رواية بين الامس واليوم -55
حين فوجئت بمن ينحني عليها من الخلف ويقبل رأسها..وهو يلقي السلام
ردت السلام بهدوء
استدار ليجلس جوارها وهو يهتف بحنان: أشلونش الحين يا قلبي؟؟
(قلبك يا النصاب؟!) هكذا قالت عفراء في ذهنها وهي ترد بنبرة محايدة: الحمدلله تمام..
تبي عشا؟؟
مد يده ليطوق كتفيها وهو يشدها ناحيته ليقبل خدها وهو يجيب: متعشي في المجلس..
ولكنه فوجئ بها تنفض كتفيها وتنهض.. فهي لا تستطع تقبل لمساته بعد ما تظنه فعله
حينها هتف بحزم غاضب وهو مازال جالسا وهي واقفة: عسى ماشر؟؟
عفراء بذات النبرة المحايدة وهي تستعد للمغادرة: مافيني شيء تعبانة وأبي أنام..
فوجئت به يقف وينتزعها من عضدها بحزم: ياويلش مرة ثانية تخليني وأنا أتكلم معش..
عفراء همست بنبرة حزم لم يعتدها منها: أيش بتسوي يعني؟؟ بتضربني؟؟
ولو سمحت فك يدي لأنك آجعتني..
منصور أفلت عضدها وهو يهتف بحزم: مهوب أنا اللي أمد يدي على مرة..
بس أنتي الليلة منتي بطبيعية.. خليتش المغرب مافيش شيء
عفراء تشعر أنها تريد أن تبكي وتمنع نفسها وهي تدفع القوة في عروقها:
يعني ما يحق لي مرة أزعل أو أتضايق وأنت تستحملني شوي..
منصور بذات النبرة الحازمة التي حملت هذه المرة دفئا عميقا: أنا استحملش عمري كله..
بس أظني أنش صرتي عارفتني.. أسلوب المراوغة ما أحبه..
وأنتي مبين أنش زعلانة مني.. قولي لي أيش اللي مزعلش..
عفراء حينها تنهدت بألم رغما عنها.. وشعر منصور أن تنهيدتها نفذت من صدره
ولم يشعر بنفسه وهو يحتضن وجهها بين كفيه ويهتف لها بحنان مصفى:
وتنهيدة بعد .. أفا يا الغالية.. وش اللي مضايقش؟؟
أدري أني أجيب الهم والضغط... بس والله ذا المرة ما ظنتي إني سويت شيء
علميني منصور أبو دم ثقيل وش سوى؟؟
عفراء اشاحت بوجهها لتبتعد عن مدى كفيه.. حينها تأخر منصور للخلف وهو يهتف بحزم عاتب: وحتى أقل لمسة ما تبينها مني... والله أن الزعلة كايدة..
شوفي خرابيط خلني بروحي.. وأبي أختلي بنفسي.. هذي ما أبي أسمعها
الحين تقولين لي وش اللي مزعلش مني؟
حينها رفعت عفراء عينيها الغائمتين له وهمست باختناق:زين يوم أنت حريص على الحوار ليش أمس طلعت وخلتيني وأنا أقول لك اقعد نتفاهم
وإلا بس هذا حقك بروحك؟؟
وعلى العموم خلنا في اليوم...تشوف إن الكلام اللي قلته لمزون مايزعل.. ليش تسوي فيني كذا يا منصور؟؟
ممكن أقبل منك أي شيء إلا إنك تفشلني في عيالي..
منصور بصدمة: أنا فشلتش في مزون.. شكلش تخيلين شيء ماصار..
عفراء بألم أكبر: وبعد شايف إن اللي أنت قلته لها مافيه شيء.. خلاص منصور.. ما قصرت.. تصبح على خير..
منصور بغضب: وش تصبح على خير ذي.. تقطين الكلمة وتروحين.. مافيه.. اقعدي وفهميني..
حينها جلست عفراء وانخرطت في بكاء خافت وهي تشهق: بس منصور حرام عليك .. لازم توصلني لأخري.. ارحمني الله يرحم والديك
منصور حينها استعد لمغادرتها لغرفته وهو يهتف بغضب حازم: ذا اليومين ما أدري وش فينا... شياطيننا متركزة.. الله يكفينا شرها..
بأخليش يأم جميلة.. بأروح أنخمد وراي شغل من فجر..
وانتي اشبعي بالتفاهم مع روحش يمكن توصلين مع روحش لحل لمشاكلش مع رجّالش اللي طلعتيه من السالفة..
عفراء رفعت عينيها وهي ترى ظهره داخلا لغرفتهما ثم يغلق الباب خلفه بدوي هائل كأنه سيحطم الباب
انتفضت من الصوت وهي تستغرب قوله لها أم جميلة.. هي بالفعل تحب أن يُقال لها أم جميلة.. ولكنها المرة الأولى التي يقولها لها منصور
( أ هذه رسالتك الجديدة يا منصور
فلست زوجتك عفرا
ولكن أم جميلة فقط
أ تشير إلى أنني قد أختار جميلة عليك.. لذا يجب أن أكتفي بكوني أما لها وليس زوجتك وشريكة حياتك؟؟
ماذا أفعل يا منصور إن كنت لا تسمح لي أن أكون أما لسواها..
هل تظن أنه لو كان بيننا أطفال أنني قد أتركك..
أقسم لك أنني لا أريد تركك بدون أطفال.. فكيف لو كان هناك مايربط بيننا..
أريد أطفالا تكون أنت والدهم..
ولكنك ترعبني من الحياة معك..
تعبت يا منصور.. تعبت ونحن ما زلنا في أول الطريق
يا لك من رجل مستبد متسلط.. لا تكتفي بأوساط الحلول ولا أوساط المشاعر!!)
قضت عفراء ليلتها جالسة في الصالة.. صلت هناك وأخذت من سجاجيد وأجلة الضيوف
لم تدخل على منصور ولم تستبدل ملابسها ولم تأخذ سجادتها
تشعر أنها منهكة تماما من التعب والتفكير .. تمددت بشكل مائل على الأريكة ونامت..
صحت على هزات حانية على كتفها ..فتحت عينيها ..حين رأت وجه منصور القريب وملامحه المرهقة شعرت أن عبرتها قفزت لحلقها
وقف وهو يهمس لها بعتب عميق مخلوط بالحزم: قومي نامي في غرفتش.. المتوحش اللي بيأكلش طالع لشغله..
البارحة ماجاني نوم.. وأنا أقول كل شوي بتجيني.. لأني كنت أظن أنه مايهون عليش تنامين بعيد عن حضني
مادريت قلبش قاسي كذا..
أنهى عبارته.. ونزل.. وعفراء يتنازعها الاستغراب والألم من أشياء ثلاثة..
كلامه العاتب لها وهو يحملها مسؤولية ماحدث كله ويبرئ نفسه..
وأنه نزل بثوبه وغترته.. وليس بلباسه العسكري..
وأنه كان يحمل حقيبة صغيرة في يده!!
في صالة الانتظار لصعود الركاب
مازالت البوابة لم تفتح.. ولكن لم يعد به صبر..
قضى البارحة ليلة منهكة في رحلته وهو يتطفل على الطاقم كعضو زائد لم يكن له عمل..
ولم يستطع مطلقا أن ينام.. وهو لم يكن قد نام قبلها.. ليصبح له يومين متواصلين لم ينم.. وهاهو يدخل اليوم الثالث..
كان يريد الوقوف عند البوابة تماما حتى يراهما فور وصولهما.. ولكنه رأى أن هذا سيكون محرجا له ولهم.. عدا أنه مازال عاجزا عن التصديق
يريد له جوا ومكانا يستطيع التحكم بنفسه فيه
لذا بقي جالسا في زاوية الصالة ينتظر وصول الركاب
علاقته بابناء عمه علاقة أخوة خاصة.. فإن كان الله لم يرزقه بأخ سوى بصالح الصغير قبل عام.. فلطالما اعتبر ابناء عمه خالد أخوة له
كان خبر وفاة عبدالله فاجعا له كما كان فاجعا لصالح وفهد وهزاع
وماهزَّ غانم أكثر أنه يعلم قُرب عبدالله من عمه.. كان يعلم أن فجيعة عمه هائلة في هذا الشاب الذي انطفئت شمعة حياته في زهوتها
لم يكن أبلها كي لا يلاحظ أن عمه منذ وفاة عبدالله وهو يزداد وهنا وضعفا يحاول إخفائه خلف صلابته المعتادة
لطالما شعر غانم بغصة كلما رأى حسن الصغير .. طفل يتيم لم يعرف له أبا ..
وغصة أخرى حين يرى شدة شبهه بعبدالله.. صورة من والده.. وكأن الله عز وجل يريد أن لا ينتهي امتداد عبدالله
فإذا بأصل هذا الامتداد موجود.. لم يمت.. أي صدمة هذه؟؟
يفكر غانم الآن بعمه.. عمه بالذات.. كيف ستكون ردة فعله..
كانت هذه أفكار غانم.. حينما التقطت عيناه الجسدان اللذان يعبران البوابة
انتفض بعنف حاد..كأنما أصابته حمى حقيقية..
أحدهما رآه منذ أيام فقط.. لكن الآخر مضت سنوات منذ آخر رآه..
هـــو بذاته.. يبدو أكبر قليلا.. لكنه هــو.. هو عبدالله.. طوله وعرضه وحتى وسامته التي لم يستطع أحد منهم منافسته فيها
رغم كل ما فعله غانم وهو يأخذ هذه الرحلة ويأتي بنفسه لواشنطن حتى يتأكد
لكنه في داخله كان عاجزا عن التصديق.. إذا كان لم يمت فأين كان طيلة السنوات الماضية؟؟
وهاهي شكوكه كلها تتفجر أمامه وعيناه تتبعان بصدمة الشقيقين حتى جلسا انتظارا لموعد صعود الطائرة بعد دقائق..
كان يحاول أن يقف فلا يستطيع.. وتفكيره يعود مرة أخرى لعمه.. بل حتى لوالده..
إذا كان هو لم يحتمل رؤية عبدالله حيا.. ومازال عاجزا عن الاستيعاب ومشاعره تضغط عليه بعنف غير معقول.. خليط من سعادة وصدمة هائلتين..
فكيف ستكون ردة والده وقبل ذلك ردة فعل عمه؟؟
قلقه يتصاعد عليهما من شدة الصدمة..
ختاما حاول شد نفسه وهو يتوجه لهما..
حينها كان صالح وعبدالله مستغرقان في الحديث.. الذي قطعه عليهما الظل الطويل الذي وقف جوارهما وهو يضع يده على كتف عبدالله
عبدالله رفع عينيه..شهق بصدمة.. ليقفز بعدها مباشرة.. وهو يحتضن غانما دون تفكير
لم يفكر حتى كيف أن غانم هنا.. أو لماذا؟؟
لم يشغل نفسه سوى بفرحة عميقة اخترقت قلبه الذي أثقله الحرمان
سعادة عميقة وهو يرى رائحة أخرى من روائح أهله الطيبة تقف أمامه.. أراد أن يطفي بعضا من شوقه.. جوعه لكل واحد منهم.. أراد أن يشعر باحتواءهم يسكن أيام غربته وضياعه..
بادله غانم الحضن بحضن أشد وكأنهما كلاهما يريدان تعويض سنوات متطاولة مرت دون سلام.. دون تحية.. دون دفء مودتهما المتبادلة!!
ووعشرات الذكريات المشتركة تغتال أفكار كل منهما!!
صالح يهمس بابتسامة : فكوا ياجماعة الخير.. فضحتونا.. يفكرونكم تسوون فيلم هندي..
صالح لم يستغرب رؤية غانم.. فغانم طيار وارجع رؤيته إلى رحلة مصادفة..
أفلت كل منهما الآخر وكلاهما يحاول منع عبرة متجبرة من القفز لحلقه..
وغانم يهتف بترحيب عميق عميق: الحمدلله على سلامتك..
ليجيبه عبدالله بتأثر أعمق: الله يسلمك.. بارك لي إن عيني قرت بشوفتك..
غانم بشجن: وين كنت ذا السنين كلها؟؟
قبل أن يجيب عبدالله سارع صالح ليجيب بنبرة حاول أن تكون غاية في الطبيعية:
صارت له شوي مشاكل.. توه خلص منها.. وموته خبر وصلنا بالغلط..
نظر غانم لصالح .. وفهم أنه لا يريد التحدث في الموضوع أو الأسباب.. وفي ختام الأمر غانم لم يهتم بالسبب.. مادام ابن عمه أمامه سليما معافى
فأين كان قبل ذلك لا يهمه بأي حال من الأحوال.. فهو من معرفته لعبدالله يعلم أن السبب لن أبدا يصل إلى الدين أو الشرف.. وماعدا هذين الأمرين لا يهمه..
لذا رد بمودة عميقة: المهم إنه قدامي مافيه إلا العافية .. غير كذا ما يهمني..
عبدالله بلهفة: أشلون عمي؟؟ وأشلون أم غانم وخواتك؟؟ واخوانك الصغار؟؟ صالح علمني إنه صار عندك تالي أخت وأخ..
غانم ابتسم: كلهم طيبين وبخير .. وإيه عندنا صالح ومها..
صالح يبتسم بسعادة: سميي صالح طير حوران.. وعمك مهوب هين.. جاب اثنين قبل يحيلونه للتقاعد
أما عاد خواته.. تحشم.. تسأل عن المدام وأنا موجود..
حينها التفت غانم وهمس له بابتسامة كبيرة: أما على طاري المدام.. شكلك بتعلق من كراعينك إذا رجعت الدوحة..
غانم يضحك: أفا ياذا العلم.. ليه وش مزعل أم خالد علينا..
غانم يضحك: مرتك الجديدة أنت رايح تجيبها من أمريكا
غانم أخبر صالحا الحكاية على عجالة وهو يضحك.. ومعها سبب حضوره وهم يتجهون لداخل الطائرة..
بينما عبدالله كان فقط يستمع باستمتاع حد الوجع.. حتى النخاع
أن يجد نفسه يعود لجوه الأسري.. مشاكلهم الصغيرة ...مشاحناتهم الدافئة...
كل هذا دفع دفئا شفافا إلى روحه المثقلة بالبرد والجمود..
************************************
بعد حوالي 14 ساعة..
الطائرة تحط في مطار الدوحة الدولي
ينزلون ثلاثتهم لأرض المطار.. قلب أحدهم يذوب..يذوب.. يذوب
حينما لفحت وجهه حرارة الجو.. شعر كما لو أن هذه الحرارة تنزل في روحه بردا وسلاما..
رغما عنه سالت دموع حاول جاهدا كبحها فلم يستطع.. لم يظن أنه قد يعود إلا في أحلامه العذبة المستحيلة
بقيت الدوحة وأهلها حلما مستحيلا عذّب ليالي سهده الطويلة بمشاعر لا قياس لها من الألم والشوق والوجع
كم ليلة صحا من نومه وهو يئن كأنين الملسوع..الذي يشعر بسريان السم في جسده.. يشعر أن جسده وروحه يتمزقان ألما لايستطيع رده
لأنه كان يرى في الحلم أنه هنا ثم حين ينتفض من السعادة ويقفز.. يجد نفسه هناك..
ليبدأ في أنين مكتوم ينزف فيه جروح قلبه.. أنين سريان السم في الجسد..
أنين يكتمه بوضع طرف اللحاف في فمه حتى لا يوقظ الصغير النائم جواره بشدة أناته التي ترتفع بحرقة يشعر بألمها تمزق أمعائه
ويبقى يئن.. ويئن.. حتى صلاة الفجر.. ينحني حينها على سجادته ويدعو ربه بلوعة:
أشعر أني أموت يا الله.. وروحي تذوي
أعلم أن الموت أفضل من هذه الحياة.. ولكن هذا الصغير لا أحد له سواي
أبقني بقوتي من أجله..
أرجوك يارب.. كل ليلة أشعر أنك ستنزع روحي من مكانها
أعلم أن ذنبي كبير.. ولكن رحمتك أكبر يارب العالمين
حينما ينهي صلاته ودعواته الطويلة.. يعود ليلقي جسدا متهالكا بجوار خالد الصغير.. يضمه لصدره.. وينام
ساعات قليلة قبل أن ينهض لينخرط في حياة باردة مملة موجعة..
لا يوجد فيها سوى خالد وفيصل.. وأنينه الليلي الموجوع وأحلامه تأخذه إلى بلده وأهله..
ثم اليوم يجد نفسه هنا.. هنا في بلده.. وقريبا يرى أهله..
( أحقا أنا هنا؟؟
أ حقا لست أحلم؟؟
أ هذه أنتِ الدوحة؟؟ أيام الطفولة وليالي الصبا وابتسامات الشباب؟؟
أ حقا لست أحلم؟؟
إن كنت أحلم فلا توقظوني أرجوكم.. لا توقظوني
ماعاد في روحي مكان للأنين والحرقة والحسرة)
أيقظه من أفكاره يد صالح تشده: عبدالله مطول وأنت واقف على الدرج؟؟ الناس كلهم نزلوا
حينها التفت عبدالله وهمس لصالح باختناق: صحيح يا صالح أنا في الدوحة؟؟
ابتسم صالح بألم وهو يشعر بألم شقيقه: ليه الحر ذا كله ماعطاك كف على وجهك وقال لك مرحبا بك أنت في الدوحة؟؟
حينها أكمل عبدالله الخطوات المتبقية للأسفل ثم سجد ليقبل أرض المطار
صالح بصدمة كان يشد عبدالله وهو يهتف بغضب: وش تسوي يا الخبل؟؟
عبدالله ابتسم وهمس بكل شجن العالم: أنا نذرت لو الله كتب لي أرجع يوم للدوحة هذا أول شيء بأسويه.. أحب أرضها..
غانم وصلهما من خلفهما وهو يهمس بتأثر يخفيه خلف ابتسامته: والله وصاير الأخ حساس.. عقب ماترس روسنا فلوع..
أكملوا طريقهم وغانم يأخذهم معه على باص الطاقم وصالح يهتف لهما: غانم يأخيك أبيك أنت تأخذ عبدالله لبيتي
وأنا باكلم فهد وهزاع ينتظرونكم هناك.. وتراني مخليها مفاجأة لهم..
ومابغيتهم يستقبلوننا في المطار ينصدمون قدام العالم...
وأنا بأروح أجيب حسن ولد عبدالله وبجيكم هناك...
#أنفاس_قطر#
.
.
.
بين الأمس واليوم/ الجزء الثالث والثلاثون
بعد رحلة طويلة استغرقت حوالي 14 ساعة..
الطائرة تحط في مطار الدوحة الدولي
ينزلون ثلاثتهم لأرض المطار.. قلب أحدهم يذوب..يذوب.. يذوب
حينما لفحت وجهه حرارة الجو.. شعر كما لو أن هذه الحرارة تنزل في روحه بردا وسلاما..
رغما عنه سالت دموع حاول جاهدا كبحها فلم يستطع.. لم يظن أنه قد يعود إلا في أحلامه العذبة المستحيلة
بقيت الدوحة وأهلها حلما مستحيلا عذّب ليالي سهده الطويلة بمشاعر لا قياس لها من الألم والشوق والوجع
كم ليلة صحا من نومه وهو يئن كأنين الملسوع..الذي يشعر بسريان السم في جسده.. يشعر أن جسده وروحه يتمزقان ألما لايستطيع رده
لأنه كان يرى في الحلم أنه هنا ثم حين ينتفض من السعادة ويقفز.. يجد نفسه هناك..
ليبدأ في أنين مكتوم ينزف فيه جروح قلبه.. أنين سريان السم في الجسد..
أنين يكتمه بوضع طرف اللحاف في فمه حتى لا يوقظ الصغير النائم جواره بشدة أناته التي ترتفع بحرقة يشعر بألمها تمزق أمعائه
ويبقى يئن.. ويئن.. حتى صلاة الفجر.. ينحني حينها على سجادته ويدعو ربه بلوعة:
أشعر أني أموت يا الله.. وروحي تذوي
أعلم أن الموت أفضل من هذه الحياة.. ولكن هذا الصغير لا أحد له سواي
أبقني بقوتي من أجله..
أرجوك يارب.. كل ليلة أشعر أنك ستنزع روحي من مكانها
أعلم أن ذنبي كبير.. ولكن رحمتك أكبر يارب العالمين
حينما ينهي صلاته ودعواته الطويلة.. يعود ليلقي جسدا متهالكا بجوار خالد الصغير.. يضمه لصدره.. وينام
ساعات قليلة قبل أن ينهض لينخرط في حياة باردة مملة موجعة..
لا يوجد فيها سوى خالد وفيصل.. وأنينه الليلي الموجوع وأحلامه تأخذه إلى بلده وأهله..
ثم اليوم يجد نفسه هنا.. هنا في بلده.. وقريبا يرى أهله..
( أحقا أنا هنا؟؟
أ حقا لست أحلم؟؟
أ هذه أنتِ الدوحة؟؟ أيام الطفولة وليالي الصبا وابتسامات الشباب؟؟
أ حقا لست أحلم؟؟
إن كنت أحلم فلا توقظوني أرجوكم.. لا توقظوني
ماعاد في روحي مكان للأنين والحرقة والحسرة)
أيقظه من أفكاره يد صالح تشده: عبدالله مطول وأنت واقف على الدرج؟؟ الناس كلهم نزلوا
حينها التفت عبدالله وهمس لصالح باختناق: صحيح يا صالح أنا في الدوحة؟؟
ابتسم صالح بألم وهو يشعر بألم شقيقه: ليه الحر ذا كله ماعطاك كف على وجهك وقال لك مرحبا بك أنت في الدوحة؟؟
حينها أكمل عبدالله الخطوات المتبقية للأسفل ثم سجد ليقبل أرض المطار
صالح بصدمة كان يشد عبدالله وهو يهتف بغضب: وش تسوي يا الخبل؟؟
عبدالله ابتسم وهمس بكل شجن العالم: أنا نذرت لو الله كتب لي أرجع يوم للدوحة هذا أول شيء بأسويه.. أحب أرضها..
غانم وصلهما من خلفهما وهو يهمس بتأثر يخفيه خلف ابتسامته: والله وصاير الأخ حساس.. عقب ماترس روسنا فلوع..
أكملوا طريقهم وغانم يأخذهم معه على باص الطاقم وصالح يهتف لهما: غانم يأخيك أبيك أنت تأخذ عبدالله لبيتي
وأنا باكلم فهد وهزاع ينتظرونكم هناك.. وتراني مخليها مفاجأة لهم..
ومابغيتهم يستقبلوننا في المطار ينصدمون قدام العالم...
وأنا بأروح أجيب حسن ولد عبدالله وبجيكم هناك...
****************************************
قبل ذلك بسبع ساعات
منصور يصل إلى أنسي.. في رحلة رتبها له علي باستعجال
وهو يوفر له سائقا استقبله في مطار جنيف وأخذه فورا لأنسي القريبة على الحدود الفرنسية السويسرية..
على أن ينتظره السائق ليعيده للمطار مرة أخرى بعد انتهاء مهمته..
وهكذا هي عنده -رغم قساوة المسمى- " مهمة" ..ولكنها هذه المرة تختلف عن مهماته العسكرية
مهمة إنسانية بامتياز..
رغم أن منصور غادر عفراء والجو بينهما غير صاف.. ولكن منصور يُرجع كل ذلك إلى أن بينهما تعقيد يجب حله..
وهو لم يعتد فعلا العيش في جو متوتر بينما القرار بيده كما اعتاد..
فيجب أن تعرف جميلة بزواجهما وتقبل به.. حينها سيخبر عفراء أنه مستعد للعلاج من أجلها
لينهي كل منهما شرطه السخيف...
وهاهو يصل لأنسي تحقيقا لمهمته..
خليفة ينتظره عند باب المصحة بعد أن هاتفه وأخبره بوصوله..
فهو من بعد زواجه بعفراء في كل مرة كانت عفراء تكلم خليفة ومنصور موجود..يحادثه منصور ويسأله عن أحواله وأحوال جميلة.. وأصبح بينهما معرفة مسبقة..
وهاهما كل منهما يسلم على الآخر بحرارة .. ثم يتجهان للداخل..
****************************************
" غانم أنا اللي أبي أسوق"
غانم كان على وشك تشغيل سيارته التي كانت متوقفة في مواقف موظفي المطار
التفت لعبدالله وابتسم: وش معنى؟؟
عبدالله بشفافية: خاطري أسوق في شوارع الدوحة... اشتقت حتى للسواقة فيها
غانم يلقي المفتاح لعبدالله ويستدير للباب الثاني: يالله تعال مكاني.. بس ترا شوارع الدوحة قبل 4 سنين غير عنها ذا الحين..
عبدالله بابتسامة: خلني أجرب... صدقني قلبي بيدلني..
غانم اعتدل جالسا في المقعد المجاور للسائق: وش فيه الأخ صاير عاطفي كذا..؟؟
حينها همس عبدالله بوجع: الغربة جعلك ما تذوقها.. ولا يحكم على مسلم بها..
ثم أردف عبدالله وهو يحرك السيارة ويبتسم: وعلى طاري عاطفي.. منت بناوي تصير أنت عاطفي عاطفي؟؟
هتف غانم بنبرة غموض باسمة: الله يكتب اللي فيه الخير.. لو علي ودي أصير عاطفي من اليوم.. بس طولوا مارضو بعاطفيتي
كان عبدالله على وشك الاستفسار من غانم حول عبارته الغامضة لكن قطع استفساره بسؤال ملح: أكمل الطريق سيده وإلا ألف يسار..؟؟
ابتسم غانم: لا يسار.. إذا أنت ضيعت وحن عادنا في منطقة المطار.. وش بتسوي لين توصل بيت صالح..
عبدالله بحماس شفاف: استحملني شوي.. يمين يسار.. مهيب اللي توجع حنوكك..
وبعدين إن شاء الله ما أحتاج منّتك علينا.. بدل بروحي.. بس هنا غيروا اللفة
ساق عبدالله لحوالي نصف ساعة.. ثم تفاجأ غانم به يركن سيارته جانب الطريق وينزل.. ويطلب من غانم أن يعود هو للسواقة
وهو يهتف بوجع: ماهقيت ديرتي بتغير علي شوارعها كذا في 4 سنين بس..
ابتسم غانم وهو يحرك سيارته: لو أنت في ديرة ثانية صدقني ما يتغير شيء عليك
بس الدوحة هي اللي تغيرت تغير كبير خلال السنين اللي فاتت
لأنك سافرت قبل (أسياد 2006) من عقبه وكل شيء يتغير بسرعة.. مباني جديدة.. شوارع جديدة..
وبعدين على ضمانتي أنك يومين وأنت دال كل شيء.. مهوب من كُبر الدوحة يعني..
عبدالله يبتسم بألم: قاعد تشرح لي كني سايح.. لمعلوماتك كل يوم أفلفل جرايد قطر على الانترنت من أول خبر لين أخر خبر.. غير عن المنتديات القطرية
يمكن حتى ما صارت حفرة في شارع داخلي مادريت عنها وعن القطاوة اللي طاحت فيها..
وش حيلة العاجز غير مطالع السما!!
غانم بمودة عميقة: الحمدلله على سلامتك..وهلا بك في ديرتك وبين هلك
كانا يقتربان من منطقة بيت صالح غير البعيدة عن بيت والده ولا حتى بيت عمه..
حينها هتف عبدالله بألم: أرضي كانت جنب أرض صالح لاصقة فيها.. الله أعلم من صارت له الحين..
ابتسم غانم: ماصارت لأحد.. عمي أبو صالح قال تقعد لحسن لين يبنيها أو يبيعها.. كيفه فيها..
الحين أنت رجعت.. خلاص تبني أنت بيتك إن شاء الله..
تأثر عميق تسرب لروح عبدالله وعيناه تتبعان بشغف بيوت المنطقة التي كانت أكثرها خالية حينما سافر..
حتى وقف غانم بجانب مجلس صالح الخارجي.. وكانت هناك سيارة أخرى بداخل الباحة..
عبدالله شعر كما لو أن قلبه يُعصر بقسوة وهو يمسك بذراع غانم ويوقفه عن النزول ويهتف باختناق: سيارة من هذي؟؟
غانم بطبيعية: أظني سيارة فهد الجديدة... مابعد شفتها.. بس هو قال لي عنها..
ثم ابتسم: وترا فهد عقبك يمكن بدّل 20 سيارة..
غانم كان يريد أن ينزل ولكن عبدالله منعه للمرة الثانية وهو يهتف باختناق أشد:
هزاع طلع له شنب؟؟ أتذكره لين سافرت بيموت عشانه تأخر ماطلع له شنب..
رغم غرابة السؤال.. ولكن شعر غانم باختناق عظيم وهو يشعر بمدى ثقل ووطأة مشاعر عبدالله الملتبسة عليه.. حاول أن يرد بابتسامة فاشلة:
ياه.. شنبات وعوارض وعضلات.. التتو صار كنه طوفة..
عبدالله مازال يمسك بذراع غانم وهو يشد له نفسا عميقا: تكفى غانم انتظر شوي.. زين فهد تغير؟؟
غانم بات يشعر أن كل هذا كثير عليه فكيف على عبدالله.. هذه المرة أجاب بسكون عميق: فهد ما تغير.. هو هو نفسه..
ثم انثال بوجيعة ماعاد يستطيع دفعها : بس عمي هو اللي تغير واجد ياعبدالله.. من عقبك تقول كبر 20 سنة..
تغير وجه عبدالله ليمتليء بتفاصيل الحزن وخطوطه.. وجبينه يتقطب بوجيعة وهو ينزف صريرا بين أسنانه: كله مني.. كله مني!!
ماراح يسامحني ياغانم.. أدري إنه ماراح يسامحني..
غانم ليس غبيا ليعلم أن هناك أمرا كبيرا خلف اختفاء عبدالله.. ومادام يقول أن والده لن يسامحه هاهو يؤكد ظنونه..
ولكن كما فكر سابقا معرفة السر غير مهمة عنده...لأنه متيقن أنه لن يصل إلى حد يمس مقدسات المبادئ التي لا تتجزأ.. وعدا ذلك لا يهمه..
لذا هتف بمساندة وهو يربت على يد عبدالله التي تمسك بمعصمه: إن شاء الله بيسامحك.. الدم عمره مايصير ماء
يا الله قول بسم الله.. أخوانك الحين تلاقيهم بالهم يجيب ويودي ليش صالح طالبهم..
في الداخل.. الاثنان يشاهدان برنامجا رياضيا وهما يختبران جهاز التلفاز الجديد
هزاع يسأل فهد: وش عنده شيبتنا داعينا لاجتماع قمة مفاجئ؟؟
فهد يرقص حاجبيه: يبي يعرفنا على المدام.. يمكن يبي يعرف راينا قبل يعرضها على الشيبان
هزاع (بعيارة) : زين ماجاب خوات المدام معها.. يمكن يعجبنا الستايل ونعرضهم كلهم بالمرة..
فهد بتهكم: زين خلص الثانوية اللي عفنت فيها وعقبه فكر بالستايلات..
هزاع بثقة: قلت لك بإذن الله ذا السنة جايبها جايبها.. وشنبك ذا استمتع فيه باقي ذا الأيام..قدام تودعه.. لا وفوقهم حواجبك بعد
كان الاثنان في حوارهما حين انفتح باب المجلس من ناحية الشارع
التفتا كلاهما للباب ثم وقفا مرحبين حينما رأيا غانما يدخل وابتسامة ترحيب ترتسم على وجهيهما..
لينزاح غانم جانبا ويظهر شخص آخر خلفه.. شخص ماعادت رؤيته متوقعة ولا حتى في أعتى المعجزات
حـــيــنــهــا...
تبدلت ملامحهما جذريا إلى صدمة كاسحة موجوعة وهما يقفزان كالملسوعين وكأنهما ضُربا بصاعقة مباشرة فلقت رأس كل منهما نصفين..
وعيناهما تنفتح على اتساعها وهما يتعرفان على الخيال المستحيل الذي عاد من الموت
وفي الوقت الذي وقف فهد كإشارة مرور متخشبة
فإن هزاع برّك على ركبتيه بشكل مفاجئ.. وجسمه ينهدم كأنه خال من أي عظام تسنده..
عبدالله ركض إليه وهو يحاول أن يرفعه له .. ولكن هزاع لم يستطع الوقوف وهو يشد عبدالله له ويجلسه معه على الأرض..
ثم يدفن وجهه في صدره وهو ينتحب كطفل صغير موجوع..
وبين شهقات نحيبه.. كان يقبل بلهفة متحسرة وهو يئن ويرتعش كل ما يقع عليه من جسد عبدالله.. وجهه.. صدره.. كفيه..ذراعيه..كتفيه.. عنقه..
عبدالله يكاد يجن وهو يرى حالة هزاع وهو كريشة مرتعشة بين ذراعيه.. ولا يريد إفلاته...
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك