بارت من

رواية بين الامس واليوم -56

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -56

عبدالله ركض إليه وهو يحاول أن يرفعه له .. ولكن هزاع لم يستطع الوقوف وهو يشد عبدالله له ويجلسه معه على الأرض..
ثم يدفن وجهه في صدره وهو ينتحب كطفل صغير موجوع..
وبين شهقات نحيبه.. كان يقبل بلهفة متحسرة وهو يئن ويرتعش كل ما يقع عليه من جسد عبدالله.. وجهه.. صدره.. كفيه..ذراعيه..كتفيه.. عنقه..
عبدالله يكاد يجن وهو يرى حالة هزاع وهو كريشة مرتعشة بين ذراعيه.. ولا يريد إفلاته...
تمنى عبدالله أن صالحا لم يفجع هزاع برؤيته بهذه الطريقة.. وأنه مهد له ..
كان عبدالله يشد هزاع لصدره وهو يحاول تهدئته دون فائدة..
وفي الوقت الذي غانم جلس معهما على الأرض وهو يضع يده على ظهر هزاع ويقرأ عليه آيات من القرآن..وقلقه يتفجر على هزاع
لأنه خشي عليه أن يفقد عقله.. لشدة نحيبه وارتعاشه وتمسكه في عبدالله
فأن فهد بقي واقفا كنُصب خال من الحياة..حتى عيناه لا ترمشان..
(أحلم.. أنا أحلم... يارب هذا حلم وإلا حقيقة؟؟
يارب خله حقيقة.. يارب خله حقيقة
أخاف أرمش ألقى الصورة كلها اختفت..
وأنا وهزاع بروحنا في المجلس)
فهد انتفض وهو يرمش رغما عنه.. حينها ألقى غترته جانبا وترك الثلاثة الباركين على الارض واتجه للحمام وهو يفتح صنبور الماء على رأسه
حينها عاد ليطل عليهم في المجلس.. وجد الحلم لم يختفِ..
فعاد مرة أخرى وفتح الماء على رأسه.. ثم عاد لينظر..
حينها شهق بأمل: أرجاك ياربي ما تفجعني عقب ما أملتني..
ثم ملأ كفيه بالماء وعاد للثلاثة ليجد هزاعا توقف عن النحيب وتقبيل عبدالله لكنه يرتعش بعنف بين أيديهم كمصاب بحمى شديدة..
حينها سمى بسم الله ورش الماء على وجه هزاع.. ليشهق هزاع بعنف..
ثم يسحب نفسه سحبا لزواية المجلس ليتقوقع على نفسه فيها.. و هو ينتحب بخفوت..
حينها شد فهد عبدالله من الأرض وأوقفه وهو ينظر إلى عينيه بمزيج مستعر سرمدي لا نهائي من الغضب والحنين والوجع ..
غرز أصابعه في عضدي عبدالله وهو يختنق بشوك مرٍّ أدمى حنجرته:
عبدالله وين كنت؟؟ وين كنت ذا السنين كلها اللي فاتت؟؟
تدري إن حن في ذا السنين كلها مامر علينا يوم ما تحسرنا فيه على شبابك اللي ماعشته.. ما مر يوم ما تحسرنا على ولدك اليتيم
ما مر يوم ماتحسرنا على ذكرياتنا معك.. وكل شي وأقل شيء يذكرنا فيك..
سنة مرت وسنتين وثلاث وأربع.. ماكفتك ترجع من الموت..
يالظالم أربع سنين هذي.. فيها حياة وموت..
لو أمي وإلا ابي صار لهم شيء وهم ماشافوك ولا دروا أنك حي.. أشلون بتسامح روحك.. قل لي أشلون بتسامح روحك
كان صوت فهد ينحدر من اختناق لاختناق أشد وهو يمنع نفسه من الانخراط في البكاء مثل هزاع..
حينها عبدالله شد فهد لحضنه بكل قوته وهو يهمس في أذنه بألم اشتياق شفاف:
فيه أشياء واجد أنا ما أقدر أسامح روحي عليها.. خلني الحين أشبع من ريحتك تكفى.. وعقبه عاتبني مثل ماتبي..
فهد كان يحتضن عبدالله بقوة وهو يشد له نفسا عميقا.. وكأنه يريد أن يتأكد أنه في حضن عبدالله.. ويتنفس رائحة عبدالله..
رغم كل مشاعره الثائرة المضطربة...إلا أنه مازال يخشى أنه يحلم.. يشعر أن كل هذه السعادة فوق كل ما يستطيع احتماله
حينها كان يتحسس عبدالله وهو يهمس في أذنه بألم: أنا زعلان عليك.. بس تكفى لا تكون حلم.. طالبك ما تكون حلم
لو كنت حلم بأزعل عليك عمري كله.. بس لو كنت حقيقة.. بأفكر أسامحك..
عبدالله بشفافية مثقلة بالألم: يبقى خلاص غصبا عنك تسامحني لأني حقيقة.. وأبيكم قدامي حقيقة..شبعت من الحلم خلاص
وخلني أشوف هزاع.. ما تخيلته صار حساس كذا..
فهد يبتسم بألم وهو يلتفت لهزاع: هزاع حساس؟؟ هذي نكتة القرن.. بس عشان تدري إن شوفتك مهيب هينة..
تكفى ما تفجعون الباقين بذا الطريقة خل نمهد لهم تمهيد طويل..
عبدالله يجلس بجوار هزاع الذي ما أن رأى عبدالله جواره.. حتى دفن رأسه في حجره وهو يتمدد على الأريكة ودموعه تسيل بصمت..
عبدالله وضع يده على رأس هزاع ثم هتف بقلق بالغ: فهد تكفى قم وده المستشفى..
الصبي تعبان.. عروق رأسه كلها تنبض.. ورأسه مولع حرارة
هزاع بصوت أشبه بالأنين: أنا طيب مافيني شيء.. بس تكفى خلني كذا.. خلني أتاكد أنك هنا..
عبدالله برجاء آمر: هزاع الله يهداك قم للمستشفى أنا بأروح معك بنفسي..
غانم برفض: وين تروح؟؟ صالح راح يجيب ولدك..
هزيع قم من غير دلع.. أنا وفهد بنوديك.. نص ساعة ونرجع.. وعبدالله هنا مهوب رايح مكان..
فهد وغانم كل واحد منهما أمسك هزاع من ناحية ليسنداه.. وتوجها لسيارة غانم المتوقفة خارجا.. رغم أن فهد وهزاع كلاهما لا رغبة لهما إطلاقا بمغادرة المكان
فهما لم يتأكدا بعد أن عبدالله عاد لهم من الموت.. يخشيان كلاهما أن يذهبا.. ثم يعودا فلا يجداه.. حينها لا يعلمان ما الذي قد يحدث لهما
المجلس خلا على عبدالله...وقرر حينها أن يرتدي له ثوبا.. صالح أخبره أنه طلب من فهد أن يحضر بعضا من ملابسه ويضعها في داخل البيت دون أن يبدي له سببا لحاجته لملابس فهد..
ينظر في نفسه في المرآة.. أ حقا هو يعود لجلده؟؟.. أربع سنوات مرت ما لامس الثوب جسده.. هاهو يشعر به يلامس روحه..
كم اشتاق لنفسه التي يشعر بها تعود لحناياه رويدا رويدا!!
الثوب والغترة ليسا مجرد غطاء جسد ورأس.. هما احتواء لروح عرفت نفسها مدفونة في جوع الصحراء وحضارتها وصلابتها وحتى ألمها المختلف الذي لا يعرفه سوى أهلها ..
عاد للمجلس ليجلس هناك.. وقلقه يتصاعد على هزاع الذي لم يتخيل أن ردة فعله ستكون عنيفة هكذا.. فكيف إذن بردة فعل والدته أو شقيقته؟!!
بل كيف حتى بردة فعله هو؟؟ يشعر أن رؤيته شقيقيه هزته بعنف انفعال انغرس حتى عمق عظامه..
يخشى رؤية كل منهما.. وأكثر من يخشى رؤيته ويتمناها... والده
ولكنه الآن يفكر فيمن سيراه بعد لحظات... المخلوق العذب الصغير الذي لم يعرف بوجوده إلا منذ أيام فقط!!
فرغم لهفته الكبيرة لرؤية ابنه.. إلا أنه تمنى لو أجل رؤيته قليلا.. فيكفيه اليوم ماحدث له مع شقيقيه..
يشعر أنه لن يحتمل المزيد اليوم.. وخصوصا أنه متأكد أنه في الوقت الذي سيموت رغبة في دفن صغيره بين أضلاعه فإن حسن الذي لا يعرفه سيهرب منه لا محالة..
يعلم أن هذا تصرف طبيعي من طفل تجاه الأغراب الذين لا يعرفهم
ولكنه يشعر منذ الآن بالألم أن ابنه سيحتمي بصالح منه
ولكن لا يستطيع مطلقا أن يلومه..بل يلوم نفسه فقط..
يؤلمه أنه قد يحتاج لفترة طويلة حتى يجعل ابنه يعتاد عليه.. فكيف بجعله يحبه ويتعلق به كما يتمنى..
يحتاج فعلا إلى محبة هذا الصغير حتى يتوازن.. حتى يستطيع مواجهة الحياة
وحتى ذلك الحين.. يشعر أنه سيغرق في لجة من الضياع وانعدام التوازن انتظارا حتى يعرفه حسن ويعرف أنه والده ويحبه كما يفترض.. هذا أن أحبه!!
كل هذه الأفكار بعثت وتبعث في عبدالله ألما ومرارة لا حدود لهما..
ففي الوقت الذي كان هو يهتم هو بكل صغيرة وكبيرة تخص خالد الصغير
كانت هناك روح صغيرة.. قطعة منه.. تنمو بعيدا عنه دون علم منه..
لو كرهه حسن –كما يظن ويخشى بكل وجع العالم- فهو يعلم أن هذا هو عقاب رب العالمين له على ما فعله بوالده..
يأخذ منه خالد.. ثم حين يشعر أن محبته لحسن باتت تغتال روحه حتى جذور الجذور..محبة أشبه بالسحر..فأن حسن سيصفعه بكراهيته له..
ولا شيء يؤذي الروح مثل كراهية طفل.. فهذه الأرواح الشفافة لا تعرف الكراهية.. وحينما تكره.. تكون هذه هي النهاية..
كانت هذه هي أفكار عبدالله التي قاطعها نحنحة صالح وهو يحمل حسن الصغير الذي كان متعلقا بشدة بعنق صالح لأن المكان كان مجهولا بالنسبة له
عبدالله لم يتحرك من مكانه.. لم يفتح ذراعيه كما كان يحلم ويتمنى
قال لنفسه: هذه المرة ساكتفي بالنظر والحسرة.. لأني لو سمحت لنفسي باحتضانه.. أعلم أني سأخيفه لأني لا أضمن ردة فعلي..
كان ينظر لحسن بين ذراعي عمه وهو يقترب.. والصغير مشغول بالتلفت حوله اكتشافا للمكان الجديد..
بينما عبدالله يكاد يبكي وعيناه تتبعان كل تحركات صغيره ونظراته بجوع مرير
وهو ينهر نفسه ويقهرها حتى لا يقفز وينتزعه من بين يدي صالح ليدفنه بين أحضانه ويشبع روحه من أنفاسه
(ولدي.. والله العظيم ولدي
لو شفته في أي شارع.. حتى لو كنت ما أدري إني عندي ولد..كان عرفته.. دمه يناديني.. روحه تناديني
كل شيء فيه يناديني..
ويا سبحان الله!! له نفس نظرة عيون أمه التي كانت تذوبني
أموت واحضنه.. أحضنه بس.. أشم ريحته )
ثم كانت الصدمة غير المعقولة غير المتوقعة من أي أحد.. أن حسن الصغير حينما انتبه لوجود مخلوق ثالث معهم في المجلس..
تخلص من يدي صالح بشكل مفاجئ وهو يقفز ليتجه ركضا لعبدالله ويتعلق بعنقه.. وهو يهذي بسعادة طفولية: بابا .. بابا.. بابا..
عبدالله كاد يجن ورعشة هائلة تجتاح كل خلية في جسده وهو يدخل الصغير بين أضلاعه..
ويغمر وجهه وكفيه وحتى قدميه بقبلاته.. ويهتف لصالح بعبراته التي ازدحمت في حلقه:
عرفني يا صالح.. عرفني.. يقول لي بابا.. عرفني.. يقول بابا..
صالح كان يقف وهو مذهول تماما.. فحسن ليس من النوع الذي يعتاد على الغرباء بسرعة.. وحتى حينما يكون عندهم ضيوف في المجلس
يتجه ليسلم عليهم بعد رجاءات عدة.. وكان صالح يحمل هم إقناع حسن أن يقبل عبدالله ولو قبلة واحدة على سبيل السلام..
لكن ماحدث أمامه كان غير معقول أبدا.. ولم يخطر بباله إطلاقا..
وهاهو ينظر لهما بعد أن هدأ عبدالله من فورة مشاعره الهائلة.. وحسن الصغير مازال متعلقا بعنقه ويستكين في حضنه..
وعبدالله يمسح على خصلات شعره ومشاعره كلها تختلج كالبراكين في روحه وهو لا يتوقف عن نثر قبلاته على جسد الصغير
صالح اقترب.. يريد أن يتأكد من شيء... شد حسن الصغير قليلا.. وهو يهمس له بحنان: تعال عندي يأبيك..
حسن الصغير هز رأسه رفضا.. وعبدالله حينها انتفض بعنف وهو يضمه لصدره بقوة حانية ويغمر وجهه بالمزيد والمزيد من قبلاته
صالح حينها ابتسم: تعرف من هذا حسون؟؟
حسن الصغير ابتسم وأجاب بنبرته الطفولية المحببة: هذا بابا..
عبدالله باختناق: يا لبي الصوت وراعيه..يقوله لك بابا..
ثم أردف وهو يوجه الحديث لصالح وخاطر مزعج مؤلم يكاد يفسد عليه فرحته الكبيرة:
صالح هو متعود يقول لكل الناس بابا.. ويحبهم بذا الطريقة؟؟
صالح بدهشة: أبد.. ولا أي أحد.. ما يحب إلا بالقطارة وعقب طلايب بعد.. وبابا ما يقولها لأحد.. كلنا ينادينا باسمائنا.. وجدانه يقول جدي..
حينها فرحة عميقة تصاعدت في روح عبدالله المستنزفة من الألأم.. ومعها أيضا تصاعدت دهشة عميقة.. لذا توجه لحسن الصغير بالسؤال:
حبيبي حسون.. من قال لك أنا بابا؟؟
حسن يعبث في ساعة يد عبدالله وهو يجلس في حضنه: ماما دالت لي.. تل يوم أثوف ثورتك.. وتل يوم أكي أبي أثوفها..
حينها شعر عبدالله كما لو أن سهما مُراشا اخترق منتصف قلبه بلا رحمة.. شهق بأنة خافتة لم تصل إلى مسمع صالح ولكنها اخترقت روحه بقسوة حانية
" أنتِ ياجوزا صاحبة الفضل في كل السعادة التي أنا أشعر بها؟؟
أنا أهديتكِ الألم والتعاسة ولا شيء غيرهما.. وأنتِ تهديني هذه السعادة كلها..
أحقا احتفظتِ بصورتي طوال هذه السنوات وكل يوم تُرينه إياها حتى حفظ شكلي وهو يعلم أني والده رغم أني كنت رجلا ميتا في عرف الجميع؟؟ أيعقل ذلك؟؟
أ يعقل أن هناك من قد يفعل مثلك؟؟
طوال عمري كنت أقول وسأبقى أنه كطهارتكِ وبراءة قلبكِ يستحيل أن يوجد في هذا العالم
لا يفعل هذا الفعل المثقل بالطهر سوى قلب كقلبكِ
ولكن لماذا فعلتِ هذا؟؟ لماذا؟؟
هل أستطيع أن أأمل في شيء غبي ما؟؟
أعوذ بالله من وسوسات الشيطان وصحبه
لقد أصبحت لرجل آخر.. لا يحق لي مجرد التفكير فيها
فلماذا أنا عاجز عن إخراجها من رأسي؟؟
أو لماذا أنا عاجز عن إخراجها من قلبي!!"

************************************

" جميلة فيه ناس واقفين برا يبون يسلمون عليج"

جميلة رفعت رأسها عن مجلة كانت تتصفحها.. فهم في المصحة يختارون مجلات معينة بعناية ثم يلقونها في الغرف دون أن يطلبوا من المريض حتى أن يتصفحها
وهذه المجلات تحتوي مقالات كُتبت بحرفنة عالية على يد خبراء نفسيين
ودُعمت بصور جذابة.. تدعوا بطريقة غير مباشرة إلى تقبل الذات وفي ذات الوقت السعي الإيجابي نحو الأفضل..
تدعو إلى تدعيم التفكير المنطقي والعادات الصحية في الطعام والرياضة..
كثير من الموضوعات التي تحاول خلق شخصية واثقة منفتحة إيجابية..
وفي غرفة جميلة وضعوا المجلات المكتوبة بالانجليزية التي تجيدها جميلة..
وجميلة منذ تحسنها وهي تلتهم هذه المجلات التهاما..
رفعت رأسها لخليفة وهي تهمس بدهشة: من اللي يبي يسلم علي؟؟ رجّال وإلا مرة؟؟
خليفة بهدوء يخفي خلفه توتره: ريال..
جميلة شدت حجابها لتلبسه وهي تهمس له بتلقائية: يكفي حجابي وإلا لازم أغطي وجهي بعد؟؟
خليفة كان سيقول لها لا داعي لهما كلاهما.. ولكنه لم يرد أن يصدمها لذا هتف لها بهدوء حاول أن يكون طبيعيا: حجاب يكفي.. ريال عدت أبوج..
حينما قال لها أنه رجل كأبيها.. شعرت جميلة بتحليق غامر في قلبها... أ يعقل أن عمها زايد قد حضر لزيارتها..؟؟
استغربت قليلا.. فهو كان هاتفها بالأمس هو ومزون.. وقالا لها أنها سيحضران لزيارتها بعد زواج كساب.. وزواج كسّاب تبقى عليه عدة أيام بعد
ربما كان يريد عمل مفاجأة لها...ابتسمت بسعادة عميقة وقلبها يرفرف.. كم اشتاقت له!!
حتى وإن كانت لا تستطيع تقبيله ولا احتضانه.. يكفيها تكحيل عينيها برؤيته..
كانت تريد القيام والوقوف ليراها أنها أصبحت أفضل الآن..
ولكنها قبل أن تقف.. فُجعت بمن دخل عليها.. أخر شخص في العالم توقعت أنه قد يزورها
منصور آل كساب شخصيا وبكامل أناقته.. بثوبه وغترته كأنه في قلب الدوحة
"منصور آل كساب هنا؟؟"
الرجل الذي منذ طفولتها وهي تشعر أن له هيبة تشبه هيبة الأساطير التي كانت تشاهدها في أفلام الكرتون
ارتاعت وهي تغطي طرف وجهها الأسفل –أنفها وشفتيها- بطرف حجابها..
كانت تريد أن تصرخ بخليفة كيف يحرجها بهذه الطريقة.. ولكنها ابتلعت صرخاتها حرجا من هذا الذي ملأ أقطاب الغرفة بحضوره
اقترب خطوتين وهو يبتسم بفخامة: مساش الله بالخير يأبيش..
جميلة باختناق: هلا والله حياك الله يأبو علي.. وش ذا الساعة المباركة اللي شفناك فيها...
أما ماكاد يفقد جميلة صوابها هو أنه تقدم حتى وصلها ثم انحنى وقبل رأسها..
جميلة صُعقت وهي تتأخر وتلصق ظهرها بظهر السرير.. وهي ترتعش وتنظر لخليفة بخليط متفجر من غضب وعتب وصدمة..
كيف يسمح لرجل غريب أن يقبل زوجته بينما هو واقف ببلاهة يوزع الابتسامات؟؟
أما ماكاد يقتلها فعلا هو أن خليفة حينما رأى منصور شد مقعدا وجلس جوارها أنه هتف باحترام بالغ بغيض: تبي أخليكم بروحكم؟؟
فأشار له منصور بحزم: لا خلك.. أي شيء بأقوله أبيك تسمعه..
جميلة تكاد تبكي من الرعب والمهانة..
"أي رجل لا غيرة لديه هذا؟؟ يستحيل أن أبقى على ذمته بعد اليوم... يستحيل!!
ثم كيف يفعل منصور آل كساب هذه التصرفات التي لا تليق مطلقا برجل مثله؟"
منصور حينها هتف بهدوء حازم دون أن ينظر ناحية جميلة لأنه شعر بحرجها منه..
ولو أنه نظر ناحيتها لرأى عيناها الظاهرتان كأنهما بحيرتان تكادان تفيضان من شدة احتقانهما بالدموع لفجيعتها في خليفة قبل فجيعتها فيه:
اسمعيني يأبيش.. أنتي أول عدت بنتي.. لكن الحين أنتي بنتي صدق..
وأبغيش تعتبريني كذا.. وأظني يابنتي أنش منتي بجاهلتني.. وتعرفين أني ما أقول شيء ما أقصده..
جميلة رأسها يدور.. ولا تفهم شيئا مما يدور حولها.. لكنه رأت أنه من الأدب الذي لا يستحقه أحد منهما أن تجيب:
الله يكبر قدرك يأبو علي..
منصور بذات الهدوء الحازم: أنا ما أنا بطالب منش تقولين لي يبه.. بس تراني أتمناها منش..
جميلة بدأ الصداع يطرق رأسها (هذا اش فيه؟؟ أكيد استخف!!)
بينما منصور أكمل كلامه: تدرين يابيش الدنيا ما تأتي للواحد دايما على كيفه.. وأحيانا يكون الإنسان في ظروف تحده يسوي شيء يمكن يزعل الناس الغالين عليه
لكن إذا حن نغليهم مثل ما يغلوننا.. لازم نقدر ظروفهم اللي حدتهم على ذا الشيء.. ولازم نحب لهم الخير مثل ما نحبه لأنفسنا
جميلة بعدم فهم: أبو علي أنت وش تقصد من كلامك.. والله العظيم رأسي آجعني..
منصور شد له نفسا عميقا ثم هتف: تدرين يا جميلة أنتي عند أمش أغلى خلق الله كلهم.. ماشفت أم تحب بنتها مثل أمش..
حينها همست جميلة بتوجس متوحش: وأنت وش عرفك أن أمي تحبني وبشوف عينك بعد؟؟
حينها ألقى منصور قنبلته.. فهو تعب من محاولات اللف والدوران التي لا يتقنها: أنا وأمش تزوجنا من أكثر من 3 أسابيع...
جميلة حينها سقطت يدها التي تغطي وجهها وهي تنقل نظراتها بارتياع بين خليفة ومنصور
وهي تهمس بنبرة زائغة: من أكثر من 3 أسابيع.. يعني عقب مارجعت من عندي على طول..
يعني حذفتني هنا ورجعت تتزوج.. وطول ذا الأسابيع كلها وهي ناسيتني وتوه يطري عليها تبلغني.. كني ولا شي..
ثم ألتفتت لخليفة وهي تصرخ فيه بوجيعة: وأنت كنت تدري بعد ومخبي علي.. ليه تسوون فيني كذا..؟؟؟ ليه؟؟ ليه؟؟
ثم تعالى صراخها أكثر وأكثر وأكثر وبشكل هستيري في ثورة ذكرت خليفة بثوراتها في أيامهما الأولى هنا..
كان خليفة على وشك استدعاء الممرضات ليحقنوها بإبرة مهدئة.. لولا صدمته من تصرف منصور غير المتوقع
فمنصور وقف ليجلس جوارها على السرير.. ثم يحتضنها لصدره بكل قوته..
حاولت جميلة التفلت منه وهي تلكم صدره وتصرخ
ولكنه لم يفلتها وهو يهدهدها بصوته العميق وبنبرة شديدة السكون والهدوء:
بس يأبيش اهدي.. اهدي.. اذكري الله..
أمش ماسوت حرام ولا عيب.. هذا حقها.. مثل ماكان حقش إنش تختارين خليفة وتصرين عليه..
أمش ما يصير تقعد ساكنة بروحها حتى لو صار لها أي شيء في الليل ماحد درى عنها..
جميلة تبكي وتشهق وهي تحاول دفع منصور عنها: ما أبيها تزوج.. ما أبيها تزوج.. هذي أمي أنا.. طول عمرنا مع بعض.. أشلون تخليني الحين..
منصور يمسح على رأسها بيد وهو يمسكها باليد الثانية: يأبيش أمش ماخلتش ولا عمرها بتخليش..
عفرا قبل ما تصير مرتي هي أمش.. وأنا الحين صرت أبيش..
وإلا ما تشوفيني كفو أكون اب لش..؟؟
جميلة سكتت رغما عنها وهي تهدأ رغما عنها كذلك.. بل تجبر نفسها على أن تبدي هدوءا يختلف تماما عن الأعاصير الثائرة في داخلها..
صمتت والغضب يتحول لمشاعر أعمق من الخذلان والحزن..
أصمتها شعورها بالخجل من منصور.. رغم رغبتها العميقة أن تصرخ وتصرخ وتصرخ حتى تفرغ كل ما لديها من مشاعر سلبية موجوعة
أ يعقل أن تفعل أمها بها ذلك... تتزوج بعد كل هذه السنين.. ودون أن تستشيرها حتى؟؟
إن كانت تريد الزواج.. لماذا لم تتزوج من زايد؟؟
لماذا لم تحقق لها أمنيتها أن يكون زايد والدها فعلا؟؟
هذا الأب (المودرن) الوسيم لا تريده أبا لها.. كيف يكون مثل هذا أبا لها ؟!
منصور حين رآها هدأت أفلتها بهدوء حان.. بينما خليفة كان مصدوما من ردة فعل منصور السريعة والمتمكنة..
(كيف لم يخطر لي أن افعل مثله في أيام ثوراتها الأولى
التي كانت تخترق جمجمتي بصراخها فيها)
حينما رأت أن منصور ابتعد قليلا عنها.. لم تستطع حينها أن تمنع نفسها من دفن وجهها بين كفيها لتسمح لطوفان دموعها بالانهمار دون قياس..
الرجلان معها صمتا وهما يحترمان رغبتها في البكاء.. كلاهما أصبح يعرفان أن البكاء أحد لوازم المرأة التي لا تستطيع التخلي عنها..
بعد دقائق من بكاءها الصامت... شد منصور له نفسا عميقا ثم هتف بحزم:
من حقش تبكين وتطيبين خاطرش.. بس من حق نفسش عليش ومن حق أمش عليش.. أنش تفكرين بشوي منطقية
لو فرضا ابيش عاده حي.. هل ابيش بيأخذ أمش منش ؟؟
عديني مثل ابيش صدق مهوب مجرد كلام..
أمش ما تتخيلين أشلون شايلة هم ردة فعلش إذا دريتي وخايفة أنه ذا الشيء يأثر على علاجش.. وهذا السبب الوحيد لتاجيلها تبلغيش بالخبر
جميلة رفعت وجهها المحمر وعيناها المحمرتان وهمست بصوت مختنق من أثر البكاء: قل لها إنها ماقصرت وياتي منها أكثر.. وألف مبروك.. منك المال ومنها العيال
مطلوب مني شيء ثاني؟؟
منصور منذ فكر أن يأتي هنا وهو يعلم تماما أن جميلة لن تتقبل زواج والدتها بسهولة.. هذا إذا تقبلته!!..
لكنه أراد من كل هذا أن يمتص هو الصدمة الأولى.. حتى حينما يحضر مع عفراء تكون جميلة تأقلمت مع الخبر..واتضحت الفكرة في بالها..
وعلى الأقل تكون استبعدت فكرة أن تضغط على والدتها حتى تتركه..
منصور ابتسم وهو يهتف لها بفخامة حميمة وهو يمد يده لكيس كان معه ووضعه جواره:
أنا كنت جاي مستعجل بس جبت لش معي هدية صغيرة.. وإن شاء الله يعجبش ذوقي... اعتبريها هدية متأخرة شوي لعرسش
حينها نظرت له جميلة بحذر متألم: هدية وإلا رشوة؟؟
حينها قفز منصور وهو يهتف بنبرة مخيفة مرعبة: لي أنا تقولين ذا الكلام؟؟
جميلة انكمشت على نفسها وانخرطت في بكاء حاد.. حينها اقترب خليفة منها وهو يضع يده على كتفها..
جميلة طوقت خصره بذراعيها لأنها كانت تجلس على السرير وهو يقف.. ودفنت وجهها في أسفل صدره وهي تنتحب وتهمس له بصوت خافت: تكفى قل له يطلع خلاص.. خله يطلع.. قل له يرجع لها.. خلاص ما أبي حد منهم..
خليفة أشار لمنصور أن يخرج برجاء عميق.. وهو يحتضن جميلة بحنو ويحاول تهدئتها... منصور كان يشتعل غضبا
أ له يقال أنه جاء ليرشيها... بينما جاء وهو يقدم استعداده الكامل والصادق أن يكون أبا لها... ؟؟
منصور خرج فعلا لأنه خشي فعلا أن يتصرف معها تصرفا آخر...
فيبدو أن الجميع عاجز عن إيقاف هذه الفتاة المدللة عند حدها وتعليمها كيف تحترم الآخرين وأين حدودها معهم..
وللحق فعلا كان جزء من تفكيره كأب.. فهي مهما يكن ابنة عفراء.. أي ابنته... ولو كانت فعلا ابنته لم يكن ليرضى أن تكون تصرفاتها على هذا النحو
فور خروج منصور.. جميلة دفعت خليفة بعيدا عنها وهي تصرخ:
أنت بعد وخر عني... ما ابي حد منكم.. أنت بعد روح معه يالخاين.. كذا تسوي فيني
كذا تتفق معهم علي...كذا تسوي فيني يا الخاين؟؟؟
خليفة تأخر وهو يتنهد بعمق...حتى متى سيبقى عاجزا عن فهم تقلبات هذه الفتاة
كلما شعر أنه اقترب منها خطوة... أبعدته عشرات الخطوات!!
فمتى سيستقر الحال بينهما؟؟
خليفة غادرها لمنصور الواقف خارجا... حالما رآه أخذ يعتذر له عن تصرف جميلة
منصور هتف بثقة: لا تعتذر يا ولدي.. ما أقول إلا الله يعينك.. وتراها ياولدي بنية عمك ويتيمة.. هذا من صوب
والصوب الثاني.. لا تزعل مني.. بس جميلة الحين بنتي.. وتراني ما أرضى حد يضميها ولا يقهرها..
ابتسم خليفة: لا تخاف عليها ياعمي.. تاخذ حقها وزيادة..
ابتسم منصور: لا تقول لي.. شفت بروحي..
ثم أردف بعمق: والحق يقال إن الغلط غلط عفرا اللي ماعرفت تربيها عدل
ثم أردف بنبرة أخفت وأعمق وأكثر حزما: وترا يابيك الرجّال الصدق ما يعجز في المرة.. يقدر يمشيها على شوره بدون مايكسرها ولا يهينها
والحين أسلم عليك.. وأي شي تبيه تكفى مايردك شي..
خليفة مودعا: سلامتك عمي.. سلم لي بس على عمتي.. وسامحنا على اللي صار

*************************************

" يا الله انزلوا..

فضحتونا في المستشفى كنكم تقلوون على فرن..

كنكم خايفين أخيكم يطق"
هزاع الممدد على المقعد الخلفي يرد على غانم بابتسامة مرهقة: إيه والله خايفين.. مهوب أول مرة يسويها.. له سوابق..
غانم يضحك: صدق شر البلية ما يضحك
يالله انزلوا... ميت تعب أبي أروح أصلي العشا وأرقد.. ذبحتوني اليوم ياعيال عمي
فهد بحزم: لا والله إن قد تحول تصلي معنا ثم تعشى معنا.. أنا طلبت عشا خلاص..
غانم برفض قاطع: استغفر وأنت مكانك.. وأطعم لك عشر مساكين
ما أقدر.. منتهي من التعب 3 أيام ما رقدت.. ماعادني أشوف أصلا..
فهد بحزم: يا ابن الحلال طالب ذبيحة.. حول تعشى معنا.. حن بس مامعنا حد..
غانم يبتسم: هزيع على الروعة اللي جاته الليلة.. بياكل الخروف بروحه..
هزاع يئن بابتسامة: لا حد يطري علي العيشة زعت عليكم..
غانم بمرح: حوّل.. الله يرضى عليك.. فيها زوع.. روح زوع في موتر فهيدان الجديد.. ماني بناقص قرف..
فهد يفتح الباب لهزاع وهو يهتف بمرح مماثل: وليه يعني الشيخ مايزوع إلا في سيارة.. هذي القاع وسيعة..
هزاع يتسند على فهد بإرهاق.. فمؤشراته الحيوية كلها اضطربت اليوم.. ودقات القلب عنده قفزت للذروة... لذا يشعر بإنهاك عام في مفاصل جسده كلها...
حين دخل الاثنان تفاجأ بالمشهد .. صالح وعبدالله جالسان يتحدثان.. لا غرابة حتى الآن..
ولكن كل الغرابة في المخلوق الصغير الذي يقف خلف عبدالله وهو يطوق عنقه من الخلف.. بينما عبدالله يمسك ذراعيه ويميل به إلى الأمام قليلا ثم يعود للخلف في حركة متكررة ليلاعبه
وبين كل حركة والأخرى يمسك ذراعيه الصغيرتين ويقبلها.. ويبدو على وجه عبدالله ملامح استرخاء وسعادة لا حدود لها
الاثنان ألقيا السلام.. عبدالله وصالح كلاهما هاتفا شقيقيهما عدة مرات حتى خرجا من المستشفى..
هزاع مال يقبل رأس الاثنين ثم جلس جوار عبدالله ليحتضن عضده ويقبل كتفه..
بينما صالح هتف بابتسامة: راحت على أبو خالد خلاص.. نقرت رأسي كنك مان علينا بحبتك
هزاع حتى وهو متعب لا يستطيع أن يتخلص من مرحه التلقائي: واجد عليك بعد.. زهقنا منك خلاص.. ترا حبيت رأسك وكبدي لايعة علي بعد
صالح يضحك: زين يا هزيع.. ذا وجهي كني جبت لك هدية لنجاحك..
حينها قفز هزاع ليقبل رأس صالح عدة مرات هو يهتف بابتسامة: يقطع أبو الماديات اللي خربت أخلاقنا..
فهد جلس في الزواية المقابلة وهو يهتف: وش عنده حسون أفندي كنه شمبانزي في ظهر أبيه..تعالي حبني يالخايس..
حسن كان خلف والده يهز رأسه رفضا.. بينما عبدالله يبتسم: شمبانزي وخايس بعد.. وتبيه يحبك.. روح بس..
حينها نظر فهد لعبدالله نظرة مباشرة: بيحبني غصبن عن خشته.. بس خلني لين أروق له..
الحين نبي ندري وين كنت غاط ذا السنين كلها... وأشلون يوصلنا خبر موتك في حادث..
أنت داري إن هلك ذا السنين اللي فاتت باقي يمنعوني من السواقة..
هزاع الجالس بشكل مائل وهو يتسند على (المركا) يهمس بإرهاق: يمنعونك قومهم شين سواقتهم... لبسها عبدالله بعد؟!!
فهد بغضب: تلايط أنت.. الكبار يتكلمون الصغار يتلايطون..

يتبع ,,, 

👇👇👇
تعليقات