بارت من

رواية بين الامس واليوم -58

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -58

جوزاء بغضب: خلش في اللي أنتي فيه.. ومالش شغل..
رن الهاتف بجوار شعاع .. التقطته وعينها على شاشة الحاسوب: مرحبا..
صوت رجولي غاضب: وين أم حسن وإلا أم عبدالرحمن يا بنت..؟؟
شعاع مصدومة من هذه الوقاحة.. (بدون سلام حتى؟؟)..
بينما فهد كان يظن أن من ردت عليه طفلة صغيرة..
شعاع تحاول الاعتصام بالأدب وهي تتكلم بطريقتها الهادئة الرقيقة التلقائية المعتادة: أم حسن موجودة.. وأم عبدالرحمن تصلي.. من تبي منهم؟؟
حينها علم فهد أنها ليست طفلة بل صبية يقطر صوتها رقة وعذوبة أشعرته بمزيد من الغضب.. لأنه يكره بشكل عام يكره (الميوعة) في البنت..
وهو حسب ظنه شعر أنها تتحدث بميوعة زائدة مع غضبه الذي قفل عروق التفكير في رأسه:
اصطلبي يا بنت لا تسيحين.. ماعلموش هلش أشلون بنت الحمايل ترد على الرياجيل..
شعاع شهقت بشدة وهي تلقي الهاتف والحاسوب وتقفز راكضة للأعلى
حينها انتزع عبدالله الهاتف منه بغضب كاسح: قسما أنك مستخف.. هذي أكيد شعاع.. البنية أذكرها هادية خلقة ربي يا الجلف.. الله يأخذ عدوك
فهد لم يهتم.. وعبدالله يأخذ منه الهاتف ويقرر أن يطلب منها إرسال أحد للخارج فهو متأكد أنها لا تتذكر صوته
ولكنه مع التقاطه للهاتف كان صوتا آخر يهتف بقلق عميق: من أنت؟؟ ووش قلت للي ردت عليك ؟؟
حينها عبدالله عاود إلقاء الهاتف لفهد و يشير له أن يرد ..وهو يشعر أن قلبه مزقته قنبلة مدمرة إلى مئات الشظايا
يكاد يقسم أنه يشعر بألم فعلي في كل نواحي قلبه..
صوتها.. هي.. همساتها!!
قبل أن تتحدث حتى ..عرفها.. عرفها..!!
شعر أن أول نفس عانق وتين قلبه
والنفس الثاني مزقه تماما.. ثم بقية الأحرف عبثت بقلبه الممزق ذهابا وإيابا
( يا الله.. يارب
هل حكمت على سواي بعذاب حب كهذا؟؟
كنت أخدع نفسي أنني سأنساها أو حتى أتناسها
بعد ان كانت ذكرياتي الشاردة معها زادا يدفئ قلبي المجمد طوال كل دقيقة في السنوات الماضية
فإذا بحلم النسيان مجرد حلم مستحيل وأنا أسمع همساتها اليوم
يا الله كم اشتقت لها..
كم اشتقت!!
يا الله مابقي فيَّ قلب يحتمل كل هذا!!
وكل ماقلت هذا.. جاء مزيد مما لا أتحمله
أموت لأسمع همساتها مرة أخرى.. مرة بعد!
اللهم أني استغفرك وأتوب إليك
يا الله انزع حبها من قلبي.. يا الله اعني على نفسي )
فهد حينما تناول الهاتف عرف صوت جوزا.. هتف باحترام: هلا أم حسن
جوزاء بتوتر: هلا أبو خالد.. حسن فيه شيء؟؟
فهد يهتف بهدوء رغم أنه مازال غاضبا وسماع صوتها ذكره بسبب غضبه من عبدالله: لا.. والله مافيه إلا العافية
جوزا بحرج: زين دام مافيه شيء ليش تروعت أختي كذا؟؟
فهد بثقة: قلت لش مافيه إلا العافية.. بس ماكان راضي يرجع
أنا واقف عند باب الحوش من برا.. طرشي لي الخدامة تأخذه..
جوزاء أرسلت الخادمة ووقفت أمام النافذة تنظر للسيارة.. كانت الرؤية غير واضحة لأنهما لم يكونا يقفان في داخل الباحة لكن أمام الباب الخارجي
ولكنها متأكدة أن السيارة كان فيها شخصين
والشخص الذي ناول الخادمة الولد كان من يجلس بجوار السائق.. شعرت باستغراب عميق وهي ترى حسن لا يريد التخلص منه
ثم وهي تسمع بدء تعالي صرخاته وهو يرفس الخادمة التي تحمله ويحاول التخلص منها..
وفعلا أفلت منها ونزل وعاد ركضا للسيارة.. حينها تفجر قلق جوزاء عارما..
أخذت الرقم من الكاشف وعاودت الاتصال بفهد بينما حسن عاد لوالده ورفض النزول والخادمة تحاول أن تنزله
فهد بقلق يهتف لعبدالله: شكلنا بننفضح الليلة من سبت ولدك اللزقة هذا..
عبدالرحمن على وصول
تعالى رنين هاتفه كانت المتصلة هي جوزاء وهي تهتف بقلق: أبو خالد ولدي مهوب طبيعي الليلة.. أمنتك الله وش صاير له
أنا بألبس عباتي وأجي اخذه بنفسي..
فهد قلقه بدأ بالتصاعد ومع ذلك هتف بثقة: لا والله ما تجين أنا بأنزل فيه للمجلس وبأنتظر عبدالرحمن
فهد أغلق الاتصال ثم ألتفت لعبدالله بحزم: أنت أنزل وسق بدالي وأرجع لبيت صالح.. وانا بأنزل بولدك الفضيحة .. وكن فيه خير خله يتفلت مني
بانتظر عبدالرحمن ثم بخلي صالح يمرني
فهد نزل بالفعل وشد حسن بقوة حانية.. ولأن فهد ليس كالخادمة طبعا فحسن لم يستطع التفلت منه بينما عبدالله كان ينزل ليتجه لمكان السائق وهو يهتف برجاء أقرب للأمر: فهد تكفى شوي شوي.. آجعته...
فهد بغضب يتجه بحسن الباكي للمجلس: ما آجعته بس هو متدلع بزيادة..
بينما صراخ حسن يرتفع : أبي بابا أبي بابا..
الخادمة عادت للداخل.. وجوزاء أمسكتها لتحقق معها: حسن وش فيه؟؟
الخادمة بطبيعية: مافيه سي.. بس يبكي يبي بابا..
جوزاء باستغراب: أي بابا ياخبلة؟؟
الخادمة تتجه للداخل: أنا مافي معلوم..
جوزاء انتظرت على أعصابها المتفلتة قلقا لمدة خمس دقائق هي المدة التي استغرقها وصول عبدالرحمن ثم إحضاره لحسن الذي مازال ينتحب بعناد: أبي بابا أبي بابا..
جوزاء حين رأته تناولته وهي تحتضنه وتهدئه: وش فيك حبيبي؟؟
حسن تعلق بعنقها وهو يبكي: ماما أبي ألوح بابا.. بس سوي.. سوي بس..
جوزاء اختنقت: أي بابا ياقلبي؟؟
حسن مازال يبكي: بابا عند ثالح.. أبي ألوح بابا..
ثم ألتفت لخاله: دحمان ودني بابا..
عبدالرحمن يتناوله من جوزاء ويحمله وهو يقبله ويهمس له بحنان: خلاص بكرة حبيبي أوديك..
جوزاء بغضب عاتب: عبدالرحمن ألف مرة قلت لك لاعاد تمنيه شيء ماتقدر تسويه
عبدالرحمن بإرهاق: خرق مخي في المجلس وهو عند فهد.. يبكي كأنه مقروص.. ترا ماهدا إلا يوم شافش...
جوزاء بقلق تنظر لحسن المستمر في البكاء: ليه هو ذا الحين ينقال له هدأ؟؟
عبدالرحمن يطبطب على ظهر حسن ويهتف بتعب: أهون من قبل شوي بواجد..قسما بالله صدعت من صياحه
جوزاء صعدت بابنها.. رفض أن يتناول العشاء.. وطوال ماكانت تحممه كان مستمرا في البكاء وفي طلب وحيد: أبي بابا..
حينها توجهت جوزا لغرفة شعاع التي كانت مازالت تعاني من حرج عميق من موقف الاتصال السخيف الذي عرفت تاليا من صاحبه
ومع ذلك خرجت حين سمعت بكاء حسن
وحاولت مع جوزاء تهدئته أو جعله يتناول العشاء .. ولكنه رفض
وعادت لغرفتها حين كانت جوزاء تحمم حسن
جوزاء كانت تحمل حسن الذي بدأ مرهقا من كثرة البكاء ومع ذلك مازال يبكي..
دخلت على شعاع وضعته على السرير وهمست لها برجاء عميق: تكفين شعاع.. تكفين طالبتش.. بس ذا المرة.. الولد مات من البكاء
عمره ماصار له كذا.. عطيه صور أبيه بس الليلة.. خليه ينام.. شوفي أشلون وجهه متورم من البكاء.. تكفين شعاع عشان خاطري .. والله جاني الليلة ماكفاني..
شعاع تهز رأسها رفضا وهي تهمس بعمق شفاف: جوزا على ويش احنا متفقين.. كذا بيرجع حسن يتعلق في الصور
جوزاء بألم: يرجع يتعلق؟؟ ليه هو نسى؟؟ ياربي حاسة أن الذنب اللي سويته في حسن ذنب كبير واجد وأنا أعلقه في أب ميت..
تكفين شعاع بس الليلة.. بس الليلة.. أنا تعبانة حدي..
شعاع رغم رفضها لذلك لكن حسن بالفعل كان هذه الليلة أكثر من كل ليلة.. وزاد عليها أن جوزاء كانت تبدو بالفعل على وشك الانهيار
لذا تناولت مفتاحها وفتحت دولابها المغلق وأحضرت الألبوم ووضعته على ساقي حسن الباكي وهي تهمس بحنان: هذي حبيبي صور بابا.. خلاص لا تبكي
ثم كانت الصدمة الكاسحة لهما كليهما.. أن حسنا ألقى بالألبوم على الأرض دون أن يفتحه وهو يصرخ بعناد:
ما أبي ثورة..أنتي خبلة.. أدول أبي بابا.. أبي بابا..


**************************************


طرقاته.. من سواه..

تصاعدت طرقات قلبها التي بدأت مع الطرقات وزادت مع انفتاح الباب
لتصل ذروتها وهي ترى صالحا يتقدم ناحيتها..
صالح أصبحت لديه معرفة عن حالها وظنونها.. وغيرتها.. لا ينكر سعادته المخفية في أعماقه..
دائما الغيرة هي دليل حب وتملك.. قد تختلف الآراء والمضامين حولها.. لكن في حالهما هما هي دليل حب لا شك.. صالح لا يشك في محبة نجلا له
لكنه بات يشك في مكانته عندها..
فالإنسان مثلا قد يكون يحب شيء معين.. لعبة قديمة.. صورة.. أو حتى قطعة ملابس.. وقد تكون عزيزة جدا عليه
لكنه قد يضعها في دولاب ثم ينساها لأنه يعلم أنها محمية ولن تصلها يد
لكن حينما يشعر أنها مهددة فأنه ينتفض للدفاع عنها..
هكذا كان حالهما.. فهي ركنته في الدولاب المحمي.. ولهت في حياتها مطمئنة أنه سيبقى دائما لها..
ولكنها يبدو أنها نسيت أن تغلق الخزانة جيدا.. فهي تركتها مواربة
لذا لم تستطع منع وصول يد أخرى إليه كما كانت تظن..
تريده أن يعود لها وحدها حينها ستتأكد من قفل الخزانة جيدا وإلقاء المفتاح في البحر.. لأنها في حينها ستغلق على نفسها معه في ذات الخزانة..
ولكن هل مازال لديها فرصة.. وهي تراه يتقدم نحوها بوجه خال تماما من التعابير
وكأنه لا يحمل أدنى اهتمام بها.. أو ربما يريد اخبارها بخبر زواجه ثم العودة لزوجته الجديدة..؟؟
تريد أن تبكي.. تشعر برغبة حادة للبكاء.. لكنها لم تفعلها..
لم ترد أن تبدو بمظهر معدومة الكرامة التي تستجدي حنانه بينما هو قد يكون أصبح لأخرى
فما فائدة الدموع التي ماعاد لها فائدة؟!!
كان من المفترض أن تبكي له ومن أجله وأمامه قبل الآن
ولكن الآن لا تريد أن تستجلب شفقته عليها وهي قد تكون فقدته..
لا تريد شفقته.. تريد حبه وولعه وغرامه.. المشاعر التي كان يغرقها في طوفانها والتي قد تكون فقدتها للأبد
تزداد رغبتها في البكاء.. ومعها إحساسها بضرورة التماسك
مادامت قد تكون فقدته.. فلتحتفظ ببعض كرامتها!!
صالح يعلم أن دفاعاته معدومة.. لو همست الآن باسمه فقط.. سينهار كل تمثيله الهش.. فهو مشتاق حتى النخاع.. عاشق حتى نخاع النخاع
ولكنه يتمنى أن يحتفظ ببعض جلده حتى يحلا بشكل تام مابينهما من مشكلات
فهو من ناحيته يرى أن جزء كبير من مشكلتهما يرجع إلى كونها متأكدة من قوة مشاعره ناحيتها.. المشاعر التي كان يصدح بها لها ليلا ونهارا
والتي جعلتها هي في موقع القوة!!
لابد أن تشعر فعلا أنها ستفقد هذه المشاعر.. لتشعر بقيمتها..
صالح دخل بخطوات ثابتة.. كانت تجلس على السرير ووقفت احتراما حين رأته وصلها وهي تتحاشى النظر له..
ألقى السلام وهو يلصق خده بخدها في سلام بدا باردا لكليهما ظاهرا ولكنه كان مشتعلا في خلايا كل منهما
كل واحد منهما تمنى أن يطول هذا السلام ويتحور لصورة أكثر قربا وحميمية علها تريح بال كل منهما من أفكاره
ولكن السلام انتهى خاطفا.. كما بدا خاطفا..
صالح اتجه للتسريحة وهو يخلع ساعته وأزرته ويهتف بهدوء مصطنع: أشلونش وأشلون العيال؟؟ عسى ما قصركم شيء؟؟
همست بذات اصطناعه ولكن بحذر أشد فهي تخشى ماهو قادم بينما هو الصورة واضحة تماما لديه: الحمدلله بخير.. جعلك سالم..
استدار صالح ليهتف بطبيعية: أنا بأدخل أسبح.. جهزي لي شنطة لو سمحتي.. فيها ملابس داخلية فنايل وسرويل وفوط.. والثياب خليها معلقة..
حينها سقط كل اصطناعها وانهار وهي تشهق بجزع مرتعب كأن روحها استلت من جنبيها:
يعني صحيح صالح سويتها وتزوجت علي؟؟
صالح يريد أن يضحك لذا استدار حتى لا ترى وجهه وهو يهتف ببرود: من اللي قال لش ذا السخافات؟
نجلاء تمنع عبراتها المتفجرة من الظهور في صوتها: مايحتاج حد يقول لي السالفة بينة..
صالح بحزم: نجلا أنا ماني بفاضي لذا الخرابيط.. باسبح.. أبي أطلع ألقى شنطتي جاهزة.. عندي شغل ضروري
ثم أردف بنبرة مقصودة: نجلا إذا جيت بأعرس ترا أنتي أول حد بيدري
لأني لو بأعرس بتكونين أنتي السبب.. وأنتي عارفة ليه؟؟
صالح دخل الحمام..نجلاء سحبت لها حقيبة من أسفل السرير.. وهي تكاد تسكب فيضان دموعها فيه
(ما دام قال إنه ما تزوج علي.. مستحيل يكذب
صالح ما يكذب
بس ليش الشنطة ياربي.. ليش؟؟)
فتحت الحقيبة فوق السرير.. وبدأت تضع الملابس فيها التي غرقت من دموعها التي كانت تمسحها بكفيها وهي تضعها في الحقيبة
انتهت من تجهيز الحقيبة وأغلقتها وأخرجت ثيابه وتركتها في علاقاتها فوق حقيبته.. أنجزت مهمتها على أكمل وجه في انتظار خروجه
حالما خرج استدارت حتى لا يرى دموعها وهي تخرج له ملابس أخرى ثم ناولته إياها دون أن تنظر إليه
صالح عاد لغرفة التبديل ليرتدي ملابسه.. بينما هي كانت تلتهي بشيء غير معلوم في الخزانة...
حينما خرج كانت مازالت مستمرة في التهاءها
بينما توجه هو للتسريحة ليمشط شعره.. ثم تناول غترته ليلبسها...
خلال هذه الخطوات الكثيرة كلها كانت نجلاء توليه ظهرها وهي تشهق في داخلها
وتنتظر منه كلمة واحدة تطمئن نفسها به.. ولكنه كان صامتا كبئر مهجورة..
حين رأته تناول حقيبته وملابسه وسيخرج دون أن يقول لها شيئا.. همست له باختناق: كم يوم بتسافر؟؟
صالح دون أن يلتفت: ماني بمسافر.. بأروح أقعد في بيتي.. عندي شغل لازم أخلصه هناك..
نجلاء بصدمة: زين ليش صالح ذا كله؟؟
صالح بسكون: لا تسألين.. الشيء اللي يهمش.. ريحي بالش عرس ماني بمعرس..
نجلاء تحاول أن تتماسك بفشل: زين ما تبي تعرس.. بس تطلع وتخليني بدون ما تشرح لي.. زعلان علي.. خلاص اقعد خل نتفاهم..
ولا تكلمني وأنت معطيني ظهرك .. لذا الدرجة ما تبي تشوفني
صالح لا مقاومة فعلية لديه.. يعرف نفسه.. لا يستطيع مقاومتها.. لذا كان يكلمها دون أن ينظر لها..
تعب من كل هذا.. لابد أن يجد له حلا جذريا..
لذا هتف بهدوء: بنتفاهم بس مهوب الحين.. أنتي يانجلا تبين لش وقت تفكرين زين.. وأنا بعد..
نجلاء باختناق: زين والتسع الشهور اللي فاتت ما كفتك تفكر
صالح بنبرة مقصودة: والله أنا كفتني وزود عن الزود لين طلعت روحي.. بس أنتي ما كفتش.. تبين لش زود..
حينها انصدم صالح بذراعيها الرقيقين تطوقان خصره من الخلف وهي تدفن وجهها في ظهره وتهمس باختناق:
والله العظيم كفتني..وكفتني.. وكفتني... تكفى صالح لا تروح
صالح شعر أن كهرباء لاسعة صعقت سلسلة ظهره بشكل صادم..ناسف..
رغم أنهما زوجان منذ سنوات.. لكن على الدوم كان يشعر أن كل لمسة لها هي لمسته الأولى لشدة ولعه الغير طبيعي بها..
الولع الذي كانت هي غير حريصة عليه..وجعلته في حالات كثيرة يفقد توازنه..
لا يبرئ نفسه من خطئه الذي لا يغتفر في حقها.. ولكنه لا يبرئها من عجزها عن مد حبل التواصل والتفاهم بينهما كما يجب
ولكنه رجل عاشق.. عاشق كما لم يعشق رجل من قبل!!
فكيف يستطيع التوفيق بين مايريده الآن حالا.. ومايريده دائما؟!!
الآن يشعر أنه سينهار وهو يشعر بدفء أنفاسها في منتصف ظهره.. يريد أن يلقي بكل مافي يديه ويستدير ليحتضنها ويشعر بأنفاسها هذه قريبا من قلبه
هذا ما يريده الآن وحالا !!..
وكان سينفذ فعلا.. لولا هاتفه الذي رن بإصرار وأخذه من عالمه الخاص هو وإياها..
حينها هي أفلتته وتأخرت.. وهو وضع حقيبته وتناول الهاتف... كان فهد يستعجله أن يأتي لأخذه من بيت أبو عبدالرحمن
صالح تنهد وهو يسب فهدا في داخله الذي اتصل في وقت غير مناسب.. وفي ذات الوقت يشكره على اتصاله في الوقت المناسب..
لم يكن يريد أن ينهار هكذا من محاولتها الأولى.. حينها ستعلم أنها عادت لموقع القوة والسيطرة عليه!!
صالح غادرها.. بينما هي تراجعت لتجلس على السرير
وهي تلكم المخدات بغيظ
(ماراح أبكي.. ماراح أبكي..
النذل أقول له أقعد ويطنشني.
أنا يسوي فيني كذا
يبي يخليني أفكر قال.. وإلا يبي يطفش مني ويلاقي له سبب؟؟
ماراح أبكي عشانه..
كفاني الدموع اللي صبيتها عشانه الأيام اللي فاتت وهو ما يستاهل
ما يستاهل.. ما يستاهل دموعي
مستحيل أبكي عشانه مرة ثانية
مستحيل)
كانت تصرخ في داخلها بحرقة دون أن تشعر بسيول عارمة من الدموع كانت تنسكب على خديها تزامنا مع صرخاتها أنه لا يستحق دموعها
وأنها لن تبكي أبدا أبدا من أجله!!


***************************


طرق الباب بخفة.. فتح الباب ليعبر صالة والده التي كانت تغرق في أضواء خافتة
ثم مد رأسه لداخل غرفة النوم بحذر خشية أن يكون نائما
"تعال يأبيك!!"
زايد أغلق كتابا كان يقرأ فيه حين رأى رأس علي يطل عليه.. علي ابتسم وهو يتقدم: أزعجتك؟؟
زايد أعتدل جالسا: لا يأبيك.. كنت أقرأ بس..
علي جلس جواره وهتف بابتسامة: عاد عندك وقت تقرأ يبه؟؟
زايد ابتسم: لكل شيء وقته يأبيك..
علي بمودة: ماشاء الله عليك يبه..
تبادلا الحوار العام لعدة دقائق هتف بعدها علي باحترام: يبه ترا أبي أسوي عشا لربعي في المنصب الجديد.. وأبي أسويه في المزرعة..
زايد بحزم: تشاور في حلالك؟؟
ابتسم علي: لا جعلني فداك.. بس أبي أشوف الوقت اللي يناسبك.. كلهم يبون يتعرفون عليك..
زايد قطب جبينه: سوه ذا اليومين قدام عرس كساب.. لأني عقب العرس واعد مزون أوديها لبنت خالتها..
علي بشهامة تلقائية : تبي أكفيك كفيتك ووديتها أنا....
وحينها كما لو أنه ضُرب على رأسه وهو يستوعب ما الذي فعله.. يذهب هو بمزون هناك.. حيث هي وزوجها الذي فضلته عليه!!!
زايد بتلقائية: جعلني ما أبكيك.. أنا بروحي أبي أشوف جميلة..وأتطمن عليها.. وكنه ما لدني شغل ضروري أنا اللي باودي مزون بنفسي
وإن لدني شيء.. جعلني ما أبكيك وتكفيني دوم..
علي تنهد وهو يقف ويقبل رأس زايد وهو يغادر ويسب نفسه:
(يا شين اللقافة..
ليتني قعدت ساكت
يا الله ما يلده شغل ذاك الوقت يارب يا كريم)


********************************


تحتضنه وهو نائم.. ودموعها عجزت عن إيقافها.. ورعب متصاعد يتزايد في قلبها على صغيرها..
تضع يدها على جبينه وتنقلها لخده ثم تتحسس جسده.. وهي تكثر من قراءة الأذكار عليه
يستحيل أن يكون ماحدث له اليوم طبيعيا بأي صورة..
تخشى أن يكون ابنها أصيب بلوثة ما في عقله.. وأكثر ما تخشاه أنها هي سبب هذا اللوثة..
بل لا يوجد لها سبب سواها.. فهي من علقته بأب ميت.. بمجرد صور.. وهاهو الطفل بات يتخيل أن هناك أب فعلا له..
ما أثار جنونها وجعلها تبكي بلا توقف.. أنه الليلة بعد أن هدأ قليلا وهي تحاول معه أن ينام..
كانت تمدده على ذراعها لتحكي له حكاية قبل النوم كما اعتادا
ولكن حكاية ماقبل النوم اليوم كانت من نصيبها .. فحسن انثال يحدثها بحماسة عن والده..
ووالده فعل كذا وكذا.. حمله على ظهره.. ودار به.. ورفعه وجعله يلمس الإضاءة..
حينها بدأ وجهه يضيء .. ثم بدأ يضحك بهستيرية وهو يحكي لها بسعادة طفولية غامرة ماذا فعل والده..
ومع كل حكاية يحكيها كانت جوزاء تختنق وتختنق ودموعها تنسكب وتنسكب..
( الولد استخف.. استخف وأنا السبب..
ياربي ماعندي غير ذا الولد
لا تعاقبني فيه.. أرجوك يارب..
سوو اللي تبي فيني بس ولدي لا.. ولدي لا)
جوزاء كانت تحاول أن تتمسك بخيط أمل أخير وهي تمنع نفسها أن تشهق وهي تسأل حسن:
حسن حبيبي من اللي لاعبك اليوم.. بابا صالح.. وإلا بابا فهد..؟؟
رغم أنها تعلم أن حسن لا ينادي أي أحد بابا.. ولكن كان لديها أملا ما.. أن هذا الأمر تغير الليلة.. وأن من يحكي عنه هو واحد منهما
لذا انهارت مقاومتها تماما وهو يجيبها: ثالح وفهد مو بابا.. ما أحب فهد.. عثانه ماخلاني أروح مع بابا
جوزاء بدأت تشهق وهي تهمس له: حبيبي بسم الله عليك.. أنت ماعندك الحين بابا.. بعدين بيصير عندك بابا امهاب..
حسن يعبث بأزرار بيجامتها وهو يولي وجهه ناحيتها: هاب مو بابا بعد.. أنا عندي بابا حقي بلوحي.. بابا عدالله
حينها فعلا انفجرت جوزاء في شهقات حارقة.. واسم عبدالله يبعث قشعريرة مرارة في كل خلايا جسدها..
حسن يعرف فعلا أن اسم والده هو عبدالله..ويعرف فقط أن عبدالله هو من يراه في الصور
فمن أين أتى بعبدالله هذا هذه الليلة؟؟
( الولد استخف
يا الله العفو واللطف منك
يا الله لا تفجعني.. لا تفجعني
ممكن أستحمل أي شيء في الدنيا إلا شيء يلحق ولدي
يا الله لا تفجعني فيه)
مازال لديها أمل وحيد أن ابنها فعلا هناك من لاعبه في بيت أهل والده.. والولد يحكي عنه..
تريد أي شيء يطمئنها أن ابنها بخير وطبيعي.. رغم أنها بدأت تشك في ذلك..
لا تستطيع الانتظار للغد .. فماذا تفعل؟؟ ماذا تفعل؟؟


******************************


"قل لي وش مخططاتك الحين؟؟ "

عبدالله ينظر لصالح الذي يجلس متربعا فوق السرير ويهتف بسكون: تدري المخططات تضاربت في رأسي..
أنتظر بلهفة شوفتي لهلي.. بس لين ذاك الوقت فيه شوي إجراءات لازم نخلصها
بكرة أبي أروح أنا وأنت للمحكمة عشان نثبت أني عادني حي..
وأبي أشوف لي طريقة أرجع شغلي.. ما تعودت أقعد بطالي..
ابتسم صالح: لا تخاف.. الحين هنا اللي يعرف انجليزي هو اللي مأكل الجو في الوظايف...
وأنت أول تعرف انجليزي زين.. والحين عقب ذا السنين كلها في أمريكا ومنقطع عن الرجعة والعرب.. أكيد صرت تحكي مثلهم..
حتى لو مارجعت وظيفتك القديمة... أنا ضامن لك وظيفة أحسن..
عبدالله بسكون: الله يكتب الخير.. رأسي مختبص.. وأبي أبدأ أنضم حياتي
ثم أردف وكأنه يتذكر شيئا : إلا أنت وش اللي مقعدك لين الحين هنا؟؟
حتى فهد وهزاع راحوا عشان مايحس هلي بشيء
صالح ينظر لعبدالله الذي يخلع ملابسه بينما هو تمدد على السرير ويرد عليه بابتسامة:
وين تبيني أروح.. هذا أنا جبت ثياب لي ولك.. وقاعد عندك
مثل ما اتفقنا من يوم حن في امريكا
عبدالله يرد بابتسامة مشابهة: لا طال عمرك ما اتفقنا.. أنت قلت وما خذت رأيي
وبعدين استح على وجهك.. لا تكون خايف علي وتبي تحرسني
ثم أردف وابتسامته تتسع: وإلا لا تكون خايف علي أسرق بيتك؟؟
قوم روح .. لا تدعي علينا أم خالد..
صالح يضحك: وأنت وش عليك.. أنا أصلا أبي أم خالد تشتاق لي..
عبدالله يغمز له: والله أخبرك أنت اللي على طول مشتاق ومتولع.. وإلا لا تكون راحت على بنت العم..
صالح باستنكار عفوي: الله لا يقوله.. تروح على العالم كله ولا تروح عليها..
عبدالله يضحك وهو يجلس جواره: إيه هذا صالح اللي أعرفه.. بنت العم كفو.. عارفة تمسكك من حلقك مضبوط
صالح يبتسم: الشرهة علي اللي كنت أئتمنك على كل شيء.. تعلق علي بعد!!
عبدالله يتنهد ثم يرد بنبرة شفافة: تدري يا صالح أحس من كثر ما كنت أعلق عليك قبل ما أتزوج أنا.. إنه ربي حافاني بحال أردأ من حالك
وش رجّال يحس روحه معلقة في يدين مره.. إن بغت خنقت قلبك بدون تفكير..
صالح بنبرة مقصودة: أنا وأنت عارفين اللي خانقة قلبي.. بس أنت شيء جديد.. وش ذا البلوة اللي ابتلى بها عيال خالد آل ليث.. بلعون أن ابي ربانا على قوة الباس.. بس ماعلمنا يوم يصير غريمك قلبك وش تسوي
قبل أن يرد عبدالله على صالح قاطعهما رنة رسالة وصلت صالح..
وفتحها صالح بلهفة ظنا منه أنها من خانقة قلبه.. لكنه تفاجأ بشدة أنها من شخص آخر:
" سامحني يابو خالد
أدري والله مهوب وقت مكالمة
بس أنا بأموت من الروعة ومحاتاة ولدي
تكفى كلمني وأبي أم خالد تكون موجودة وتسمع
ولدي الليلة مستحيل يكون طبيعي
أبي أسمع منك شيء يطمني عليه
تكفى طالبتك "
صالح أزاح الهاتف عن مدى بصره ثم ألتفت لعبدالله وهتف باستغراب:
مسج من أم حسن تبيني أكلمها..
حينها ورغما عنه اشتعلت غيرته لاهبة محرقة وهو يصر على أسنانه:
وأم حسن متعودة ترسل لك مسج ذا الحزة وتطلب أنك تكلمها؟؟
صالح ضرب عبدالله على صدره بالهاتف الذي ألقاه عليه بعنف وهو يرد عليه بغضب:
تخسى أنت ووجهك.. وتكرم أم حسن.. صدق أنك مستخف..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات