بارت من

رواية بين الامس واليوم -62

رواية بين الامس واليوم - غرام

رواية بين الامس واليوم -62

يأمك ماعاد لي قلب يستحمل شيء.. يا الله حسن الخاتمة..
هزاع وعالية تبادلا النظرات اليائسة.. وهما يشعران أنهما عاجزان عن فجعها بهذه الصورة وهي حتى مجرد الأمل تراه كثيرا عليها..
صمتا كلاهما وهما يشعران بتعاظم يأسهما وقلة حيلتهما في مواجهة هذا الموقف مع أمهما ..
عالية شدت هزاع خارجا ثم همست له بخفوت: خلاص هزاع ودني أنا بروحي
مافيني صبر.. وأمي شكلها تبي لها كم يوم لين تستوعب
هزاع يشير بيده وهو يذهب: إذا صليت العصر وديتش..
عالية تمسك به بإصرار: وش عقب صلاة العصر.. أقول لك مافيني صبر.. أبي أروح الحين.. ياخوفي لا تكونون تكذبون علي..
هزاع يتركها متجها للمجلس: تبين سويكي؟؟ ترا السبير فوق في الدرج اللي عند رأسي.. توكلي الله يحفظش
عالية تصرخ دون أن يهتم لصراخها: هزيع.. هزيع تعال ودني يالزفت..
هزيع..
زين دواك عندي..
هزاع حين وصل للباب التفت لها وهتف ببرود: عمش هزاع لو سمحتي..
هزاع لم يكن يريد أن يتجاهل طلبها.. لكنه يخشى ألا تحتمل رؤية عبدالله
فمازالت عظامه تؤلمه منذ ليلة البارحة..
يريد لها وقتا أطول تتاقلم مع الفكرة التي مهما كانت مفرحة إلا أن فرحتها قاسية..موجعة لأبعد حد يخشى عليها لأبعد من تأثيرها..


*******************************


يدخل إلى غرفته بخطوات هادئة تخفي خلفها حذرا ما..
كانت تقرأ في مصحفها حينما دخل..
لم يقاطعها وهو يخلع ملابسه.. ويسترق النظرات إلى هدوءها العميق وهي تتلو
جلس على سريره وهو مازال يراقبها.. أنهت وردها.. وخلعت جلالها ثم التفتت لتهمس له بهدوء: عسى العيال ما تعبوك؟؟
همس لها بهدوء مشابه: لا أبد..
كانت تتجه للتسريحة وهي تفك شعرها لتمشطه.. يستغرب منها.. شعرها يبدو مسرحا وغاية في الترتيب.. فلماذا تسرحه مرة أخرى
تنهد (الخبيثة.. تعلم أن أمواج العسل هذه تفقدني صوابي)
همست وهي تمشط شعرها وتسترق النظرات له وكأنها تحاول أن تستشف ما الذي يحدث لهذا الرجل:
بتبات الليلة هنا وإلا في بيتك؟؟
صالح بنبرة قاطعة: حسب التياسير.. بأشوف..
ثم أردف بنبرة مقصودة: ليش ما قلتي لي إن فكرة الروحة لجنغل زون فكرة عالية؟؟
هزت نجلاء كتفيها وهي تهمس بنفس نبرته: أولا ما عطيتني فرصة.. شايل في قلبك علي واجد ياولد عمي.. ولقيتها سبب
ثانيا مهيب حلوة في حقي ولا حق عالية.. كني بزر أقول ترا مهيب فكرتي أنا تراها عالية..
صالح لم يجبها وهو يتمدد على سريره ويضع ذراعه على وجهه..
كثير كل هذا عليه..
يكفيه ضغط عودة عبدالله وما يحدثه من صدمات..
كم يحتاجها إلى جواره في هذا الوقت بالذات.. أنهكه اشتياقه لها!!
وأنهكه فيض مشاعر أهله الذي يشعر أنه يشارك عبدالله في تلقي صدماته..
منهك من كل شيء.. من كل شيء!!
بدأ يشعر بالنعاس أو ربما يهلوس..
حركتها جواره..رائحة عطرها قريبة جدا..تلتها همساتها الدافئة في عمق أذنه: ما تبي تقول لي وش اللي مضايقك؟؟
همس بخفوت عميق شفاف دون أن يزيل يده عن وجهه:
متضايق من اشياء واجد.. وأكثر شيء مضايقني أني في ضيقتي هذي مالقيتش جنبي
همست بخفوت مشابه في عمق أذنه وهي تضع رأسها على نفس مخدته:
أنت اللي مبعدني عنك.. وإلا لو علي أبي أكون أقرب لك من أنفاسك..
همس بذات نبرته العميقة الخافتة: لو بغيتي تكونين قريب..بتكونين..
يا كثر ما كنتي تبعديني عنش لكني ماكنت أسمح لمحاولاتش تبعدش عني
لكن أنتي ما صدقتي تبعدين وتباعدين
حينها اقتربت منه أكثر.. احتضنت خصره وهمست بألم: زين أنا باحاول
بس أنت تكفى لا تقسى علي.. كفاني اللي شفته في الأيام اللي فاتت!!
صالح أزال يده عن وجهه ليحتضنها بها بخفة ويهمس بعمق: الحين كم يوم شفتيهم واجد عليش.. واللي له شهور يتعذب وش حيلته
نجلاء حينها همست بعمق مشابه: حيلته يوعدني مايجرحني.. وأنا أوعده أرضيه باللي يبي
إحساس أشبه بإحساس العائد من غربته إلى أحضان وطنه يجتاح خلايا كل منهما..
بينهما عشرة طويلة غلف مداد أيامها تغلغل كل منهما في روح الآخر..
وافتقاد كل منهما كان يخل بتوازن كل منهما ووجوده الذي يحسه وجودا ناقصا دون نصفه الآخر..
صالح يحتضنها بقوة وهو يقبل أمواج العسل ويهمس بعمق دافئ: وأنا أوعدش ما أجعش بكلمة.. واللي يوجعش يوجعني..


**************************************

" جوزا من جدش تبين تطلقين من امهاب؟؟"

جوزاء تضغط جانب رأسها بإرهاق بيد وتضم حسن لصدرها باليد الأخرى وتهمس بسكون:
الله كاتب له نصيب أحسن مني.. ربي رحمه
شعاع بألم: زين انتظري شوي.. يمكن عبدالله مايبي يأخذ حسن..
جوزا بتهكم مشبع بالألم: مايبي؟؟ أنا متاكدة إنه يبي له فرصة بس.. شوفي الحين عادنا عقب صلاة العصر
صار متصل بعبدالرحمن فوق خمس مرات يقول يبي يشوف حسن..
فرضا صدقت إن الشيطان صار ملاك وخلا حسن معي عقب ما أتزوج..
وش ذنب امهاب ينط عبدالله له كل يوم بحجة يبي يشوف ولده مع أني متاكدة إنه قصده التنكيد..
أنا ليش أخلي حياتي معلقة برغبات عبدالله وكرمه.. الله الغني
السالفة هذي كلها لازم أخلص منها بأسرع وقت.. كل ما قرب وقت العرس.. كل ماصارت السالفة أصعب..
مستحيل أخلي لعبدالله طريقة يأخذ ولدي مني..
حينها شد حسن جيبها بخفة: ماما أبي عدالله.. بابا وينه؟؟
جوزاء مسحت على شعره وهي تهمس من بين أسنانه: بابا في اللي ما يحفظه يأمك
حينها بدأ بالإلحاح: أبي بابا.. أنتي دلتي بعدين.. الحين بعدين..
جوزاء كانت تحاول محايلته والتحايل عليه.. ولكنه كان يلح بإصرار ثم بدأ بالبكاء..
لتصرخ فيه بصوت عال: قلت لك بس خلاص.. ماتفهم.. مافيه بابا اليوم
حسن فتح عينيه ذهولا ثم انفجر في البكاء.. فجوزاء لم يسبق حتى أن صرخت فيه..
جوزاء نظرت لنفسها بذهول.. حاولت أن تحتضنه.. ولكنه قفز لحضن لشعاع وهو يتعلق بعنقها..
شعاع احتضنته بحنان وهي تنظر لجوزاء بعتب وتهمس بصوت عاتب منخفض:
جوزا عمرش حتى الصياح ماصحتي عليه.. وش الخطوة الجاية تضربينه إذا طلب أبيه
جوزاء بجزع: لا إن شاء الله.. تنقص يدي لو مديتها عليه..
شعاع بهدوء: جوزا.. عبدالله صار حقيقة ما تقدرين تلغينها.. ماراح أقول الذنب ذنبش إنش علقتي حسن فيه
لكن بأقول الحين إنها رغبة رب العالمين.. الله سبحانه راد أن عبدالله يرجع ويلاقي حسن متعلق فيه كذا لحكمة

الحين هل كل ما طلب حسن أبيه بتصارخين عليه.. جوزا لا تعقدين البزر تكفين.. عبدالله أبيه من حقه يشوفه
حينها انفجرت جوزاء في البكاء: متى صار إبيه؟؟ هذا ولدي بروحي.. ولدي أنا..
شوفي أشلون حسون يطلبه ويبكي عليه.. يعني جاته محبته على الجاهز ماتعب فيها
لكن أنا اللي سهرت وتعبت وربيت خلاص مالي حق..
شعاع بألم: ياجوزا عمرها ماكانت كذا.. الحب ربي قسمه بين الأم والأب.. وماحد يأخذ غلا الثاني..
وحسن لو حب أبيه.. محبتش هي نفسها ما ينقص منها شيء
جوزاء بألم: عمره قلبي ماراح يصفى لعبدالله الزفت مغماز أبليس ذا.. لكن لأجل عين تكرم مدينة
تعال حسون حبيبي لا تبكي.. بأخلي خالي عبدالرحمن الحين يوديك لبابا..
حسن قفز من حضن شعاع ليتعلق بحضن أمه التي احتضنته ودموعها تسيل بصمت مثقل بوجعها الذي مزّق روحها المرهقة كل شيء..


*******************************************


" هو ماقال لك إنه بيجيبها عقب صلاة العصر؟؟"
عبدالله ينظر لساعته وهو يخاطب فهد.. فهد يجلس على أريكة في غرفة عبدالله المؤقتة في بيت صالح ويهتف بهدوء:
إلا قال.. بس عاد من دقة هزيع في المواعيد قالوا لك ساعة بيغ بين..
عبدالله يعاود النظر للمرة الألف من النافذة: صار لنا أكثر من ساعة راجعين من الصلاة.. ومهوب من بعد بيتنا ............
بتر عبارته.. ماعاد حتى يستطيع أن يقول أن البيت (بيتنا) وصاحبه ينبذه..
هذا وهو مازال لا يعلم أن والده علم بعودته ورفضها..
همس لفهد وهو يعود للجلوس: إلا عالية موافقة برضاها على عبدالرحمن؟؟..
فهد ينظر ليديه ويهتف بهدوء: ليه عالية حد يقدر يجبرها على شيء ماتبيه؟؟.. وبعدين عبدالرحمن مافيه عيب عشان ما توافق عليه
عبدالله يهز كتفيه: حبيت بس أتاكد..ومتى حددوا العرس؟؟
فهد بذات الهدوء: مابعد حددوه.. عالية باقي عليها فصل واحد.. يعني بترجع من فرنسا في عطلة الربيع..
إذا رجعت حددوه..
عبدالله بعدم رضا: بس كذا الملكة بتبطي.. يمكن يكملون سنة ماعرسوا.. وهذا مهوب سنع..
فهد بنبرة مقصودة: زين إنك عادك تعرف السنع ماسجيت منه..
عبدالله نظر له بشكل مباشر وهتف بذات النبرة المقصودة: والله أشوف ناس واجد مضيعين السنع.. اللي أهمها احترام الكبير
ترا الفرق بيني وبينك مهوب سنة وإلا سنتين.. أربع سنين..
وأشوفك من يوم جيت وأنت حاد علي سكاكينك..
فأنت اللي اعرف السنع واحترمني..
فهد تنهد وهو يقف ليميل على رأس عبدالله ويقبله ويهتف بحزم موجوع:
السموحة يأخيك..استحملني شوي.. أنا مستوجع منك واجد.. غصبا عني..
والله يوم أضايقك كني أضايق روحي.. بس وش أسوي بطبعي الأقشر..
عبدالله يشير بيده بضيق: خلاص ماصار الا الخير.. كلّم هزاع شوف وينه..
بعد انتهاء عبدالله من عبارته كان صوت هزاع قادما من الصالة عبر باب الغرفة المفتوح: وين أنتو يا جماعة الخير؟؟
فهد هتف بصوت عال: تعالوا يمينكم
بينما عبدالله وقف وهو يشد له نفسا عميقا ويريد أن يتوجه بنفسه للخارج لولا أنهما دخلا فورا
.
.
.
عالية منذ خروجها من البيت وهي عاجزة عن السيطرة على ارتعاشها..
هزاع هتف لها مازحا وهو يحاول تخفيف توترها: لا تكونين رايحة لاختبارات الثانوية العامة بدون ماتذاكرين؟؟
عالية باختناق: هو وينه قاعد؟؟
هزاع حينها تحول للسكون: في بيت صالح..
ثم أردف بتحذير لطيف: يا ويلش تبكين..
عالية باختناق أكبر: كيفي أبكي ما أبكي.. مهوب شغلك..
هزاع (بعيارة) : مهوب شغلي.. رجعنا للبيت..
عالية بجزع: لا فديتك.. شغلك ونص..
ثم صمتت وذكريات أثيرة دافئة تأخذها للبعيد..
يومها الأول في المدرسة..
كان هو في حينها الرابعة عشرة.. أصرَّ أن يذهب معها رغم أن أمها كانت معها.. أوصلها حتى باب المدرسة ثم همس في أذنها بخفوت:
إذا ما بكيتي اليوم في المدرسة.. العصر بأخلي صالح يودينا أي مكان تبينه بسيارته الجديدة.. وخذت من أبي فلوس وخليتش تشترين كل اللي تبين
بس لا تبكين..
هزت رأسها بعينيها الدامعتين..وهي تمسح أنفها المبلل بطرف كمها ثم انفجرت في البكاء..
ورغم أنها لم تفي بوعدها له أخذها في جولة مع صالح واشترت كيسا ضخما من الحلويات..
مع عبدالله بالذات في ذكرياتها حديث وشجن.. الكثير من الشجن..
حينما كانت صغيرة مدللة وعنيدة كان يعرف كيف يقنعها بما يعجز عنه الجميع..
كان يهمس في أذنها كأنه يخبرها بسر خاص بهما..وهمساته الحانية كانت دائما تصب في قلبها كالسحر...
حينما سافرت لفرنسا للدراسة لأول مرة.. كان هو من رافقها أيضا.. همس لها همساته التي ما فارقت أحلامها:
كنت معش أول يوم مدرسة.. لازم أكون معش أول يوم جامعة..
حينما أراد أن يعود.. تعلقت به وبكت مطولا..همس لها وهو يحتضنها: لا تفشليني وأنا حاط ثقلي كله في دراستش..
أبيش ترفعين رأسي... ويوم أسمع طاريش واسمش أنفخ ريشي وأقول هذي أختي..
غرزت أضافره في عضده وبكت أكثر وهي تدفن وجهها في صدره: زين اقعد عندي شوي بعد..
مازالت تذكر حينها ابتسامته التي ابتسمها لها وهو يبعدها عنه بحنو ويمسح وجهها.. ابتسامته هو التي لا مثيل لحنوها واختلافها:
هذا نايف عندش.. حطي بالش عليه.. والله الله فيه..
ثم عاد ليميل على أذنها ويهمس بحزم عميق: وتذكري زين إن الدين والحشمة مهوب لديرة دون ديرة.. ربش فوقش هنا وإلا في الدوحة..
ما نبي حد يقول بنت آل ليث طلعت فرنسا وغيرت جلدها..
ولا تبكين خلاص.. ما أبي أشوف دموع وأنا رايح
هزت رأسها أيضا.. وانفجرت باكية.. وهي تعود ركضا لغرفتها حتى لا تراه وهو يغادر الشقة...
.
.
هزاع بقلق: عالية بسم الله عليش ليش تبكين كذا كنش مقروصة..
عالية انتبهت أن هزاعا أوقف السيارة على جانب الطريق وأنها انفجرت تبكي دون أن تشعر
أدخلت يدها تحت نقابها لتمسح وجهها وهمست بصوت مختنق: انتظر بس خمس دقايق خلني لين أهدأ..
ولكن الخمس دقايق طالت أكثر من ذلك بكثير.. لأنها لم تتوقف عن النشيج الموجع الذي مزق قلب هزاع عليها: تبين نرجع البيت؟؟
عالية بجزع عميق: لا تكفى وش نرجع.. خلاص خلنا نروح.. أنا ما كنت أبكي قدامه.. بس شكل البكية حاصلة حاصلة..
.
.
وهاهي تدخل الآن بخطوات متوترة.. ولكنها تود لو تطير.. كانت تتعلق بذراع هزاع الذي دخل بها إحدى الغرف حين سمع صوت فهد فيها..
دخلت الغرفة..
كان يقف في منتصفها تماما
توقفا كلاهما.. كلٌّ في مكانه..
هو ينظر لوجهها المحمر وأجفانها التي بدأت بالانتفاخ
وهي تنظر إلى كل تفاصيله.. تريد أن تتأكد أنه هو ذاته أمامها.. ليس حلما ولا هلوسة ولا خيالا
يجتاحه الحنان..
ويجتاحها الحنين..
عاصفة عاتية من الشعورين يدور رحاها بينهما
كانت تريد أن تركض ناحيته ولكن قدميها ثبتتا في مكانهما وعيناها تتجمع فيهما فيضانات من الدموع تنذر بالانهمار بلا توقف
هاهو أمامهما كما هو قبل أربع سنوات وهي تودعه عريسا بعد زواجه بشهر
لتفجع بعد عودتها بأنه اختفى من الوجود.. وأنه أصبح طيفا راحلا تتجرع ألم ذكراه وحرقة غيابه..
أنه ماعاد بقي لها من عبدالله سوى ذكريات باردة لا تحمل دفء راحة يديه ولا حرارة مشاعره
تتذكر المرة الأولى التي حملت حسنا بين يديها.. كيف انفجرت باكية بهستيرية وفيض حزنها وضغط مشاعرها وذكرياتها يجرفانها نحو البعيد البعيد
وهاهو والد حسن الآن أمامها.. هو من سيربي حسنا بنفسه إن شاء الله.. لن يكون حسن اليتيم بعد اليوم..
وإن كانت هي جمدت مكانها فهو كان من تقدم ناحيتها.. وهو يهمس لها بابتسامة حانية مثقلة بالحنين العميق: هي السنين تخلي البنات حلوين كذا!!
حينها كان قد وصلها.. تعلقت بجيبه بقوة وهي ترتمي في حضنه وتنفجر في بكاء غير مسبوق.. فجع أشقائها الثلاثة
فهد يهمس لهزاع بتأثر: وش فيها أختك.. لا تكون قررت تصير أنثى عقب ذا السنين ..؟؟
عبدالله كان يشد على عالية المنهارة بكاء في حضنه وتأثره يتعاظم وإحساسه بالذنب يخنقه..
لينتزعه من تأثره لكمات رقيقة على صدره وكلمات مبعثرة من بين نشجيها: وين كنت؟؟ وين كنت؟؟
عبدالله يمسك كفيها بحنو بيديه الاثنتين: أنتي كنتي تدرسين هندسة جينية وإلا مصارعة؟؟
عالية تمسح وجهها الغارق بالدموع بعضدها لأن يديها بين يديه وهي تهمس باختناق: وأنت كنت ميت وإلا تلعب علينا؟؟
عبدالله يبتسم وهو يفلت يديها ليمسح وجهها بأطراف أنامله ثم يحتضن وجهها بين كفيه: فديت الوجه.. والله كبرتي يا بنت وصرتي عروس
تناولت كفيه من وجهها لتنثر فيهما قبلاتها وهي تشهق: الحين يحق لي أكون عروس
عاود شدها ليحتضنها بقوة وهو يهدئ روعها مع تزايد شهقاتها.. ثم جلس هو إياها على الأريكة دون أن تفلته
مضت عدة دقائق من صمت وهي تبكي على صدره وتحتضن خصره بذراعيها
حتى هتف فهد بمرح: قولو لا إله إلا الله ياجماعة الخير..
الرجّال ترا راجع للدنيا مهوب طالع منها على ذا البكا كله..
حشا علوي خزان دموع مهوب آدمية..
عالية ترفع رأسها وتمسح أنفها المحمر وتهمس بابتسامة شفافة: يأخي مبسوطة ودموعي كيفي فيها.. شيء من حلالك أنت
فهد يبتسم: نخاف عبدالرحمن يقاضينا عقب يقول مرتي نشفت دموعها..
عالية تمسح وجهها بيديها الاثنتين: لا تخاف عليه هو أصلا مجهزة له خزان دموع له بروحه.. بلفيت أني أنثى يعني..
عبدالله يبتسم بحنو: مبروك يا الغالية .. الله يوفقش.. عبدالرحمن رجّال فيه خير
عالية حينها ردت بخجل: الله يبارك فيك
هزاع يضحك: شوف الأخت قبل شيء مادة لسانها عند فهد ومجهزة للدحمي خزان دموع
ويوم بارك الله لها عبدالله سوت روحها مستحية...
عالية تميل لتقبل صدر عبدالله ثم تقبل خده وتهمس بمرح باكٍ: ما أبيه يتروع من أولها... عطه شوي وقت لين نعطيه مثلكم..


*******************************************

" بارك لي يأبيك"

كساب تتحفز مشاعره وهو يلتفت لعمه الذي كان يرتكي على مقعده بفخامة ويرتشف فنجانا من القهوة: مبروك بس على ويش؟؟
منصور بحميمية فخمة: بأصير أب..
كساب قطب جبينه: من جدك وإلا نكتة ذي؟؟
منصور يناول المقهوي فنجانه وهو يهزه ويلتفت لكساب بغضب: استح على وشك قدام أسبحك بدلة الصبي الواقف..
كسّاب ينظر لعمه بنصف عين وهو يهتف ببرود: تدري ياعمي نكتة مثل ذي ترا ما تلبق لواحد مثلك..
حينها عاود منصور الارتخاء على مقعده وهو يشير للمقهوي أن يصب له فنجانا آخر ويهتف بحزم متمكن:
تدري الشرهة علي اللي بغيتك أول واحد أبشره.. ولو أني ماني بمبسوط وما أبي أعكر مزاجي بوجهك العكر.. وإلا كان وريتك شغلك
بس ما أبي أخذ ذنب بنت آل سيف تدخل عليها ووجهك مشرح..
حينها مال كسّاب على عمه بتساؤل: عمي من جدك؟؟
منصور حينها هتف ببرود: ماعليك مردود
كسّاب قفز ليقبل أنف عمه: أفا.. ما أسرع يحضر زعلك يأبو زايد.. إذا أنت صدق صادق.. فأنا في وجه زايد الصغير
حينها ابتسم منصور: دام دخلت في وجه زايد الصغير فأنت وصلت.. اللي في وجه ولدي.. في وجهي..
حينها اتسعت ابتسامة كسّاب وهو يهمس بسعادة حقيقية: كفو كفو زايد وأبيه..
ثم أردف وهو يقبل رأس عمه مرة أخرى: مبروك ياعمي ألف مبروك
ثم أكمل وهو يغمز بعينه: بس وش سالفة عندي عيب وما أبي أعالج وعقبه حتى شهر ما كملت إلا خالتي حامل؟؟
منصور ينظر له بنصف عين: هذا اسمه تنظال؟؟ وإلا اعتراض على قسمة رب العالمين ؟!!


*********************************


" أشلون يعني ياعبدالرحمن؟؟
خلاص؟؟ خلاص؟؟ "
عبدالرحمن بألم يحاول إخفائه خلف هدوء صوته: النصيب كذا يا سنايدي..
جوزا تعبانة.. وخايفة عبدالله يأخذ ولدها منها.. ونفسيتها تعبانة..
والطلاق كل ما تاجل كل ماصار الموقف أصعب..
مهاب بحزم وتصميم: أنا شاريها يا عبدالرحمن..
عبدالرحمن تزايد ألمه: وحن والله شارينك أكثر.. بس السواة سوات الله... صحيح إنها أختي بس صدقني إنها الخسرانة
وأنت الله بيكتب لك نصيب أحسن منها..
مهاب شد له نفسا عميقا وهتف بحزم: ومتى تبون الطلاق؟؟
عبدالرحمن تنهد: خلنا نروح بكرة الضحى للمحكمة...
مهاب يوقف سيارته أمام بيت عبدالرحمن لينزل عبدالرحمن ويهتف بخيبة أمل عميقة لم يستطع إخفائها:
خلاص عبدالرحمن تم.. نتقابل بكرة الساعة 10 في المحكمة..
مُهاب حرك سيارته على غير هدى..
طوال حياته كان تفكيره في نفسه في ذيل أولوياته..
حتى في زواجه من جوزاء لم يكن يفكر في نفسه أكثر من تفكيره في حسن وقرب عبدالرحمن
ولكنها الآن أصبحت تنتمي له.. زوجته وارتبطت باسمه.. فلماذا حتى هذا الحلم أصبح كثيرا عليه؟؟
لماذا بعد أن استعد ليكون زوجا وأبا ورتب حياته على أساس ذلك ينهار كل ذلك من أجل من عاد من الموت..
لماذا بعد أن أصبحت شريكة لأحلامه تنتزع منه حتى الأحلام بهذه القسوة؟؟
لماذا ؟؟ لماذا؟؟
لــمـــــــاذا؟؟؟؟


********************************


" صافية وش فيش؟؟
قد حن بين الصلاتين وأنتي عادش منسدحة.. واليوم كله تقومين وترجعين تنسدحين
عسى منتي بتعبانة؟؟"
أم صالح تعتدل جالسة بحرج وهي تعدل وضع برقعها ولفتها عليها وتهمس باحترام بصوتها المرهق:
لا فديتك ماني بتعبانة.. بس سويت اليوم ريوق لوحدة والدة.. وتعبت شوي
أبو صالح يجلس جوارها ويهتف بهدوء يخفي خلفه ألما نفسيا عظيما متجسدا بوحشية تصاعد منذ لقاءه مع صالح حتى غشى أطراف الروح :
الاسبوع اللي طاف سويتي لي ريوق رياجيل وأنتي مع الخدامات من قدام الفجر.. وماجاش نفس اللي جاش اليوم
قومي خلني أوديش الطبيب.. سدحتش ذي مهيب جايزة لي..
أم صالح بذات الإرهاق العميق: والله العظيم مافيني شيء..
بس يا خالد.......
ثم صمتت.. بينما أبو صالح استحثها: بس ويش؟؟
أم صالح بعمق مجهول: من أمس وأنا قلبي كنه يعصر.. ما أدري وش أقول لك.. تطري على طواري.. وكني أتنى لي خبر.. مستوجعة وعظامي ما تشلني..
أتعوذ من الشيطان.. والشيطان ماخلاني..
كنت متروعة على صالح.. ويوم شفته طيب تريحت.. بس ذا الوجع اللي في قلبي عيا يفارقني.. يا الله الستر من عندك..
أبو صالح تنهد بعمق.. مصدوم.. مذهول.. متألم..
" أ لهذا الحد شعرت بأنفاس عبدالله قريبة منها؟؟
أ لهذا الحد اغتالتها رائحته القريبة؟؟
ألهذا الحد تواصلها مع روحه أشعرها بقربه منها؟؟
سبحان الله كيف أنبأها قلبها أنه هنا.. وكيف بدأ يؤلمها اشتياقا لرؤيته!!
أ هذا الألم هو دقات قلبها تناديه؟؟
أ هذا الألم هو وطأة اشتياقها له؟؟
أ هذا الألم هو وجع الأيام التي مضت من دونه؟؟ "
همس أبو صالح بخفوت: حسيتي فيه هنا؟؟ حسيتي إنه صار قريب؟؟
أم صالح باستغراب: من هو؟؟
أبو صالح كأنه يحادث نفسه: عبدالله
أم صالح تراجعت بعنف جازع حاد وهي تهمس باختناق: أي عبدالله؟؟ خالد بسم الله عليك أنت وش تهوجس فيه؟؟
همس لها بذات الطريقة التي كأنه يحادث نفسه فيها: ما أردش تشوفينه.. هذا ولدش.. لكن أنا ما أبي أشوفه.. ما أبي أشوفه...
أم صالح بدأت ترتعش وهي تحاول الإمساك بكتفها الأيسر حيث شعرت بألم بشع يتصاعد وكلماتها تتبعثر: من ولدي هذا؟؟ أي ولد؟؟
أبو صالح لم يكن ينظر ناحينها.. كان ينظر أمامه ويحادث نفسه.. يحادث نفسه فقط : عبدالله ياصافية
عبدالله اللي رجع من الموت.. أربع سنين يلعب علي..
أربع سنين وأنا أموت في كل يوم ألف مرة.. أتحسر عليه ألف مرة..
أسبه ألف مرة.. وأبكي عليه ألف مرة..
وعقب ذا كله يطلع حي.. حي..
أربع سنين وأنا أشرب الحسرة.. حسرة ورا حسرة وأنا أدعي له بالمغفرة
حجيت له مرة.. واعتمرت له مرتين.. وبنيت له مسجد وحفرت له بيرين.. وكفلت خمس أيتام باسمه
وأنا ما أمسي الليل.. وأنا يتخايل لي ربي يعذبه.. فأقوم متروع من نومي أصلي وأدعي له وأدعي له
أسمعش تدعين ويكون ودي أقول كثري له الدعا..
وعقب ذا كله يا صافية يطلع حي ويلعب علي.. أربع سنين ناسينا والحين رجع..
أم صالح حينها أمسكت بذراع أبي صالح بقوة ليلتفت لها بصدمة وهو يستوعب صدمتها الكاسحة وهو يسمع صوتها يتحشرج..
لم يعلم حتى أنه كان يتكلم بصوت مسموع.. كان يحادث نفسه من خلالها
كانت أم صالح تنتفض بعنف..أطرافها ترتعش.. وعيناها تتقلبان..
حاول أن يسندها..وهو يصرخ بجزع: صافية وش فيش؟؟ وش فيش؟؟ لا حول ولا قوة إلا بالله أنا وش سويت؟؟
فإذا بها تسقط بين ذراعيه وارتعاشها يتزايد.. ويتزايد.. وصوتها يتحشرج بشدة..

يتبع ,,,

👇👇👇


تعليقات