بارت من

رواية بين الامس واليوم -59

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -59

حينها ورغما عنه اشتعلت غيرته لاهبة محرقة وهو يصر على أسنانه:
وأم حسن متعودة ترسل لك مسج ذا الحزة وتطلب أنك تكلمها؟؟
صالح ضرب عبدالله على صدره بالهاتف الذي ألقاه عليه بعنف وهو يرد عليه بغضب:
تخسى أنت ووجهك.. وتكرم أم حسن.. صدق أنك مستخف..
هاك اقرأ مسجها
عبدالله رفع المسج وقرأه ثم هتف لصالح وهو يمسح وجهه ويستعيذ من الشيطان:
سامحني يأخيك.. بس لو أنا قلت لك إن أم خالد أرسلت لي مسج ذا الحزة
وش كانت ردة فعلك؟؟
صالح بغضب: كان ردت فعلي أعبر منك وأقوى... بس أم خالد مرتي..
عبدالله رد بغضب مشابه: وأم حسن مــرتــ
عبدالله بتر عبارته وألم الحقيقة يجفف الكلمات على لسانه.. بينما صالح تركه غارقا في أفكاره وتناول الهاتف ليتصل بجوزاء.
حينها عبدالله هتف له بحزم: مادام الموضوع يخص ولدي.. من حقي أسمع.. حطه على السبيكر..
جوزاء التي كانت تنتظر اتصال صالح بقلق عارم ردت فورا بحرج خانق: هلا بوخالد.. أرجوك سامحني على الإزعاج
صوتها.. السحر الخالد الذي ما انفك رصده عنه يوما.. انسكب في روحه العطشى لنبراتها التي ارتفعت لتحلق في أثير الغرفة التي يجلس فيها
وكأن همساتها تحلق به هو على موجاتها التي آسرت روحه للأبد
صوتها هو ذاته لم يتغير.. فقط أكثر نضجا وتأثيرا !!
صالح رد عليها باريحية: مابه ازعاج يام حسن .. آمريني؟؟
جوزاء حينها سألت باختناق: أنتو كان عندكم حد اليوم غريب لاعب حسن وشاله.. تكفى جاوبني
حينها شعر عبدالله أن عرقه سيتصبب.. كما لو أن لحظة الحقيقة حانت واقتربت.. وأكثر ما يخشاه تأثير عودته عليها
صالح بحذر: ليه تسألين ؟؟
حينها اختنق صوتها بالعبرات: يابو خالد الولد الليلة مهوب طبيعي..
أول شي ساعتين يبكي يبي أبيه.. وعقب قبل ينام يسولف لي عنه سوالف وش كثر إنه شاله وأنه لاعبه..
ثم حينها انفجرت في البكاء: والمشكلة إنه يقول بابا عبدالله... وهو يعرف شكل عبدالله عدل من صوره.. فأشلون يقول إنه شاف ابيه الليلة
الولد استخف يابو خالد.. استخف..
كان صالح على وشك أن يرد عليها لولا الطرف الثالث الذي أذابته شهقاتها والذي انتزع الهاتف من صالح وأغلق السماعة لينسكب صوتها وأنينها وأنفاسها في أذنه هو فقط
وهو يهمس لها بحنان ذائب لا مثيل له: تكفين يأم حسن لا تبكين.. حسن مافيه الا العافية..حسن شاف ابيه صدق.. شافني جعل يومي قبل يومه..
جوزاء شهقت بعنف جازع وهي تلقي الهاتف من يدها كما لو كان الهاتف شظية من نار أحرقت يدها..
ثم تتراجع لتلصق ظهرها بظهر السرير.. ثم تنتزع ولدها النائم جوارها وتضعه في حضنها وتضمه لصدرها بكل قوة وهي ترتجف
وصور سوداء مرعبة لذكريات قاسية تعبر روحها الجازعة.. وأنفاسها تضيق وتضيق:
كابوس هذا مجرد كابوس.. أنا أحلم بكابوس.. عبدالله مات وشبع موت .. مستحيل يرجع.. مستحيل يرجع عشان يعذبني مرة ثانية
كانت تشد على ولدها الصغير في حضنها وارتجافها يتزايد وهي تكلم نفسها وكلماتها تتبعثر برعب متوحش:
أتخيل.. أتخيل.. كابوس هذا.. عبدالله مات.. مات.. الميت مايرجع
ظلت على هذا الحال لمدة خمس دقائق كأنها خمس سنوات لثقل ووطأة ماشعرت به من مرارة وقسوة على روحها..
شعرت كما لو أن جبلا هائلا أطبق على قفصها الصدري وهي ترزح تم أغلاله..
كانت تشد على حسن الصغير ورأسها يميل للأمام والخلف مع جسدها كاملا الذي يتأرجح كعقرب ساعة تروح وتأتي
تشعر بسعير حارق يعبر جسدها محرقا لاهبا وكأنه يذيب خلاياها لشدة ماشعرت من الوجع والحرقة..
وكأنها حُشرت بين عقارب الساعة التي تنهش لحمها في كل حركة.. بين ثانية وأخرى ودقيقة وأخرى..
الصور كلها تداخلت والخيالات والأزمنة والذكريات والآلام..
" أ لم يكفه مافعله بي حتى وهو ميت حتى يعود من الموت..؟؟
أ لم يكفه أني مازلت حتى الآن عاجزة عن نسيان مافعله بي حتى يأتي ليفعل المزيد؟؟
أ لم يكفه أنني بسببه خيال أنثى.. ومحض وجيعة.. وبقايا إنسان؟؟
أ لم يكفه أنني بسببه مجرد شيء هلامي مضغته الآلام.. ثم لفظه رحم الوجع؟؟
أ لم يكفه أنه حولني لمسخ .. زاده التجريح والحقد والرغبة في الانتقام من كل شيء؟؟
ثم بعد ذلك كله.. حينما بدأت أفكر أن أنسى كل ذلك.. أن أبدأ حياة جديدة
يعود في هذا الوقت بالتحديد.. وكأنه علم أنني أفكر أن أتجاوز سجنه لروحي في قفص ظلمه..
عاد ليعلن رفضه لتحرر روحي.. عاد ليخبرني أنه لا فكاك لي من سجنه..
وأنني سأبقى للأبد أسيرة لجرحه وظلمه وقسوته...
من أجل أن يستمر في ذبحي.. هو مستعد للعودة من الموت حتى!! "
كانت تفكر بكل هذا وهي مستمرة في حركتها الدورية ذهابا وإيابا..
وجهها يحتقن وعيونها تسيل وأنفها يسيل وهي تمسح وجهها دون أن تشعر بطرف كمها في حركة يائسة..
وهي على هذا الحال فوجئت بعدها بدخول عبدالرحمن الفجائي عليها الذي كان يبدو كما لو كان أوقظ من نومه.. وجهه محتقن وأنفاسه تعلو وتهبط..
عبدالرحمن جلس جوارها ووضع يده على رأسها وهمس لها باختناق: اذكري الله.. ألا بذكر الله تطمئن القلوب..
وإذا كان عبدالله حي.. هذي حكمة رب العالمين وحكمه
جوزاء حينها انفجرت ببكاء خافت وهي تضع جبينها على كتف عبدالرحمن وصغيرها النائم في حضنها بينهما:
تكفى عبدالرحمن قل لي إنه كابوس.. كابوس.. الميتين مايرجعون مايرجعون
ما أبيه يرجع.. ما أبيه يرجع.. صح هذا حلم حلم
عبدالله مات من سنين.. أشلون يرجع..
عبدالرحمن تناول حسن من حضنها.. تشبثت به.. خلصه عبدالرحمن من بين يديها ووضعه على السرير...
وهو يهمس لها بحنان عميق: لا تخافين على حسن مستحيل حد يأخذه منش.. لا عبدالله ولا غيره..
جوزاء ارتمت في حضنه وهي تشهق: هو بيأخذه.. رجع من الموت عشان يأخذه مني..
ماشفت أشلون الولد تعلق فيه من ساعات بس.. أشلون عقب أيام
حتى أنا يمكن ما يبيني...
عبدالرحمن يحتضنها وهو يربت على ظهرها ويهدهدها: لا تصيرين خبلة.. مافيه حد عند البزر مثل أمه..
جوزاء مستمرة في بكاءها الهستيري: عمري ماشفت منه الا البلاوي.. وهذا هو راجع يكمل على اللي باقي مني..
يبي يأخذ ولدي.. بيأخذ ولدي مني.. أدري إن هذا اللي بيسويه..
ماباقي شيء محسسني إني عايشة وأني إنسانة غير حسن.. عشان كذا يبي يحرمني منه..
جوزاء عاودت انتزاع حسن من جوارها وضمه لصدرها وهي تصرخ بهستيرية وتنفجر في شكل لم يحدث لها أبدا من قبل:
ماحد بماخذ ولدي مني.. ماحد بماخذه مني..
عبدالله أنا أكرهك.. أكرهك.. مستحيل أخليك تأخذ ولدي.. هذا ولدي بروحي.. متى عرفته أنت؟؟ جاي الحين تبي تاخذه على الجاهز؟؟
أكرهك.. أكرهك.. أكرهك..
حسن صحا من نومه وبدا يبكي.. عبدالرحمن يحاول تهدئتها أو أخذ حسن منها دون أن يفلح...
وصراخها يتزايد مع تزايد تشجنات جسدها وهي مازالت متشبثة بحسن الذي زاد بكاءه
توجه عبدالرحمن بسرعة لإيقاظ شعاع... وطلب منها أن تبقى معها حتى يحضر أي طبيب..
فجوزا بدت مستثارة بشكل غير طبيعي أبدا.. ولابد من حقنها بمهدئ..
وفوجئ حينها بوالدته تحاول أن تفتح الباب وهي تترنح لأن قدميها أصابهما الخدر حين صحت برعب على صرخات جوزاء
سارع لها ليسندها ليجدها ترتعش والكلمات جافة على لسانها: أختك وش فيها؟؟ أختك وش فيها؟؟
عبدالرحمن باختناق لجزعه على أمه أيضا: والله العظيم مافيها شيء.. متروعة عشان رجالها الأولي طلع حي
تكفين يمه أبيش قوية.. كفاية جوزا.. أبيش تهدينها..
تكفين عاد كله ولا أنتي..
.
.
.

في ذات الوقت

عبدالله كان يروح ويأتي: تكفى صالح كلم عبدالرحمن تطمن عليها.. تكفى يأخيك..
صالح بحزم: عبدالله مالنا طريقة على أخت الرجال.. خلاص كلمته وعلمته باللي صار عشان يروح لها.. وأكثر من كذا ما أقدر..
عبدالله بيأس: صالح تكفى.. أنت ماسمعت شهقتها في التلفون.. حسيت كن روحها طلعت..
صالح بنبرة مقصودة: عبدالله اهتمامك بها مهوب طبيعي أبد.. شوف وجهك.. حاس أنك لو تقدر تروح بنفسك كان رحت
عبدالله بألم: صالح تكفى لا تنبشني.. المرة حتى مهوب حلال لي أفكر فيها.. وأنا ماني بقادر أطلعها من رأسي.. اللهم أني استغفرك وأتوب إليك
خلني الحين أقول إنه روعة على أم ولدي.. تكفى كلم عبدالرحمن..
صالح تنهد وهو يتناول هاتفه ويتصل رغم شعوره العميق بالحرج: هلا أبو فاضل.. آسف على الإزعاج.. بس نبي نتطمن على أم حسن
..............................
صالح بصدمة: ويش؟؟ أنت طالع تجيب دكتور؟؟ لذا الدرجة تعبانة
.............................
صالح بحرج أشد: والله مالنا وجه منك يابو فاضل.. ماكنت أبي أصدمها كذا.. بس هي اللي لزمت تعرف من اللي كان حسن يقول إنه بابا وكانت متروعة عليه
ما قدرت أدس عليها موضوع مثل ذا يوم شفت روعتها.. عسى بس أبو عبدالرحمن ما زعل علينا من روعة تالي الليل ذي؟؟
..........................
صالح ينهي الاتصال: الله يكبر قدرك.. تكفى طمنا على أم حسن..
صالح التفت لعبدالله الذي كان وجهه مخطوف اللون وهو يهمس كأنه يكلم نفسه: لذا الدرجة تعبانة..؟؟
صالح يتنهد: منهارة شوي.. لا تلومها.. وعبدالرحمن راح يدور دكتور يضربها إبرة مهدئة..
وعلى الطاري ترا عبدالرحمن يتحمد لك السلامة... والله أنه ذوق ذا الرجال.. حتى روعته ما نسته..
وربك يحبك إن أبو عبدالرحمن مسافر توه الليلة.. وإلا يمكن كان سود عيشتك على ترويعك لبنته..تعرفه إذا عصب ما يتفاهم..
عبدالله تنهد وهو يدعك جانبي رأسه.. هذا الوضع الذي يعيشه لا يمكن أن يكون طبيعيا..
مازال يحاول أن يجد له مجرد أرض صلبة يقف عليها.. فإذا بكل الأرضيات هلامية.. رخوة..
والصدمات تتوالى عليه من كل جهة دون هوادة أو رحمة..


************************************


كان قد وصل إلى باب غرفته مع إحساس يقيني متزايد أنه لم يجدها
فتح الباب بحذر لتستقبله أولا الرائحة العذبة الكثيفة .. فتح الباب بحذر أكبر ليجد المفاجأة الصادمة في انتظاره..
هي هكذا..لا تعرف كيف يكون التلون أو كيف تتلون..
حين عادت للبيت كانت تخطر ببالها عشرات الأفكار لإصابة منصور بالجنون..ومعاتبته على خداعه لها بكذبة عدم قدرته على الإنجاب.. حتى تقلب الطاولة عليه قبل أن يغضب من حملها
ولكنها مع مرور اللحظات كانت كل الأفكار والخطط تتسرب أمام حقيقة واحدة..
سعادتها بحملها الذي حتى لا تستطيع تمثيل أنها غاضبة منه.. وان منصور لم يعد زوجها فقط ولكن والد طفلها..
حنان غامر شعرت به ناحية الاثنين: منصور وابنه.. وحتى غضبها منه يتبخر
ستتصرف كما تمليء عليها سريرتها النقية.. بما أنها سعيدة ستشعره بهذه السعادة وستشركه بها.. وإن كان فعلا يحبها كما يقول دائما فهو سيسعد حملها
وكما يقول شروط على البر غير عنها حينما تدخل البحر..
أما لو غضب من حملها فمعنى ذلك أنه يرفضها وحينها يستحيل أن تبقى معه..
أرادت أن يكون كل شيء واضحا أمامهما منذ البداية..
فهذا الملاك القادم لن يكون أبدا لعبة بينهما.. فهو يستحق الأفضل.. وإن كان والده لا يريده.. فهي تريده
ولن تكون هذه المرة الأولى التي تربي طفلا لوحدها... رغم أنها كانت في داخلها ترتجف من هذا الاحتمال وترفضه بكل أمنيات قلبها السعيد..
فهي تتمنى أن تتشارك مع منصور -الذي بدأ يستولي على روحها- في تربية هذا الصغير
كانت هذه هي أفكارها التي ملئت روحها وهي تستعد لاستقبال منصور استقبالا حافلا بحجم الخبر السعيد..
كانت تشعل الشمعة العطرية الأخيرة حين انفتح الباب.. ودخل منصور بخطواته الواثقة المعتادة..
وقف للحظات وهو ينظر للزاوية حيث الجلسة الصغيرة التي غرقت في أضواء الشموع المعطرة وروائحها.. وفي وسطها تقف الشمعة التي أنارت حياته المعتمة
كانت غاية في التألق والتأنق في فستان مشجر بتدرجات الأزرق وكأنها تستعد للذهاب إلى حفل كبير ما
ابتسم بشفافية وهو يلقي السلام ويتقدم ناحيتها.. يشبع عينيه نظرا لفتنتها فلا يرتوي..
رغم تفاجئه من كل هذا إلا أنه لم يرهق ذهنه بالتساؤل عن الأسباب.. فهو أصبح يعرف أن هذه المخلوقة العذبة قلبها لا يعرف أن يحمل أصرا أو غضبا.. ويكفيه هذا ليهتنئ به
ومن ناحية أخرى اطمئن أن خبر زيارته لجميلة لم يصلها بعد وإلا ماكانت لتستقبله هذا الاستقبال.. فهو يريد أن يكون من يخبرها بنفسه
عفراء استقبلته لتطوق عنقه بذراعيها وتهمس له برقة: نزل رأسك شوي زين
منصور انحنى قليلا لتلصق خدها بخده وتهمس في أذنه بدفء: اشتقت لك..
حينها غمر بشغف عميق وجهها بقبلاته.. ثم همس في أذنها بخفوت: وأنا اشتقت لش أكثر..
شدته عفراء من يده لتجلسه وهي تهمس برقة: اقعد تعشى وبعدين تأكل من كيكة السربرايز.. عندنا اليوم حدث سبيشل..
منصور يجلس وهو يطوق كتفيها بذراعه ويهمس بشجن: كل يوم معش هو عندي يوم سبيشل..
شأخبارش اليوم ياقلبي؟؟ وش سويتي في غيبتي؟؟
عفراء تسكب له كوبا من العصير: أبد اليوم كله مع مزون.. ثم أردفت بنبرة ذات مغزى: ثم ختمناه بمشوار ختامها مسك
منصور حينها قطب جبينه: إلا مزون ماردت على خطبة فهد..
عفراء تبتسم: تكفى منصور ما تزعل.. بس مزون ماوافقت عليه..
منصور حينها همس بغضب عاتب: أكيد وافقت على غانم عشان كساب.. وأنا مالي قدر عندها
عفراء قبلت يده التي ترتاح كتفها وهمست بابتسامة: حرام عليك.. ومارضت في غانم بعد.. ماحبت تزعل حد منكم..
كساب يوم بلغته يقول إنها مارضت بغانم عشانه من طرفه.. خفوا على البنية..
منصور يتنهد: والله أني أبي لها الزين.. فهد والله رجّال مثايله نادرين.. يُعتمد عليه صدق..
كان فيه عذروب السواقة والتسرع.. وإن شاء الله إنه انصلح وبينصلح حاله..
عفراء أسندت رأسها لكتفه واحتضت خصره بيد وهي تشد يده الحرة وتضعها على بطنها بيدها الأخرى..
تشعر بجيشان مشاعر عميق تود أن توصل له بعضا منه فقط..
تتمنى في هذه اللحظة لو استطاعت حتى أن تنفذ من بين أضلاعه لتختبئ بين جنبيه وتستكين بفرحتها الغامرة
همست له بنبرة مقصودة مثقلة بالعذوبة: تبي تكلم مزون بنفسك كلمها.. وبعدين الليلة حقي أنا وإياك بروحنا.. مانبي نتكلم في مشاكل غيرنا..
قل لي أنت وش أخبارك؟؟ وأشلون النفسية اليوم عشان أتشجع؟؟
قالتها وهي تشدد احتضان كفه على بطنها.. منصور تنهد وهو يجيبها بصراحته المعتادة وانشغاله بموضوع جميلة يعميه عن ملاحظة تلميحاتها البريئة:
أخباري إني توني راجع من أنسي.. من عند جميلة..
يعلم يقينا أنه استعجل في إخبارها الخبر وخصوصا أنه بإخبارها سيفسد هذا الجو الرائق بينهما الذي هو أكثر اشتياقا منها له..
لكنه على الناحية الأخرى يعلم أنها لو علمت حتى غدا صباحا ستعاتبه مرتين على ذهابه وعلى تأجيله إخبارها الخبر.. أو لو علمت من سواه..
كيف ستكون ردة فعلها... لذا قرر أن يكون هو من يخبرها وفورا حتى يتحكم في ردة الفعل من أولها..
تصلب جسدها بعنف.. وهي تبعد يده عن بطنها.. ثم تبتعد هي كليا عنه.. وتقف لتهمس بصوت مبحوح: وليه سويت كذا يا منصور؟؟
منصور بحزم: لأني حبيت أكون أنا اللي ابلغ جميلة عشان إذا رحت أنا وأياش تكون امتصت الصدمة وما تنفجر فيش..
وقبل ما تسيئين الظن فيني..ترا مقصدي اني بغيتها تكون في وجهي ولا في وجهش..
ارتعشت شفتا عفراء واختلجت أنفاسها: وأكيد جميلة عصبت.. واتهمتني أني رجعت هنا عشان أتزوج واخليها.. صح وإلا أنا غلطانة؟؟
منصور بحزم: هذا أنتي عارفة بنتش زين..
بتخلين دلعها وأنانيتها حاجز بيننا؟؟..
عفراء غرقت روحها في حزن شفاف شدها من قمة الجبل الذي كنت فيه إلى الحضيض:
يعني شفت دلعها وأنانيتها.. وماشفت أنانيتك أنت..؟؟
شفت دلعها وأنانيتها وماشفت مرضها..؟؟
يا ترا استمتعت بقهرها وبكاها ووجيعتها؟؟
عسى بس حسيت برجولتك وأنت رايح تقول لها ترا أمش خلتش وتزوجتني؟؟
يا عسى بس انبسطت بتضحيتك وأنت تضحي إن الخبر يكون في وجهك عشان تحميني من بنتي؟؟
عفراء صمتت لثوان ثم همست بجمود : تصبح على خير يا منصور.. والحمدلله على السلامة..
قالتها وهي تطفئ الشمعة الأولى بباطن كفها ثم تنتقل للشمعة الثانية قبل أن يمسك بها منصور الذي كان يقف مصدوما مذهولا من هجومها الناعم المدمر عليه ثم انتفض قبل تطفئ الثانية
أمسك بكفها وهو ينفخ في باطنها المحمر ويصرخ بغضب: أنتي صاحية وإلا مجنونة؟؟
عفراء جاوبته بذات الجمود: مجنونة من يوم وافقت أتزوج وأنا خلاص المفروض أقول كفاية علي أربي أحفادي
رغم وجيعته من كلماتها ولكنه شدها من يدها حتى أوقفها أمام التسريحة ثم فتح الجارور الأول ليستخرج مرهم الحرائق ثم أخذ بعضا منه ليمده في باطن يدها..
ولم يستطع حينها إلا أن يرفع يدها إلى شفتيه ليقبلها بحنين وحنان عميقين ويهمس لها: عفرا لا تخلين زعلش علي يعميش عن غلاش عندي
لم تمنعه ..لم تجيبه.. ولم تتجاوب معه..
حينما أفلتها.. اتجهت بصمت لغرفة التبديل
وفي الوقت الذي جلس هو على أقرب مقعد وشد له نفسا عميقا وهو يحاول أن يصفي تفكيره
كانت هي تنهار على أرضية غرفة التبديل وهي تضم ركبتيها لصدرها ودموعها تنساب بقهر وألم
وخيالها يصور لها عشرات الصور المؤلمة لاستقبال جميلة الخبر بينما هي لم تكن جوارها في هذه الصور.
من قال له أنها تريده أن يتلقى غضب جميلة بدلا عنها.. كيف يقرر هو نيابة عنها
بأي حق هو من يقرر حتى في ابنتها؟؟
كانت تريد أن تكون هي من تتلقى غضبها..إن كان تنفيسها عن غضبها فيها سيريحها..
كانت تريد أن تكون موجودة حتى تعلم كيف سيكون تلقي جميلة للخبر
لم تكن تريد أن تعاني جميلة بسببها وتكون هي غير موجودة
وقبل ذلك كله أرادت أن تراها قبل أن تعلم..
بكت بغزارة أكثر ووجيعتها تنهمر:
" كنت أبي أشوف الشوق في عيونها.. قبل ما تدري..
كنت أبي أستمتع بضمتها لصدري بدون زعل
كنت أبي أشبع من ريحتها قبل ماياخذها زعلها مني..
حتى ذا الأمنية سلبها مني!!
أشلون الحين لاشفتها وهي تشح بنظرة عينها علي؟؟
أشلون أجي اضمها لصدري وتصد عني؟؟
يعني عقب ماقلاني الشوق أجيها الاقيها زعلانة
وليتها على الزعل بس.. الله يستر على بنتي ما يتاثر علاجها..
ليه يا منصور؟؟ ليه تسوي فيني كذا؟؟"
بعد نصف ساعة مازالت معتصمة فيها بجلستها في غرفة الملابس.. قررت ختاما أن تنهض حتى تستحم..
ذهنها مشوش وعاجزة عن التفكير في شيء غير غضبها من منصور
سمعت طرقات منصور على الباب تلاها صوت منصور الحازم:
عفرا أنا طالع للمعسكر جايني استدعاء..
ردي علي عشان أتطمن عليش وأروح
عفراء لم تستطع أن ترد عليه مع اختناقها بعبراتها.. ارتفع صوته بجزم أكبر:
عفرا بتردين وإلا كسرت الباب..
حينها همست عفراء باختناق: خلاص.. سمعتك..
تنهد منصور وهو يشد قامته ويكف يده حتى لا يكسر الباب فعلا..وغضب كثيف على كل شيء يتصاعد في روحه
لا يعلم لماذا تعقد كل شيء هكذا؟؟
لماذا لا يستطيع اقتحام هذا الباب الهزيل الفاصل بينهما ليشدها ويدفنها بين حناياه حيث يجب أن تكون
وحيث يجب أن يكون مكانها الوحيد.. جواره.. وفي داخله.. وحوله


********************************

" ممكن أعرف ليه رفضتي غانم؟؟ عشانه من طرفي رفضتيه؟؟"

مزون انتفضت بجزع.. بلهفة.. لأول مرة منذ سنوات يوجه لها خطابا مباشرا بهذه الصورة..
دائما كان كل مابينهما سلاما باردا يلقيه صاعدا أو نازلا وكأنه يلقيه عليها تأففا وتفضلا
منذ أبلغته خالته منذ أكثر من ساعتين برفضها لغانم.. وعشرات الأفكار تمور في رأسه.. أولا قرر ألا يكلمها مطلقا أو حتى يلمح لها بالموضوع
فالأمر ختاما شأنها ولا يهمه.. ولكنه لم يستطع أن يقف على الحياد وهو يراها تضيع رجلا كغانم من يدها وبسببه.. لأنها تهمه مهما أخفى ذلك عن العالم كله.. ومصلحتها لديه في المقام الأول..
مزون أجابته بهمس وهي تنظر لكفيها: لو كنت بأوافق عليه.. كان وافقت عليه عشانه من طرفك وعشان أرضيك بس..
حينها هتف لها كساب بحزم صارم: وأنا ما أبيش توافقين عشاني.. أبيش توافقين عشان نفسش
أنا ما أدري لين متى قراراتش بتكون كلها تخبط في تخبط؟؟.. تدرين مزون مثل ماقررتي قرار غلط قبل 4 سنين وندمتي عليه ولا فادش الندم
رفضش لغانم قرار غلط وبتندمين عليه وقت مايفيدش الندم فيه..
حينها رفعت مزون نظرها إليه وهتفت بحزم: تدري يا كساب.. أنا ماراح أطلع منذ ذا البيت لين أنت ترضى علي..
أشلون أبدأ حياتي كزوجة وأم.. وأنا لحد الحين فاشلة أكون أخت..
خطوة تترتب على فشل بتكون خطوة فاشلة..
كساب حينها لم يجبها وهو يتجاوزها.. ويصعد للأعلى وغضبه من نفسه يتصاعد ويتصاعد
(حتى متى وأنا قلبي الأسود لا يعرف كيف يسامح أويغفر؟؟
يا الله كم اشتقت لطفولتها العذبة.. ابنتي التي لطالما هدهدتها بين ذراعي حتى تنام!!
يا الله تعبت من كل هذا!!
حتى أنا أتمنى أن أسامحها!! أتمنى ذلك أكثر منها بكثير!!
ولكن ماذا أفعل بهذا العقل الذي لا يتزحزح عن أفكاره وعناده الصوان؟؟
وماذا أفعل هذا القلب الذي جمع كل متناقضات العالم بين رغبة عارمة في التسامح وبين قسوة عجزت أجد لها حلا)
وصل لغرفته وغضبه من نفسه يتصاعد.. صلى قيامه وقرأ ورده.. هدأت روحه قليلا.. ولكنه ما أن تمدد لينام حتى عادت أفكاره تنهشه
كم آلمه ربطها لحياتها القادمة برضاه!!
(وإن كنت أنا عاجزا عن السماح
هل تدفنين حياتك في انتظار رضا قلبي الأسود؟؟
يا الله أفرجها من عندك!!)
كان سيقوم ليُجري بعض التمارين الرياضية علها تشغله عن التفكير وترهقه حتى ينام..
حينما وصلته رسالة من مشكلته الأخرى:
" لو سمحت ممكن تجاوب على سؤال محدد إجابة محددة
كم يوم بتكون رحلتنا عشان أعرف وش كثر أخذ معي ملابس؟؟ "
حينها عاود التمدد وهو يجد له شي يشغله عن الألم ليأخذه إلى عوالم الترقب المسلية..وهو يرسل لها رسالة:
" كلميني
وأقول لش "
وصله الرد:
" أنت عندك خلل في رأسك يخلي رأسك مايعرف يمشي سيده
خلاص شكرا ما أبي أعرف الجواب
بأخذ معي شناط وش كثر تغطي وتزيد
وأنت عاد الله يعينك على ثمن الشحن
أدري ما يهمك.. خلاص ادفع"
ابتسم وهو يهمس في داخله (خبلة ذا البنت) ثم أرسل لها:
" أنا قلت لش كلميني
شكلش في راسش نفس المشكلة اللي راسي
طلبت طلب محدد تنفيذنه تنفيذ محدد
ك ل م ي ن ي
فهمتي وإلا لا؟؟"
كاسرة على الطرف الآخر كانت هي أيضا تسترخي على سريرها وتهمس في داخلها بتهكم
(صدق إنك سخيف وشايف حالك على الفاضي!!
ليتني ما سألته.. ماصدق سواها سالفة يلزق بها)
أرسلت له :
" ومن قال أني أبي أسمع صوتك عشان أكلمك
يعني عشان أنت مافيك صبر خمس أيام بس ماصدقت تلقى سالفة تلزق فيها؟؟"
كساب حينما تلقى ردها ضحك (ياحليلها.. تحسب إنها أحرجتني وأني بأموت من الحرج الحين
قلت لها قبل إنها ما تعرف تتكلم على قدها)
كساب ابتسم بخبث وهو يرسل لها :
" ومن قال لش فيني أصبر خمس ساعات
عشان أصبر خمس أيام؟؟
كلميني!!"
حينما وصلت الرسالة لكاسرة اعتدلت جالسة ووجهها يتفجر احمرارا رغما عنها
(النذل يبي يسكتني للمرة الثانية!!
لا والله إنها ما تصير)
أرسلت له وهي لا تكاد ترى الشاشة لشدة خجلها لكن لا يمكن أن تسمح له أن يمسك بيدها التي تؤلمها.. حينها سيتمادى أكثر:
" مافيك صبر؟؟
أنت كلمني!!"
حين وصل ردها لكساب انفجر ضاحكا (والله أنش خطيرة... ملعوبة يا بنت
بس أنتي تلعبين مع كسّاب مهوب مع اي حد!!)
تناول هاتفه ليرسل لها رسالته الأخيرة:
" تدرين؟؟ أجلي المكالمة بعدين
نعسان وأبي أنام
إيه.. وقبل أنسى
سفرتنا مدتها أسبوعين بالضبط..
شنطة وحدة زيادة أنتي اللي بتدفعين شحنها!!"
كاسرة ألقت هاتفها جوارها بعنف وغيظها منه يتصاعد
(نذل ووقح...زين يا كساب إن ماطلعت ذا كله من عينك ما أكون بنت ناصر
زين كلها مردودة)


*************************************


" أنت وش مقعدك عندي.. قوم روح لشقتك"
خليفة ينظر لجميلة بنصف عين : والله أنتي اللي حاكمة علي كل ليلة أبات عندج اش معنى الليلة أروح لشقتي؟؟
جميلة بغيظ: ما أبيك تبات عندي لا الليلة ولا كل ليلة عقبها.. لأني خلاص الحين زينة.. ومانيب في حاجة حد..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات