابتسم: وأنتي حلوة ومن قلبي بعد..
ابتسمت بشفافية: أدري انك كذاب.. بس عادي اكذب علي..اليوم أنا مبسوطة
اتسعت ابتسامته أكثر: وابتسامتج تينن.. ياليت تتكرمين علينا فيها من وقت للثاني..
اتسعت ابتسامة جميلة أكثر وهي تهمس بعذوبة: لا عاد هنا مهوب كذب بس.. إلا نصب على مستوى..


***********************************


" ادخل يا اللي عند الباب"

اعتدلت كاسرة جالسة حين رأت وضحى تفتح الباب وتدخل بخطوات مترددة وفي وجهها حديث
ثم تهمس بخفوت وهي مازالت واقفة قريبا من الباب: ليش ما تعشيتي؟؟
كاسرة بهدوء: تونا شربنا كوكتيل واحنا راجعين قبل المغرب.. حاسة ما همضته بعد
وضحى اقتربت خطوتين وهمست بشبح ابتسامة: تمنيت أسمع اجابة ثانية
كاسرة أشارت لها أن تجلس في المكان الخالي جوارها على السرير وهي ترفع حاجبا وتنزل الثاني: وشنهي الإجابة الثانية اللي تنتظرينها؟؟
وضحى جلست وهي تهز كتفيها بتردد: أنش مثلا متوترة إن عرسش قرب.. وعشان كذا نفسش مسدودة..
حينها ضحكت كاسرة بعذوبة: بصراحة الإجابة هذي ما تشبهني ولا واحد في المليون..
وضحى تهز كتفيها وتهمس بتلقائية: بس تشبه أي بنت طبيعية عرسها عقب حوالي أسبوع..
حينها نظرت لها كاسرة نظرة مباشرة وهمست بذات المباشرة الواثقة: يعني أنا شايفتني بنت غير طبيعية؟؟
صمتت وضحى وهي تخشى انفجار كاسرة فيها..
لكنها فوجئت أن كاسرة تعاود التمدد بشكل نصف مائل وهي تعدل المخدة خلف ظهرها وتبتسم:
وأنا ما أبي أكون طبيعية.. وما أبي أكون أشبه أي بنت.. لأن أنا هي أنا.. ومافيه حد يشبهني..
وضحى بتردد رقيق: طيب والبنت الخارقة ما تبي أختها تساعد في تجهيز شناطها؟؟
كاسرة ابتسمت: عشان أنا مروقة الليلة بأعدي الخارقة ذي يا يا غرانديزر
وأكيد باعتاز اختي تساعدني بس تو الناس على ترتيب الشناط ذي
وضحى حينها انفلتت بحماس هو مادفعها للحضور: لا مهوب تو الناس
لأنش لازم تجهزين الأغراض اللي بتروح لبيتش.. والشنط اللي بتأخذينها معش السفر
حينها اعتدلت كاسرة بحدة وهي تسأل بحزم: أي سفر؟؟
وضحى انكمشت قليلا: سفرش.. شهر العسل.. كساب كان هنا قبل شوي وقال لأمي أنكم بتسافرون ليلة عرسكم على طول
كاسرة ضاقت عيناها قليلا وكأنها تحادث نفسها: كساب كان هنا؟؟
ثم أردفت بغضب: وأمي أشلون ما قالت لي؟؟
وضحى بهدوء متردد: مابعد لحقت يمكن.. لأنه توه راح من شوية.. وهذا أنا قلت لش..
ثم أردفت وضحى بابتسامة: ياربي يا كاسرة.. رجّالش وذوق وجنتلمان بشكل
جايب لأمي هدية خيال..خيال..
كاسرة كانت تعض شفتيها دون أن تشعر
(يعني غاثني بالاتصالات والمسجات اللي كنها وجهه
ويوم يصير موضوع مهم مثل ذا.. بدل ما يقوله لي ..يبلغه لأمي.. وش يقصد من ذا الحركة يعني؟؟
وجايب لأمي هدية بعد من زود الذرابة والأدب يعني
الله أعلم وش يقصد؟؟
الذيب ما يهرول عبث!!
نشوف وش أخرتها معه ذا الكساب المصدي؟)
وضحى شعرت أنها ربما أخطأت بإبلاغ كاسرة وأنها كان من المفترض أن تترك هذه المهمة لأمها
لذا انسحبت بهدوء وأغلقت الباب دون أن تنتبه كاسرة لخروجها أبدا لشدة استغراقها في أفكارها الغاضبة من كساب..


********************************


في غرفتها.. مستغرقة في دوامة أفكارها التي تلتهمها منذ أيام...
زواج.. حياة جديدة.. مسؤولية مختلفة
هل هي مستعدة لكل هذا مع إحساسها الدائم بثقل ما في روحها؟
تشعر أنها غير مستعدة أن تخطو هذه الخطوة بينما في حياتها الحالية خطوات معلقة
هل تتزوج لترحل لبيت جديد بينما كساب مازال غاضبا منها؟؟
حينها أي فرصة ستكون لحل ما بينهما.. ستبتعد لتبدأ حياة جديدة بعيدا عنه.. وحينها لن يجد له سببا للرضا عنها
تريد حينما تنتقل لحياتها الجديدة أن تكون بكامل عافيتها النفسية في حياتها الحالية
لا تريد أن تنقل أحزانها معها هناك..
لا تنكر أنها في داخلها كانت كفة غانم ترجح لسببين
السبب الأول والأهم أنه من طرف كساب.. والسبب الثاني هو غانم نفسه
لأنه رأته بنفسها.. فصورته واضحة في خيالها.. وليس مجرد خيال غير معروف كابن عمه الآخر
وحينما صفت رؤيتها الآن بعد ابتعادها عن ضغط جو العمل
تتذكر الآن تعامل غانم معها.. التعامل الذي ضايقها في حينه لأنها كانت متضايقة ومتحفزة
ولكنها تراه الآن قمة في الذوق والشهامة والتهذيب
ولكنها مترددة جدا في الموافقة عليه
فبداخلها حزن بعمق الكون.. حزن لا حدود له.. وهي جربت جفاء الأقارب ووجيعته..وتكره أن تكون هي من تهديه لغيرها
قد تقول لنفسها وما يهمني من الأمر...ولكنها لم تستطع قول ذلك لنفسها
لا تتخيل حياتها مع رجل قد تكون هي سبب القطيعة بينه وبين ابن عمه
حتى لو لم تحدث قطيعة .. سيبقى دائما في القلب مافيه
سيبقى دائما يتذكر أنها سبب الجفاء وانقطاع المودة..
وقد يظن أحدهم أن الثاني قد خطب على خطبته.. فكيف سينظران بعدها لبعضهما؟!
ومن ناحية أخرى تخشى أن توافق على غانم فيحز ذلك في خاطر عمها منصور وخصوصا أنها تعلم قرب فهد آل ليث من عمها واعتباره له كابن له..
تشعر بالحيرة والضياع والتشوش من كل ناحية.. تشعر كما لو كانت في لجة بحر عميق..
كلما رفعت رأسها شعرت أن هناك مايشدها للأسفل ليغرقها أكثر وأكثر!!
تتنهد للمرة الألف هذه الليلة وهي تقطع غرفتها ذهابا وإيابا
وعقلها لا يتوقف عن التفكير الذي أجهدها وأرهقها لأبعد حد
تقرر ختاما أن تتوقف لتصلي صلاة الاستخارة للمرة العاشرة ربما
منذ أخبرتها خالتها بموضوع الخطبتين


يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات