رواية بين الامس واليوم -54
قولي لي جعلني فداش.. أفا عليش.. تبكين وإلا تتضايقين وغانم موجود..
نجلاء منذ سمعت حوار فهد وهزاع البارحة وهي دوامات صراع مزقت روحها.. لم تستطع أن تنم مطلقا وعشرات الصور المتخيلة الكريهة تقفز لذاكرتها
لا تستبعد أبدا فكرة أن صالح قد يتزوج.. فهو سبق أن خطب أرملة عبدالله
لكنها حينها لم تقلق.. لأنها كانت تعلم أن جوزا لن توافق عليه
فهي بداخلها كانت مطمئنة أنه سيبقى لها..
ولكن أن يتزوج وبهذه الطريقة الجارحة لها..
لم يفعلها وهي غاضبة في بيت أهلها.. فيفعلها الآن بعد أن عادت إليه
(ولكن هل أنتي فعلا عدت إليه يا نجلا؟؟
أتخدعين نفسكِ أم تخدعينه؟!)
(حتى ولو.. نعم.. عدت له وأنا الآن في بيته
لا يجوز أن يتصرف معي هكذا
يريد أن يتزوج من حقي أن يحترمني ويصارحني
لا أن يتزوج في السر ثم يريد أن يسكنها في بيتي)
(الآن أصبح بيتكِ وأنتِ من هربت من البيت وصاحبه؟؟)
(نعم بيتي.. وقبل ذلك زوجي
لا يهمني البيت.. يهمني صاحبه
يستحيل أن أتنازل عن صالح لسواي)
(صحوة متأخرة جدا هذه الصحوة
الآن تريدين صالح
أين كنتِ طوال الأشهر الماضية وهو يرجوكِ ويسكب مشاعره تحت قدميك
دون أدنى رحمة منك)
(جرحني.. جرحني..!!
وجرح الغاليين غال)
(واعتذار الغاليين أ ليس غاليا مثلهم؟!)
(مرهقة أنا..
يكفيني مابي لا تزدها علي أرجوك
أشعر أني على شفير هاوية وأنتظر فقط من يدفع بي حتى أهوي)
غانم تنهمر مشاعره مع هذه الباكية بين ذراعيه ولا تجيب عن تساؤلاته: أم خالد بس قطعتي قلبي.. وش اللي يخليش تبكين كذا؟؟
نجلاء بين شهقاتها: صالح تزوج علي أو بيتزوج علي..
حينها تصلب جسد غانم وشعرت هي بذلك وهو يبعدها عن حضنه لينظر إلى وجهها الذي تفجر احمرارا واضحا في بياضها
وهو يهتف بغضب: وذا البكاء كله عشان صالح تزوج او بيتزوج
إذا هو ماعرف قيمتش.. هلش يعرفونها
مابه شيء يستاهل دموعش..
وصالح مهما صار يظل أخي وأنتي أختي..بغيتيه.. فهو رجالش وأبو عيالش.. ومهوب أول رجّال ولا أخر رجال يعرس
ما بغيتيه.. بيت هلش مهوب عاجز منش
حينها جلست نجلاء على السرير وهي تنتحب: هذا وأنا جايتك أبي مساعدتك تسوي فيني كذا
غانم يتنهد: زين أشلون تبين أساعدش.. تبين أهدد صالح وأقول له لو عرست على أختي كفختك...
تراني حاضر
نجلاء تحاول تهدئة نفسها: لا أبي خدمة أبسط من كذا..
صالح جاي بكرة على رحلة من أمريكا ما أدري بالضبط أي وقت..
وأنت عارف فيه كم طيارة تنزل المطار جايه من عدة ولايات في أوقات مختلفة ويمكن يكون بيسافر ترانزيت..
أبيك تعرف بالضبط على أي طيارة هو..
غانم هز كتفيه: هذي سهلة.. أقدر أطلعها من السيستم.. وغيرها؟؟..
نجلاء بتردد: أبيك تستقبله وتشوف من هو جايب معه.. لأنه مهوب راضي حد يستقبله ولا يقول لأحد هو متى جاي
وقلبي قارصني من ذا السالفة.. وخصوصا أنه طلب إن البيت يتشطب في السر
هذا كله ما تشوفه شيء مريب..
حينها هتف غانم بغضب: ماهقيتها منك ياصالح.. عرس وفي السر
يبي يعرس على بنتنا.. يأتي ويبلغنا لأن السنع كذا
نجلاء تختنق ضيقا: الحين أنت سويتها سنع ومهوب سنع.. أنا ما أبي صالح يعرس علي.. في السر وإلا في العلن..
غانم يشير بيده : خلاص خلاص.. الحين وأنتي قاعدة بأطلع لش على أي طيارة جاي... هذا لو كان حجزه على الخطوط القطرية
غانم أنهى عبارته وتناول هاتفه ليقوم باتصال سريع .. وكما هو معروف حجز الطائرات يكون باسم العائلة
لذا أعطى الطرف الآخر اسم عائلته قبل اسم صالح..
الطرف الآخر بنبرة مهنية: أي واحد تسأل عنه
صالح خالد آل ليث الـ
وإلا عبدالله خالد آل ليث الـ..
غانم شعر كما لو أن قنبلة تفجرت في منتصف رأسه وريقه يجف تماما وهو يسأل بحذر:
نعم عيد ما سمعتك..
الطرف الآخر بنفس النبرة المهنية: أقول عن أي واحد تسأل
صالح خالد آل ليث الـ
وإلا عبدالله خالد آل ليث الـ..
غانم شعر بعينيه تغيمان وروحه تُسحب منه وهو يحاول أن يهتف باصطناع فاشل:
خلاص خلاص شكرا.. بأكون هناك..
ثم جلس بجوار نجلا على سريره.. شعر أن قدميه عاجزتان عن حمله..وأنه سيهوي ساقطا على الأرض
نجلاء استدارت له بقلق وسألته: وش فيك غانم؟؟
غانم لا يستطيع حتى النظر إليها يخشى أن تفضح نظراته صدمته الكاسحة
(معقولة عبدالله يرجع من الموت
مستحيل.. مستحيل..
مـــســــحـــيــــل !!
بس الاسم.. نفس الاسم
ومع صالح على الطيارة
عبدالله
عبدالله حي؟؟ معقولة؟؟
إذا كان فعلا حي.. فتصرفات صالح كلها مبررة الحين ومفهومة)
غانم يقفز لينتزع من الدولاب لباس الطيارين... رغم أنه عاد للتو من المطار
ففي رأسه موال ما..
سيكون على متن الطائرة التي ستسافر بعد قليل.. لتعود في الغد.. سيسافر حتى لو كمساعد ثالث.. أو مجرد عضو في الطاقم
لأنه هذه الطريقة الوحيدة ليسافر.. فليس هناك وقت ليحجز كمسافر..
لابد أن يتأكد بنفسه لن يستطيع الانتظار للغد..
نجلاء تفجر قلقها أمواجا عاتية.. وهي ترى غانما يتحول لآله لا تفكر..
وهو ينتزع ملابسه ويتجه بها للحمام ويلبس في أقل من دقيقة وينزل راكضا دون أن يغلق أزرار قميصه حتى
ودون حتى أن يسمع نداءاتها ورجاءاتها الحارة التي تحولت بعد ذلك لشهقات عالية وهي تنهار على رخام غرفته البارد..
*********************************
كانت نائمة بعد الليلة المريعة التي قضتها البارحة
من بعد صلاة الفجر استلقت على فراشها.. حاولت تنحية ألمها من تصرف منصور جانبا.. ولكنها لم تستطع.. قضت وقتا طويلا تفكر قبل أن تنام
لا يخلو بيت من المشكلات.. ولا توجد علاقة بين زوجين تخلو من المنغصات
تعلم ذلك جيدا..
ورغم أن منصور بدأ بالفعل يستحوذ على جزء كبير من تفكيرها ومشاعرها
ولكن شخصيته الحادة المسيطرة توتر شخصيتها الرائقة الهادئة..
قد تقول أنهما قد يكونان هكذا متناسبان.. وهي بمرونتها تحتوي صلافته وتشدده..
ولكن الاحتواء في العلاقة الزوجية لابد أن يكون متبادلا
لا يمكن أن تكون هي الطرف المحتوي طوال الوقت.. سيأتي حينها يوم تُستنفذ كل مرونتها وتنفجر..
ولشد ما تخشى ذلك.. فهي ليست هكذا.. ولطالما احتملت الكثير طوال حياتها..وأكثر من ذلك بكثير... ولكن أ لم يئن الأوان لترتاح؟!
كانت هذه هي أفكارها حينما نامت وهي تشعر بصداع شديد..مازالت تشعر به حتى وهي نائمة..
فليلة البارحة كفيلة بتفجير أقوى صداع.. لم تتناول شيئا من بعد الغداء لأنها لم تتعشَ بعد مغادرة منصور
عدا البكاء والتوتر وجلستها الطويلة المتصلبة في انتظاره
فهل تحول الصداع لطرقات ناعمة على عضدها الآن؟!
طرقات ناعمة على عضدها.. ثم همسات دافئة في أذنها.. ثم قبلات حانية على صدغها ويديها..
فتحت عينيها بخفة ثم عادت لإغلاقها لشدة إحساسها بالألم في رأسها وانتفاخ عينيها..
همست بألم دون أن تفتح عينيها: جيت حبيبي؟؟ وإلا ممنوع أقول حبيبي؟؟
منصور تمدد جوارها وهو يدخل ذراعه تحت رأسها ثم يضمها لصدره وهو مازال بلباسه العسكري الكامل حتى الحذاء والقبعة العسكرية
ويهتف وهو يبتسم: إلا حبيبش ونص.. وإلا عندش حبيب غيري؟؟
حينها دفنت عفراء وجهها في صدره وبكت بشفافية: دام حبيبي ونص.. ليه اللي سويته البارحة..؟؟
منصور اعتدل جالسا بميل وهو يُجلسها معه ثم هتف بجزع: تبكين يا قلبي؟؟ أفا عليش.. ترا حتى منصور ما يستاهل دموعش
سامحيني يالغالية.. أدري زودتها البارحة بس والله من غلاش عندي..
عفراء تجلس بشكل مائل وهي مازالت تسند رأسها لصدره وتهمس من بين دموعها التي تسيل بصمت وعيناها مازالتا مغلقتان:
تدري منصور.. والله ماهمني اللي قلته البارحة كثر ماهمني اللي سويته فيني عقب
يعني ماهان عليك تطمني عليك وانا محترقة من المحاتاة
منصور بمودة شاسعة: سامحيني ياقلبي.. والله العظيم التلفون على الصامت في مخباي.. ما أحب كل شوي أرد إذا كنت في جمعة رياجيل كبيرة
ومع إنه والله العظيم إن العشا ماطب حلقي بس السهرة طولت شوي
ويوم شفت الساعة إلا دوامي مابقى عليه شيء
طلعت للمعسكر دايركت وبدلت هناك.. وكان عندنا تدريب مبكر..
وقتها شفت اتصالاتش حتى المسجات مالحقت أفتحها.. طرشت لش على السريع
ووالله العظيم إن قلبي قارصني عليش.. وعقب ماقريت المسجات ودريت إنش متروعة علي كذا
حتى الدوام ماقدرت أكمله.. رجعت بسرعة عقب ماخلصت شغلاتي الضرورية..
ها سامحتيني وإلا لا.. لأني أنا ترا ماسامحت نفسي..
عفراء تقبل صدره مكان رأسها وتهمس بإرهاق: ما أقدر أزعل عليك ياقلبي.. بس تكفى ما تسويها فيني مرة ثانية.. حتى لو كنت زعلان علي..
منصور يهتف بحنان: زين يوم أنتي منتي بزعلانة.. بطلي عيونش أشوفها..
عفراء بصوتها المرهق: حاولت منصور بس ماقدرت.. عيوني منتفخة.. ورأسي بينفجر من الصداع.. شكله الضغط مرتفع عندي..
منصور بجزع: ضغط..؟؟ ثم أردف بغضب من نفسه: كله مني.. كله مني.. يالله قومي أوديش المستشفى..
عفراء برفض رقيق: مافيه داعي.. بس تكفى عطني بنادول من جنبك.. وبأنام شوي.. وبأقوم زينة.. أبي أنام بس..
منصور يتصل بالخادمة في الأسفل حتى تحضر حليبا باردا حتى لا تتناول المسكن على معدة خالية.. ثم يلتفت لعفراء ويهمس لها بحنان مصفى:
والله يا قلبي مالي وجه منش .. سامحيني يالغالية..
أنا بأخليش تنامين الحين لكن لو رجعت وانتي تعبانة بأشلش غصب وأوديش المستشفى
كان عندي موعد العصر.. خلاص بأروح له الحين.. عشان أتفرغ لش
.
.
.
.
منصور كان متوجها لموعده حين رن هاتفه.. نظر للاسم ثم التقطه رد بابتسامة: هلا والله بالغالية..
صوتها الرقيق: الله يغليك عن ربعك..
رد عليها بمرح: أبي أكون غالي عند خالتش وبس..
ردت عليه مزون بابتسامة: وأنت غالي عند خالتي.. وعلى طاري خالتي أتصل عليها ماترد علي.. مهوب عوايدها راقدة لذا الحزة..
منصور يرد عليها بهدوء: خالتش راقدة.. تعبانة شوي.. توني خليتها الحين..
حينها أشرق وجه مزون وهي تهمس بخجل باسم تخفي خلفه سعادة عارمة:
مبروك ياعمي.. بس توه ما يبين وحم.. صح وإلا أنا غلطانة؟؟
حينها انفجر منصور ضاحكا: ياحليلش يامزون.. وين راح مخش؟؟..
بتباركين لنا إن شاء الله قريب.. بس مهوب الحين تو الناس..
وجه مزون اشتعل احمرارا وهي تسب نفسها
(صدق إني ملقوفة.. حامل وإلا مهيب حامل..
مالقيت حد أبارك له إلا عمي..
بس اللي صار.. فلتت الكلمة)
همست بخفوت تخفي خلفه حرجها: زين أقدر أروح لها..
منصور بحنان: والله يأبيش هي الحين نايمة... تعالي العصر..
.
.
.
بعد نصف ساعة
" ها يا دكتور؟؟ طولت فحوصك"
الطبيب يرفع عينيه عن الأوراق أمامه استجابة لعبارة منصور الحازمة.. ويبتسم:
شوف يا أستاز منصور..
زي مائلت لي تمام في الفحص اللي عملته ئبل..
أنت عندك مشكلة بسيطة خالص.. وعلاجها سهل خالص كمان.. ومضمون بإزن الله مية في المية..
منصور بحزم: هذا كله أنا عارفة.. متى بنبدأ العلاج.. وأهم شيء متى بيعطي نتيجة..
الطبيب بابتسامته المهنية: ست سبع شهور بإزن الله وتكون في السليم..
منصور قفز بشكل حاد وهو يميل على مكتب الطبيب ويهتف بغضب: نعم وش قلت؟؟
الطبيب رغما عنه انكمش قليلا وهو يرى طول منصور الفارع يميل عليه وهتف بصوت أخفت: بائول ست سبع شهور بس..
منصور شد له نفسا عميقا ثم عاود الجلوس وهو يهتف بثقة: أنا ما اقدر أصبر حتى شهر واحد.. أبي نتيجة فورية..
الطبيب بذات النبرة المهنية: استاز منصور اللي بتئوله مش منطقي خالص
دا طب.. مش سحر زي أفلام الكارتون..
يعني الدوا لازم ياخد وئته ومفعوله.. عشان يجيب نتيجة
حينها وقف منصور وهو يهتف بحزم: هذا أخر كلام..؟؟
الطبيب هز كتفيه: أكيد أخر كلام.. ولو رحت لألف دكتور هيئول لك نفس الكلام..
منصور بحزم بالغ: خلاص مع السلامة..
الطبيب باستغراب: والعلاج؟؟
منصور بذات نبرته الحازمة: خلاص ما أبي أتعالج..
الطبيب باستغراب أشد: استاز منصور.. كلو بإزن الله.. بس لو أنته ماخدتش العلاج.. مستحيل يصير حمل
منصور يغادر: بعد ست وإلا سبع شهور الله عالم وش يصير..
منصور غادر العيادة وضيق غاضب يتصاعد في روحه على كل الأطباء الفاشلين..
كان صعبا عليه أن يتخذ قرارا بالعلاج.. لأنه كان مقتنعا بعدم رغبته بالأطفال..
ولكنه رأى أن الوسيلة الوحيدة التي ستربط عفرا به هي طفل..
فإذا كانت مستعدة أن تتخلى عنه من أجل ابنة ماعادت تحتاجها
فمن باب أولى أنها ستتمسك به من أجل طفل هو من يحتاجها..
بدت الفكرة له أول مافكر بها : مقيتة وجارحة ومهينة.. أن يفكر هو العقيد منصور أن يربط امرأة به رغما عنها
ولكنه كما قال لعفراء.. فكر بطريقة العساكر.. الأهم فالمهم..
والأهم عنده هو عفرا.. وعفرا فقط..
بعد ذلك بدت له الفكرة غير سيئة إطلاقا.. بل مثيرة وجذابة وإنسانية لأبعد حد..
يكون أبا.. ولطفل من عفرا..
وبعد ذلك وهو يجري الفحوصات سيطرت فكرة الطفل عليه تماما وهي تلغي كل أفكاره البالية القديمة
فعلا شروط وأنت على البر مختلفة حينما تدخل البحر..
هو الآن يريد درزينة من الأطفال إن كانت عفراء أمهم..
لكن بما أن العلاج يريد وقتا.. يريد أن يضمن قبلا أن عفراء ستبقى معه.. ومن أجله هو
فهو لا يستطيع منعها من زيارة ابنتها طوال هذا الوقت..
ورغم كل الضيق الذي يشعر به لفشل مخططاته ولكنه لن يستسلم.. لن يتخلى عن عفراء بعد أن وجدها..
لذا فلينقل معركته إلى ساحة قتال أخرى
*******************************************
عاد منصور بعد صلاة الظهر محملا بضيقه المتزايد الذي لم يظهره للسطح..
دخل إلى غرفة نومه متسللا بهدوء حتى يرى إن كانت قد نهضت من نومها
ولكنه تفاجأ أنها غير موجودة والغرفة مرتبة ومبخرة..
رغما عنه لا يستطيع دفع هذا الألم المتزايد الذي يطبق عليه بشراسة
حينما يتخيل حياته تعود خالية من وجود عفراء.. ولمسات عفراء ..وحنان عفراء
أي حياة هذه؟؟ الحياة ستكون محض قبر موحش بدونها..
تنهد وهو يغلق باب الغرفة لينزل بحثا عنها ليتفاجأ بها خلفه.. متأنقة له كعادتها..مبتسمة كعادتها
قبل جبينها وهو يسألها باهتمام: شأخبارش الحين؟؟
ابتسمت له برقة: طيبة مافيني شيء.. كنت أدلع عليك بس..
منصور بحنان: واللي تبي تدلع ومش منزلها..؟؟ ليه ماقعدتي ترتاحين في غرفتش..؟؟
عفراء برقة: رحت أسوي لك غدا مخصوص.. مهوب كفاية إنك ماتعشيت البارحة.. واكيد ماتريقت اليوم..
منصور مد ذراعه ليلف بها كتفيها ويعود بها لغرفتهما وهو يهتف بمودة مصفاة:
لا تعبين نفسش تكفين.. أنا باكل أي شيء حتى لو شاهي وخبز..
عفراء تبتسم: حضرت العقيد يتغدى شاهي وخبز.. لا والله مايكون
منصور بولع حقيقي أخفى خلفه حزنه وتوجسه من المجهول: الله لا يخلي العقيد منش ..
والعقيد يسألش يقول متى تبي تسافرين لجميلة تراه حاضر
شعر بارتعاش كتفيها تحت ذراعه وهي تهمس بتردد عذب: يعني لو بغيت أسافر عقب عرس كساب على طول.. مايأثر على شغلك؟؟
منصور بثقة: شغلي باخلصه قبل عرس كساب.. بكرة أو بعد بكرة باخلصه إن شاء الله
وتبين عقب عرس كساب على طول رحنا..؟؟
حينها مدت عفراء جسدها وهي تقف على أطراف قدميها حتى تطوق عنقه وهي تهمس بسعادة غامرة: مشكور يابو زايد مشكور.. الله لا يحرمني منك..
************************************
" ياحياها الله عروستنا"
مزون بحرج: أي عروسة خالتي الله يهداش.. أنتي العروس..
عفراء تبتسم: أي عروسه الله يهداش أنتي.. عقب ماشاب ودوه الكتاب..
مزون تبتسم وهي تميل على كتف خالتها تقبله: وأحلى عروس بعد.. وهذا أنا شايفتش قدامي منورة
ليه عمي خرعني عليش وقال تعبانة... وإلا العم العزيز يبي يزحلقني بس
عفراء بمودة: لا والله كنت تعبانة شوي بس الحين زينة..
حينها ضحكت مزون وقالت: تدرين خالتي شر البلية مايضحك.. اليوم جبت العيد عند عمي
يوم قال لي تعبانة.. قلت له على طول مبروك..حسبتش حامل..
يا الله ياخالتي.. فشلني عمي من قلب...
غصة مجروحة قفزت فورا لحنجرة عفراء وهي تشعر بألم صدمة موجعة استنزفت مشاعرها الرقيقة..
وبدلت فرحتها الشفافة التي شعرت بها اليوم..إلى حزن امتهان موجع لكرامتها وأنوثتها
(حتى مع بنت أخيه وبنت أختي.. عادي عنده يبين إنه مايبي عيال مني
ماحتى احترمني قدامها
أشلون الحين أحط عيني في عينها)
لم يمر حتى يوم واحد على مافعله بها البارحة حتى يطعنها طعنة جديدة اليوم!!
عفراء تشاغلت بصب الشاي لمزون وهي تنحي عبراتها التي تجمعت في حلقها جانبا وتحاول أن تتحدث بنبرة طبيعية:
خلش مني أنا وعمش منصور.. ما تشوفين أنش طولتي وأنتي تفكرين في سالفة عيال آل ليث
حينها غام وجه مزون بشفافية وهمست بذات الشفافية: تعبت خالتي من كثر ما فكرت.. أقدر قول لش قراري وخلاص..
عفراء باستغراب حنون: أكيد تقدرين
مزون بهدوء شفاف: ما أبي ولا واحد منهم..
عفراء بصدمة: من جدش؟؟ وش ذا ؟؟ يأمش فكري زين هذا عرس مهوب لعبة
مزون هزت كتفيها: والله فكرت وصليت واجد.. وهذا للي الله هداني له..
صعب علي خالتي أرضى بواحد وأرفض ولد عمه..يمكن لو كان واحد منهم هو اللي تقدم لي كان تفكيري اختلف
بس الحين الله سبحانه خلاهم يخطبون مع بعض عشان أرفضهم كلهم..
عفراء بذات الصدمة: خلش من ذا الخبال والأفكار المثالية.. زين وكلهم تقدموا.. ترا ماحد منهم يدري بخطبة الثاني
مزون بعذوبة شفافة: بس يوم أوافق على واحد منهم.. الثاني بيدري.. تخيلي فشيلته وحتى ضيقه من ولد عمه..
عفراء باستغراب غاضب: كيفه هو وولد عمه.. يحلون مشاكلهم بنفسهم.. فكري في مصلحتش وبس..
مزون تنتهد: خالتي أنتي خايفة انه ماعاد يجيني خطاطيب.. صح؟؟
وحدة مثلي ويجيها اثنين ماعليهم كلام.. وترفضهم.. تكون تردي نصيبها.. هذا تفكيرش صح؟؟
عفراء بجزع حنون: أشلون طرت ذا الأفكار على بالش.. يابنتي مهوب زين نطب النصيب الزين يوم ياتي.. والا الخطاطيب يا مالش من الخير جاي..
مزون عاودت التنهد بعمق أكبر: على قولتش خالتي..الخير جاي
وترا ياخالتي واحد+واحد= اثنين.. يعني لاحظي ماحد خطبني لين خليت الطيران حتى الطيار اللي كان معي..
معنى كذا أن العيب الكبير مهوب فيني لكن في دراستي وشغلي..
ومعنى كذا لي نصيب عاده جايني الله ما كتبه..
شفتي ياخالتي الشينة اللي فلوس ابيها تنفقها هذي أنا..
كنت أقول أول حتى لو أنا مهوب حلوة.. المثل يقول (الدراهم مراهم تخلي الوحشة حلوة واللي مش فاهم فاهم)
بس أثر الطيران عيب غطى حتى على حلاوة الفلوس
وهذا هو العيب انكشف.. لو لي نصيب بياتي..
عفراء بغضب: مزون وش ذا الكلام السخيف.. أنتي مافيش قصور ومهوب أنتي اللي تزينها الفلوس
ثم أردفت بحنان : أنتي على قولت ابن فطيس:
زينش يزينه فعل أبيش وجدش....... وأنتي بدورش للنقا كسابة
مزون بألم: خلاص خالتي خلي لكل وحدة قناعتها.. أنا فعلا ما أبي أتزوج الحين والمشكة بيني وبين كساب ما انحلت..
عفراء رفعت حاجبا وأنزلت آخر: قولي إن السالفة فيها كساب.. بدون ذا الخرابيط كلها..
مزون نظرت لساعتها: خلاص ردي صار عندش بلغيه عمي وكساب
وعلي الحين بيجي يأخذني
حينها انتفضت عفراء بخفة: مزون حبيبتي اقعدي عندي عمش يقول عنده بكرة شغل من فجر وماراح يرجع إلا بكرة في الليل متاخر
امسي عندي الليلة..
عفراء تريد أن تبقى مزون عندها كدرع تحتمي به من منصور الذي تشعر بغضب عميق منه.. ولا تريد أن يكونا لوحدهما الليلة
فرؤيته دون حاجز حامي ستفتح جروحها التي بدأت تتكاثر منه...
مزون أجابتها بمودة: يا ليت أقدر بس تدرين ابي ما يرضى
بس أوعدش بكرة أجيش من بدري وأسهر عندش لين متأخر
الليلة خلي حضرت العقيد يشبع من قعدتش بدون عزول..
عفراء تنهدت بوجع (شيدريش أني أبيش تقعدين عزول)
لم تكن عفراء مطلقا تريد أن تبقى وحيدة مع منصور هذه الليلة
فبقائهما وحيدين سيفتح مساحة للبوح هي غير مستعدة لها مع تعاظم تجريح منصور لها.. حتى وصل إلى حد السخرية بها أمام ابنتها
مزون غادرت.. وخلا المكان على عفراء
وأعشبت مساحات الألم التي وجدت لها مرتعا خصبا من غضب وعتب وألم..
قد تقبل أي شيء منه إلا أن يهينها أمام أبنائها.. تقبل بأي شيء إلا أن يكسر صورتها أمامهم..
فكيف واتته الجرأة أن يذكر أمام مزون أنه لا يريد أطفالا منها؟؟
أي زواج هذا الذي يكون خاليا من أدنى احترام مفترض بهذه الصورة
تنهدت بعمق لاسع.. وزفرت غضبها بحرارة..
رغم أن عمر زواجها القصير لم يخل من إساءات منصور لها
ولكن من بين كل الإساءات هذه كانت الأعظم بلا مقارنة..
ما بينهما - مهما كان جارحا- صداه محدود بينهما
لكن أن ينقله خارج حدودهما فهذا يعني انتشارا لا محدودا لصدى الجرح..
فهل كان يهدف من ذلك إلى الانتقام منها لما حدث البارحة حينما ناقش شرطها؟!
أ يعقل أن منصور قد ينحدر إلى هذا التفكير المنحط الدنيء؟؟ أ يعقل؟؟
ثم كيف يكون حقا له أن يناقش شرطها ويغضب منه
بينما شرطه لا يُمس ولا يُناقش كأنه حقيقة مُسَلمة لدرجة أن يُشرك مزون فيه بأي صورة حتى لو كان مزاحا؟؟
ألا يكفي معرفة كساب له إحراجا لها؟؟ بينما شرطها له سر بينهما لا يعرفه سواهما
فهل هكذا الشهامة في عرفك يامنصور؟؟
ألا يكفي أنه فعلا بدأت تسيطر عليها رغبتها بإنجاب طفل منه..باتت تتخيل أطفالا يشبهونه.. ولهم نفس عنفوانه الآسر
ولكنها يستحيل أن تضايقه بهذا الطلب وهي تقمع هذه الرغبة التي هي حقها الطبيعي
ثم بعد ذلك يزيدها عليها بتصرفاته..
كيف يريدها أن تقتنع أنه يحبها وحريص عليها لدرجة هذا الغضب الهادر من شرطها.. وهو يتصرف معها على ها النحو الذي يثبت أن كلامه محض ادعاء وكذب
فكلامه شيء وتصرفاته تثبت عكس مايقول..
تستطيع أن تخبره ببساطة أن شرطها كان خط حماية لحياة مجهولة معه لا تعلم كيف ستكون
وأنها لو أيقنت أنه سيكون الحماية والاحتواء لها ولابنتها .. فشرطها لا داعي له
ولكنه لم يشجعها على ذلك وهو يثير في روحها قلق دائم من حياتها معه..
التهمها هذه الأفكار وهي تدور في البيت.. تحاول الالتهاء فلا تلتهي عن أفكارها
كانت غارقة في أفكارها وهي تجلس على أريكة في صالة الطابق العلوي
حين فوجئت بمن ينحني عليها من الخلف ويقبل رأسها..وهو يلقي السلام
ردت السلام بهدوء
استدار ليجلس جوارها وهو يهتف بحنان: أشلونش الحين يا قلبي؟؟
(قلبك يا النصاب؟!) هكذا قالت عفراء في ذهنها وهي ترد بنبرة محايدة: الحمدلله تمام..
تبي عشا؟؟
مد يده ليطوق كتفيها وهو يشدها ناحيته ليقبل خدها وهو يجيب: متعشي في المجلس..
يتبع ,,,
👇👇👇

اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى ,,, اضف تعليقك