بارت من

رواية بين الامس واليوم -57

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -57

حينها نظر فهد لعبدالله نظرة مباشرة: بيحبني غصبن عن خشته.. بس خلني لين أروق له..
الحين نبي ندري وين كنت غاط ذا السنين كلها... وأشلون يوصلنا خبر موتك في حادث..
أنت داري إن هلك ذا السنين اللي فاتت باقي يمنعوني من السواقة..
هزاع الجالس بشكل مائل وهو يتسند على (المركا) يهمس بإرهاق: يمنعونك قومهم شين سواقتهم... لبسها عبدالله بعد؟!!
فهد بغضب: تلايط أنت.. الكبار يتكلمون الصغار يتلايطون..
حينها هتف صالح بغضب: اجل انت بعد تلايط.. تسكته وحن قاعدين.. هذا حن أكبر منك...
فهد شد له نفسا عميقا: ذا الكلام كله ما يهمني... حتى لو منعوني من السواقة مهيب ذي القضية..
القضية عبدالله وين كان؟؟
عبدالله تنهد ثم ابتسم: الحين أنت وش يهمك وين كنت؟؟ مهوب المهم أني قدامك طيب وبعافية...
وأقول لك أن السبب اللي لدني منكم ذا السنين كلها مافيه شيء يلحق الدين ولا الشرف.. يكفيك كذا وإلا لا؟؟
فهد بتصميم غاضب: لا ما يكفيني... من حقي أعرف وش السبب اللي يخلي أخي يختفي أربع سنين وينقال لنا إنه مات..
عبدالله أمي كانت بتموت عقبك.. جاها اللي ما تمناه لعدوك دون صديقك.. وابي إسأل اخوانك عنه... جاه السكر والضغط وتشوفه تقول كنه شيبه في التسعين..
عالية كانت في فرنسا وما رجعت إلا عقب الخبر بـ3 شهور.. وحن كل مرة تسأل عنك وتقول أن جوالك مسكر نتحجج لها بألف حجة
ويوم درت جاها انهيار وأسبوع كامل ما طب بطنها شيء.. وكل ما أكلناها غصب رجعت.. وعقبه دخلت للمستشفى من الجفاف
وذا الصبي اللي أنت مستانس به... شوف أشلون متعلق فيك.. وذ ذنبه 3 سنين عايش يتيم...
وأم حسن اللي حادت عليك وانحبست 8 شهور وضاع مستقبلها ودراستها..
وعقب ذا كله تقول أنا ماسويت شيء يمس الدين ولا الشرف..
اللي سويته في هلك في أي دين هو؟؟ في أي دين؟؟
عبدالله كان وجهه يتلون بألم مع انثيال فهد الغاضب.. وكل كلمة يقولها يشعر بها طعنة تتجدد في جراحه التي مازالت تنزف..
هزاع حينها انتفض بغضب: بس فهد اسكت... أنت ليه تبي توجعه كذا؟؟
عبدالله أشار بيده لهزاع: هزاع خله يقول اللي يبي... أنا أستاهل اللي قاله وأكثر
ثم توجه بحواره لفهد وهو يتناول حسن من خلفه ويضعه في حضنه ويهتف بألم عميق:
وأنت ظنك يا فهد أني ذا السنين اللي فاتت قاعد بعيد عنكم مستانس..
إذا كل واحد منكم ذاق وجيعة وحدة.. فقد ولد وإلا فقد أخ..
فأنا ذقت الوجايع ألوان.. فقدت الوطن والأم والأب والأخوان والأهل والأمان وحتى الراحة النفسية..
أنا كنت عايش ..بس ما أفرق عن أي ميت غير أني أتنفس..
تبي تحاسبني حاسبني.. حسابك مهوب الشيء اللي بيوجعني.. أنا مرت على الأوجاع كلها لين أقصاها.. أقصاها
حينها وقف صالح وهو يهتف بحزم شديد: خلاص حكي في الموضوع ما أبي أسمع
عبدالله ورجع.. شيء ثاني ما أبي أسمعه..
المشكلة الحين مهيب عبدالله وين كان لأن هذا شي فات.. المشكلة الحين أشلون نوصل الخبر لامي وابي وعالية وحتى عمي راشد وخالاتي وباقي جماعتنا..
حينها همس هزاع بوجع: تكفون ماتفجعون أمي وعالية.. إذا أنا الرجال ما استحملت.. عطوهم الخبر شوي شوي..
صالح توجه للباب : بنتفق عقب أشلون نوصل الخبر لهم.. وأول حد بنبلغه عالية..
والحين بأروح أسلم على أمي وأبي وانتو خلكم عند عبدالله
ثم فهد عقب رجّع حسن لأمه.. عبدالرحمن كلمني يقول يبي يأتي يأخذه.. قلت له لا ..حن بنرجعه...

*************************************

"أوف خالتي ميتة تعب"

عفراء تلتفت لمزون بحنان: أكيد لازم تتعبين.. تجهيز عرس مهوب شيء هين
عقبال ما أجهز لعرسش أنتي وعلي إن شاء الله
مزون بتساؤل: عمي متى راجع الليلة؟؟
عفراء توترت قليلا لذكر منصور.. لا تنكر أنها حاولت الاتصال به مرتين اليوم.. لكن هاتفه كان مغلقا.. شعرت كما لو أن هذا الإغلاق هو رسالة موجهة لها أشعرتها بكثير من الألم
عفراء حاولت أن تهمس بطبيعية: ما أدري بالضبط بس في الليل متأخر..
مزون بتلقائية: زين نرجع البيت وإلا عندنا مشوار ثاني؟؟..
عفراء بهدوء: والله كنت أبي أمر الدكتورة.. بس ما أظني الوقت يكفي.. الساعة الحين 7 ونص وهي تسكر 8...
مزون بقلق: دكتورة ليش؟؟
عفراء بتلقائية: الدورة تأخرت على أكثر من أسبوع وصايرة أحس بألم في بطني من تحت.. أخر مرة جاتني قبل زواجي باسبوعين
أبي أكل حبوب تنزلها.. بس قلت أستشير الدكتورة أول..
مزون تبتسم وهي تهتف للسائقة: جينا.. قدامش مختبر البرج وقفي عنده لو سمحتي
عفراء بدهشة: والمختبر ليه؟؟
مزون بسعادة: خالتي أنا اللي أعلمش.. بدل ما تقولين أكل حبوب تنزل الدورة
قولي أسوي فحص حمل..
عفراء بصدمة كاسحة : وش حمله الله يهداش؟؟
مزون باستغراب: إلا أنتي خالتي الله يهداش.. هذا الشيء المتوقع..
انتي دورتش كانت منتظمة مثل الساعة.. وتأخير أكثر من أسبوع معناها شيء واحد
ليش مستبعدته يعني؟؟
عفراء برفض تام: لأنه مستحيل يامش..
مزون بحذر خجول: ليه خالتي؟؟ أنتي تاكلين مانع؟؟
عفراء تنهدت بعمق.. لم ترد أن تطيل الحوار أكثر من ذلك مع مزون.. قررت أن تجري الفحص حتى تسكتها.. لم تردها أن تسأل أكثر من ذلك
وبالفعل نزلتا في المختبر.. وسحبوا عينة دم من عفراء.. ووعدوهما بالنتيجة بعد حوالي 40 دقيقة..
عفراء لم تكن تريد الانتظار العبثي هذا.. تنتظر شيئا غير موجود بل يستحيل وجوده..
ولكنها لم ترد أن تكسر بخاطر مزون التي كانت غاية في التحمس.. لذا كانت الأربعين دقيقة غاية في الثقل والملل...
بعد الانتهاء.. خرج الطبيب بورقة في يده.. مزون قفزت لناحية المكتب وهي تهمس بسعادة حذرة: بشر يا دكتور..
بينما عفراء جالسة دون أدنى اهتمام.. وكل ماتريده هو انتهاء مزون من لعبتها حتى تعود للبيت..
الطبيب بابتسامة مهنية: نتيجة إيجابية..
مزون بسعادة محلقة: أشلون إيجابية.. حامل يعني..؟؟
الطبيب اتسعت ابتسامته: آه.. حامل إن شاء الله..
عفراء كأنها سمعت كلمة (حامل) لكنها أرجعتها لخلل في السماع.. أو ربما كان يقول لها (غير حامل)..
مزون كادت تجن من السعادة: دكتور أقدر أعطيك بشارة؟؟
الطبيب يضحك: خلاص البشارة بتاعتي.. الفرحة دي..
عفراء أصيبت بالجمود والتيبس (ماذا يقولان هذان؟؟ يبدو أنهما يهذيان؟؟ أو أنا من تهذي وتتخيل؟؟)
مزون قفزت بجوار خالتها وهي تحتضنها والكلمات تختلط على لسانها من سعادتها:
مبروك ياخالتي مبروك... سبحان الله كنت أتمنى أكون أول من يعرف ويبارك
والله حقق لي أمنيتي.. اللهم لك الحمد والشكر..
عقبال فرحتي بحمال مرت كساب..
عفراء كانت جالسة متخشبة (أتخيل؟؟ أكيد أتخيل!! مستحيل!! مستحيل!! أشلون أنا حامل؟؟ ومنصور؟؟)
مزون تهز خالتها: خالتي بسم الله عليش..
عفراء انتفضت بخفة وهي تقف وتسأل الطبيب: دكتور أكيد أنا حامل؟؟
الطبيب بمهنية: إن شاء الله دا تحليل دم مش بول.. والدورة تأخرت أكتر من أسبوع.. أكيد إن شاء الله
حينها عاودت عفراء الجلوس.. صدمة هائلة مزقت حواسها...
دون أن تشعر مدت يدها لبطنها.. وذكريات مشوشة لحملها بجميلة تعود لذاكرتها
ولكن فرق شاسع بين بساطة مشاعرها وفرحتها البريئة آنذاك
وبين تعقيد مشاعرها وفرحتها المعقدة الكثيفة العارمة اليوم!!
نعم... فـــرحــة!!..
رغم كل التعقيدات.. رغم كل التوتر.. رغم كل التأزم.. هي سعيدة.. بل سعيدة جدا..
كانت تتمنى طفلا من منصور وهاهي حصلت عليه.. لا تعلم كيف؟؟ ولا يهمها كيف؟؟
هي رحمة رب العالمين ورغبته ومشيئته التي لا يقف أمامها شيء..
كانت تخرج مع مزون وابتسامة متلاعبة شفافة ترتسم على وجهها..
قد تكون فاشلة جدا في التصرف بالخبث الأنثوي الذي قد يكون مطلوبا في بعض الأحيان..
ولكن حملها هذا ستجعله سلاحا ضد منصور المتبجح!!
تستطيع قلب الطاولة عليه.. وقبل أن يغضب هو من حملها
ستغضب هي منه.. لأنه خدعها وقال لها أنه يعاني من عيب يمنعه من الإنجاب
فإذا به يورطها في حمل لم تكن هي مستعدة له أطلاقا..
" يالها من مسكينة!! "
اتسعت ابتسامتها حتى كادت تتحول لقهقهه منعتها حتى لا تفضح نفسها في مزون
(طيب يا منصور!! زين
ربي أكرم من كل شيء
أقوى من تسلطك وتجبرك وشروطك
انتظر علي شوي
بس شوي يا منصور!!)


**********************************


" خلاص أبو عبدالرحمن شنطتك جاهزة.. واللي قلت لي عليه كله حطيته فيها"
أبو عبدالرحمن يلتفت لأم عبدالرحمن وهو يجلس على السرير ويضع أوراقه وماله وجواز سفره في حقيبة صغيرة معه
ويهتف لها بحزم: أنا معزوم على العشا.. وما قدرت أعتذر من الرجال.. بارجع بسرعة عقبه وبأخذ شنطتي وبيمرني تميم .. امهاب بيودينا المطار
أم عبدالرحمن بتردد: والله ذا السفرة مالها سنع.. عرس بنت ناصر عقب أسبوع.. وأنت بعد ماخذ أخيها معك
أبو عبدالرحمن بذات نبرته الحازمة: ما أقدر أجلها.. فضل المنان يقول إنه حاجز طيور لي.. وماقدر يخليها أكثر من أسبوع
ولولا أن أبيه الله يحسن خاتمته هو اللي موصيه إنه إذا جاته طيور زينة يخيرني فيها أول حد.. أو كان باع بدون ما يهتم مني..
وما أقدر بعد أقول له احجزها أكثر من أسبوع.. ما أرضى له الخسارة...أنا وأبيه صحبة وأكثر من أخوان بعد من أكثر من 35 سنة..
أم عبدالرحمن بذات التردد: زين روح أنت جيب طيورك وخل تميم.. خاف يتأخر على عرس أخته..
حينها ابتسم أبو عبدالرحمن: ما أقدر أروح بدون تميم.. أستبشر بوجهه.. العام الأول حدني أشتري فرخ وأنا ما أبيه كلش.. بس شريته لأني ما أحب أخالفه
تميم دايما رايه إهدا (الهدا=الصواب) مايحدني إلا على خير
وذا الحين ذا الفرخ صار خيرة طيوري..
والعام يوم رحت بدون ما أقول له عشانه كان مريض.. زعل علي إني رحت وخليته..
وش تبيني أسوي يعني؟؟ أنا ماغصبته... أنا قلت له تخاويني.. وإن شاء الله محن بمبطين.. 3 أيام وإلا 4 بالكثير ومعودين
تنهدت أم عبدالرحمن: أنت بعد يا فاضل غلطان من يوم ولعت الصبي في القنص.. وإلا حد مثل تميم يقنص..
ابتسم فاضل بشفافيه وهتف كأنه يكلم نفسه: والله إنه أخير من كل الصقارين.. صقار بالفطرة.. نبيه وفطين..
هذا أنا كنت أخذ عبدالرحمن وامهاب كلهم معي.. لو أني اللي أولعهم في الشيء كان ولعت ولدي..
بس ماحد منهم اهتوى القنص إلا تميم لأنه قرم في رأسه حب ما طحن.. ما يطحنه غير حوال الطير نكاسي..
والله ثم والله لو أني داري إنه له طاري بالعرس من وحدة مهيب مثله.. ماكان أخليه يروح على شعاع..
أم عبدالرحمن بجزع: من جدك يافاضل.. تميم ولد أخي واحبه مثل ولدي.. بس شعاع بنتي وأبي لها الزين..
أبو عبدالرحمن قلب شفتيه: هذا عشانش مرة عقلش ناقص.. أنا أشهد أنش ما تعرفين الرياجيل..وإلا تميم يسوى عشر رياجيل
ثم أردف بحزم وهو يشير للتسريحة: تراني خليت لش ظرف فيه فلوس في الدرج الأول..
أم عبدالرحمن تغلق حقيبته وتهتف بتلقائية: ماله داعي يابو عبدالرحمن.. عبدارحمن موجود..
حينها هتف بغضب: ما حد مسئول عن بيتي غيري.. وما تأخذون مصروفك من غيري..
حينها هتفت أم عبدالرحمن بوجع مخفي: وهي المسئولية فلوس وبس.. الله لا يخلينا منك ولا من عبدالرحمن..
أبو عبدالرحمن يشد حقيبته وهو ينزلها على الأرض ثم يهتف لها بتحذير:
إياني وإياش مرة ثانية تخلين شعاع تروح بروحها من السواق والخدامة..والله لا يصير شيء ما يرضيش..
شعاع ما تطلع مكان إلا معش أنتي أو مع أخيها أو مع جوزاء وبس... حتى مع بنات خالها ما تروح
سامعتني؟!!
أم عبدالرحمن بجزع: الله يهداك ماصارت إلا مرة وحدة عشاني ماكنت موجودة..
راحت تصور ملزمة في المكتبة القريبة عشان الامتحانات.. وهذي الامتحانات خلصت
وشعاع جاها ماكفاها منك تيك المرة..
أبو عبدالرحمن بغضب: جزاها وأقل من جزاها... أنا منبه عليها ألف مرة... ثم تعصاني..
ثم أردف بتصميم : وإيه.. أمنتش الله ما ترقدين لين تأكدين إنش قفلتي البيان وسحبتي المفاتيح..
أم عبدالرحمن بسكون: يا فاضل الله يهداك.. كل ماجيت تسافر توصي نفس الوصايا والله أني حفظتها.. لا توصي حريص
أبو عبدالرحمن وهو يستعد للخروج: واسمعيني يأم عبدالرحمن تراني مخلي مع الفلوس.. فلوس هدية بنت ناصر.. لا تقصرون فيها
تراها مالها خوال ولا عمان.. وأنتي عمتها الوحيدة.. أبي هديتش لها بهدية عشر عمان..


*******************************************


" عبدالرحمن فديتك.. تكفى جيب لي حسون
الساعة صارت تسع ونص.. متى بألحق أعشيه واسبحه وانيمه؟؟"
عبدالرحمن يهتف في هاتفه بمودة: جوزاء ياقلبي والله أني كلمت صالح كم مرة
قال لي إن فهد بيجيبه...
كلمت فهد يقول حسون مهوب راضي يرجع معه..
قلت لهم أنا بأجيكم أجيبه.. فهد يقول إنه مطلعه يلعبه.. وبيرجعه
جوزاء بقلق: والله تاخر ياعبدالرحمن... صالح خذه من عقب العصر.. من الساعة أربع ونص.. الحين صارت تسع ونص
لو كان ماخذه الصبح كان عادي عندي.. بس الحين تأخر الوقت
عبدالرحمن بطمأنة: وش تاخر يابنت الحلال.. تو الناس..
والله مايأكلونه عمانه.. ولا يهمش أنا بكلم فهد لو ماجابه الحين.. باروح له بنفسي الألعاب..
جوزا ألقت بهاتفها جوارها وهي تمسح على وجهها بإرهاق.. شعاع الجالسة جوارها تقلب في جهازها الحاسوب همست لها بهدوء:
أشفيش متوترة كذا... ترا مهيب أول مرة يأخذونه هله.. وأحيانا ياخذونه أكثر من كذا وخصوصا عقب مارجعت عالية يكون معها طول اليوم..
وش معنى اليوم متوترة كذا؟؟
جوزاء بتوتر وقلق عميقين: أنا كلمت عالية عقب المغرب.. قالت لي ماشافته.. قلبي قارصني
5 ساعات قاعد في المجلس؟؟... أنا خايفة يكون مسك دلال القهوة وإلا طلع الشارع
وإلا صار له بعيد الشر شيء.. عشان كذا عمانه مايبون يروعوني
ياربي شعاع... والله العظيم قلبي قارصني.. وقاعدة أطمن روحي
شعاع بطمأنة: ما أشين فالش.. مابه إلا الزين..


.
.
ذات الوقت..
فهد يبتسم: أنت خلصنا من ولدك اللزقة.. خاله صدعنا يقول أمه صدعته..
عبدالله لا يريد تركه يغادر فعلا.. مازال لم يشبع عينيه وروحه منه.. ولكن هل ساعة أو ساعتين آخريين سيكفيانه..
يشعر أن العمر كله لا يكفيه حتى يعوضه عن تركه له طيلة السنوات الماضية
وخصوصا أن حسن لا يريد تركه مطلقا..ويبدو متعلقا به بصورة غريبة مبالغة..
أ لم عميق يتصاعد في روح عبدالله على حال هذا الصغير الذي عاش علاقة أبوة مع مجرد صور.. ورق مصفر.. أشباح باهتة لخيال أب كان..
بينما والده حي يرزق..
ينظر إلى حسن الجالس على ركبتيه ويعاود احتضانه ربما للمرة الألف هذه الليلة .. ولا يرتوي من رائحته ولا من قرب جسده الضئيل
فهد يعاود الإلحاح: لا تزعل علي بس تراني بشله غصب وبوديه لامه.. نبي نرجع نتعشى ونتصل في صالح يجينا..
عبدالله يقف وهو يحمل حسن بين ذراعيه: أنا باروح معك نوديه..
فهد بتوجس: أخاف حد يعرفك.. ما أبي حد يبلغ هلي الخبر قبل ماحنا نقول لهم..
عبدالله بهدوء واثق: يا ابن الحلال أنا باتلطم.. وأقعد جنبك...وأنت انزل وعطه خاله.. صار لك ساعتين تحايل فيه وهو مهوب راضي..
فهد باستغراب: صراحة تعلقه فيك غير طبيعي.. متى لحق يعرفك عشان يتعلق فيك كذا؟؟
وبعدين ماشاء الله تعاملك معه تعامل واحد خبير ومحترف بعد.. مهوب واحد المفروض إنه عليمي..
عبدالله يبتسم: الأخ مركز في كل شيء.. هذي اسمها تناجي أرواح يا متنح.. ولد وابيه.. الروح تنادي الروح
فهد يضحك: الكلام كذا كني سمعته في فيلم هندي قديم.. يا الله قوم قوم... نسيبنا دخل في مخ مخي... الله يعين عالية عليه ويعينه على عالية
عبدالله وفهد يتجهان للخارج.. تاركين هزاعا الذي كان نائما في المجلس
وعبدالله يسأل فهد بابتسامة: عالية ماعقلت.. ؟؟
فهد يبتسم: إذا عقل حسون عقلت عالية معه..
عبدالله بمودة عميقة: وخالي نايف وش أخباره؟؟ صالح يقول لي باقي له سنة ويخلص ماستر..
فهد بمودة مشابهة: نايف طيب لو أن الله يخلصه من حنت خالاتك.. هم موذين العالم فكيف أخيهم الوحيد
ثم أردف فهد وكأنه يتذكر شيئا: تدري عبدالله حتى يوم كانت أم حسن في الحداد..
كنت دايم أشوف عالية مفولة من خالاتي خصوصا خالتي نورة وسلطانة
تقول أنهم حاطين دوبهم دوب المسكينة ومطفرينها من عيشتها..
عبدالله شعر كما لو كان تكهرب وتيار لاسع يمر عبر كامل جسده: أشلون يعني؟؟
فهد بعدم اهتمام: ما أدري.. اسأل عالية عقب..
عبدالله سكت باقي الطريق وهو يحتضن حسن الذي يستكين على صدره
(هل تبقى شيء يا جوزاء لم أجرحكِ فيه؟؟
حتى أبسط شيء.. أتركك عرضة للألسنة تلتهمكِ دون أن أكون موجودا لحمايتكِ!! للتخفيف عنك!!
تركتكِ براءة عذبة مغبونة مجروحة في عمق أنوثتها
ضاعت فرصتك في اكمال دراستك في حداد ماكان يجب أن تخضعي له
وبعد ذلك حتى من أذية الكلام لم يرحموك
وأنا السبب في كل ذلك!! دائما أنا السبب!!)
عبدالله كان مستغرقا في أفكاره التي يأخذه منها أحيانا حديث فهد الذي كان يجيبه باقتضاب بعد أن صدمه بوجيعة جوزا الجديدة
أي فرحة هذه التي خالجتها الأوجاع حتى صميم الروح؟؟
أي فرحة هذه التي ما ابتسم فيها ابتسامة حتى سالت خلفها روحه دمعات وآهات؟؟
"وصلنا!!"
انتزعته كلمة فهد الحادة القاطعة من أفكاره بالكامل
والسيارة تقف أمام بيت أبي عبدالرحمن


************************************

قبل ذلك بحوالي ساعة... بعد صلاة العشاء مباشرة

تجلس في غرفتها.. تحترق.. تفكر.. تنطفئ لتعاود الاحتراق بلا هوادة
تعلم أنه عاد.. وتعلم أنه كان في الأسفل
سلم على والديه وشقيقته وولديه.. ثم ذهب للمسجد مع والده لصلاة العشاء
كل هذه الأخبار أبلغها بها ولديها اللذين ذهبا هما أيضا مع والدهما للصلاة
بينما هي كانت في أثناء حدوث ذلك تلتهي بترتيب ملابسهما عن الهموم التي تكاثرت في روحها
والتي زادها عليها أن غانم لا يرد على اتصالاتها أبدا.. بعد خروجه المفجع بالأمس.. الذي زاد قلقها قلقا
عادت لغرفتها وهي لا تعلم حتى إن كان صالح سيتذكر أن يصعد لرؤيتها
أو ربما كان مستعجلا للعودة لشيء آخر!!
بداخلها ترفض فكرة أن صالحا قد يتزوج عليها.. لا يمكن أن ينهار كل الحب الذي يحبها صالح في لحظة.. يستحيل أن يستبدلها بآخرى
تطوف ببالها مئات من ذكرياتها مع صالح.. العاشق الذي لم تطفئ جذوة حبه لها أي ظروف.. لا خلافاتهما ولا بعادها ولا السنوات..
دائما كان عاشقا متجددا.. وكأنهما عريسان في شهر زواجهما الأول..
رغما عنها شهقت بألم.. هي من أضاعته من يدها..
صالح على الدوام كان رجلا استثنائيا.. تكاد تقسم أنه قد لا يوجد على كوكب الأرض رجلا أغرق زوجته في مشاعر عشق مستحيلة كما فعل صالح
أخطأ في حقها خطأ كبيرا.. ولكنها هي من لم تعرف كيف تتصرف حينما حدث الخطأ في مرته الأولى.. ومراته التالية..
كانت تهرب لغرفة ابنائها ثم تدعي أنها رضيت سريعا رغم أنها بداخلها لم ترضَ..
شيء ما بقي حاجزا بينها وبينه
حاجز كان يثير جنون صالح الذي يريد امتلاكها حتى أخر نفس..
ولكنها ربما كانت تعاقبه بهذه الطريقة.. كانت تعلم استماتته في إشعال مشاعرها
لكنها كانت تبقي لها دائما حاجز ما من تباعد وبرود
لا تعلم هل (غرّها الغلا)؟؟ هل كانت طريقتها في التعامل مع صالح فاشلة؟؟
(بالتأكيد هي فاشلة
وأنا فاشلة!!
وإلا لماذا وصلنا إلى هذا الحال
لماذا وصلنا هنا.. رغم كل الحب الذي جمعنا
أو بمعنى أصح حب صالح الذي كنت أستقبله دون مقابل يوازيه!!)
كانت أفكارها الجارحة الثقيلة تدمي فؤادا أرهقه اليأس والسهر والقلق والغيرة.. وشهقاتها الخافتة تحاول كتمانها فلا تفلح..
حتى سمعت الطرقات الهادئة على الباب التي أجبرتها على ابتلاع شهقاتها..


********************************


يتنهد بعمق وهو يدخل إلى بيته..

تجاوزت الساعة منتصف الليل.. لا يعلم هل كانت مهمته ناجحة أو فاشلة
ولكن أكثر ما يخشاه أن تؤدي لتأزم الوضع بينه وبين عفراء
يخشى أن تكون جميلة اتصلت بوالدتها بعد مغادرته
ولا يعلم كيف نسي حدوث مثل هذا الاحتمال المتوقع جدا..
احتمال كهذا قد ينسف كل مافعله..
وغلطة الشاطر بألف..
بل غلطة كهذه بملايين الملايين..
يخشى أكثر من أي شيء أنه لن يجدها حتى هنا.. قد تكون غضبت وعادت لبيتها..
وهذا هو المتوقع منها..
فبعد اتفاقهما أن يؤجلا إبلاغ جميلة بزواجهما حتى تذهب عفراء لها
كان هو من خرق الاتفاق وهو يبلغ جميلة ودون علم عفراء حتى..
يخشى بشدة أن تسيء فهم سبب تصرفه هذا.. أو تبرره بسوء نية مقصود منه..
كانت هذه الأفكار تدور في رأسه وهو يصعد للأعلى ومع كل خطوة يخطوها يغتاله أحساس مر أنه لن يجدها .. لن يجدها
وأنه سيجد فقط أطلالا مهجورة تستحضر ذكراها في المكان


#أنفاس_قطر#
.
.
.
بين الأمس واليوم/ الجزء الرابع والثلاثون


مشاعر ثقيلة جدا أورمت قلبه الذي ماعاد يحتمل المزيد وهو يقف أمام باب بيت أبو عبدالرحمن من الخارج
بينما حسن حين عرف البيت شدَّ على عبدالله وهو يهز رأسه بعناد طفولي: مابي.. مابي.. أبي بابا بث.. مابي ألوح..
عبدالله يحتضنه بخفة ويسأل فهد بشجن: كنهم مغيرين واجهة البيت والصبغة؟؟
فهد بدون اهتمام: ما أدري يأخيك.. الظاهر
عبدالله تنهد بألم شفاف وهو يهمس في داخله:
(أنا اللي أدري.. أنا اللي أدري
كان باقي أعد خطوط البيت وأنا أنتظرها تطلع علي في كل مرة كنت أوديها لأهلها
أحاول أتشاغل بشيء.. ألهي نفسي عن شوقي لها
ألهي نفسي عن قلبي اللي أحسه ينشلخ ألف مرة)
بينما عبدالله لاه في أفكاره وهو يشد ابنه إلى صدره كان فهد ينهي اتصالا ثم يلتفت لعبدالله:
عبدالرحمن عاده في الطريق ويبي له شوي.. ويقول ا ن ابيه معزوم على عشا
خل نعطي ذا الأذوة واحد من صبيان المجلس ويعطيه الخدامات يوصلونه لأمه..
عبدالله بصدمة: من جدك أنت؟؟ تبي تعطي ولدي واحد من الصبيان يوصله للخدامات..
قسما بالله منت بصاحي ولا تأمن على الولد... عسى مهوب أنت اللي ترجعه كل مرة..؟؟
فهد يضحك: وانا وش عرفني بالبرتوكول لإعادة صاحب السمو... رجعته كم مرة.. بس كل مرة عبدالرحمن موجود وإلا جده وهم اللي يأخذونه
عبدالله بقلق: فهد أمنتك الله.. لا تكون مرة سويتها وعطيته الصبيان..؟؟
فهد يضحك: والله العظيم مابعد سويتها... خاطري تشوف وجهك.. لابس دور الأب مضبوط..
ثم أردف بابتسامة: يا الله قل لي وش تبينا نسوي.. نقعد واقفين لين ياتي عبدالرحمن ويعرفك
كان مخططنا أني أنا بأنزله المجلس وبأجيك.. الحين وش السواة..
عبدالله تنهد: اتصل في أمه.. خلها تخلي وحدة من الخدامات تطلع لنا.. وبننتظر هنا لين أشوفها دخلته داخل البيت..
فهد حينها تفجرت في رأسه قنبلة ما.. شهق ثم كح وهو يهتف لعبدالله برعب حقيقي:
على طاري أم حسن..
عبدالله أنت الحين ما متت.. والمرة حادت عليك.. وحتى عدة الغياب ماكملتها لك بالضبط 3 سنين و11 شهر
ووأم حسن الحين على ذمة ولد آل يحيا.. لازم تسأل شيخ ..
عبدالله ألا يكفيه مافيه من أوجاع حتى يذكره: أم حسن أنا طلقتها وأنا في أمريكا.. وعقد الطلاق موثق ورسمي وموجود الحين في الخارجية للي يبي يتاكد..
فهد بصدمة: عبدالله أنا مصدوم فيك.. يعني مخطط لكل شيء.. ليه ذا كله.. ليه؟؟
عبدالله لم يرد عليه.. حينها زفر فهد بغضب متزايد على عبدالله: باتصل في عالية أخذ رقم البيت منها
عبدالله بسكون: مافيه داعي أنا حافظه.. إذا هو نفسه ماتغير..
فهد أخذ الرقم من عبدالله وهو مازال يغلي من الغضب..
في الداخل.. جوزا تذهب وتعود.. ماعادت قادرة على الجلوس
بينما شعاع مازالت تعبث بأزرار حاسوبها وهي تهمس بهدوء: جوزا الله يهداش عبدالرحمن الحين مكلمش ويقول أنه جاي
اقعدي حولتيني..
جوزاء بغضب: خلش في اللي أنتي فيه.. ومالش شغل..
رن الهاتف بجوار شعاع .. التقطته وعينها على شاشة الحاسوب: مرحبا..
صوت رجولي غاضب: وين أم حسن وإلا أم عبدالرحمن يا بنت..؟؟
شعاع مصدومة من هذه الوقاحة.. (بدون سلام حتى؟؟)..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات